 شهادات ومذكرات

الحشاشونَ في الإسلام.. أولُ نظامٍ للإغتيال السياسي

عبد الصمد البلغيثيدخلت كلمة حشاشون إلى أغلب اللغات الأوربية الحديثة وأصبحت تنطق assasin  أو ashishin، وبالعودة للقواميس الأوربية نجدها تعني القاتلُ المأجورُ أو المحترفُ، لكن قليلون يعرفون أنها كلمة عربية الأصل أُطلقت على طائفة دينية إسلامية ظهرت في القرن الخامس الهجري. فمن هي هذه الفرقةُ الدينية؟ وبماذا تميزة تعاليمها؟ ولماذا أُطلق عليهم لقبُ الحشاشون؟ وكيف إنتقل هذا الإسمُ إلى اللغات الأوربية وأصبح يدلُ على نظام الإغتيالات؟

- لماذا لقبوا بالحشاشين:

تعني كلمة حشيش في العربية العشب أو الكلأ، وتستخدم الكلة أيضا للدلالة على القنب الهندي وهو مخدر عرفه المسلمون واستخدموه خلال العصور الوسطى، وقد أُطلقة هذه الكلمة في القرن الخامس الهجري للدلالة على فرقة إسلامية تسمى الشيعة الإسماعلية النزارية، تميز أفرادها بالولاء التام والأعمى لإمام الجماعة، واستخدامهم لأسلوب القتل عن طريق الإغتيال لأهداف دينية وسياسية، وبسبب الرعب الذي كانت يتركه أسلوبها في القتل الذي يوصف بالإتقان والإحترافية، إعتقد خصومهم أنهم يتناولون مخدر الحشيشِ قبل تنفيذ الإغتيال حتى لا يقع في نفس الفدائي خوفٌ أو رعبٌ، لكن هناك رواية أخرى تقول أن مصدر التسمية كان بعد حصار دولة السلاجقة لزعيم الجماعة وأتباعه في قلعة محصنة لسنوات صمدوا فيها بسبب تناولهم للعشب وحشائش الأرض بعد نفاذ مخزون الأغذية وطول الحصار، وقد أعتبر البعض أن هذا التفسير هو الأقرب للتصديق.

- الإنشقاق الأول:

تعتبر الحرب الأهلية التي وقعت بين المسلمين بعد إغتيال الخليفة التالث عثمان ابن عفان، أول إنقسام خطير سيشق المسلمين فريقين، فريق من الصحابة يدعوا للإقتصاص من القتلة يتزعمهم معاوية ابن أبي سفيان، وفريق يشايع علي ابن أبي طالب خليفة للمسلمين أُطلق عليهم لقب شيعة علي، وبعد أن بايع بعض المسلمين عليا للخلافة، رفض البعض بذلك وأعلنوا الحرب عليه، في هذه اللحظة سيظهر جرح أخر وهو إغتيال الإمام علي بن أبي طالب، لتتكر المأسات أيضا في إغتيال الإمامين الحسن والحسين أبناؤه من فاطمة الزهراء بنت النبي محمد، من هنا سينقم الزمن الديني والسياسي في الإسلام إلى عالم سني تزعمه الأمويون والعباسيون فيما بعد، وعالم شيعي تزعمه الأئمة من أحفاد البيت النبوي من نسل فاطمة، وبالضبط في زمن الإمام جعفر الصادق وهو أحد أحفاد البيت النبوي، وهو إبن الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام على بن أبي طالب أو أئمة الشيعة.

المهم أن الإمامة ستنقسم بعد وفاة جعفر الصادق بين من جعلها في ابنه موسى الكاظم ويعرفون الان بالشيعة الإثنى عشرية، ومنهم من رفض ذلك وجعلها في حفيده محمد ابن إسماعيل وقد أطلق عليهم الإسماعليون، وهؤلاء ستظهر منهم طائفة الحشاشون فيها بعد.

- بداية الحشاشين:

ذكرنا فيها سبق السياق التاريخي لظهور الحشاشين وعلاقتهم المباشرة بالإسماعلية، التي ستشكل مذهبا شيعيا قويا إستطاع تأسيس دولة كبيرة في تونس ومصر، وقد سمية بالدولة الفاطمية نسبة لفاطمة وتيمنا بها، ثم إنقسم الإسماعليون بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله بين من أعلن إمامة إبنه المستعلي وبين من بايع إبنه نزار ولقبوا بالنزارية وهي الفرقة التي ينسب لها الحشاشون، هذه الفرقة التي تزعمها داعية إسمه حسن الصباح عرف بتقواه الديني ودفاعه عن المذهب الإسماعيلي، وقد فر من الدولة الفاطمية في مصر وهاجر نحو بلاد فارس وهي إيران حاليا، حيث أقام يدعو للمذهب الإسماعيلي وإمامة نزار.

لقد تميزت حركة حسن الصباح بالسرية والعمل المنظم نظرا للخطر الذي كان يواجه دعوته من دولة السلاجقة في إيران والخلافة العباسية، الأمر الذي فرض عليه العمل السري ووقد إختار التحرك في المناطق التي لم تكن سلطة السلاجقة تصلها كالجبال والوديان والقرى البعيدة وتجنب المدن والحواضر، وككل حركة سرية يصعب عليها مواجهة الدولة بشكل مباشر بسبب غياب التكافئ العسكري، توجه حسن الصباح لطريقة جديدة في المواجهة وهي نظام الإغتيالات.

- نظام الإغتيالات:

تأتي شهرة الحشاشين في التاريخ الإسلامي من نظام الإغتيلات السياسية الذي إستخدموه في مواجهة خصومهم, وقد حقق هذا الشكل من القتال إنتصارا للجماعة على خصومها من السلاجقة والخلفاء العباسيين، وتحكي كتب التاريخ أن حسن الصباح كان يدرب نخبة من أتباعه على إغتيال القادة من العسكريين والسياسيين وبعض رجال الدين والقضاة، وكان التدريب يقضي بأن ينال الفدائي الإسماعيلي من هدفه بضربة خنجر قاتلة وبعدها يموت في شبه عملية إنتحارية اليوم، وما زاد من خطر ذلك انه كان يستهدف فقط الشخصيات الكبيرة والتي لها نفوذ بالدولة، وهو ما جعل السلاجقة والعباسيون ينهزمون في مواجهة حرب غير تقليدية تقوم على الإغتيال والتحصن بالقلاع والجبال. ولم يسلم من حركة الإغتيالات هذه الجنود الاوربيون الذين دخلوا في الحروب الصليبية على منطقة فلسطين والشام، وهو ما جعل الخوف من الحشاشين ينتقل إلى أوربا وينشر الرعب بين قادتها، الأمر الذي سيدفع الكثير منهم إلى شراء ودهم عن طريق الهدايا والأموال تجنبا لخطرهم. وسيشتهرون في أوربا لدرجة سيدخل لقب حشاش للغاتهم يدل على القاتل المحترف. 

 

عبد الصمد البلغيتي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5013 المصادف: 2020-05-27 03:33:14