 شهادات ومذكرات

حكومة المديرين بين العظمة والدمار!

يسري عبد الغنيكان ذلك في عام 1798 م، حيث كانت الثورة الفرنسية تسير في طريقها، وفي غضون سنوات قلائل، كان ثمة ما ينم عن أنه ستقوم دكتاتورية غير عادية إلى حد بعيد، وكانت حكومة المديرين، التي تضم جماعة من الرجال الرسميين غير الأكفاء الذين يكونون الحكومة الفرنسية، يضيق بها الشعب الفرنسي .

ولقد تلفتت كل الأعين لترمق نجمًا صاعدًا، قائدًا شابًا رائعًا سوف يضفي اسمه ذات يوم العظمة والدمار على فرنسا، ذالكم هو نابليون بونابرت .

كان مولده في (كورسيكا) عام 1769 م، وكان ضئيل الجسم، طوله حوالي 165 سنتيمترًا، ولكن سرعان ما ظهرت قدرته على اكتساح الرفاق، وعلى إلهام التابعين، وإثارة حمية المرؤوسين، ولقد أصبح جنرالاً بعد سلسلة من الترقيات السريعة، لكن المركز العسكري المتفوق لم يكن بأية حال يعادل ما لديه من طموح، لأنه وقبل كل شيء كانت لديه ثقة بنفسه، وبقدرة تفوق حد الخيال، وقد جعلت شخصيته الأمة الفرنسية كلها تشاركه نفس الثقة .

وفي عام 1798 م، كان نابليون في الثامنة والعشرين من عمره، وبعد بعض الانتصارات الحربية الباهرة في إيطاليا، دخل مع جيشه باريس العاصمة الفرنسية دخول المنتصرين، ولم يكن الترحيب الطبيعي التلقائي الذي لاقاه الغازي الشاب يتعارض كثيرًا مع اللامبالاة وعدم الاكتراث اللذين كانا يبديهما الشعب الفرنسي لحكومته، وكان لا بد أن يكون لذلك أثره على حكومة المديرين، وعلى نابليون .

كانت فتوحات نابليون آنئذ في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي إيطاليا، وفي النمسا، أما عدو فرنسا اللدود فكانت إنجلترا، ولقد آمن نابليون بأنه يستطيع سحق إنجلترا ببناء فرنسا كقوة بحرية، وبدا أن مصر توفر الموقع المثالي الذي يمكن منه أن يتحدى الجنرال / نابليون الإنجليز، الذين كانوا

لكن نابليون لم يقد جيشه خلال أرض مصر الخصيبة بسبب الإستراتيجية وحدها، بل إن هناك سببين آخرين : أحدهما أن فكرة الامتداد الشرقي لفرنسا كانت قد استبدت به، ولقد أثار خياله حلم الإمبراطورية التي تمتد من البندقية الإيطالية إلى الهند، وبلاد الفراعنة والأهرام على طول ضفاف النيل .

أما السبب الآخر فلم يكن يعود إليه، ولكن إلى الحكومة الفرنسية، فلقد تنبهت حكومة المديرين إلى خطورة الشعبية التي اكتسبها نابليون، وأحست بأن خطره عليهم سيقل في مصر عما إذا كان في فرنسا، وهكذا غادر نابليون فرنسا انطلاقًا من ميناء طولون الفرنسي لاحتلال مصر، فسطر صحيفة جديدة في تاريخ كل من البلدين .

اتخذ نابليون استعداداته بالعناية والطاقة القديرة التي ميزته طوال حياته، فلقد كان يتحكم ويشرف على الإجراءات التنفيذية في تنظيم الأسلحة، والذخيرة، والمؤن، والسفن، والجنود، والمال، كما أنه كان يسيطر على الجهاز الحربي الذي أرسل آنذاك الجيش من إيطاليا ليدخل باريس، ثم يرحل إلى ميناء جنوا الإيطالي وميناء طولون الفرنسي .

لكن ذلك كان أكثر من مجرد مغامرة حربية، فلقد قدر لها أن تكون حملة تاريخية وعلمية عظيمة، لذلك دعا نابليون العلماء، والأثريين، والمتخصصين في الدراسات المصرية، والمؤرخين لينضموا إلى أسطوله، وما أن حان شهر مايو عام 1798 م، حتى كان كل شيء على أهبة الاستعداد، فأقلعت 300 سفينة شحن تحرسها 13 سفينة حربية إلى مصر، وعليها 45 ألف جندي .

وبسبب سرعة هذه الاستعدادات، لم تفطن للأمر أجهزة الاستخبارات الإنجليزية، ولقد احتفظ بهدف الأسطول سرًا، وما كانت إنجلترا تتوقع الهجوم إلا عليها هي، وعلى مستعمراتها في البحر المتوسط مثل جبل طارق، وهكذا عبر الفرنسيون البحر الأبيض المتوسط دون أن يشاهدوا شراعًا لسفينة معادية، وفي التاسع من شهر يونيو، احتلت جزيرة مالطة بالكامل، وتركت بها حامية، وبحلول التاسع والعشرين من شهر يونيو، كان الجنرال نابليون في مصر .

أما الأعداء الذين قدر عليه أن يواجههم، فكانوا المماليك، كانوا جماعة من العسكريين من سلالة شعب محارب يعيشون في مصر منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ولقد كانوا الحكام الفعليين لمصر، بالرغم من أن مصر كانت تحت الحكم التركي اسميًا .

تم الاستيلاء على مدينة الإسكندرية، واحتلت بلا صعوبة، ولكن معركة دامية نشبت في القاهرة بين الفرنسيين وستة آلاف من المماليك، واحتدم نضال ضار طوال اليوم، تحت ظلال الأهرام العظيمة، ولما خرج نابليون منتصرًا على المماليك، ركز على الاحتلال الكامل للبلاد، وإعادة تنظيمها من كل الجوانب .

وفي لحظة الانتصار تلك وصلت أنباء مزعجة، فلقد تم تدمير الأسطول الفرنسي المنتظر عن طريق هجوم إنجليزي مفاجئ بقيادة الجنرال / نلسن (معركة أبي قير البحرية بالقرب من الإسكندرية)، ولم يعد في مقدور الجيش الفرنسي العودة إلى بلاده سالمًا حتى لو أراد ذلك .

لقد أحرز نابليون النصر على المماليك في كل مكان بمصر، ولكنه لم يكن أبدًا غازيًا قاسيًا، فلقد تظاهر باحترام ديانة المواطنين المصريين الذي كانوا يدينون بالإسلام، وحرم على جيشه شرب الخمر، أو القيام بتصرفات أو سلوكيات تتنافى مع أخلاقيات الإسلام، وشرع بنفسه في استنباط اللوائح والقوانين نحو حكومة أفضل .

لكن ذلك ما كان ليدوم، فالمرض كان ينخر في جيشه، وكانت الأخبار تصل من فرنسا بالهزائم المتوالية في إيطاليا، وهولندا، والنمسا، لذلك قرر نابليون العودة لبلاده، وترك الجنرال / كليبر قائدًا للجيش في مصر، والذي قتله الشاب السوري الذي كان يدرس في الأزهر / سليمان الحلبي، ولقد كانت مخاطرته بنفسه عظيمة، لكنه تجنب وقوعه في أسر الإنجليز، وعاد إلى فرنسا بطلاً .

ولا شك أنه ربما كانت الحملة الفرنسية على مصر والشام فاشلة من وجهات نظر عديدة، لكن نابليون عاد وقد ذاع صيته، وبلغ ذروة المجد، فهو لم يقهر بعد، ومن هنا نمت أسطورة بأنه الرجل الذي لا يقهر Invincible ، من اللفظ اللاتيني Vincere ، بمعنى يهزم .

والرجل الآخر الوحيد في التاريخ الحديث، رجل الأقدار الذي لا يقهر، كان (أدولف هتلر)، الزعيم الألماني النازي، وهذا يوحي بأن مثل هذه الأساطير خطيرة على الشعب الذي يخلقها، وعلى الرجل الذي يخلقون منه الأسطورة، ولكن هذا لا يمنع من دراسة هؤلاء الأفذاذ والتعلم منهم قدر الطاقة والإمكان .

إن أكثر النتائج أهمية لإنجازات نابليون بونابرت في مصر، هي أن البلاد جميعها قد تم رسم خرائط تفصيلية لها لأول مرة على يد الجغرافيين الفرنسيين، بالإضافة إلى ذلك، فقد تم الحصول على الكثير من المعلومات عن حضارة قدماء المصريين، فلقد اكتشف حجر رشيد الموجود الآن بالمتحف البريطاني، والذي قام الأسطول الإنجليزي بسرقته من إحدى السفن الفرنسية التي كانت بدورها قد استولت عليه بعد اكتشافه وفك طلاسمه، وكان ذلك في موقعة أبي قير البحرية، التي هزم فيها الأسطول الفرنسي شر هزيمة .

وحجر رشيد الذي فك طلاسمه العلامة الفرنسي / شامبليون، هو عبارة عن عمود من الجرانيت يحمل كتابة باللغات اليونانية، والقبطية، والهيروغليفية المصرية،ولقد ساعد هذا الحجر الباحثين في حل الكثير من الغموض لترجمة الرموز الغريبة، والإشارات المسماة بالهيروغليفية .

كما درس علماء الحياة أو البيولوجيون من علماء الحملة أنواع السمك في نهر النيل، ولأول مرة استقصيت وبحثت طريقة الحياة التي يحياها الشعب المصري بأكمله دراسة علمية، ولعل كتاب (وصف مصر)  ذلك السفر الضخم الذي وضعه علماء الحملة أكبر وثيقة دالة على الجهد الذي بذلوه في هذا الصدد .

ولقد ذاع في إنجلترا بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر، طراز جديد من الأثاث سمي (العودة من مصر)، كما زخرفت المقاعد، والمناضد، و دبابيس الزينة (البروشات)، والملابس، والمنسوجات بتصميمات منقولة من الطرز المصرية .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5127 المصادف: 2020-09-18 01:32:45