 شهادات ومذكرات

رشدى راشد: فيلسوف مصري في فرنسا (2)

محمود محمد علي"قراءة مسلمانية"

كان أساس المشروع الفكري للدكتور رشدي راشد هو: الفلسفة والرياضيات؛ حيث رأى أن دراسة تاريخ العلم عند العرب والمسلمين هو نقطة الانطلاق اللازمة نحو استعادة عصر الازدهار العلمي فى حضارتنا؛ وأن الرياضيات هي مركز العلوم وهى مفتاحها، علاوة علي أنه اعتمد في تحقيق مشروعه الفلسفي بشكل مركب على عدد من الأسس المنهجية تتضافر مع بعضها البعض لتشكل منهجيته في العمل. فإلى جانب اعتماده المنهج التحليلي المنطقي والرياضي والتاريخي للقضايا المجتمعية والتاريخية محل البحث، والذي يمثل جوهر فكره الفلسفي، يعتمد أيضا على منهج التحليل الاجتماعي للكشف عن البني والشروط الاجتماعية التي تؤدي إلى ظهور التقاليد العلمية والفلسفية. كما اعتمد في مشروعه الخاص على منهجية خاصة بتحليل النصوص ونقد المخطوطات.

كذلك اعتمد على النظرة التطورية للعلم وعلى التحليل الرياضي التخصصي الدقيق  للمجالات العلمية التي تتبع كيفية ظهورها تاريخيا، حيث يعتمد الدكتور راشد في تحليله التاريخي لنشأة وتطور التقاليد العلمية على منهج خاص هو البحث في تطور هذه التقاليد من داخل البحوث العلمية ذاتها، وتتبع بنياتها ونظامها حتى يتمكن من اكتشاف المعالم العلمية لهذه التقاليد. يظهر ذلك من استعراضه التالي لمعالجته للتقاليد العلمية لترييض الجبر.

ويمكننا إيجاز بعضٍ ممّا استخلصته أحمد المسلماني من فكر الفيلسوف المصرى، مؤكدًا أن قراءة المشروع الفكرى للدكتور رشدى راشد هى بذاتها مشروعٌ، يجب أن تنهض عليه مؤسسات تاريخ العلم فى العالم العربى، وذلك علي النحو التالي:

أولًا.. الرياضيّات هى مفتاح كل العلوم. يرى الدكتور رشدى راشد أن الرياضيات هى مركز العلوم وهى مفتاحها. والرياضيات والفلسفة يمكن أن يكونا وجهين لعملة واحدة. وحسب الدكتور محمد زهران عضو هيئة التدريس فى جامعة نيويورك.. فإنَّ منهج الدكتور راشد لطالما تضمن شرح المخطوطات.. تاريخيًّا ثم رياضيًّا ثم فلسفيًّا.

ثانيًا.. الحضارة العربية لم تكن فقط الفقه والشعر. يرى الدكتور راشد.. أن الحضارة العربية كانت تزخر بالعلم والتكنولوجيا.. كانت هناك مختبرات ومراصد ومستشفيات. وكان العلم أساسيًّا فى انطلاق الحضارة.

ثالثًا.. اللغة العربية يمكن أن تكون لغة العلم. يرى الدكتور رشدى راشد أن اللغة العربية كانت لغة العلم ابتداءً من القرن التاسع. كان للعلم لغة هى اللغة العربية التى صارت لغةً كونيّة.. لغةً لكل المعارف. ومن المناسب أن تكون اللغة العربية لغة العلم فى العالم العربى. إن اليابانيين يدرسون باليابانية، ويدرس الصينيون العلم بالصينية، كما يدرس الألمان بالألمانية.. وفى روسيا يدرسون باللغة الروسية.

رابعًا.. ليس كل الاستبداد عدوًّا للعلم. يرى الدكتور رشدى راشد أن هناك أنواعًا من الاستبداد. هناك استبداد يمتلك مشروعًا حضاريًّا.. ويعمل على إحداث نهضة علمية كبرى.. مثل الاتحاد السوفيتى. كان السوفييت قادةً فى العلم، وكانت عندهم أكبر مدرسة من مدارس الرياضيات. إن الاتحاد السوفيتى ليس مجرد نظام ديكتاتورى. هذا اختزال للتجربة.. لقد انتصر فى الحرب العالمية الثانية، وأنتج القنبلة الذريّة، وصعد إلى الفضاء.

خامسًا.. الحداثة لها جذور وأصول. يرى الدكتور رشدى راشد أن الحداثة لا تدمر الماضى.. بل تأخذ الماضى الجيّد وتعمل على تطويره. أىْ الأخذ من الحداثة الماضية إلى الحداثة المعاصرة.. فلكلِّ زمانٍ حداثته.

سادسًا.. حتى ابن تيميّة لم يهاجم العلم. يرى الدكتور رشدى راشد أن ابن تيمية لم يهاجم العلم.. ولم يمسّ أبدًا العلوم الطبيعية.. ولم يوجِّه أى نقدٍ للعلماء. كان النقد للفلاسفة.. وكان جوهر المعركة قول الفلاسفة بقِدِمِ العالم. كان ابن تيمية عميقًا من الناحية الفلسفية.. لكن للأسف لم يبقْ منه إلّا البدع والخرافات.. والقتال.

سابعًا.. الترجمة فى الحضارة العربية لم تكن للمباهاة. يؤكد الدكتور رشدى راشد على أن الترجمة فى القرون الأربعة الذهبية لم تكن لملء خزائن الخلفاء، والاستعراض بالمكتبات فى قصورهم.. بل كانت لحاجةٍ بحثيّة وعلميّة حقيقيّة.

ثامنًا.. الإسلام السياسى هو مشروع بلا مشروع. يرى الدكتور راشد أن الإسلام السياسى لا يمتلك مشروعًا. ليس هناك مشروعًا إسلاميًا.. بل هناك عدّة مشاريع.. هناك المشروع الإخوانى، وهناك المشروع السلفى، وهناك المشروع الإيرانى.. ومشروعات أخرى. السائد فى كل المشاريع هو الشعارات العامة.. الذين يقولون إن الإسلام هو الحل يقدمون شعارًا.. لا منهجًا.. عبارات جيدة لحشد الناخبين فى سباق السلطة باسم الدين.. لكنها ليست رؤية جادّة لنهضة العالم الإسلامى. الحضارة الإسلامية بنيت على العقل.. وليس الخداع أو التباهى والتفاخر.

تاسعًا.. لا يمكن رؤية العرب الآن. يقول الدكتور رشدى راشد: أنا فى فرنسا بعيد عن المنطقة ولا أراها.. ولكن حين أذهب أيضًا هناك.. لا أراها أيضًا!

عاشرًا.. هزيمة 1967.. حضارية لا سياسية. يرى الدكتور راشد أن هزيمة 5 يونيو كانت هزيمة حضارية أكثر منها سياسية. ولما فكَّرت على هذا النحو.. اخترتُ طريق العلوم لأنَّ العلوم أساس الحضارة. بعد (60) عامًا فى فرنسا.. الآن شعورى بالهزيمة الحضارية قد ازداد عن ذى قبل. لقد تصورتُ أنه بعد الهزيمة ستأتى نهضة حضارية.. لكن ذلك لم يحدث. لقد رجعنا إلى الوراء بدلًا من التقدم للأمام.

حادى عشر.. الخطأ الذى ارتكبه محمد على باشا. اهتم محمد على باشا فى مشروع النهضة المصرى بالتعليم. كان يريد التعليم من أجل الصناعة والجيش. تأسست مدرسة الطب والمهندسخانة على أساس تطبيقى. ولم تنشأ أكاديمية لتطوير العلم نفسه. وعندما احتل الإنجليز مصر ألغوا التعليم العالى.. ماعدا دار المعلمين العليا التى لم ينتبهوا لها.. وهى التى ظهر منها فيما بعد الدكتور مصطفى مشرفة.

ثانى عشر.. ابن الهيثم ونيوتن وأينشتاين هم الثلاثة الكبار. يرى الدكتور راشد أن الحسن ابن الهيثم هو أبرز العلماء الكبار الذين أسَّسوا العلم الحديث.. وأنَّه ثم إسحق نيوتن ثم ألبرت أينشتاين هم أبرز ثلاثة فى تاريخ العلم.

ثالث عشر.. قبل الخوارزمى لا يوجد علم الجبْر. يرى الدكتور راشد أن الخوارزمى هو مؤسس علم الجبر، وأنَّه قبل الخوارزمى لا علم جبْر. وقد ظهر بعد ذلك عالم الجبْر المصرى «أبوكامل» فى عهد ابن طولون.. وفى القرن الخامس تمت ترجمة أعماله إلى اللاتينية والعبرية. وكان «أبوكامل» وراء تطور الجبْر فى إيطاليا.. وقد قام الدكتور راشد بتحقيق أعماله ونشرها فى ألمانيا.. وكان تحقيقه لأعمال «أبوكامل المصرى» هو الأول للعالم الكبير. وللأسف فإنَّه لا يوجد شارع يحمل اسمه فى الفسطاط أو القاهرة.

رابع عشر.. نصف مشروع ديكارت قام به عمر الخيام. يرى الدكتور رشدى راشد.. أن «عمر الخيّام» هو أول من عمل فى «الهندسة الجبريّة».. وأول من صاغ نظرية فى «معادلات الدرجة الثالثة» وقام بحلِّها عن طريق الهندسة الجبريّة.

خامس عشر.. تطور علم الرياضيات بعد ابتكار الرموز. يرى الدكتور راشد أن علم الرياضيات قد شهد تطورًا كبيرًا فى القرن الثانى عشر.. حيث جرى ابتكار «الرموز». كان الأمر يحتاج إلى عشرات الصفحات لحلِّ معادلة واحدة. لذَا كان ابتكار الرموز عملًا عظيمًا فى تطور علم الرياضيات.

سادس عشر.. العالِم لا يجب أن يكون منافقًا أو متمردًا. يرى الدكتور راشد أن العالم يجب أن ينجز فى علمه.. ولا يجب أن يكون منافقًا أو مشاغِبًا.. يجب أنْ يكون مشروعه هو العلم.

سابع عشر.. العرب يشترون التكنولوجيا ولا يطورون العلم. يأخذ الدكتور راشد على العرب أنهم يشترون نتائج العلم ولا يساهمون فى حركة العلم.. حيث يجرى التركيز على التكنولوجيا أكثر من البحث.. تهتم المؤسسات العلمية فى العالم العربى بالتطبيق وليس العلوم الأساسية.. لذلك فإن العلماء العرب يسافرون ولا يعودون. أمّا علماء الصين مثلًا فإنّهم يعودون.. لأن هناك نهضة علمية فى الصين.. هناك مشروع كبير لإقامة «علم صينى».. ومعرفة صينية.

ثامن عشر.. الدين ليس سببًا فى تأخُّر العرب. يقول الدكتور رشدى راشد إنَّهُ لا يمكن تحميل الدين مسؤولية التدهور.. ذلك أنه كان دافعًا أساسيًّا وقت الازدهار والانطلاق. وكانت حرية الفكر موجودة ومكفولة. إن الدين لم يتغير، ولكن استخدام الدين هو الذى تغيّر.

تاسع عشر.. لم يكن عبدالناصر اشتراكيًّا ولا السادات رأسماليًّا. يرى الدكتور رشدى راشد أن عصر عبدالناصر تبنّى الاشتراكية لكنها لم تكن اشتراكية، وأن عصر السادات تبنّى الرأسمالية لكنها أيضًا لم تكن رأسمالية.. ما جرى كان انفتاحًا وخصخصة لا رأسمالية. إن الصين بدأت اشتراكية وانتهت رأسمالية.. يقول الدكتور راشد: «قال لى أستاذ صينى.. عندنا «رأسمالية حمراء».

عشرون.. لا يمكن فصل العلم عن السياسة، ولا العلم عن المجتمع. يرى الدكتور راشد أنَّ إنشاء الجامعات الأجنبية هى خرافة سائدة فى مصر.. وأن مصر تحتاج إلى «توطين العلوم».. أىْ الانتقال من استيراد التكنولوجيا إلى المشاركة فى إنتاج العلم.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور رشدي راشد بأبعاده الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لفيلسوف مصري مبدع في فرنسا، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الوطن الغالي مصر، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمته من جهود.

تحيةً مني لرشدي راشد التي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

المراجع

1- أحمد المسلماني: هذا الفيلسوف من مصر (مجموعة مقالات)، بجريدة المصري .

2- المشاء - رشدي راشد (يوتيوب).

3-بلا حدود - رشدي راشد (يوتيوب).

4-2- موقع فلاسفة العرب: الدكتور رشدي راشد   أنظر الرابط: 

http://www.arabphilosophers.com/Arabic/aphilosophers/acontemporary/acontemporary-names/Rushdi_Rashed/A_Rashed/Arabic_Rushdi_Rashed.htm

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5062 المصادف: 2020-07-15 04:06:41