 شهادات ومذكرات

صُورة الإنسان في مُنْتَحَل إفريقيا الغربية المسلمة

عادل بن خليفة بالكحلةمن خلال أحْمَدُ  حَمْـﭙَتِه بَا

تمهيد:

أ‌- لماذا إفريقيا الغربية المسلمة؟

في سياق أزمة الحراك العربي الراهن ليس لنا سوى نموذجيات مفروضة علينا أن نتثاقف معها. وهي نموذجيات مستهْلَكة في العالَم العربي (مع تطوراتها) منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم تحيّنت في زمن «الاستقلالات»، ثم تحيّنت مرة أخرى مع سقوط المعسكر السوفياتي وهيمنة الإمبريالية الأمريكية المطلقة على العالَم.

وذلك التثاقف لا يخرج عن النموذجيات الفرنسية والأمريكية (والغربية عموما)، عِلاوة على نموذجيات مَشرقية أثبتت ضعفها وقصورها حتى في مَواطنها الأصلية نفسها.

فنحن عاجزون عن التثاقف مع العالَم الإسلامي الواسع، ومع أمريكا الجنوبية، وأوروبّا الشمالية، لا بحكم قصور قاعدتنا التعارفية اللغوية فحسب، بل بحكم عوائقنا النفسية التي تمنعنا من التثاقف إلا مع الغالب الغربي.

أما إفريقيا الغربية المسلمة، فنحن نحمل عنها إسقاطات بأنها «أدنى منّا ثقافيا وحضاريّا»، وأن «نزعتها التصوفية دون رُشد نزعتنا الفقهية» أو«دون رُشد نزعتنا الإخوانية».

وسأقدم هنا، ما يفيد العكس. فنحن في حاجة إلى إفريقيا الغربية لأنها ظهيرنا التاريخي، ولم يكن لينجح الاحتلال الفرنسي لنا عام 1881 لولا إحداثه القطيعة التدريجية بيننا وبينها، ولأنها مجالنا «الاقتصادي» الحيوي. ومِنْ ناحية أخرى، سنكتشف أنها ذات حكمة كونية-تصوفية عظيمة، نحن في حاجة إلى التثاقف معها لمعالجة بعض أزمة تفكيرنا الديني وإسلامنا السياسي.

ب‌- التعريف بأَحْمَدُحَمْـﭙَتِهبَا:

وُلِدَ أَحْمَدحَمْـﭙَتِهِبَا في بَنْدِيَاغَرَا، مدينة الحكماء، جنوب مالي، عام 1900. وتوفي في أبيدجان (ساحل العاج) عام 1991. إنه حَوَارِيُّ الحكيم، التّصوُّفيِّ، التِّجانيِّ، تِيَارْنُو بُوكار.

إنه إثنولوجي، ومؤرخ ثقافي، مِنْ أكبر المختصين في «الثقافات» الإفريقية. كرّس حياته لإنقاذ السُّنّة الشفوية لإفريقيا الغربية، وخاصة الفُلاَنية والبَمْبَاريّة، وأحْسَن تمثيلَ بلاده في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة. له: خصائص الحضارة الإفريقية، وحياة تيارْنو بوكار وتعاليمه: حكيم بَنْدِيَاغَرَا، وحكايات حكماء إفريقيا، وغيرها...

1- ما «الشخص» في السُّنن الفُلانيّة والبمبارية:

الفُلاَنِيّون والبَمْبَاريون هم مِنْ أهم شعوب إفريقيا الغربية سَوادًا وإبداعيةً رمزيةً وماديّة.

تعبيران في النّقُول2 الفلانية والبمبارية تعنيان «الشخص». إنهما «نِدُّو» و«نِدَّاكُو» لدى الفلانيين؛ و«ما» و«مايَا» (بالتفخيم في الكلمتين) لدى البَمْبَارة. و«ما» تعني «الشخص»، أما الثانية فتعني «أشخاص الشخص»3.

فهناك أوّلا «ما»، الشخص/الوِعاء، ثم هناك «مايا»، أي مختلف وُجوه الـ«ما»، المحتواة في الـ«ما»/الوِعاء. يقول البَمْبَارةُ: «ما كا مايا، كا سَا آ يِيرِي كُونُو» («أشخاص الشخص متعددون في الشخص»). والأمر نفسه لدى الفُلاَنيين.

فمقولة «الشخص»، بدايةً، في السُّنَّتَيْنِ، معقدة جدّا. إنها تعني تعددية داخلية، أي «أبعادوجودٍمشتركة المركز أو متراكبة (فيزيقية، نفسية وروحية، ذات مستويات مختلفة، وذات أران4 مستمر»5.

هذا الوجود مسبوق بِمَا قَبْلَ وُجودٍ كَوْنيٍّ، حيث الإنسان مُطَالَببأن يُقيم في «مملكة الحب والتناغم، المدعوة: بَنْكي-صُو»6.

2- مكانة «الشخص الإنساني»:

لا يُعتبر الشخص الإنساني في أي لحظة مِن حياته، حسب النُّقول الفُلانية والبَمْبَارِيّة وَحْدَةًمتصلبة أُحاديَّ التكوين، محدودًا بهيئته الفيزيقية، ولكنه يُعْتَبرُ «كائنا معقدا، مسكونًا بتعددية في حركة دائمة»7، فهو ليس كائنا سكونيًّا أو مُنتهِيًا.

فالشخص الإنساني في هذين السُّنَّتَيْنِ«مِثل الحبة النباتية»، قابلٌ للتطور، انطلاقا مِن رأسِ مالٍ أوَّليٍّ، هو «كَونُهُ الخاص»2، وعليه سينمو مِن المرحلة الناشئة مِن حياته، في تطارُد بالميدان والظروفالملاقاة. والقوى المُحرَّرة مِن هذا الكُمُون في حركة دائمة، كحال الكون نفسه.

ذلك ما له علاقةٌ بحادثة خلق الإنسان. جاء في النَّقْلُ البَمْبَارِيُّ أنَّ «مَا- نـﮕَالاَ» (أو الرب السيد) خلق 20 كائنا بدايةً، وكان يَعلَم أنّها جميعا لم تكن قادرة على أن تصبح «كُومانِيُون» لَهُ، آي كَلِيمًا له، فوصيًّا وخليفة على كل تلك المخلوقات العشرين. لقد مَزج الجميع ليَخْلق الكائن الواحد والعشرين، الخلاسي،الأكمل، وسماه الـ«ما»، أي بالإسم الأوَّل مِنْ اِسمه المطلق.

ولكي يجْعل «مَا- نـﮕَالاَ»«ما» كُلاًّ في واحد جعل له جسمًا خاصا، عموديا ومتناظرا، وقادرًا على احتواء عَيِّنة من كل الكائنات الموجودة في الوقت نفسه. هذا الجسم، المدعوّ «فَارِي»(بتضخيم الفاء) يُرَمِّزُ إلى حَرَم، حيث كل الكائنات تتواجد في دوران محوري ولذلك اعتبر النقلُ الفُلانِيُّ والبمبارِيُّ جسمَ الإنسانِ العالَمَ مصغَّرًا: «مَا يِه دِنْيِه مَرَنِينْ دِي يِه» («الإنسان هو العالم مصغرا»)8.

الرأس هو الطابق الأعلى للإنسان، له سبعُ فتحات كبرى. كل واحدة منها بابٌ لحالةٍ مِن العالَم، ولها حراسة خاصة من «الرب السيد». وكل فتحة، هي مَدْخل إلى باب داخلي يُؤدّي إلى المطلق. أما الوجه فهو «الواجهة الرئيسَةُ لمسكن أشخاصِ الــمَا العميقيين، وهناك علامات خارجية تَسمح بحَلّ خصائص هذه الأشخاص»9. يقول المثل: «أرني وَجْهك، أقُلْ لك كيف هي أشخاصك الداخلية». فكل شخص داخلي يُطابِق عالَمًا يَجري حَوْل مِحْوَرٍ.

إنّ نفسيّة الإنسان، بهذا الاعتبار، بناءٌ معقدٌ. ولذلك يقول المَثل الماليّ10: «لا تنتهي من البحث في المَا».

وهذا التعقيد، يعود أوّلاً، إلى أنَّ اسمٌ الـ«مَا- نـﮕَالاَ»، اسم اختاره الله من اسمه المطلق، فمَنحَه روحًا إلهية، ذات قوةٍ عُلْوية. فلقد جَعَل«مَا- نـﮕَالاَ». مَزيجه مِنْ كُلِّ مخلوقاته حاملاً لكل القوى الكونية، العليا والسفلى. فعظمةُ «مَا» ومأساته تتأتيان مِنْ أنه «مكان التقاء القوى المتناقضة في الحركة الدائمة، وَوحْدَةٌ التطور الحسن التكامل على طريق السلوك يسمح له بالانتظام، على طول مَراحل حياته»11.

إن القوى المتعددة والمتنوعة التي تتحرك في الكون الخفي لـ«مَا» تكوِّنُ أحوالَهُ، أو أشخاصُهُ النفسية، الصادرة مِنْ رُوح «مَا»نَفسِه. والروح هي «مَبدأ غير مادّيّ وغير قابل للموت»12، وهي ليس كَائنا وهميّا، بل هي كائن واقعي؛بل هو الذي يُوجِد الخيالَ، ذلك المَلَكة التي تَجعل «مَا»«قادرًا على الرؤية، وعلى الدخول في ارتباط مع الأرواح والكائنات الساكنة خَارِجَهُ، أو خارج العَالَم المرئي»13. فيمتلك مَلَكَةَ الحُكمِ والتقديرِ.

3- واجبات الشخص الإنساني:

بذلك لن يكون «الشخص» كائنا منغلقا على نفسه، بل هو مفتوح على كثير من الاتجاهات، وعلى كثير من الأبعاد، داخلية وخارجية.

إن حالات الإنسان هي العَوَالم في السلوك بينه وبين خالقه. وهي مترابطة في ما بينها، عبْر الإنسان، وهي علاقة بالعوالم الخارجية.

قبل كل شيء يترابط «الشخص» مع نظرائه مِن «الأشخاص». فلا يمكن أنْ نجده في النَّقْلَيْن: الفُلاَني والبَمْبَاري، منعزلا. فالجماعة الإنسانية في تبعية متبادَلة، وفي وِحْدَةِ حياةٍ.

وعليه، يجب أن تكون علاقة الشخص الإنسانيّ بالعالَم الطبيعي (معادِنَ ونباتاتٍ وحيواناتٍ)، علاقةَ توازن، وكذلك علاقته بعالم الأشخاص الإنسانيين. وإن أي مَسَاس بقواعد السلوك مع العالَم الطبيعي سينقلب على الشخص الإنساني، وكذلك مساسه بقواعد السلوك مع معالم الأشخاص الإنسانيين.

إن الـ«مَا»، الحامل لكل مكوّنات العالَم الذي خلقه الله، «مُكَلَّفٌ بتدبير توازن العَالَم الخارجي، وكذلك الكون»14. فالمَساس بالتعددية الخارجية تؤدي إلى «الخواء»15،أي الفوضى والنهاية. كما أن الفعل الحسن أو السيّء للملوك والقادة الدينيين، «يؤثر في ازدهار التربة وانتظام الأمطار، وتوازن قوى الطبيعة»16.

وإذا لم يُحسن الإنسانُ تنظيمَ العوالم، والقوى والأشخاص التي فيه، كان الـ«ما-نِينْ»، أي نوعًا من، أو الإنسان العادي، غير المتحقق. فالنَّقل يقول: «مَا كَاكانْ كَاسِه إي يِيرِه لا نُوتِه آ بِه تُو مَا نِي يَا لا» («لا يستطيع المرء الخروج من حال الـ«ما-نِينْ»، للاندماج في حال الـ«ما»، إذا لم يَكُن سيّد نفسه».

إن النَّقْلَ الفُلاَنيَّ والبَمْبَاريّ يؤكد أن الشخص الإنساني بما هو تعددية داخلية، غير مكتملة في البداية، مَدْعُوٌّ للانتظام والتوحد، وللبحث عن مكانٍ في الوَحَدات الأكثر اتساعًا، التي هي: الجماعة الإنسانية ومُجْمَلُ الكون.

إنّ تَوْليفة الكون وملتقى قوى الحياة، هو الإنسان. وهو مَدْعو لأن يُصْبِح نُقطة توازن مِحْوَرِية في كل ما يجتمع فيه، وعَبْرَهُ. «ولذلك هو يستحق اسم الـ«ما»، كَليم «مَا- نـﮕَالاَ»، وأن يكون ضامنًا لتوازن الخَلْق كله»17.

4- في حكمة تِيارْنُو بُوكار:

تِيارْنُو بُوكار، المُعلم الأبرز لأَحْمَدُ حَمْـﭙَته با، الحكيم التصوفي، التِّجاري، الماليّ، الكبير، وُلد في بَنْدِياغَرَا، مدينة الحكماء، جنوب جمهورية مالي المعاصرة، سنة 1875، وتوفي بها سنة 1940. وقد لخَّصَهُ حواريُّه حَمْـﭙتِه با بقوله: «كان التجسّدَ نفسَهُ للحب والخير»18.

يرى تِيارْنُو بُوكار أن الكلام الإلهي ما إنْ يُصبح مكتوبًا، حتى يصبح نُقولاً يتعهدها الحكماء المربون بالتوضيح للمتلقين وتقريبهم منها. فهو في نظر حَواريّه كان يحمل «الحبَّلله أوَّلاً، إطلاقًا ودون تحفظ؛ والحبَّ لكل المخلوقات الحية، مِن الإنسان إلى المخلوقات الأكثر تواضعا بالطبيعة، حيواناتٍ ونباتاتٍ»19.

كان تِيارْنُو بُوكار «يحب كل الناس، دون اعتبار للعرق والدين والرتبة الاجتماعية. والتمييز الذي كان يراه الأكثر بَاطِليّةً هو تجميع الناس تحت الشعارات الدينية المختلفة التي تعتقد في بعضها البعض أعداءً»20. فقد كان التسامح هاجِسَهُ مع الطرق الصوفية المختلفة، بما هي مَدَارس تربوية لا تختلف في حب تعاليم الله ورسوله، والتسامح مع الحيويّين مِن سكان إفريقيا الغربية، ومع المسيحيين فيها(أوروبيين وشاميّين) رغم أنه مناضل شَرِس ضد الاستعمار ذي العلامتين المتناقضتين: العلمانيةوالتحالف مع الفاتيكان مِن أجل التنصير.

وقد كانت «السياحة»(بالاصطلاح الطَّرِيقي) مِن خصاله الدائمةَ، من أجل معرفة أحوال شعبه الإفريقي-الغربي (ما يسمّى استعماريًّا: مالي والسّينغال وساحل العاج أساسًا) وخاصة تلاميذَهُ.

ولقد كان يعتقد أن الإسلام لا يكون إلا بالتربية وإعادة التربية، من الطفولة إلى الشيخوخة. ولذلك كان تبنيه للتصوف، بما هو مدرسة التربية الإسلامية، أو «طريقة الجنيد السالك» كما جاء في المَتن الشعري لابن عاشر.

«الشريعة» عنده هي الالتزام القانوني-الخارجي للمسلم، و«التصوف» هو التربية التي يُشرف عليها شيخ عارِف بالدين بإجازةٍ من مربٍّ حكيم سابق عليه. وهو يقول: «الشريعة والتصوف (التعليم التلقيني) طابعان متنوّعان من الدين، ولكنهما يتكاملان، وينبغي أن لا يكون الواحد منهما دون الآخر»21. وهو يعرّف «الشريعة»تعريفًا هَدَفيّا: «الغرض الأساسي من الشريعة، هو مِنْصَرَامَتِها نَفْسِها، التّوقّي مِنْ انحرافيّة اللَّادين (...) إنما تضطرُّ المؤمنَ لتحسين سلوكه وتمنعه من السقوط في الأعماق السحيقة للحياة المتدهورة حيث لا تستطيع النمو أي ثقافة روحية. وبدون شريعة قوية، تتخارج العيوب الأخلاقية بسرعة، وتسهّل تشوّه الآداب»22. فتعريفه للشريعة ليس تعريفا قانونيا أو عِقابيا، وإنما هو تعريف أخلاقيّ.

يقارن تِيارْنُو بُوكار الشريعة بشبكة قنوات مياه، ويشبّه التصوف بالرِّيّ. فدوره يتمثل في «فتح الروح الإنسانية على معرفة الله، التي تُشبه الماء العذب»23.

يَصدُرُ التصوف عن مَنْبَعَيْن، في نظر تِيارْنُو بُوكار. أوّلُهُما وَحْيٌ من الله لمصطفًى مِن اختياره، أي لنبيّ يعلّم ويَدْعُو. وثانيهما «تجربة مؤمنٍ، لدى فَرد مُهَيَّإٍ للنور الإلهي، ذي حَدْسٍ مباشر، ثمرةَ ملاحظة تأملية طويلة، لممارسته الدينية»24.

تحت مَلْمحه الأول، نجد أنفسنا أمام الانبثاقالمباشر للمَنْبع، محتواة ومحفوظة في الكتب المقدسة. وتحت المَلمَح الثاني، يقارن تِيارْنُو بُوكار التصرف «بماء، يُجْرَى إلى الإنسان، بوسيلة السدود والقنوات»25.

لكنه يؤكد لتلميذ زاويته:«أيها الحواريّ! يا مَن أتيتَ إلى عتبة زاويتنا! لا تتصوّر أننا سنضع تحت تصرفك وسائلَ معجزةٍ لعلاج الأرواح. نحن نعرض لإخوتنا آياتٍ مقدّسة. طبِّقْ رُوحك للتالي:«﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا. إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ. فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ﴾(لقمان،33)». ويضيف: «كُنْ بين أيدي الله كطفل بين أيدي أمه. لا تبحثْ عن أمر سوى الرغبة في إرضائه!» 26. وهو يضيف: «يَا مَنْ أتيتَ إلينا، نحن لا نعتبرك تلميذًا، ولكنْ أخًا متعقِّلا.قبل أن تَدْخُل الزاوية، حيث نَبْحَث عن الحب والمعرفة،  تفكَّرْ جيّدًا في آية واستخلص أكثر من أنوارها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾(الروم،20)» 27.

لم يكن عَطْفَ تِيارْنُو بُوكار يشمل البشر فقط، بل مخلوقات الله الأخرى أيضا. يتذكر حَمْـﭙَتِه با، أنّ في أحد أيام عام 1933 كان يربّي كِبارَ تلاميذه سنّا: «كُنا تحت جاذبية الجمال. وفي الخارج، كانت الريح تنفخ، جاعلةً الرمل جاريا في الساحة ومُشَفِّرةً ريشَ الديك الواقف قرب يَدِ الهاوِن . هَبَّةُ رِيحٍ أكثرُ عنفًا تهزُّ المَسْقِفَ. وتحت الصدمة انْشَقَّ عش خطاف، كان في توازن في أعلى الحائط، تحت مُقَدَّمَة السقف. ألقينا عليه نظرةً غير مبالية (...). أكمل تِيارْنو جملته، ثم سكت. أرْسَلَ نظرةً حزينة على تلاميذه، ومدَّ أصابعه التي كانت طويلة ودقيقة، نحو العصفور الصغير:

- أُعْطُوني ابنَ الآخَرِ هذا!

طَوَاهُ في يديْه المتجمعتين في شكل كأْسٍ. ثم التمعتْ نظرته:

- الحمد لله الذي فَضْلُهُ العميمُ يَشمل كل الكائنات!

ثم قام، وهو يَنْقُلُ العصفور الصغير، وأخذ صندوقًا ووضعه أسفل العش ثم خرج، وعاد بعد قليل. ورأينا بين أصابعه إبرة كبيرة وخيط قطن. طلع فوق الصندوق، ووضع الخطاف الصغير في عمق العش الذي كان ممزَّقا، ثم أصلحَهُ بعناية. ثم نزل مرة أخرى، وأخذ مكانه على جَهير. كُنّا ننتظر، بفارغ الصبر باقي الدرس؛ ولكنْ عِوض استعادة المِسْبَحة الذي يستعملها قاعدةً لتفسيراته، تركها جانبًا. وبعد هُنَيْهة صمت، توجّهَ إلينا:

- من الضروري أن أكلمكم، مرة أخرى، عن الخير، لأنني مُغْتمٌّ لرؤية أنْ لا أحَدَ منكم له لُطْفُ قَلب حقيقيّ! لو كان لكم قَلب خيْرٍ، كان من المستحيل سماعكم درس عَن الله، لمَّا مخلوق صغير، بائس، يستصرخكم (...) نعم يا أصدقائي، في الحقيقة، مَنْ يتلقن عن ظهر قلب كل تعاليم العقائد، إذا لم يكنْ له مَحبّة في قلبه، يمكنه أو يعتبر المَعَارفَ زَادًا دون قيمة (...) دون المحبة، ليست الصلوات الخمس إلا حركات دون هامّيّة. دونها يُصبح الحج جولة غير نافعة.

لقد رسخ مشهد هذا اليوم إلى الأبد في ذاكرتي. ومازِلتُ أراهُ مكتنزًا في ردائه الأبيض، مُصْلحًا برقّةٍ مَسْكَن «ابن الآخَرِ» هذا (...). وعموما، كان يعلمنا عدم قَتلِ الحيوان دون ضرورة، حتى لو كان بعوضة بسيطة. ففي نظره ينبغي أن تكون الطبيعة كلها، حيواناتٍ ونباتاتٍ، لأنها لم تكن أُمّنَا المغذية فحسب، ولكنْ أيضا الكتاب الإلهي الكبير الذي كله كان رمزًا حيًّا ومَصْدَر تعليمٍ دينيّ»28.

كانت تعاليمه دائما، مع الكبار ومع الصغار، مع السالكين المتقدمين ومع السالكين المبتدئين، قائمة دائما على الحكاية (أحيانا الحيوانية، وأحيانًا البشرية الرمزية، وأحيانا مِن مَتْن الإرث الشعبي) وعلى المثل الشعبي والمباشَرة. وقد كان يُعَلِّمُ مستثمرًا أحداث الحياة اليومية، إذ أن سَرْدِيّتهُ البيداغوجية كانت في أكثر الأحيان من واقع الحياة الجارية. ولذلك، كان، كحُكماء بَنْدِيَاغَرا، قريبا جدًّا من قلوب شعبه، ومازال وهو في قبره. إنه ابن الحكمة الإفريقية-الغربية الإسلامية، الحاملة للتماهي بالعالَم الحيّ، واليقظة الحادة بالحياة واليومي، وذات الحدس المباشر المندهش بجمال الله.

إنه يرى أن واجب قادة الشعب، الدينيين والسياسيين، خطير جدًّا. إنه يقول لتلميذه حَمْـﭙته با: «يا صديقي! خطورةُ كل خطإ يقترفه قائد سياسي أو ديني متناسِبٌ مع مساحة بلاده. ونجاعته مضاعفةٌ بكثافة مَنْظوري قيادته أو تلاميذ زاويته (...). مرَّةً، كُنْتُ أسبَحُ في النهر. وفجأةً أحسستُ بأنني أغوص في سُوَاخ، وأن شحنة ماء ساحِقة تثقل عليّ (...) وتطلب منّي ذلك جُهدًا عظيمًا للصعود إلى السطح. ولمّا أصبحت خارج الماء، كان جُهدٌ عظيم آخرُ ضروريا لكيْ أجِدَ في الحياة الأخلاقية، المُنَظِر للضِّيقِ الغريبِ الذي عانيته. فكّرتُ، فرأيتُ تبعاتِ أخطائنا تُقاس بمستوى رتبتنا الاجتماعية، من جهة، وبموقعنا الشخصي لحظة الخطإ. مِنْ جهة أخرى، كلما كانت رتبتنا الاجتماعية أرفع وموفعنا أشرف، كلما كان سُوَاخُ سقوطنا أعمق واختناقنا الأخلاقي أو العموميّ أعنف»29.

خاتمة:

الحِكمَة الإفريقية الغربية-الإسلامية خليقَةٌ بأنْ تُوضَع ضمن أرفع الحِكْمات في العالَم، ومن الضروري أن نقرأها جيّدًا لنستعير منها ما هو مُناسبٌ لتطوير حكمتنا أو إنشائها.

هذه الحِكمة قائمة على رؤية كونية، تعيد الحب  بين الله والإنسان، وبين العَالَم (بمكوّناتِه الإنسانية وغير الإنسانية) والإنسان. وهي ذات نزعة تربوية متدرّجة مِن الطفولة إلى الشيخوخة، وترى ضرورة العيش بالشريعة والتربية التصوفية، داخل تراتبية تجعل الحكيم، شيخ التربية، ضامنًا «عِلْميًّا» لكل هذه التوازنات. ذلك الحكيم الذي يجب أن يعتبر التلميذَ صديقًا، والشعبَ مخدومَهُ، والمخلوقاتِ الأخرى «أبنَاءَ الآخرين».

نحن في حاجة إلى التعلم منها التماهي بالعالَم وحبّ مكوّناته واليقظة الحادة بالحياة واليوميّ. ومِن الغباء الحضاري، أنْ لا نتَعَلَّمَ مِنْ هذه الحِكْمةِ، ما فيهِ تقويمٌ لمُنْتَحَلنا المغربي، واستعاراتٌ لمشروعِ تقدُّمٍ وتجاوز للأزمة الاجتماعية والمعرفية و«الاقتصادية»...

وفي الحقيقة فاننا نجد انالوجيا بين هذه الحكمة وحكمة الحركة الإجتماعية لأبي مدين الغوث،  والتي انقرضت من سوء الحظ في السياق الثقافي الإفريقي-الشمالي...

وهُنا نَتساءلُ: ماذا يُمكن أن نستعير من الطريقة المُريديّة في بلاد مالي («إفريقيا الغربية باصطلاحنا المعاصر») المنحدرة من الحكمة الإسلامية الإفريقية-الغربية في النموذجية التضامنية والاقتصاد الاجتماعي والمدينة الآمنة؟

 

د. عادل بن خليفة بالكَحْلة

(أ. ت. ع، باحث انثروبولوجي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس)

......................

1-  تتميّز لغات إفريقيا الغربية بوقوفها على المتحرك، فمِن الخطإ إضافة الواو إلى «أحْمَدُ» الفُلانية أو البَمْبَرِيّة....

2 أنا مدين إلى الترجمان والمفكر محمد فخري القَرقِني في معرفة مقابل« Tracting » («نَقْل» في بعض السياقات، و«سُنَّة» في أخرى).

3Hampaté Bâ (Ahmadou), Aspects de la civilisation Africaine, Présence Africaine, Paris, 1972, P11.

4 أران: Dynamique, dynamic (N).

5 م. س، ص11.

6 م. س، ص12.

7 م. س، ص14.

8 م. س، ص14 أيضا.

9 م. س، ص15.

10 «مالي» هنا بالمعنى التاريخي- الحضاري للكلمة، أي: إفريقيا الغربية

11 م. س، ص15.

12  م. س، ص15 أيضا.

13  م. س، ص16.

14م. س، ص17.

15 كلمة « Chaos » ذات الأصل اليوناني («خَوُوس») تعود إلى أصل عربي- سِرياني: «خَوَا» (بإمالة الواو). ومِنه كان الاصطلاح الهولندي (الذي تَعَوْلَمَ): «غَاسْ» (=«غَاز» بما هو حالة خواء، غير متعينة. وهكذا أصبحت: «خواء»«غَاز» في الجهل الحضاري العربي المعاصر.

16 م. س، ص17.

17 م. س، ص17 أيضا.

18 Hampaté Bâ (Ahmadou), Vie et enseignement de Tierno Bokar, Le sage de Bandiagara, Points, Paris, 1980, P.129.

19 م. س، ص129.

20 م. س، ص129 أيضا.

21 م. س، ص130.

22 م. س، ص130.

23 م. س، ص131.

24 م. س، ص131 أيضا.

25 م. س، ص131 أيضا.

26 م. س، ص140 أيضا.

27 م. س، ص141.

28 م. س، ص161 و162.

29 م. س، ص179.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5018 المصادف: 2020-06-01 03:15:39