جوتيار تمريقول د.عبدالجبار العبيدي في مقال له منشور على موقع ايلاف تحت عنوان"  هل يدرس التاريخ للعبرة والموعظة أم للتجربة والاستذكار"، ويذكر في سياق حديثه عن الموضوع ان دراسة التاريخ يشمل الماضي والحاضر ولربما تكهنات المستقبل، لكن هذا المقياس يختلف باختلاف الزمان والمكان والناس، فالاختيار يجب ان يكون انتقائياً ومحدداً حتى ينطوي على تجربة معينة للحاضر والمستقبل وما يهم امور الناس والاوطان معاً، وحول منهجية قراءة التاريخ او التكهن التاريخي للعبرة والاتعاظ يقول ان منهجية العبرة والاتعاظ لاتصلح الا في حالات معينة وضيقة جداً حين تتشابه الاحداث والفترات الزمنية، وهذه حالات نادرة الحدوث لانها لاتتكرر بكل ظروفها ابداً، ومن هنا فان قراءة التاريخ للعبرة والاتعاظ ضرب من الوهم الذي لامعنى له ابداً، فالمقياس العلمي او المنهجي التاريخي يخضع للتغيير وليس للثبات.

وفي مقال سابق تحت جدلية العود الابدي للتاريخ كنت قد نوهت بان احالة وقائع الان الى الماضي لايمكن ان تأتي بنتائج مطلقة يمكن تعميمها على مراحل التاريخ الحالية او اللاحقة، لأن الثوابت انما تكمن في الحدث وما آل اليه الحدث فهو متوقف على جملة امور اخرى تكاملية في صناعة الحدث، وبذلك لانستغرب الان وفي وقتنا الحاضر ان يتجه الناس الى دئراة التاريخ للتخفي وراء انتكاساتهم في الحاضر، والتوجس من مستقبلهم الاتي، فمن خلال البحث عن اواصر ترافقية وتلازمية مطابقة لوضعهم الحالي يستجدي الناس بالتاريخ ليكرر المقولة التي تكررت منذ وعي الناس مقولة التاريخ يعيد نفسه، ويستميت الناس في الاستشهاد بالتاريخ ليغطوا جزء كبير من نواقصهم الحالية، وابتعادهم عن السبيل المؤدي لتحقيق اهدافهم سواء الانية او المستقبلية وبالتالي فان اعتماد مقولة العبرة والاتعاظ لايأتي هنا بدافع التبرير لما يقومون به من افعال واعمال وتصرفات وسلوكيات، او للاتعاظ والعبرة ولا حتى للتجربة والاستذكار، انما بدوافع اخرى اقوى، كدافع اليأس الوجودي القاتم، والمتمكن من عقل ونفوس الناس بحيث لم يعد بامكانهم التصرف بالموجود الاني وبما بين ايديهم بعيداً عن الانخراط في الماضي وربطه به، حتى يعطوا لانفسهم صفة رسمية باعتبارهم ينهلون من تاريخ الامة التي يلتحفون باسمها في محافلهم الداخلية والخارجية، وبالتالي فانهم يخضعون عقولهم لمنطق دفن بدفن اصحابه، وينأون بانفسهم عن مواجهة التكهنات المستقبلية التي تضع حاضرهم تحت المجهر، وتفضح مكنونات واقعهم المزدرء بالتمام.

الامم والجماعات وحتى الشخصيات المستقلة كما يقول د. العبيدي تنأى بنفسها عن تجارب الاخرين، واكثر ما يزعجها ان تسير في اعقاب الاخرين، وهو بذلك يضع حداً للتكهنات السبقية التي تفرضها وقائع الحاضر عبر اعادتها للماضي، وفي الحقيقة ليست العبرة والاتعاظ الا غاية لمن فقد وجوده الفعلي وسطوته وكينونته ومصداقيته، ليبرر من خلالها الوسائل التي يسعى لاستخدامها في طريق اعادة اثبات وجوده من جديد حتى وان خالف بذلك كل التوقعات، وغالبية الواقع ومضامين التجربة الحاضرة، فالساسة من جهة، ورجال الدين من جهة اخرى، هولاء اكثر الناس من يلجأون للتاريخ تحت شعار العبرة والاتعاظ، وفي الحقيقة هما اكثر الناس فقداناً لمصداقيتهم في الحاضر الذي نعيشه، واكثر من لايتعظون بالتاريخ.

فمع عمق الحدث التاريخي في الوجود الانساني، فانه كما سبق وان نوهنا يحمل صفتين تلازميتين وهما المكانية والزمنية، وباعتبار ان تلك الصفتين غير ثابتتين فانها توجب اتباع نهج غير الزامي في تحديد معالم الحاضر وفق نظرية التقارب والقياس بالماضي، لأنه حتى في التاريخ يتجنب اصحاب الرؤية الدينية مثلاً التعرض للحقائق التي من المفترض انها تعطي دروساً واعية لصيرورة العمل السياسي من جهة، ولصيرورة الوعظ الديني من جهة اخرى، فمع ان تلك الاحداث والوقائع واضحة  كوضوح الشمس لهم وللناس، الا انهم يتغاضون عنها، ويبرورن فعلتهم بالمس بالمقدسات، ولأن الناس امام الموجبات الدينية بالذات وحتى السياسية كالقطعان تسير حيث تُساق فانها لاتكلف نفسها للسؤال عن الماورائيات التي يتطلبها الحدث نفسه، ليس لكونه حدث نادر يتكرر في تاريخه الحالي، انما لكونه حدث قد يمس بنية عقله وتفكيره وايمانه بالماضي والحاضر وتكهنه بمستقبله الاتي.

لقد علمنا اصحاب الرأي والفهم والساسة ورجال الدين ان التاريخ مدخل اساسي للفهم والادارك عبرد وائر العبرة والاتعاظ والتجربة والاستذكار، و في الوقت نفسه وضعوا حدوداً للبحث في مضامين التاريخ نفسه، باعتباره لديهم محصن من التدخلات الخارجية التي قد تشوه معالمه الحصينة والمحصنة من كل نقع او جرف او تحريف او تصحيف، وفي الواقع التاريخ الذي اقرأه علمني اشياء اخرى تماماً، مثل ان لااتوقف عند حدود معينة، في البحث والتقصي وابداء الرأي، والبيان والتفسير والتأويل، وذلك ما يجعلني بعين هولاء مارداً خارجياً ارتوي من بحر الشراة، حيث كانوا يسمون مناطق سكن اجدادي الكورد بها سابقاً، وبين ان التمس لارائي التبرير والصفح، وبين ان اؤدي دوري في صيرورة حركة التاريخ، لابد من قرار شخصي، اتحمل مسؤوليته، انه الواقع ليس الافتراضي الذي فرضه علينا الساسة ورجالات الدين، انما هو الواقع العياني الذي لم يعد هناك من مفر اما بتقبله بشكله الفوضوي النهائي والرضوخ لمنطقه اللاواعي، او السير قدماً للبحث عن معقولية الحدث التاريخي وفق مدلولاته الحدثية بين الزمنية والمكانية وتطابقها مع الشعارات العامة التي يطلقونها بين الفينة والاخرى لجذب القطيع وتحريضه.

ففي التاريخ هناك ثوابت من حيث اصرار اهل العلم والتشريع والساسة عليها منها على سبيل المثال لا الحصر، مقولة "لافرق بين عربي واعجمي " تلك المقولة الدينية التاريخية التشريعية التي جردت من حيويتها وكينونتها واسقاطت بالتحيز لعنصر على حساب اخر في التاريخ، وهذا ما يتباحثه الكثيرين بين مؤيد للمقولة ورافض، في حين انها مقولة لم تأتي من الفراغ التاريخي انما هي تحصيل لوقائع متوالية ضمن الصراع السلطوي الديني منذ بداية التاريخ الاسلامي كمثال على مفهوم التاريخ يعيد نفسه، وان العبرة والاتعاظ هما من ركائز التاريخ، فالسبقية التي فرضتها مقولة " اللافرق" تقتضي بانها تخرق جدران الزمنكانية، وان ليست حصراً وحكراً على زمنية محددة، ولكنها في مهدها وأدت، وتحولت الى نزاع، استخدم الساسة ورجالات الدين كل الوسائل لتحقيق غايتهم في تهميش العناصر الاخرى في التاريخ الاسلامي،  لذا نرى بان القياس بمنظور السبقية هنا لاتأتي كونها فرضت من اللاحقين كواقع، انما اتت كمعلم تاريخي وحدث تاريخي، فان كان العبرة والاتعاظ الزامية في فهم التاريخ والعمل بموجباته ومترتباته فانه من نافل القول ان تلك الاحداث يجب الغض عنها، وعدم الخوض فيها، لكونها تمس المقدسات التاريخية لاسيما الدينية، وفي الحقيقة ان اكثر ما يؤرق الانسان الواعي هو تلك المترتبات اللاواعية التي يستنبطها دون ادراك، او وعي حقيقي بماهية الحدث نفسه، واسقاطه عبر سلسلة من التداخلات المرئية الواضحة العنان، ولكن مع ذلك لابد من التأمل والتوقف على مفهوم السبقيات التي نتحدث عنها، فليس كل سبقي مأخوذ به ومتعظ به ولا حتى مستفاد منه كتجربة واستذكار لكون الواقع السياسي بمنظوره الاني الحالي سواء بفوضويته وعشوائيته ولامنطقيته لايمكن ان يكون ناجماً من قراءة وفهم صحيح للتاريخ، لكونه لايمس الانسان في كينونته وعقله فحسب، بل يهدم كل مقدساته العقلية كانت ام الروحية، وحين نرفض مقولة ان الساسة يتعظون بالتاريخ، انما يحاولون ان يجعلون الاحكام السبقية المنتقاة بدقة ومصلحوية من التاريخ كوسيلة لقيادة القطيع نقولها عن قناعة بان الاحداث التاريخية فتحت اوجه للتأويل والتفسير ضمن حركية التاريخ المقدس المتغاضي عنه، وهولاء الساسة ورجالات الدين انما يستقون منها احكامهم السبقية ويستدلون بها حين يقعون في مواقف تصعب على عقولهم المتبلدة تفسير اعمالهم العشوائية والفوضوية المؤدية الى الخراب واراقة الدماء، فمثلاً يورد ابن قتيبة الدينوري في كتابه الامامة والسياسة في الجزء الاول ،الصفحة السادسة والستين دليل تاريخي متأصل في حركية مفهوم السبقية، لكنه مازال مخفياً عن الانظار، وبعيد عن التداول بحجة التغاضي عن مابدر من الصحابة، يقول عمار بن ياسر لعائشة حين رأتها تبكي مقتل عثمان بن عفان، "امس كنت تحرضين عليه واليوم تبكينه، وفي السياق ذاته، نحن امام الحدث السبقي غير الخاضع للتأويل لكونه يمس المقدسات، تقول عائشة لطلحة ، وما لعلي يستولي على رقابنا، لا ادخل المدينة ولعلي فيها سلطان"، لعل الخوض في الامر ينتهك حرمة الحدث نفسه لكونه واضح المعالم، سواء من سياقه التاريخي او التأويلي، فالحكم السبقي على الحاضر والتكهن بالمستقبل جاء وفق مدلول حي ومباشر من التاريخ، فعائشة حكمت على علي بن ابي طالب بالفشل منذ لحظة مقتل عثمان بن عفان، وقررت التمرد على السلطة منذ الوهلة الاولى، فهل كان في فعلها ذاك نتائج محددة، التاريخ يقول لنا بان من نتائج ذلك الفهم والحكم السبقي على الحدث التاريخي "مبايعة علي بن ابي طالب" معركة الجمل ومقتل الالاف من الناس، اذا الرؤية السبقية لاتأتي من فراغ فالساسة الان، ورجال الدين الان، وكما كانوا في الامس، يستمدون لغاياتهم الروح من التاريخ ويوظفونه بحسب رؤيتهم للقطيع، وذلك ما يفرض ان الاتعاظ والعبرة من التاريخ غير ثابت على نحو محدد، انما هو اداة يستخدمها اصحاب الطموح السياسي والديني لتحقيق غاياتهم وغايات الاجندات التي يمثلونها، والا فان الحكم على اية تجربة من خلال الاستناد على ان التاريخ الدموي سيعيد نفسه قبل اعطاء الفرصة للتجربة الجديدة بالعمل وفق آلياتها التي تريد ان تثبت نفسها من خلالها، يكاد ان يكون تصحيفاً وخرقاً للمنطق العقلي والتاريخي معاً، ومن هنا لايمكن الاستناد على وقائع التاريخ بزمنيتها القديمة ومكانيتها القديمة وبيئتها المختلفة وعقليات اهلها المختلفة، واسقاطها على الحاضر الاني والتكهن بالمستقبل، لان تلك العقليات انما كانت تفكر بحدود زمنيتها ومكانيتها، لذلك لايجوز ان نعيد حكم عائشة مثلاً على السلطة لانها كانت ام المؤمنين وهي لم تحكم من منطق الحسد او الكره والبغض، انما لمصلحة المسلمين انذاك، ونأتي في عصر اخر ومكان اخر، نعيد رسم معالم السلطة وفق تقاليد ذلك الزمن، وحتى نعيد مفهوم المعارضة وفق تقاليد تلك الحقبة، فالامر ليس سيان والتاريخ هنا لايعيد نفسه الا قسراً فالعقول هي التي تكرر الحدث وفق معطيات لاتخدم الحاضر والمستقبل، ولذلك تسبق الاحكام الافعال والقرارات، وتؤدي في النهاية الى المزيد من الفوضى والخراب، وعلى ذلك الاساس فاننا نقول بأن التاريخ ذا طابع حركي مستمر لايتوقف عند معلم واحد، وسبب واحد، انما يتعداها ويعانق الافق حيث اللانهاية، ولايمكن لمن يحمل فكر ما قبل نصف قرن ان يقيس كل الاحداث على ما كان يتعامل معه اثناء تلك الحقبة، فالمتغيرات التاريخية تستوجب التعامل مع الحاضر والتكهن بالمستقبل والاعداد والتخطيط للاتي وليس اعادة فرض الماضي.

 

جوتيار تمر / كوردستان

6-8-2020

 

 

اياد الزهيريتطرقنا في الجزء الأول الى أن الأسلام يحمل في أحد أبعاده، وفي ثنايا منهجه بعداً سياسياً من ضمن أبعاده المختلفه التي تتكون منه بنيته الفكريه كدين شامل يحمل عقيده وفكر جاء بها الرسول (ص) الى أمته، وقد بينا أن الآيه  الكريمه (وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) أن العدل يتطلب في تحقيقه أدوات وآليه أجرائيه قضائيه، وهذه الآليه تحتاج الى مؤسسه قضائيه تمارس فيه عملية القضاء، وما يتضمنه من وجود تشريع، ورجال قضاء، وهذه العمليه لا يمكن أقامتها الا بوجود دوله، لأن الدوله هي التنظيم الوحيد الضامن لتحقيق سلامة هذا الأجراء وتحقيق مبدأ العداله، وأن لا وجود للعداله بدون وجود قضاء، وأن أحد تعريفات القضاء هو عباره عن سلطه أجرائيه ممنوحه لهيئه قانونيه . كما لا يمكن للقضاء أن يعمل بدون تشريع، وكل من التشريع والقضاء لا يمكن أن يأخذا  أجراءاتهما بدون وجود دوله، وعلى هذا الأساس أصبحت السلطه ضروره لتنفيذ العداله، وهنا أصبحت كوسيله لا كغايه بحد ذاتها.

المجتمع يتكون من مجموع الأفراد، وهؤلاء الأفراد بحكم طبيعة تقاطع مصالحهم، يُحتاج الى تسويتها، وهنا جاءت الشريعه الأسلاميه في أحد أبعادها كوسيله لتسوية هذه النزعات، ووضع حد لها،هذه الشريعه متضمنه للأحكام القضائيه والتي تنحصر بالقرآن الكريم والسنه النبويه، وهناك موروث فقهي ضخم قدم مجهود كبير بفعل العاملين عليه، وما مارسوه من  عمليات الأستنباط الشرعي، وخاصه في مجال ملء منطقة الفراغ التي أتاحتها الشريعه لأستيعاب التغيرات الحاصله في مسيرة الحياة وتطورها. بما أن الدوله أصبحت ضروره مهمه في القيام بالعمليه العدليه، يكون كذلك من الضروره أيضاً للدوله أن يكون لها نظام سياسي يديرها، وهنا ينبغي أختيار نظام سياسي له رؤيه تتناسب وتتسق مع فلسفة العداله في الأسلام، وحريص على تطبيق تشريعاته في أقرار هذه العداله. وهنا ينبغي أن يكون هذا النظام هو نظام سياسي أسلامي لكي يكون هناك فاصل بينه وبين الأنظمه الديكتاتوريه ذات القرارات التي تعتمد على مزاجية ومصالح الحاكم المتفرد بالسلطه، وكذلك ينبغي أن تكون مختلفه عن النظام ذات الصبغه الليبراليه أو الأشتراكيه، لأن لكل نظام وله فلسفته الخاصه به . ففلسفة الأسلام قائمه على العدل والمساوات بين بني البشر، ومنطوقها النصي (فأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، و(الناس سواسيه كأسنان المشط)، وهذين البعدين المتمثلان بالعدل والمساواة، هما أهم ركيزتين بالعمليه العدليه بين الناس، وهما جوهر فلسفة التشريع الأسلامي .

لقد أشرنا الى أن مصادر التشريع في الأسلام، هي القرآن والسنه، وهناك من الآيات ماهي واضحة الحكم والدلاله، وهناك أيات تعطي قواعد عامه تستخلص منها أحكام شرعيه، ونجد شرح ذلك في الكتب التخصصيه لهذا الموضوع وهي كثيره جداً . الأمر الثاني الذي يقتضي أستكمال العمليه العدليه وهو القاضي، وهو الشخصيه التي تمارس عملية القضاء قي مؤسسة القضاء، هنا أفردت له مؤلفات عديده في مواصفاته، وما ينبغي أن يكون عليه لكي يمارس عملية القضاء بحياديه، ويبعده عن كل ما يشوبه من أنحرافات تؤثر سلباً على مجرى العداله، وللأمام علي (ع) في هذا الشأن الكثير من الكلام سنتطرق له لاحقاً، ولكن تكونت لنا الآن صوره واضحه بأن الأسلام قد أوضح، وهيأ  كل عناصر عملية القضاء، وهي جزء لا يتجزء من مكونات الدوله، وبشكل أوضح أن الأسلام يمتلك تصوراً واضحاً لهذا الركن المهم من أركان الدوله .

هناك عنصر أخر يدخل في تكوينات النظام السياسي للدوله، وهو الشورى، وهو شكل تنظيمي يتميز به النظام السياسي الأسلامي عن باقي الأنظمه السياسيه الأخرى، والتي مثلاً كالبرلمان في النظام الليبرالي، وهو كاللجنه المركزيه في الأحزاب الأشتراكيه وهناك أسماء أخرى لأنظمه سيلسيه أخرى، والشورى شكل تنظيمي يتمخض منه أصدار قرارات بشكل جماعي، ولا يكون هناك تفرد بالحكم من قبل شخص واحد، وهو يؤكد على عملية التشاور في أصدار الأحكام، وأبعاد كل ماهو فردي ومزاجي، والآيه القرآنيه واضحه في هذا الشأن (وشاورهم بالأمر) و (وأمرهم شورى بينهم)، هذين الآيتين تعبر عن فلسفة الأسلام بالحكم، بل هو شعار نظام الحكم بالأسلام، وهو نظام يعطي أنطباع المشاركه في أتخاذ القرارات، وكما يقول الأمام علي (ع) (ما خاب من أستشار) و (من شاور الناس شاركهم عقولهم)، طبعاً هناك ملاحظه نرى أن الأسلام يعمل على زراعة قيم في الفرد والمجتمع معاً، وهي نفسها تمتد الى النظام السياسي، بحيث يربي الأنسان على طبع معين، ويؤكده في سلوك الأنسان اليومي، حتى عندما يشغل الفرد منصب سياسي يفرض عليه سياق العمل، هذا اللون التشاوري ذات الصيغه الجماعيه فتراه مستعداً له بفعل ما تعود عليه في ممارسته الأجتماعيه. هناك ملاحظه على جانب كبير من الأهميه، الا وهو أن الشورى لم تكن ذات آليه وشكل محدد، فهي عمليه تشاوريه، حواريه، ذات منحى جماعي وتداولي، لكن الأسلام ترك صياغاتها وآلياتها للأنسان، فالسياق التاريخي ودرجة التطور الفكري والأجتماعي هي من تحدد آلية العمل وشكله، وهذا هو سر بقاءها وحيويتها في كل مكان وزمان، فمثلاً عندما بدأ الرسول (ص) دولته وعاصمتها المدينه المنوره، فقد عمل على ملء كل الفراغات القضائيه والسياسيه والأجتماعيه والثقافيه مستخدماً النصوص التشريعيه الثابته بوصفه رسولاً، وملء فراغات أتاحته له الشريعه بوصفه حاكماً وقائداً للأمه، وهنا علينا التميز بين أمرين مهمين هما النصوص التشريعيه التي عمل بها كرساله منزله ثابته، ونصوص وتشريعات بوصفه ولي أمر وحاكم. هنا يتضح الثابت من المتغير في الشريعه الأسلاميه، وعلى الحاكم المسلم مراعاتها من النبي الى أصغر مسؤول في القضاء والحكم، وهذه الآيه توضح ما هو ثابت حيث منطوقها واضح وجلي (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم وأحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل اليك)، وهنا الآيه تلزم النبي وغيره بنص الحكم المنزل، أما ما سكت عنه الشارع المقدس، فهنا يكون مجال الشورى، وقد جاء عن الأمام علي (ع) (قلت يارسول الله ان عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء ولاسنه، كيف تأمرني، قال : تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين ولا تقضي فيه برأي خاص) . كما يمكننا الأستعانه ببعض الحوادث التي تبين أستخدام النبي (ص) للشورى، بما هو نبي، وهنا يتضح أن الأمور الغير منصوص عليها، والتي تخضع لمنطقة الفراغ يكون ملئها بالشورى، وقرارات الشورى لم تكن طليقه وأنما تكون مؤطره بأطار القيم ومقاصد الشريعه الأسلاميه، ولنا في أستشارة الرسول (ص) للحباب بن المنذر في معركة بدر، عندما أستشاره الرسول عن الموقع الأنسب لموقع الجيش لمقابلة جيش قريش، فأشار عليه الحباب موقع أخر، فقال له الرسول (ص) (ياحباب أشرت بالرأي)، وهناك الكثير من الأحداث التي أستشار  فيها الرسول بها أصحابه .

كما يمكننا الأنتقال الى موضوع تداول السلطه في النظام الأسلامي، وهذه نقطه جداً مهمه، ومفصليه، وخاصه والعالم آنذاك تحكمه الأمبراطوريات التي يقودها الملوك والقياصره والأكاسره، أي الأنظمه الديكتاتوريه، ذات السلطات التفرديه، والذي يكون فيها الفرد هو الحاكم الأوحد، والذي يجمع كل السلطات في يده، فالأسلام أدلى بدلوه في هذه النقطه المهمه، وهو أن مصدر السلطات بيد الأمه بعد النبي، وليس هناك بما يسمى بالتفويض الألهي، أو التعين الوراثي كما هو قائم اليوم بالأنظمه الملكيه والسلطانيه والأميريه، كما في الملوكيات العربيه حديثاً، وكما في الدوله الأمويه والعباسيه والعثمانيه قديماً، بل يكون ذلك من أختصاص الشعب، وخير دليل على ذلك هو ما تقدمت فيه الجماهير الثائره على عثمان بن عفان بعد مقتله، وطلبهم من الأمام علي (ع) أن يكون هو الخليفه من بعده فرفض ذلك، وقال لهم قولته المشهوره (أني أكون لكم وزير خير من أكون عليكم أمير)، ولكن ألحاحهم وأصرارهم جعله أمام أستحقاق شرعي يجب عليه الأستجابه له، والا يُعتبر غير متحمل للمسؤوليه، وقد صرح لهم بشرطه في تحمل المسؤوليه، وهو قوله (وأعلموا أن أجبتكم ركبت بكم مأعلم)، وهنا يتضح أن المهمه تحتاج الى عمليه أجتهاديه، وأنه يرفض الصيغ الجاهزه والحرفيه والموروثه ذات البعد الأجتهادي، وأن نظرت الأمام يتضح منها أنه أمام عمليه سياسيه تتعامل بالممكنات من الأمور، ولكن تنفيذ أرادة الأمه هي الأخرى لها أليات مختلفه، وهي تعتمد على ما موجود من أمكانيات علميه وفنيه، وعلى درجة النضج الجماهيري، لأن لكل حقبه زمنيه درجه من الوعي، وهذه الدرجه تتقدم مع الزمن، لذلك فعملية تمثيل أرادة الأمه متغيره ولم تأخذ شكلاً ثابتاً، أما من ناحية المعنى، فهي ذات معنى واحد في كل الأزمان، الا وهو أن الأمه مصدر السلطات، فمثلاً في زمن الأمام علي (ع) مثل هذه الأراده بالأنصار والمهاجرين، فقال حين ألحوا عليه في تسلم الخلافه (وأنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فأن أجتمعوا على رجل وسموه اماماً كان ذلك لله رضا) . ولأسباب كثيره منها صعوبة المواصلات في ذلك الحين بحيث يستحيل جمع الأمه في زمان ومكان واحد، أو أجراء العمليه الأقتراعيه في وقت واحد، وهذا غير ممكن لا أدارياً ولا فنياً،، وهذا ما أشار اليه الأمام في قوله (ولعمري لئن كانت الأمامه لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس فما الى ذلك من سبيل....)،كما أن الأمام حصر الأراده في حينها بالنخبه ذات الوعي العالي والشعور بالمسؤوليه العاليه . من المهم الأشاره الى أن مبدأ الشورى، هل هو مبدأ ألزامي، الجواب نعم ألزامي، لأن صيغة أية الشورى، (وشاورهم في الأمر...)  جاءت بصيغة الأمر وليس الأختيار، وهنا ينبغي الأنتباه الى أن الله ينادي رسوله بالشورى بصيغة الأمر، فمن الطبيعي أن هذا الأمر هو نفسه يسري الى من يأتي من بعده. أن آلية تنفيذ أرادة الأمه ليس بالضروره أوالألزام أن تكون فقط من أختراع المسلمين، فمن الممكن أن يستعير المسلمين ما توصلت له الأمم والشعوب الأخرى من طرق حديثه أكثر أتقاناً وعدلاً في تمثيل أرادة الأمه، والدليل أن الرسول (ص) قد أقر الكثير من العادات والتقاليد والتجارب والتشريعات السابقه، وهي ما يطلق عليها الفقهاء بالأحكام الأمضائيه، أذن ما هو المانع من أستخدام الطرق والآليات الحديثه في عمليات الأقتراع الجاريه الآن وذات المنشأ الغربي .

من الجدير بالأشاره الى مؤسسه مهمه والتي تعتبر من مؤسسات الدوله الحديثه، وعلامه فارقه لها، الا وهي المؤسسات الرقابيه، والتي بعملها تضبط كل أعمال المؤسسات الأخرى، حتى أن درجة أنضباطها دليل ومؤشر على رقي الدوله وتقدمها . هذه المؤسسه عملها مراقبة تنفيذ ما أُتخذ من أحكام وقرارات، ومتابعة تنفيذها، ودرجة تنفيذها للتعليمات والأحكام الصادره، وتعمل على  منع الهدر المالي للمال العام، وتنهي الترهل الناتج من التسيب والفوضى في دوائر الدوله، وقد أولى الأسلام هذا الأمر درجه عاليه من الأهميه، لذلك يقول الأمام علي (ع)  (لا تكفوا عن مقاله بحق، أو مشوره بعدل، فأني لست في نفسي فوق أن أخطيء، ولا أمن ذلك من فعلي...) كما كان يوصي ولاته بأتباع آلية المراقبه لموظفيهم وعمالهم فيقول (ع) (ثم تفقد أعمالهم، وأبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فأن تعاهدك في السر لأمورهم حدوه لهم على أستعمال الأمانه والرفق بالرعيه، وتحفظ من الأعوان، فأن أحد منهم بسط يده الى خيانه أجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ’ أكتفيت بذلك شاهداً، فبسطت عليه العقوبه في بدنه وأخفته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذله ووسمته بالخيانه وقلدته عار التهمه) . هنا نلاحظ حرص الأمام (ع) على الجانب الرقابي للدوله، وذلك لضمان الأجراءات والسياقات الصحيحه التي أقرتها الدوله، وهذا هو عين ما تبنته الأنظمه الحديثه، وأن قوة الجهاز الحكومي لهو دليل على قوة الدوله، وعلامه على تقدمها، وهذا الجانب يمثل البعد الموضوعي من عملية المراقبه، وهناك بعداً أخر يتفرد به الأسلام، ويحرص على تربية الفرد عليه، الا وهو البعد الذاتي، وهذا البعد يتأسس على الجانب الأخلاقي، وتربيته الدينيه، وهو أن تحصن به الفرد فأن ضمانته أكثر منعه وحصانه من الأولى . أن عملية سلام الجهاز الحكومي لم يتوقف على هذين البعدين، فترى الأسلام ركز كذلك على ضرورة الأختيار لهؤلاء الحكام، ووضع معياراً في عملية أختيارهم، وهو ما نطلق عليه اليوم من عنصر الكفاءه والأمانه والمهنيه، فقد قال الأمام علي (ع) لمالك الأشتر في عهده المعروف له، عندما ولاه على مصر (ثم أنظر في أمور عمالك فأستعملهم أختباراً، ولا تولهم محاباة وأثره، فأنهم جماع من شعب الجور والخيانه، وَتَوخ منهم أهل التجربه والحياء من أهل البيوتات الصالحه والقدم في الأسلام المتقدمه، فأنهم أكثر أخلاقاً وأصح أعراضاً وأقل في المطامع اشراقاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً). أن غياب الرقابه الذاتيه في أكثر الدول تقدماً، كان بديلهم فيه هو زراعة كاميرات المراقبه التي تكلف الدوله والمجتمع الكثير من الأموال، حتى رأينا تعطلها في أكثر من حاله حصلت أدت الى سرقات كبرى تعرضت لها مؤسسات هذه الدول، حتى أن أنطفاء الكهرباء لساعه واحده في هذه الدوله تقدر خسارتها بالمليارات بسبب ما قد تتعرض له مؤسساتهم من تجاوزات من قبل اللصوص وحالات التجاوز التي يمكن أن يقوم بها بعض الموظفين. أن الجانب الخلقي له كبير الأهميه على الجوانب الأخرى سواء كان جانب سياسي أو أقتصادي . في العمل الحكومي كما هو بالعمل الأهلي، وأن العمل الأخلاقي كما يدخل في الجانب الأجتماعي والثقافي، فهو يدخل بكل المستويات الأخرى من الحياة، ولا يمكن عزله تحت أي ذريعه، وهذه ميزه، وعامل يؤكد عليه الأسلام بحرص تام، ولذلك ترى الكثير من مقولاته المشهوره من أمثال (لعن الله الراشي والمرتشي بالحكم)، والرشوه مرض نخر الكثير من الدول والحكومات في كثير من دول العالم، ولخطورة هذا الداء صبت لعنة الله على من يقترفه، كما حث الأسلام على الأخلاص بالعمل، وضرورة تقديم ما مناط بالأنسان من عمل يتقاضى مقابيله من أجور، لذلك قدم  الأسلام توصياته في العمل المخلص حيث يقول الرسول (ص) (رحم الله أمرء، عمل عملاً فأتقنه). في الحقيقه أن الأسلام سعى الى ترسيخ منظومه أخلاقيه لدى الفرد والمجتمع معاً تنتهي بترسيخ مبدأ الشورى على المستوى الأجتماعي والسياسي، لذلك تجد هناك مقولات للأمام علي (ع) تصب بهذا الأتجاه من أمثال (من شاور الناس شاركهم عقولهم) و (ما خاب من أستشار)، حتى القرآن الكريم جعل الممارسه الشورويه في مصاف من  يمارس الصلواة، والذين يدفعون الزكاة، كما في الآيه التاليه (والذين أستجابوا لربهم وأقاموا الصلواة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، وهذه العمليه بالحقيقه أكثر عمقاً من التجربه الغربيه في مغادرة الأسلوب الفردي، لأن الأسلام يربط بين الحاله العباديه والممارسه الأجتماعيه والسياسيه، وهذا من شواهد الأرتباط العضوي بين القيم والممارسات السياسيه .

 

أياد الزهيري

 

 

محمد عرفات حجازيتجربة الإصابة بفيروس كورونا من التّجارب التي تستحقّ الوقوف معها، والنّظر إليها بعُمق؛ إنّها الّلحظة الفارقة بين الحياة والموت، بكلّ ما تحملها كلمتي (الحياة/ الموت) من معنى..

فيروس كورونا زائرٌ ثقيل الظلّ بدرجة مُعتدي، يأتي للمُصاب مُتسلِّلًا دون أن يشعر به، أو بمصدره، فيحتلّ رئتي المُصاب، ولاحقًا، يتعافى منه الكثيرون، في حين يلقى البعض حتفهم بسببه.

ولأجل التعبير بدقّة عن تلك المسألة؛ لا بدّ من تمثُّل الإصابة، مُعايشتها، التّغلغُل، بل والانصهار في تفاصيلها..

خلال بداية الإصابة، ينشط الضّمير/ النّفس اللّوامة بالتّأنيب؛ كونك قد تتسبّب في إصابة أهلك وذويك؛ فينمو الألم النفسيّ، ويرتع معه الفيروس ساعيًا لبدء رحلته المُميتة أحيانًا، وذلك في الوقت الذي تُحاول فيه التّغلُّب على الإصابة ببعض الأدوية التي لا استقرار على فاعليّتها. ومن هنا، تبدأ الرّحلة..

بدايةً، ستُحيطك سحابةً من الشّفقة، والمحبّة والدّعوات الممزُوجة بالخوف من الفقد، لتُدرك معها استمرار وجود نزعة الخير، وتطفو الإنسانيّة لدى أغلب المُحيطين بك في العالمين الواقعي والافتراضي، حتى وإن لم تغرس بذور تلك المحبّة مُسبقًا. وهنا لا بدّ أن نُثير التساؤلات: لماذا طغت مشاعر الشّفقة في تلك اللّحظة خصّيصًا؟، هل لها من معنى آخر غير الخوف والخشية على الذّات ـ ذلك المعنى الّذي فضحنا به الفيلسوف الألماني نيتشه؟ وإذا كان الآخر يخشى آلام الفقد، أفلا تحمل خشيته وجهًا للأنانية، للذّاتية المُغرقة؟، أمّا أنا/ نحن (المُصاب) فلما الخوف من الموت؟، ألم نستعدّ لأجله؟، ثمّ هل أدركنا الآن حقيقة وجوده؟ وهل يُجدي الإدراك وقتئذٍ نفعًا؟. هنا، تنتابُنا رعشة.. رجفة مُميتة قد تُودي بنا أسرع من الفيروس.

بعد لحظات، ستُدرك مأساتك الوجوديّة: أنّك حاملٌ للوباء.. إنسانٌ غير مرغوب الاقتراب منه رغمًا عنك وعن مُحيطك الضيّق، ويزدهر مع تلك المشاعر الألم النفسيّ، وحينها ستشعر بكينونة مُغايرة تمامًا عن الذّات التي كنت عليها في لحظة سابقة.

وفور انتكاس حالتك الصحيّة، ستسمع القلق بل الفزع والرُّعب على وجوه مَن يتولّون أمر علاجك؛ خوفًا من العدوى، حينها، قد تلتمس لهم العُذر؛ كونهم يُغامرون بحياتهم ليس فقط من أجلك أو شفقة بذويك، بل أيضًا انتصارًا لمهنتهم، ومن قبل لإنسانيّتهم.

لقد جعلت الإصابة من صديقي شاهدًا على تجديد يقينه بأنّ كلّ أمره بيد خالق واحد، وأنّه في معيّته وحده، بينما لا يتحسّس الدنيا وقتها إلا مع أقرب الأقربين إليه.. وتيقّن من زيف الموروث: إنّ الإنسان إذ يكون فريسة ضيقٍ عميق فإنّه معفيٌّ في الوقت نفسه من جميع ألوان الضّيق الأخرى..

وخلال ذروة إصابته، حادث نفسه قائلًا: ألم يأن للبشريّة أن تهدأ وتعيش في أمان وسُكون دون حروب أو صراعات؟ ألا يعرف البشر أنّهم أضعف ممّا يتخيلون، وأقلّ ممّا يظنّون، وأنّ النجاح في اختبار الصّبر على الابتلاء هو نعمة لا يهبها الله إلا لمَن أحبّهم؟ وقتها قال والسعال يشقّ صدره ودمه يقترب من التجلُّط: يا لها من دنيا لا تستحقّ كل هذا العناء من أجلها، ويا لها من أزمة نكتشف فيها المُخلصين ولا يقعون منا في منتصف الطريق.. وقتها انهالت دموعنا كالسّيل، ولا ندري هل هي الشّفقة عليه أم على ذواتنا!

غاب عنّا.. فقدناه لساعات اعتقدنا أنّها النهاية.. طغى الضّجيج لأجل الاستعداد وتجهيز مراسم الدّفن.. مرّت ساعات أخرى كأنّها أعوام، جاء الخبر اليقين: لقد تحسّنت أحواله.. وبعد أيّام، كُتب له الشِّفاء التّام. وفي طريق عودته، همس إليّ...

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

علاء اللاميحملوا نسختكم من دراسة عن جذور الكتابة العربية والصورة لرسالة النبي محمد "ص" إلى هِرَقل إمبراطور الروم، ويُرجَح أنها كتبت بخط الإمام علي بن أبي طالب "ع". فقرات من دراسة للباحث سعد الدين أبو الحب. بعنوان "جذور الكتابة العربية الحديثة: من المسند الى الجزم". الباحث عراقي أميركي الجنسية، ولد في نيويورك سنة 1958 ونشأ في العراق. يكتب باللغتين العربية والإنكليزية. استقر منذ عام 1979 في نيويورك وحصل على شهاداته العلمية فيها. يعمل منذ العام 1992 في تصميم الأبناط العربية وخاصة الأبناط غير التقليدية، حيث قدم عام 1998 طراز النمط الحرفي أو الخط المتماثل. فقرات من الدراسة لا تغني عن الاطلاع عليها كاملة لأخذ صورة أوضح عن الموضوع:

* اختلف علماء العالم الاسلامي الاوائل لقرون عديدة على منشأ الكتابة العربية، إلا أن اختلافاتهم هذه كانت أساسا حول هوية القبائل العربية التي استخدمتها أولا. ولم يصبح موضوع تأريخ الكتابة العربية موضوعاً للنقاش المحتدم إلا بعد ان اشارت النقوش المكتشفة حديثا الى صلة آرامية نبطية. ولكن ورغم كثرة المقالات والكتب في هذا الموضوع اليوم، إلا أن العديد منها اكتفت، بتكرار استنتاجات المستشرقين الاوربيين في القرن التاسع عشر المبنية على قلة قليلة من النقوش الحجرية "لتحكم" أن الكتابة العربية كانت قد تطورت من الآرامية النبطية.

* في هذه المقالة، سنقدم دراسة مختصرة مدعمة بالنقوش والمدونات المتوفرة لدينا اليوم عن دلائل تطور الكتابة العربية في بيئة أبجدية المسند العربية.

* لقد تم العثور على أولى الاشكال الحرفية لأبجديةٍ ما في الجزيرة العربية، بما فيها الهلال الخصيب، في منطقة شرق البحر الابيض المتوسط الواقعة بين بلاد ما بين النهرين (العراق حديثا) ومصر. وتم إرجاع تأريخ هذه الاشكال الحرفية والتي أطلق عليها المختصون تسمية "الابجدية الكنعانية" الى القرن 14 ق.م. ويُعتقد انها مشتقة من حروف سينائية ذات منشأ مصري.

* أظهرت نقوش الشرق الأدنى أن الابجدية الآرامية ومشتقاتها، وذلك في حوالي القرن الثالث الى القرن الرابع قبل الميلاد، كانت قد حلت محل الفينيقية، بل وأصبحت كتابة رئيسة في عموم منطقة الهلال الخصيب. وبينت النقوش أيضا استخدام ابجدية ذات حروف شبه متصلة، تشارك الآرامية عدد حروفها، 22 حرفا، وغالبية اشكالها، في المراكز السكانية للمناطق الجنوبية من سوريا الكبرى. تلك هي أبجدية مدينة البتراء في القرن 3 ق.م.

* في القرون الأولى للألفية الاولى، كان في المنطقة الشمالية من الجزيرة العربية خليط من الأديان القديمة والجديدة. كانت بابل، المركز الثقافي الأول في المنطقة ولقرون طويلة، تحت سيطرة الفرس الساسانيين، بينما كانت منطقة شرق المتوسط تحت سيطرة الرومان. وعلى النقيض من ذلك، كانت غالبية مناطق وسط وجنوب الجزيرة العربية تتمتع ببيئة دينية وثنية أكثر تجانسا، بالإضافة الى تحررها من الهيمنة الخارجية المباشرة.

* كانت الابجدية العربية الاولى والمعروفة تاريخيا باسم "خط الجزم" نتاج لبيئتها تماما كما هو حال الابجديات القديمة المُعاد تصميمها إبان العهد الاسلامي، عندما أصبحت الكتابة العربية هي الكتابة السائدة.

* ويُعتقَد أن الحروف العربية كانت قد استعملت للمرة الاولى في منطقة الانبار والحيرة في العراق، وكلاهما كان تحت السيطرة الفارسية الساسانية خلال تلك الفترة (ما قد يشير الى احتمالية تأثير الخطوط الفارسية المبكرة، كالبهلوية والافيستا). والعديد من الباحثين يتحدث عن الخط الكندي في الحيرة الى جانب خط الجزم في الحجاز.

* ومن الشائع اليوم أن بُشر بن عبد الملك الكندي، ويعتقد انه من المسيحيين العرب، كان أول من جلب خط الجزم إلى مكة وبُشر هو شقيق الأكيدر، أحد قادة مدينة دومة الجندل التأريخية قرب مدينة سكاكة شمال المملكة العربية السعودية، والواقعة 200 ميلا جنوب غرب الحيرة في العراق.

* يعتقد معظم المختصين اليوم أن ابجدية الجزم العربية كانت قد تطورت من الكتابة النبطية خلال القرن الرابع الميلادي. بيد ان تحليل اشكال الجزم الحرفية المبكرة بدقة وشمولية يشير الى جذور اخرى. اذ يعتقد المؤلف ان الكتابة العربية، الجزم، كانت قد تطورت بشكل مستقل بين القبائل العربية القاطنة شمال نجد او الحجاز من طراز محلي لكتابة المسند العربية الموصولة، وبشكل خاص المسند الصفوي، قبل القرن الرابع الميلادي بكثير.

* كان اليمن دوما عمق عرب الجزيرة الحضاري ومركزهم التقليدي. فعندما اراد النبي محمد (ص) في عام 615 ميلادي حماية اتباعه من اضطهاد قادة مكة، أمرهم بالتوجه جنوبا نحو اليمن والحبشة. وكما ان اليمن كان (ولا يزال) مرجعية الانساب العربية، كانت ابجدية المسند مرجعيتهم الابجدية ايضا، اينما استقروا.

* كتب أقدم نقشين بالعربية بعد ظهور الاسلام بالخط الكوفي، وهما يعودان الى العام الرابع الهجري (625 ميلادي). ومن العقد الهجري الأول، لدينا رسالتان من النبي محمد (ص)، ويقال إنهما كتبا بخط الامام علي بن ابي طالب (ع) تم اكتشاف النقشين في مغارات جبلية في المدينة المنورة... إحداهما للمنذر بن ساوي ملك البحرين والاحساء، والأخرى لهرقل (هراكيولس) إمبراطور الروم. وقد شملت هاتان الرسالتان اشكال حرفية قيمة (مثل حرفي العين والهاء) بما يمكننا استخدامها لتسليط الضوء على جذور الاشكال الحرفية العربية الاولى. من المعتقد اليوم ان النبي محمد (ص) كان قد أرسل خمسة الى ثمانية رسائل لقادة المناطق المجاورة.

 

علاء اللامي

.......................

* رابط #تحميل_كتاب / دراسة سعد الدين أبو الحب "جذور الكتابة العربية الحديثة: من المسند الى الجزم":

http://arabetics.com/public/html/more/History_of_the_Arabic_Script_article_Arabic.pdf?fbclid=IwAR3lrAP6tG3knMfl_MOEG1gnQH4dofRFuZPBHTr8fcvZdvrI_lHsmffikh8

 

علي سيف الرعينيلتجاوز أحاسيس الاحباط واليأس ومعايشتنا للنجاحات وللاخفاقات بروح أكثر من رياضية وذلك بإعادة التجربة من جديد والعزم في مواصلة المثابرة وإعادة المحاولة وتجاوز النظرة السلبية التي يحملها البعض عن ذواتهم..

في هذه التناولة سنعرج قليلا بالقاء الضوء عن كيفية تعديل الفرد لاحترامه لذاته وكيف يمكننا مقاومة الأحاسيس السلبية الناجمة عن الاخفاقات التي قد نتعرض لها في الحياة؟

وكيف يمكن التغلب على ما يسمى القصور في احترام الذات؟

في الحقيقة يمكننا تلخيص كل تلك المظاهر المذكورة في مقدمة السطور بثلاث أساسيات تشكل جوهر الحقيقة لموضوع احترام الذات هذه الأسس هي:الثقة بالنفس رؤية الذات حب الذات.

هذه الثلاث تتداخل فيما بينها ولكن من الضروري التوازن بين هذه الثلاث الدعائم وهو ما يفرز عن كل هذا بما يسمى احترام الذات ..

وفي الحقيقة يبدو من السهل على المرء تكوين رؤية ايجابية عن ذاته وعن قدراته وإبداعاته وذلك عن طريق المحافظة على احترام ذاته مهما جرى.. وبالتالي يولد لدى الشخص الثقة بالنفس وهو ما يدفعه إلى التصرف بكل جرأة وتمكن دون خوف أو خشية من الفشل ومن حكم الآخرين.

هناك بعض الأشخاص يكون نموهم قرب أهلهم وعاشوا في كنف رعاية مفرطة تلقوها من أهلهم وصعدوا في محيط الحياة وبالرغم من كل العطف الذي تلقوه إلا أن مثل هؤلاء قد يتعرضون للشك في قدراتهم الفردية على النجاح وهنا يبرز القصور على مستوى الثقة بالنفس وبالتالي ينبغي تجنيب الأهل بشكل مبكر ومعرفة الحياة بالاعتماد على القدرة الفردية وتنمية هذا العامل للقدرة على مواجهة وقائع الحياة بشكل ايجابي.

كما وان حب الذات الذي يستقي أصوله من صفات التغذية العاطفية التي تلقاها الطفل الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز ثباته العاطفي لانفتاحه على الآخرين ولتمكنه من الرد بموضوعية تجاه الانتقادات التي يتلقاها من الآخرين.

صورة سلبية

وبالمقابل وفي حالة القصور قد يؤدي إلى تعزيز الشك لديه في أن يكون عند مستوى تقييم الآخرين له وهنا يتعزز اعتقاده بأنه ليس على المستوى المطلوب.. وبالتالي تبرز لديه صورة سلبية عن ذاته حتى في حالة النجاح .. كذلك إذا اتينا إلى مفهوم رؤية الذات فهذه تستقي منابعها من توقعات مشاريع وإسقاطات الأهل على الطفل .. ورؤية الذات تأتي فوائدها في تعزيز الطموحات والمشاريع التي يحاول الفرد تحقيقها وترفد صاحبها بقوة المقاومة تجاه العوائق والعثرات التي قد تمنعه من تحقيق مشروعه أو طموحه.

هذه فوائدها لكن لها انعكاسات سلبية إذا تعرضت للقصور وتكمن سلبيتها في افتقار الفرد للجرأة على اختيار حر وكذلك على اتخاذ القرار.

أما بالنسبة للثقة بالذات فتتغذى من قواعد النشاط والعمل في الجرأة والمثابرة وتقبل الاخفاقات ومن فوائدها قدرة الشخص على تجاوز الصورة السلبية عن ذاته التي ربما تكون قد تجسمت نتيجة لاخفاقات يكون قد تعرض لها في حياته.

وبالتالي فاحترام الذات يعد واحداً من تلك الأبعاد الجوهرية المكونة للشخصية وهو في الحقيقة يتطلب تغذية دائمة تبعاً لحاجات النمو عند الطفل والمراهق وحتى في مرحلة الرشد والنضج.

الإدراك..

لو تأملنا مراحل نمو الطفل إلى سن الرشد والنضج فسنجد الطفل في سن الثامنة يبدأ يفهم من هو عبر تمثيل نفساني وبالتالي فهو قادر مثلاً على قول من هو عبر مختلف المظاهر والميزات ومنها المظهر الفيزيقي (وصف حالاته الانفعالية) كما أنه يدرك أيضاً ما هو ثابت عنده بفهمه من أنه سيبقى هو نفسه عبر اختلاف الزمن ومن هنا تجده بدأ يعي شيئاً فشيئاً من خلال النظرة التي يلقيها على شخصه وهو ما يشكل ركيزة نواة احترام الذات الذي سيكونه عن نفسه.

الاستقلالية..

لا بد من التاكيدهنا أن صغار السن «الأطفال» لا يمتلكون احترام الذات فهذا الاحترام ليس خاصاً بهم بل إن الأمر يتعلق بنا نحن بالقدر الذي نعطيه لهم من الاحترام كأهل كما أنه لابد من أن نمكن الطفل من تحقيق بعض الاستقلالية عن أهله ليصبح التقييم ممكناً.

استناداً إلى ما سبق يمكننا القول من أن تعديل احترام الذات ليس صعباً كما يتصور البعض من أن هذه السمات يولد الانسان مزوداً بها ولعل ما يبرهن هذا القول هو التغيير الذي قد يحدثه العلاج النفسي كمؤشر لامكانية التعديل من خلال العلاجات السلوكية والمعرفية مثلاً، أضف إلى ذلك أن بعض الأحداث والمتغيرات في حياة الشخص تحدث تغييراً ملحوظاً في احترام الذات فمثلاً الحصول على مهنة أو تحقيق مركز اجتماعي ربما هذه الوسائل أو الاشياء قد تساهم في بناء احترام الذات بصفة كاملة خالية من القصور.

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

 

بشار الزبيديبقلم :د. الكسندر أولفيغ

ترجمة: بشار الزبيدي

لقد تمت صياغة نموذج الكوسموبوليتية في العصور القديمة، وظهرت بشكل أوضح في الفلسفة الرواقية. حيث تنعكس القوانين الكونية في حياة الفرد والعكس بالعكس وإن حياة الفرد تنعكس في بُنية العالم والكون. ولكن لم تجد الكوسموبوليتية طريقها إلى النظرية السياسية إلا في عصر التنوير. في غضون ذلك كانت الانسانية ووحدة البشرية ذات أهمية خاصة أيضا، حيث كان يُنظر إلى الشخص في المقام الأول على أنه شخص وليس كممثل لأمة أو دولة.

بالنسبة لإيمانوئيل كانط، فإن الكوسموبوليتية هي موقف أخلاقي للإنسان، ينبغي أن يجد تعبيراً عنه في النظام السياسي العالمي، في علاقة الدول ببعضها البعض. وينبغي أن تكون نتيجة نقل هذا الموقف إلى الشؤون العالمية سلامًا أبديًا. يدعو كانط إلى مواطنة عالمية تقوم على الحركة الحُرة المطمئنة لشعوب العالم. ولكن في حياة كانط، كان نموذج الكوسموبوليتية حُلماً يصعب تحقيقه.

في عصر العولمة الحالي، فإن فرص انتصار الكوسموبوليتية أكبر من أي وقت مضى. تتم عملية العولمة على مستويات الاتصال والاقتصاد والسياسة. يُمكننا التواصل مع الناس في جميع أنحاء العالم في ثوانٍ عبر الإنترنت. لا يتم تحديد الاتصالات العالمية من خلال التقارب والقيود ، وإنما من خلال الانفتاح والاهتمام بالآخرين والناس الغرباء .إن إرادة التواصل مع العالم بأسره هي إرادة عالمية.

وقد برز سوق رأس المال العالمي في الاقتصاد ، حيث يتم توزيع الإنتاج في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أن أعضاء الشركات يتم توزيعهم في جميع أنحاء العالم ويعملون في جميع أنحاء العالم. يتم تدويل رأس المال: ولا يُمكن تعيين الشركات العالمية في "البلد الأم".

نلاحظ ظهور شبكات ومنظمات عبر وطنية في السياسة. ويُنظر إلى السياسة على نحو أقل على أنها سياسة وطنية. وبات المستقبل مرهونًا للشبكات السياسية العالمية. وبالإضافة إلى المنظمات عبر الوطنية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تدعمها الحكومات الوطنية الفردية، فإن المنظمات غير الحكومية العاملة في جميع أنحاء العالم تكتسي أهمية خاصة. ويركز عملها، على سبيل المثال، على قضايا حقوق الإنسان وحماية المُستهلك والتعاون الثقافي. والأهم من ذلك أن الأشخاص النشطين في مثل هذه المنظمات يتهربون إلى حد كبير من سيطرة الدولة (الوطنية). ولذلك، فإن الروح العالمية تعبر في عملهم بشكل خاص.

ومع ذلك، لا يمكن فرض الكوسموبوليتية على الناس وحدهم أو بشكل حاسم "بشكل فوقي"، من خلال نظام عالمي، ومن خلال الهياكل العالمية. ولا يمكن أن تطوير ذلك إلا من خلال الفرد "من الداخل". ولا يمكن للعوامل الخارجية إلا أن تكثف تشكيلها. وينبغي أن تحمل القيم العالمية "في قلوب الناس"، كما يشير عالم الاجتماع ناتان سنايدر. وتصبح هذه القيم جزءا لا يتجزأ من الهوية الشخصية للفرد، ويمكن أن يكون لها بالتالي أثر سياسي.

بالنسبة للفرد العالمي ، يكون الفرد أكثر أهمية من الانتماء إلى مجموعة. وبالنسة له فإن الهويات الجماعية مثل الأمة أو العرق أو الجنس أو الدين أو الثقافة، أمور ليست حاسمة. إن الإنسان الكوسموبوليتاني يشعر بالقيم العالمية: فالفردية والعالمية تدخلان بالنسبة له في اتصال خلق الهوية. ولا يكاد يوجد أي مجال للنزعة الجماعية. لذلك يتسم الموقف الكوسموبوليتي بشيء متناقض على ما يبدو: من ناحية بالتوجه نحو الفرد ، من ناحية أخرى ، التوجه نحو المجتمع العالمي والأُممي.

 

 

سامي عبد العاليبدو أنَّه في مجتمعات تفتقر للآفاق الإنسانية الرحبة تنشأ حاضنةٌ الاقصاء، إذ يجد الأخيرُ مرتّعاً لبث أفكاره وفيروساته. لأن بعض المجتمعات تختار الانتماء إلى الماضي في كل ما تفعل لدرجة إغفال المستقبل. وقد يكون ذلك تاريخاً لا مفر منه، لكن تكرار العملية يجعلها نمطاً عاماً يصعب نقده وإزاحته جانباً. عندئذ يختلط (الإقصاء والمجتمع) تشكيلاً لـ"غطاء ثقافي" يُمرّر أيَّة أعمال عنف. وهذا سر انتشار آراء مشايخ التطرف ودعاته بكافة المجالات من الأسرة حتى الدولة ومؤسساتها. فغدت الآراء والفتاوى والأحاديث العامة بديلاً للمعرفة والفكر المفتوح. وإذا دققنا الأمر، فليست الآراء بمعطى التنوع ووجهات النظر على ما يشير المعنى. إنما هي بدائل أكثر عنفاً لهيمنة الشروح الدينية (التفسيرات والمذاهب والايديولوجيات والفتاوى والتشجيرات) على حياة الإنسان حتى بلغت (مختلف الديانة).

فالشروح  وراء الشروح كونَّت طبقة عازلة من التحريمات أمام أي تغير جديدٍ. ولم يكن وجود المشايخ على هامش الواقع، بل اعتبروا أنفسهم مركزاً لكل حياة سواهم. فهم يقولون خطابهم لا ليلتزموا به بل لأجل أن يسير عليه الآخرون. وليس هذا فقط، إنما ليتكلم في كافة القضايا الحياتية والغيبية، الذاتية والعامة. مما كرَّس توجُهات ثقافية سياسية ودينية متقاربة المعالم داخل المجتمعات العربية. تكمن في جوفها" دجما "حول علاقات الأفراد وتصوراتهم والمواقف من الحياة والعالم.

وعليه فقد أمسى الاختلافُ الديني والتنوع الثقافي أمراً عسيراً مثل الجحيم. لا مكان له...  فالمختلفون عقدياً (حتى مذهبياً- حتى أيديولوجيا) هم في أحسن الأحوال نباتات انبثقت فجأةً في صحراء قاحلة. عليهم أنْ يتلقوا الضربات القاتلة والتمثيل بهم مع ضياع المسؤولية عن ذلك. كأنَّ الحال وجد فجأة بلا أدنى تساؤل حول الأسباب والظواهر والتداعيات، ولنلاحظ أن الدولة لا تتكلم، هي كائن أبهم أصم لا ترى شيئاً من ذلك، وتترك مواطنيها يتزلجون على عبارات مزجاه وسائلة!! وكل ما يحدث من مظاهر تنوع إنما هو من قبيل تسيير الأمور من مرحلة إلى أخرى دون تعايش حقيقي.

ومع أنَّ الاختلاف الديني أمر تلقائي إنسانياً ولا يثير أية غرابة. ليس رجوعاً إلى أصل تقديسي إنما بحكم التعبير البشري عن الوجود والاعتقاد. وثمة فارق بين التناقض والاختلاف من هذا القبيل. فالاختلاف لا ينقل غطاءً عاماً يخفيه كما أُشير إليه. إنه قائم بحد ذاته اعترافاً بحق الإنسان في الايمان بما يشاء وقتما يشاء إلى غاية ما يشاء!! خارج الأطر الحاكمة التي تحدد: من يعتقد، وماذا يعتقد، وكيف يعتقد؟

وحتى فعل التحديد من حق الإنسان إلاَّ يتجاوزه أحدٌ أو يتطفل عليه أو يتنطع به. فالاختلاف الديني يصون حدوده، يعرفها، يقدرها، يوسعها، يضيقها كما يريد. فعندما يعرف انسان (مهما تكن معتقداته) اختلافاً ما، عليه إلاَّ تكون معرفته وفقاً لما يتوهمه (في نفسه). إنما يعتبره موضوعياً بما هو الآخر (بألف ولام التعريف) كما يعد كذلك. فلا يكتسب أي اختلاف ماهيته من الخارج. ولهذا  يعتبر المختلف دينياً كائناً مستقلاً بخلاف أي تنميط. فالتنميط (التصنيف، الفرز، التمذهب) يفترض سلطة الاقصاء والعسف. وتبدو حتى الاشارة إليه لون من التصنيف القائم على استدراج المختلف لتصورات لا تعترف به.

من جهة أخرى يخطئ من يبرر الاختلاف الديني، لأنَّه بطبيعته لا يخضع للتبرير. وليس مطلوباً من أصحابه القيام بالتبرير. لو بُرر لكان قمينا بالفشل الإنساني، بتوجيه الانتقاد إلى نفسه. وجود الاختلاف بمثابة السبب الكافي لتبريره. وليس من شأن أية سلطة التحرش به أيا كانت. فلو استند إليها سيكون مجالاً للعنف من باب خلفي. وإذا خضع لها لن يصبح اختلافاً لكنه وصاية. وما لم يُفهم داخل المجتمعات على هذا النحو، فإن الاجتماع مشروع فاشل إجمالاً.

هنا يصبح السؤال (لماذا يستهدف الارهاب أصحاب الديانات الأخرى؟!) كاشفاً. إن لم يكن استفهاماً فضائحياً إلى درجة العار. فالمساس بالمجتمع كمن يمس جسداً أنثوياً  خاصاً تحيطه اللعنات الإنسانية والإلهية. حدث ذلك الاستهداف بصدد المسيحيين مثلاً في العراق وسوريا ومصر وليبيا بشكل هوسي مسعور. كأنَّه لا يوجد سوى المسيحيين في المجتمعات المذكورة للتنكيل بهم. ولا يعني ذلك تحريضاً على سواهم. لكن بسبب أنهم ضحايا دائمين تحت أي انفجار سياسي أو عقائدي. طبعاً كلُ حالة تختلف عن الأخرى، وبنفس الوقت تتشارك عوامل سياسية في إثارة الصراع واستعماله لمصالح خاصة.

إضافة إلى أنَّ ذلك أمرٌ بارز لكون المسيحيين أكبر الكتل الاعتقادية بعد المسلمين. وإزاءهم يحاول الاسلاميون التميُز خوفاً من مخالطتهم. وفي هذا أوصى بعض الشيوخ بحتمية تلك المخالفة في الأعياد والأزياء والكلمات. حتى يبز المسلم غيره من أصحاب الديانة المسيحية. ومن ثم كان المسيحيين أهدافاً قريبة لتفريغ شحنات العنف في اجسادهم ومؤسساتهم العارية. وقد أتاحوا للإسلاميين فرصاً لأجل إعادة تشغيل نصوص القتل والجهاد وقهر الكفار ودفع الجزية والصِغار. كيف ستعمل نصوص تاريخية فقدت سياقها الآن؟!

بينما استطاعت اسرائيل أن تمتص نحوها كراهية العرب لليهود. فهي دولة قد شجعت هجرتهم إليها حيث غطاؤها العسكري والسياسي القوي. وبذلك احالت دون بقاء اليهود في مناطق الفرز الديني عربياً. ومنعت هؤلاء اليهود من العيش وجهاً لوجه أمام الاسلاميين. ودشنت جداراً من الحماية الغربية لكيانها. وبالتالي كان على الاسلاميين لينالوا منهم المرور بمصفاة القوى الدولية وبقوة إسرائيل. وهذا ما لم يحدث. فخطاب الاسلاميين الدموي ينال من الأفراد. بيد أنه إزاء الدول يستعمل خطاب الارهاب عبارات التكفير المطاطة التي تتكسر عند أول حدود. عبارات هكذا: الغرب الكافر، أمريكا الكافرة، أوروبا الماجنة. ويعتبرها كفيلة باصطياد أحد رعاياها فوق اقليمها أو في مناطق الصراع الدولي. وحتى هذا لم يتم بخصوص اسرائيل... لا بالداخل ولا بالخارج.

فنحن نعرف أنَّه مع احداث الربيع العربي الدامية لم يطلق الاسلاميون رصاصة واحدة على اسرائيل. بل صرح بعض قادتها أن الدواعش والقاعدة يقدمان خدمات جليلة للدولة اليهودية أكثر مما يقدم سواهم. وأخذوا يتباهون بكون دولتهم تقدم نموذجاً في التسامح يفوق برك الدماء حولها سواء بسوريا أو العراق. واعتبر قادة اسرائيل أنهم (مجتمع) مضطهد وسط الركام البشري المتناثر حولهم على مساحة الدول العربية. وظلوا يتصايحون -مع زيارات رؤساء العرب إلى قبلتهم الأمريكية المقدسة– بضرورة الالتفات نحو حالتهم الساكنة والوديعة. ومن قبل كان الإسرائيليون أيضاً يعتبرون أنفسهم مثالاً في الديمقراطية بخلاف كل العرب. وكلما ألقيت عليهم قنبلة ولو علبة فارغة كانوا يسوقوّنها كإبادة للدولة العبرية ولحقوق شعب الرب وأنَّ الأخطار تحيق بهم من كل جانب.

وللدقة ظلت تلك الاستراتيجية ناجعة تماماً في تحويل الأنظار عن الاحتلال والقتل اليومي للفلسطينيين وزحف الاستيطان. وبهذا بدا التخلص من فائض الدماء المجاور شيئاً مقصوداً في حالة اسرائيل.

فلربما استطاعت اسرائيل- فعلاً- اختراق التنظيمات الإرهابية لتعيد استعمالهم من الداخل. كما أن الارهابيين مصابون بـ"عمى جهادي" واضح (الأقربون أولى بالتفجير) على أساس أن قتل المرتدين والكفار المحليين أهم من كفار الخارج. وقد كرست الولايات المتحدة هذا الجهاد على أساس أن النفايات البشرية والأيديولوجية القذرة يجب أن تحرق في مكانها. فلتكن مناطق الجهاد الذي يأكل نفسه هي البيئات المحلية للإسلاميين. منها تصح أن تتسع كمقابر ومحارق كبرى. ومنها تأمين الدولة الصهيونية. وكذلك استثمار جغرافي لاستعمال الجهاديين في خلخلة البلاد واشغالها بمشاكلها المحلية.

في أكثره، يرجع قتل المسيحيين واليهود العرب إلى موروثات دينية تضرب أية اختلاف عقائدي في الصميم. وتحجب الواقع بفتاوى التكفير التي أضحت جزءاً من المسلمات الشائعة كما أشرنا. ونحن ندرك أن النصوص والأحاديث الفقهية لدى المسلمين ليست مجرد لغة. فهي كائنات تتحرك بين الناس إلحاحاً عليها في الخطابة الدينية والعلاقات الاجتماعية والتعليم والكتابات العامة. إنَّها ترصع المباني والصحائف وتهيمن على تداول الخطابات. وهي بحكم توجهها المنحاز إلى هيكل عقيدي اسلامي تفرز الناس في التعاملات اليومية. لدرجة أنَّ الآثار التي يتركها سماع النصوص المقدسة كفيل بمعرفة أية ديانة يعتنق المستمع.

فكلما رأى ارهابيٌ مسيحياً سرعان ما يرفع عواءه. ويتمتم بكلمات استعاذة من الشيطان الرجيم ولا يقترب منه بحال بل يظل يذكر الله والشهادة. وفي أحسن الأحوال يأخذ بحك (هرش) جلده أينما تقع أنامله. وإذا صافحه اعتباطاً وخجلاً، لظلت آثار السلام تأكل كف راحته إلى أن يغسلها بماء النار. ولو أفلت المسيحي من هذه الاجراءات، كانت حياته وحركاته وسكناته مضغة في أفواه متابعيه. يبقى دوما تحت المراقبة على مدار الساعة: كيف يتصرف؟ لماذا يبتسم؟ هل يذهب إلى الكنيسة أم لا؟ ألاَ يكون منافقاً في كلامه؟ هل نعطيه أماناً بأية مسألة؟ هل هو أمين أصلاً؟!

إزاء هذا الوضع اللا إنساني (واللا ديني)، نحن نحتاج نقداً يومياً لممارسات المجتمعات العربية. لحظةٌ بلحظةٍ... وسلوكٌ بسلوكٍ... وإشارةٌ بإشارة... وإيماءة بإيماءة إزاء الآخر. فكل ذلك يخفي تجاه قضايا الاختلاف الديني والمذهبي أبعاداً غائية. لعلنا نفهم حركة الناس وخشونة تصوراتهم عن الأديان وعبرها.

صحيح هم غارقون في تغليب الاقصاء وتأجيج الكراهية. لكن التربة (الأرضية) مشبعة بالاثنين لدرجة الاحتقان والتشفي في قتل المخالفين دينياً. كانت تتقاذف مشاهد الدماء في الكنائس المصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي كأنها آتية من كوكب القرود. وتبدو الحياة تلقائية في الشوارع الجانبية لمواقع التفجير. وكانت برامج التليفزيون تعج بمظاهر الرقص والتسلية والغناء كأنَّ شيئاً لم يكن. ثم ينكفئ الناس على همومهم اليومية خارج سياق التغيير. لعل أكبر الكوارث في حياة العرب المعاصرين هو تنازلهم عن تغيير الأوضاع القائمة. ماذا سأفعل؟ .. هذا هو السؤال الذي يردده كلُّ راءٍ للصور لا عقاً الحسرات.

لا مبرر للصمت الثقافي تجاه جرائم الارهابيين في الماضي والمستقبل لأنهم لن ينتهوا. حتى وإن سمعنا اعتراضاً طائشاً من هنا أو تنديداً مقصوداً من هناك، فكلام السياسيين ممل لدرجة اللعنة. والمثقفون يعوزهم نظرة أرحب للمجتمعات وآليات التاريخ في تشكيل الوعي. كما أنهم مازالوا يتسلقون الأسوار ليلاً، أسوار الدين، اسوار السياسة، أسوار المجتمع لينتهكوا الزرع والحرث والنسل. ثم المرور كالجعارين بجوار الجدران(المشي بجوار الحيط). فإلى الآن لم تُطَّعم ثقافتنا بمفردات جديدة ولا بأفكار مختلفة لاستزراع التسامح والتعايش.

أولاً: الكراهية.

مرت إشارة إلي فراغ الاسلاميين من الجانب الدنيوي (التعايش والتنوع والاعتراف). وبهذا تعتبر تلك المساحة لصيقة بالأيديولوجيا حين تخْلي الرؤى إلاَّ من سواها. فليس أكثر من الالتصاق العضوي والفكري للعقول والأجساد داخل الجماعات الاسلامية. حيث يتصورون أنهم يستعيدون تجربة السلف (كياناً وفكراً وحياة)، هذا الجيل الأول الأكثر صفاء بحسب اعتقادهم. راقبنا تلك الحشود تحت رايات الجهاد طوال التظاهرات الدينية الربيعية التي مرت. لا فوارق.. فقط هناك القرين بجوار القرين!!

هذا الالتحام تتم تقويته بالكراهية تجاه الأغيار. لقد شاع بين هؤلاء القول الشهير: ليس منا (المسلمين) من لم يحب في الله ويكره في الله. والقطبان (الحب× الكراهية) يحكمان طرائق التفكير وأساليب الحياة والعلاقات من الأدنى إلى الأعلى. فهما علاقة عمودية وليست أفقية فحسب. قيل إن أعلى درجات الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وإنَّ المسلم يؤجر في الحالين. لأنَّه يحب ما يرضي ربه ويكره ما يكره ربه. لكن ما هو المحبوب وما هو المكروه اجتماعياً؟ هنا تتدخل الأيديولوجيا الدينية لتحديد المختلف. ويجري هذا بالإجابة التي يفترض كونها من الله أيضاً.

ثانياً: التنوع

في أجواء مشبعة بالكراهية لامجال للتنوع. وبخاصة أنَّ تاريخ الاسلام السياسي لم يكن تاريخاً فردياً، بل يحتوى على جماعات وتنظيمات أشبه ما تكون بأحجار الدمينو. التاريخ الاسلامي لم يعترف بالتنوع إلاَّ ضمن خانات أخرى من التصنيف الاجتماعي أو الديني. ولذلك لا يقوم أي شخص متمتعاً بكامل الفردية (الفهم والوعي) بعنف ديني. لأنَّه يستطيع الشعور بفردية الآخرين كذلك. دوماً الانخراط في جماعات هو ما يؤجج غرائز القطيع ليجر وراءه نبذ الديانات المخالفة. وهذا ينهض على نفي أي تنوع من الأساس. لأنَّه يؤدي إلى تشويه الآخر. فإذا كانت الجماعة متكتلة (دينياً وأيديولوجياً ومذهبياً)، فلا ترى سواها إلاَّ في إطار كتلة بالمثل.

والأيديولوجيا الدينية تعمل على استبعاد التنوع وإلاَّ لما انتجت أحادية الرؤية والفعل. بل يعتبر الاسلاميون التنوع النفسي والفكري نوعاً من وسوسة الشيطان. والدعاء ليس بعيداً: "اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على إيمانك". والقصد ليس ايماناً خالصاً لأنه لا يوجد هذا الإيمان طالما كان في جوف إنسان. فالإيمان يزيد وينقص ويتأرجح محتاجاً إلى مجاهدة واخلاصاً في العبادة. إنما المقصود هو طريق الخير الذي عرفوه خلال التنظيم الجماعي الذي ينخرطون فيه.

التنوع بالنسبة للديانات ليس ترفاً. لأن المعتقد غير قابل للمناقشة على صعيد الإيمان. وبخاصة في الثقافات الشرقية التي تفتش عنه في كل وقت. بعض ثقافات الشرق غدت عنواناً على سيادة الرأي الواحد والسلطة الواحدة والحقيقة الواحدة والاعتقاد الواحد والشعور الواحد. فيأتي الدين بمثابة الغلاف الكلي الذي يضم هذه الأغلفة السابقة. إنه يعلن عن نفسه عبر نواة خارج التاريخ. وأكاد أجزم أنَّ الاسلاميين لا يتصورون- مجرد التصور- أنَّ هناك أناساً سواهم لهم مواقف ومعتقدات مختلفة.

التنوع الانساني يتبلور في شأن ثانٍ هو الآخر. كيف لمن لا يرى سواه ولو قابله يومياً أنَّ يعتبره تنوعاً؟ إنَّ قضية التنوع –إلى حد التناقض- بمثابة الثراء الإنساني. لأنَّ انساناً بدون تنوع (المغاير) ليس إلاَّ صورة للموت. وهذا أحد أسباب خطوة التفجير نتيجة حزام ناسف أو قنبلة. لأن التخلص من المتنوع المغاير لا يتم إلاّ بالأنا المماثل إلى درجة الجنون. وطالما يختفي التواصل المتنوع، فلا بديل سوى القتل.

ثالثاً: الحقيقة

ينعدم الاختلاف الديني حيث تكون الحقيقة محتكرة سلفاً. وطبعاً توحد الأيديولوجيا الدينية بين الحقيقة والأشخاص. فالآراء المتغيرة لا مجال لها. إن أخطر ما يرسخه الاسلاميون هو أن الحقيقة تمثل جسداً حياً. تنطق بنطق صاحبها وتأفل كلما أفل وجوده. ولهذا كان أبرز ما يميز الجماعات الاسلامية هو التقديس الروحي والعضوي للمشايخ. اللحى في هذا الإطار جزء من العملية. ناهيك عن الفتاوى والترميز إلى أهمية المشايخ لسريان تعاليم الدين وصحتها.

لا توجد  هناك "حقيقة" كما قد يتصور البعض لدى الأيديولوجيا الدينية. فالحقائق مطلقة ولم يعد ممكنا إدراكها كموضوع انساني. وهي كم من الاسقاطات التي تجر بعضها البعض كأنها عربات قطار سائر قديماً ومازال بطريق الحرير الشهير. كما أن الحقيقة لن تكون في مكان آخر، إنها تعود فقط إلى الأيديولوجيا ذاتها. لأن اليقين مرشوق فيها سلفاً كسهم مقدس سقط من السماء لا يفارقها. والحقيقة ليست مختلفة في تلك الذهنية، بل هي ماثلة في دماغ مطلق يتحرك به المجموع. فضلاً عن كونها توجد على مستوى أسطوري غير قابل للنقد.  وهكذا إنما يكون التصديق بها نتيجة عوامل أخري، يشترك فيه الواقع والخيال، الوهم والفعل، الغائب والحاضر، المقدس والمدنس.

رابعاً: التسييس

يحتاج الاختلاف الديني حياة مفتوحة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. لأن التسييس أمر يجر ويلات الإحتراب الأيديولوجي. حياة مفتوحة شريطة أن يكون دوماً سياق الاختلاف غير ديني. أي أنه يفقد المرجعية التي يستند إليها في خصوصيته المطلقة. فلا يصح الاعتقاد بناء على مرجعية (مذهبية أو نصية) هو ينتمي إليها من قبل. مثل الاسلام السياسي الذي لا يري غير عقائد المسلمين هي الأصح بينما ما سواها يذهب إلى الجحيم. والمسألة أن تغليب المرجعية لا يزاحم المعتقدات الأخرى، بل يهدم المجتمعات من حيث المبدأ.

الأهم هو: كيف يكون ثمة مجالٌ عام يقبل هذا التنوع بشكل ثري وحر؟ للأسف جائت الدولة في المجتمعات العربية جهازاً مشوهاً. لأنها تهادن التيارات المتشددة الغالبة وتماثل طريقة عملها حيث تمارس عنفاً وإقصاء للمختلفين معها في السياسات والآراء. ولأن تلك التيارات تتداخل مع معتقدات اجتماعية أتاحت لها حركة أوسع في باطن المؤسسات والمرافق الحيوية. فالسلفية – مثلاً- ليست جماعة إنما تقاليد دينية تحرِّض على استئصال المختلفين عقائدياً. ومن حين لأخر تطلق فتاوى "التكفير الناعم" فيأتي القتل ترجمة دموية لا يُخطئ الهدف.

إنَّ الاختلاف الديني أمر جوهري في الحياة، وهو الأساس بالنسبة للمعتقدات. وقد بنيت الديانات على هذا وإلاَّ لما كانت ثمة ضرورة لتنوعها ونزولها على فترات متباينة، لم يلغِ إحداها الأخرى، لأن ذلك سيكون إلغاء لما يخص الأفراد ويتيح لهم التأمل والتفكير الحر. وعندما يهب الإرهابيون لإلغاء الديانات السابقة، فهم يلغون ما يعتقدون ويلغون سنن التاريخ والاجتماع البشري.

 

سامي عبد العال

 

 

عامر صالحكانت التفجيرات في مرفأ بيروت ليست حدثا لوجستيا فقط أشاع الخراب فيما حوله وعطل الحياة اليومية بالكامل وأرجعها الى عقود مضت او عودة الى اللاحضرية وتقهقر بيروت الى حياة بدائية سبقت تألقها في محتلف مجالات الحياة الادبية والثقافية والعمرانية والسياسية، بل انه نكوص في الحضارة المادية وما تفرزه من نكوص سيكولوجي يعود بالتفكير الى مراحل سبقت نهضة بيروت الجميلة واستقلالها من الاحتلال الفرنسي، ولكن لا توجد فنتازيا مبتذلة خارج فهم الظروف الموضوعية التي انتجت انساق من التفكير الغرائبي الذي يدفع بأتجاه العودة الى الماضي.

على الرغم من انتهاء الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1943 وانسحاب آخر جندي عام 1946 بعد أكثر من 20 عاما من الاحتلال، ترددت أثناء جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حي الأشرفية اللبناني، أمس الخميس، هتافات باللغة الفرنسية التي يجيدها اللبنانيون جيدا تقول: "تحيا فرنسا"، كما كانت هناك دعوات بعودة الانتداب الفرنسي، تأكيدا على عدم الرضا عن النظام الحالي، وهناك ألحاح شعبي يطلب بعدم تسليم أي مساعدات دولية الى الحكومة اللبنانية مباشرة لأنها" كما يقول البيروتيين " ستسرقها كما هي في سابقاتها من المساعدات، فهل الشعب اللبناني المعروف بحسه المرهف وفطنته كان غبيا في مطالباته !!.

لقد عانى الشعب اللبناني كثيرا، وتغلب على الكثير من المآسي من قبل، ابتداء من المعارك الضارية بالوكالة إلى حرب أهلية كارثية دمرت وسط بيروت. وأظهر الشعب اللبناني قدرة فائقة على التحمل؛ لكن يبدو أن صبره نفد الآن، خاصة بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الماضي. اليوم يعيش لبنان حالة اللادولة، بل هو ركام دولة أسست لها المحاصصات الاثنية والطائفية في اطار مشروع ابقاء لبنان ضعيف وأسير للمليشيات الطائفية والكارهة اصلا لبناء دولة المواطنة العابرة للطوائف والاديان، وبالتالي فأن الصراع بين الدولة والفوضى هو صراع لم يستكين، بل ان كفة اللادولة هي الارجح في النموذج اللبناني الذي يسير على سنته النموذج العراقي.

ان الفشل في النهضة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة وبناء دولة المواطنة هو احد اسباب نكوص المواطن اللبناني بل وحتى العراقي في ترحمهما على الاحتلال والرغبة في عودته، فأنعدام الخدمات الانسانية الاساسية من صحة وتعليم وكهرباء هي مقياس جوهري لجهد الحد الادنى لأي نظام انساني عادل، والعدالة ليست في ابتذال واجترار الشعارات، بل في خطوات ملموسة لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها بما يجعله انسانيا غير متؤسف على الاحتلال وعودته، وما يتحقق على الارض اللبنانية والعراقية هو مخزي ومعيب ولن يمت بصلة لنهضة الانسان واشباع حاجاته الاساسية الاولى، فالفساد وسرقة المال العام والرشوة والمحسوبية في كلا  البلدين يستنزف موارد البلدين ويجعلهما في صدارة البلدان الاولى في العالم من حيث الفساد وعدم الاستقرار، فهل تحرير فلسطين يمر عبر بوابة الفساد الاداري والمالي لبيروت وبغداد.

عندما نستنكف من الاحتلال الفرنسي للبنان ونشك بتضامنه، وكذلك في العراق نمتعض ونشك عندما يعلن المحتل الغربي والامريكي وقوفه مع الشعب العراقي " وهو مزاج مشروع في اغلب دوافعه " علينا ان نقدم قوة المثل في بناء دولة المواطنة الجامعة لكل التنوعات الاثنوظائفية بعيدا عن التخندق الميليشياوي، دولة قوية وليست دولة عميقة تنفرد فيها ميليشيات سائبة في ادعاء تحرير فلسطين، ويعرف القاصي والداني أنه اذا اريد تحرير فلسطين فأن اول ما تحتاجه هو دول قوية مساندة ومتماسكة في الداخل، وفيها اشباع الحد المعقول من الامن والحاجات الاساسية الانسانية، من صحة وتعليم وخدمات، وفيها وحدة القرار المصيري وليست كل يقرر مصيره بمفرده، فالدول لا تنتصر على اعدائها إلا بوحدتها وتماسكها الداخلي، وبديمقراتياتها النزيه وليست المزوره، فأرادة الشعوب هي الفصل بين الحق والباطل.

لقد كان ترحيب اللبنانيون بزيارة ماكرون " المحتل " لا يوصف، حيث وقف في وسط الجماهير في بيروت وتحدث إليهم؛ بل إنه أزاح أحد حراسه جانبا من أجل أن يعانق سيدة لبنانية رغبت في ذلك. لقد اعتبره اللبنانيون "منقذا لهم". لقد بادر بهذه الزيارة غير مبالٍ بالمخاطر، وأقلها إمكانية الإصابة بفيروس "كورونا" وسط جموع اللبنانيين الذين جاء إليهم للإعراب عن تضامنه وتضامن فرنسا معهم.

لقد كان ماكرون أثناء جولته يرتدي ربطة عنق سوداء، تعبيرا عن الحزن على ضحايا الانفجار المدمر الذي شهده مرفأ بيروت الرئيسي وأسفر عن مقتل من 135 شخصا "حتى لحظة كتابة المقال " على الأقل وإصابة الآلاف، وتشريد حوالى 300 ألف شخص. وتقدر الأضرار بنحو 5 مليارات دولار، وهو مبلغ لا تمتلكه لبنان الآن، حسب بلومبرج. وفي حديثه للصحافيين في نهاية زيارته دعا ماكرون إلى إجراء تحقيق دولي لتحديد أسباب الانفجار، الذي تردد أنه كان نتيجة لوجود شحنة كبيرة من نترات الأمونيوم في أحد مستودعات المرفأ. وقال ماكرون: "نحن في حاجة إلى تحقيق دولي شفاف وصريح، لضمان عدم إخفاء أي شيء أو بقاء أي شكوك"، بالتأكيد فهناك من يشكك بنوايا ماكرون ويعتبر سلوكه دعوة لزعزعة لبنان واستقراره" وهو البلد الفاقد للاستقرار اصلا ".

غدا سيأتي مسؤول امريكي او غربي الى العراق على خلفية اي حدث ارهابي او تفجيرات بأسباب مختلفة لا سامح الله " وخاصة للأسلحة والعتاد والمتفجرات السائبة المنتشرة في ارض العراق"  وسنرى كيف يحتضنونه العراقيون ليست محبة به " فالمحتل لا يستساغ مهما كان " ولكن فشل الحكومات العراقية المتعاقبة في تأمين الحد الادنى من العيش الكريم الى جانب اهدار المال العام والفساد الاداري ونخر مؤسسات الدولة العراقية، سيضع العراقيين في موقع المصفق على مضض لمن يأتي لنجدتهم سواء كان امريكي أم غيره، أنها آلية نفسية طبيعية تجسدها العودة الى الاعتزاز والتشبث بمرحلة سابقة برغم سلبياتها واشكالياتها بسبب من تدهور الحاضر وانعدام أفق المستقبل، أنها حالات من من الحنين المشروع وغير المشروع يجسدها عمق ازمة الحاضر غير القابلة للحل في المنظور القريب وما يرافقها من يأس وجزع لدى المواطن العراقي.

تفجيرات بيروت ألقت بظلالها على شكل مخاوف مشروعة لدى الشعب العراقي بسبب من تشابه بنية النظامين السياسيىن القائمين على ضعف الدولة وسيطرة الميليشيات التي تتدخل في اقحام الحكومة العراقية ورسم سياسات غير مستقلة من مختلف القضايا الاقليمية والدولية ودفع العراق الى المزيد من التخندق والارتهان لمختلف المحاور ذات عدم الاستقرار. والحل واحد في بيروت وبغداد والذي يكمن في حصر السلاح بيد الدولة وبسط نفوذ الدولة وان يكون القرار بيد الدولة حصرا. أنها سنة بناء دولة المواطنة الحاضنة للجميع بعيدا عن الاجتهاد المؤذي والمخرب للدولة والمجتمع، وكل الاجتهادات واردة ولكن تحت مظلة الوطن والقرار الوطني.

 

د.عامر صالح

 

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

تعتق نظرية الانفجار العظيم وتجاوز الزمن والعلم لها:

استخدم، وأكاد أقول استهلك، علماء العالم نموذج نظرية الانفجار العظيم، البغ بانغ Big Bang على مدى عقود طويلة استمرت لأكثر من قرن، لشرح أصل وتطور الكون المرئي. وبالرغم من صحة النموذج ومصداقية الكثير من خصائصه وهو معاصر وحديث بالمعايير العلمية، لكنه بات عجوزاً. فهو يعود لسنوات العشرينات من القرن العشرين المنصرم ووصف قدر الإمكان قصة الكون المرئي ونشأته وتطوره فهل نجح في ذلك تماماً؟ أ أنن بحاجة لنموذج آخر أو تحديث هذا النموذج وفقاً لآخر الاكتشافات والمشاهدات والتجارب والنظريات العلمية في مجال علم الكونيات الكوسمولوجيا؟

نجح العلماء في صياغة قصة عظيمة للكون عمرها 13.8 مليار سنة. فريدة من نوعها، أصلية، لم يسبق لها مثيل، استثنائية، خارقة للتصور، وأحدثت قطيعة مع كافة الحكايات والنصوص الكونية التقليدية، والمقصود بها قصص الخلق الأسطوري للكون والتي أسماها غاستون باشلارد "تأملات أسلافنا القدماء" بغية صياغة نموذج للكون باعتباره نظاماً فيزيائياً في مجال علم الفك، وكانوا بذلك يعتمدون على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، التي صيغت في عام 1915. عندما اكتشفها الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان في عام 1922، كان أول من أدرك حقيقة أن هذه النظرية تسمح بدراسة بنية الكون ككل. ومنذ العام 1922، ثم في عام 1924 ، وصف تطور الكون في الزمن والذي ينطوي ضمنا على وجود الفرادة الأولية أو الأساسية. توصل في عام 1927 إلى نفس النتيجة، الراهب والفلكي والفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر الذي أعلن أن انحسار وابتعاد أو هروب السدم والمجرات الحلزونية التي لاحظها عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل عام 1929 ما دعاه لاستنتاج فرضية توسع الكون. هذا التوسع ينطوي على بداية. لوصف ذلك، تخيل جورج لوميترLemaître في الثلاثينيات أن المادة والزمان قد ولدا من "ذرة" بدائية واحدة، وهو نموذج يبشر بالنظرية المعروفة الآن تحت اسم "الانفجار الكبير أو البغ بانغ"، وهو التعبير الذي أطلقه عليه فريد هويل ، في محطة بي بي سي، في عام 1949 تهكماً. كان هويل من المؤيدين لنموذج كون ثابت لن يكون له بداية ولا نهاية، وكان يعتقد أنه بهذه التسمية يسخر من نظرية منافسة من خلال صياغة تعبير أصبح "نجمًا" للمفردات الفلكية. يشير التعبير اليوم إلى نظرية مقبولة من الجميع، لأنها تشرح ثلاث سلاسل من الملاحظات المستقلة، وكلها لا جدال ولا اعتراض عليها: أولاً، يبدو أن المجرات البعيدة تبتعد بسرعة أكبر عن الراصد كلما كانت أبعد: في بدايته، كان الكون أكثر كثافة وسخونة، مثل غاز يسخن عند ضغطه. ثم، في كل مكان في الكون، توجد نفس نسبة الهيليوم (8٪ من عدد ذرات هذا العنصر)، مما يعني أن الكون قد مر بمرحلة تكون فيها الكثافة ودرجة الحرارة عالية ومرتفعة بدرجة كافية للسماح بتوليف هذا العنصر. وأخيرًا، يشهد الإشعاع الخلفي الأحفوري الميكروي المنتشر المكتشف في نطاق الموجات المكروية كشاهد على المرحلة الكثيفة والساخنة التي مر بها الكون في بدايته. مبنية على هذه الركائز الثلاث، تفترض نظرية الانفجار الكبير أيضًا فرضيتين: عالمية أو شمولية قوانين الفيزياء، وحقيقة أن الكون متجانس (بكثافة متساوية) وعلى مستوى واسع جدًا (هو ليس له مركز). وهكذا، تنشأ نظرية الانفجار الكبير من اللقاء بين نظريتين فيزيائيتين: النسبية العامة (آينشتاين) وتمدد الكون (فريدمان / لوميتر / غامو / هابل): لنعرض بالمعكوس " فيلم "عن تمدد الكون مع معادلات أينشتاين في النسبية العامة، وكلما توغلنا في الماضي، كلما تناقصت أبعاد الكون المرئي، زادت درجة الحرارة، وزادت كثافة زيادة المادة. عندما نحل المعادلات إلى أقصى حد ممكن على المستوى النظري، نصل إلى عالم نقطة ponctuel وبالتالي من حجم صفر، وبالتالي فرادة ترتبط به درجة حرارة لا نهائية، وكثافة لا نهائية وحجم صفري: "الانفجار الكبير" (التفرد الأولي أو الفرادة الأولية الأساسية). هذا نموذج من الخمسينيات، عندما ظهر علم الكونيات العلمي بعد اكتشاف النسبية العامة لأينشتاين، مما جعل من الممكن اعتبار الكون كجسم مادي حقيقي - لأول مرة - مع خصائص عالمية (انحناء الزمكان). لكن هذا الاستقراء النظري الذي يقوم فقط على معادلات النسبية العامة، يأخذ في الاعتبار الجاذبية أو الثقالة فقط وليس التفاعلات والقوى الأساسية الجوهرية الثلاثة الأخرى. ثم يكون الحساب صحيحًا رياضياتيًا، لكنه خاطئ ماديًا لأنه يؤدي إلى الفرادة دون وصف حركات الجسيمات عالية الطاقة (لأنه يتجاهل القوى الثلاث الأخرى). الزمن الذي تصبح فيه معادلات أينشتاين خاطئة مادياً ومعطلة يسمى "جدار بلانك". يتوافق جدار بلانك، في تاريخ الكون، مع اللحظة الأصلية لتشابك ظواهر الكموم والجاذبية. لتجاوزه (نظريًا)، نحتاج إلى شكليات موحدة قادرة على دمج كل من ميكانيكا الكموم أو الكوانتوم والنسبية العامة، وهو ما ينقصنا حاليًا، لأن الشكلين يعتمدان على مبادئ متناقضة (الاختلاف في هندسة الزمكان من نموذج لآخر). هل استوعبنا المشكلة؟ إن نظرية الانفجار العظيم التي تصف تاريخ الكون في عملية توسعه التدريجي صحيحة تمامًا.. حتى نقطة معينة في تاريخ الكون. ومع ذلك، فإن نموذج الانفجار العظيم يتنبأ بوجود لحظة صفرية عندما يكون للكون درجة حرارة وكثافة لا نهائية، قبل جدار بلانك. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع النماذج النظرية المعاصرة المستخدمة على نحو تجريدي، تعمل لمحاولة التغلب على جدار بلانك (نظرية الأوتار الفائقة، الجاذبية الكمومية الحلقية أو العروية، نظرية الفراغ الكمومي، نظرية الكون المتعدد أو تعدد الأكوان أو الأكوان الموازية، علم الأكوان_ الأغشية أو البرانات الكونيات، وكلها تشترك في شيء واحد: إبطال فكرة التفرد أو الفرادة الأولية. بعبارة أخرى، وفقًا لكل هذه النماذج، لم تكن درجة الحرارة في الكون أبدًا لانهائية، الأمر الذي يتعارض مع الوجود الافتراضي للانفجار العظيم الذي يعتقد أنه " اللحظة 0 ". وبعبارة أخرى، ليس لدينا دليل علمي على أن الكون له أصل، وليس لدينا دليل على أنه ليس له أصل. هذا السؤال المطروح باستمرار على أنه مغلق هو في الواقع مفتوح. لكن بما أننا في ثقافة تعزز أن للكون المرئي أصلًا وبداية، كان هناك اندماج بين توهج اللاهوتيين اللاذعين والانفجار الكبير للفيزيائيين ("ما بعد الانفجار الكبير لك، وما قبل الانفجار الكبير لنا"، كما قال البابا جون بول الثاني لستيفن هوكينغ).

 جدار بلانك :

يوجد في الفيزياء ما أصطلح على تسميته بالثوابت الكونية constantes universelles التي تنظم القوانين الأساسية، وبالتالي النظريات. من بينها: ثابت نيوتن للجاذبية (G)، سرعة أينشتاين للضوء (c)، ثابت بلانك (h). يتوافق جدار بلانك مع لحظة تداخل الظواهر الكوانتية أو الكمومية مع والجاذبية أو الثقالة. لذلك يجب أن يتضمن وصفها هذه الثوابت الأساسية والجوهرية الثلاثة.

في الكون المبكر، لم يكن هناك سوى الجسيمات الأولية فقط (الكواركات والنيوترينوات والفوتونات إلخ) مسجونة في حيز ذو حجم صغير، لكنه يتمتع بطاقة عالية جدًا وتتفاعل مع بعضها البعض. وبالتالي، فقد شكلت المحتوى المادي للكون بالكامل، ومع توسع الكون وتبريده، فقد جزءًا متزايدًا من طاقتها وانخفاض درجة هيجانها تدريجيا. عندما تصل درجة الحرارة إلى قيمة منخفضة بما فيه الكفاية، فإن الكواركات، الحساسة للتفاعل النووي الشديد أو القوي، باتت قادرة على الاندماج لتكوين أنواع كثيرة من الجسيمات المركبة (الهدرونات) التي صنفها الفيزيائيون. في هذا الوقت، اجتمعت التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية الضعيفة، رغم اختلافها الشديد عن بعضها البعض، لتشكيل القوة الكهروضعيفة، والتي انقسمت بسرعة إلى قوتين مختلفتين. يشير "جدار بلانك" إلى مرور الفترة في تاريخ الكون التي كانت خلالها التفاعلات الأساسية الأربعة موحدة ومطبقة في نفس الوقت، وبالتالي في نفس الشكلية. كما أنه يشير إلى اللحظة التي تتوقف فيها معادلاتنا والتناقض بين الشكلين الفيزيائيين الفلكيين العظيمين (النسبية العامة والفيزياء الكمومية). العلم قادر حاليًا على وصف تاريخ الكون الذي يفصلنا عن جدار بلانك الذي دام 13.78 مليار سنة. العلماء دقيقون للغاية من اللحظة التي قام فيها التمدد بتبريد الجسيمات بما فيه الكفاية بحيث تكون طاقتهم من طاقة البعوض أثناء الطيران (السرعة القصوى التي يمكن استنساخها مع LHC مصادم ومسرع الجسيمات في سيرن). من الطاقة التي طورتها البعوضة أثناء الطيران إلى تلك التي طورتها القطارات السريعة TGV بأقصى سرعة (تقابل بضعة أجزاء من الثانية مما يتيح الوصول إلى جدار بلانك)، لا يمتلك العلماء حاليًا قياسات تجريبية دقيقة.. لذلك، فإنهم ملزمون بالرضا عن النماذج النظرية والأفكار والنظريات الفيزيائية، للتظاهر بتصور هذه المرحلة. ولكن في الجزء العلوي من جدار بلانك نفسه، لا يمكن قول أي شيء.. لذلك من السخف الحديث عن فرادة مبدئية، أو أصل للكون أو لحظة O. القوانين المعروفة في الفيزياء تتوقف عن العمل أمام جدار بلانك. نشك ببساطة في بأن مفاهيم الزمن والمكان لم يعد لها معنى. قبل تحليل النظريات

الكمومية أو الكوانتية، دعنا نعود للحظة إلى النسبية العامة وحدودها: وصف أينشتاين التركيب المنحنى للزمكان في النطاق الماكروسكوبي  بواسطة النسبية العامة ولكن لا تسطيع أية نظرية وصف بنية الزمكان في المستوى أو النطاق المكروسكوبي لأن ذلك يتطلب نظرية موحدة، تسمى "نظرية كل شيء" ، أي تصف  القوى الجوهرية الأربعة في الكون البدئي. فجدار بلانك يمثل اللحظة الذي لم تعد فيه فيزياء آينشتاين صالحة، لأنح وحسب النسبية العامة، إن التفاعل الثقالي هو الذي يخلق الزمكان. ولكن في هذا النموذج، لم تعد الجاذبية قوة تمارس في الكون، ولكن الخاصية الهندسية للزمكان نفسه، هي التي تولد انحناءه). ومع ذلك، فإن الجاذبية هي في الواقع القوة الضخمة واسعة النطاق بين القوى الأساسية الأربع العاملة في الكون، لكنها ليست الوحيدة. وبالعكس، هي أيضًا القوة الأقل فعالية على المستوى الذري وما دون الذري. 

لذا فإن النسبية العامة هي نظرية تحمل اسمها السيئ، فهي نسبية وليست كلية شمولية، لأنها خاصة بالجاذبية أو الثقالة، وبالتالي فهي ليست عامة. للعودة إلى الفرادة الأولية أو الأساسية (الانفجار الكبير)، من الضروري أن نأخذ في الاعتبار أن الكون، بالإضافة إلى الجاذبية، يواجه ظروفًا فيزيائية تتوافق مع المواقف التي يكون فيها للجسيمات طاقة أكثر بكثير من الكون الحالي و يخضع كل شيء لقوى التفاعل في نفس الوقت. من أجل وصف الكون البدائي، من الضروري تطوير نظرية قادرة على وصف قوى التفاعل الأساسية الأربعة في وقت واحد. الآن، كما فهمت، يتم وصف الجاذبية في الوقت الحالي فقط على المقياس الماكروسكوبي من خلال معادلات النسبية العامة لـآينشتاين، وهي شكلية معينة تأخذ فقط في الاعتبار الجاذبية كجسم مادي بينما يتم وصف القوى الأساسية الثلاثة الأخرى فقط، على نطاق مجهري أو مادون مجهري، بواسطة فيزياء الكموم أو الكوانتوم (بتعبير أدق، نظرية المجالات أو الحقول théories des champs) التي تقوم على شكليات أخرى. وبتعبير آخر، يحاول علماء الفيزياء الفلكية الجمع بين النسبية العامة (التي تصف الللامتناهي في الكبر ، وبالتالي الكون على نطاق ماكروسكوبي) مع فيزياء الكموم أو الكوانتوم (التي تصف التفاعل النووي الضعيف والتفاعل النووي القوي والكهرومغناطيسية مجتمعة في النطاق الميكروسكوبي أو اللامتناهي في الصغر. ومع ذلك، تستند فيزياء الكموم على مباديء متناقضة مقارنة بالنسبية العامة، لأن النموذجين لا يعتمدان على نفس الزمكان! مثلا في فيزياء الكموم، الزمكان جامد ومسطح (بدون انحناءات) وغير منفصل تمامًا عن المادة التي يحتوي عليها. إنه أيضًا الزمكان في النسبية الخاصة، أي زمكان بوانكاريه_مينكوفسكي Poinca -Minkowski. الذي هو مختلفة تمامًا عن الزمكان في النسبية العامة التي تتسم بالمرونة والديناميكية، وتعترف بالانحناءات في الزمكان عن طريق الجاذبية أو الثقالة وتتفاعل بشكل مستمر مع المادة والطاقة الموجودة في داخله. لعبور "جدار بلانك"، يجب أن نتفق على الزمكان الذي نختاره لتوحيد القوى الأربع، لأنه لا يمكننا الاعتماد على مكانين مختلفين (مسطح / منحنى) في نفس الوقت. ومع ذلك، فشلت جميع المحاولات لتوحيد الشكليات. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذين الشكلين، على اختلافهما، قد تم تأكيدهما تجريبيا. تم تأكيد النموذج القياسي المعياري  لفيزياء الكموم في عام 2012 مع اكتشاف بوزونات هيغز Higgs Boson ، وتم تأكيد النسبية العامة مرة أخرى في عام 2016 مع اكتشاف موجات الجاذبية. باختصار، النموذجان فعالان بشكل كبير وصالحان، ومع ذلك غير متوافقين!

مسارات الكم:

من الواضح أننا نحاول مع ذلك عبور "جدار بلانك "من الناحية النظرية. في الوقت الحاضر فإن النهج الأكثر شيوعًا هو نظرية الأوتار الفائقة. تم وضع أسسها النظرية الأولى في السبعينيات من قبل غابرييل فينيزيانو Gabriel Veneziano، وجويل شيرك Joel Scherk، وبرنارد جوليا Bernard Julia، وجون شوارز John Schwarz، ومايكل غرينMichael Green. تستبدل النظرية جميع الجسيمات التي نعرفها بجسم واحد ممتد، الوتر الفائق، الذي يهتز في زمكان مع 6 أو 7 أو 22 بعدًا أكثر من الزمكان العادي. في الواقع، في السبعينيات، تم إثبات أنه لا يمكن للمرء أن يأمل في توحيد الجاذبية والقوى الأساسية الثلاثة الأخرى في الزمكان رباعي الأبعاد. هذا هو السبب في أننا نستخدم اليوم نماذج تقبل أبعادًا أكثر. سيتم طي هذه الأبعاد الإضافية على نفسها عند حجم صغير جدًا الحيز المجهري، بحيث تكون غير محسوسة. تتوافق أوضاع الاهتزازات المختلفة للوتر الفائق مع الجسيمات المحتملة المختلفة (يتوافق وضع واحد مع الإلكترون ، وآخر مع النيوترينو، والثالث مع الكوارك..). لذلك تبدأ النظرية من افتراض أن الجسيمات الأولية ليست كائنات مادية نقطية ذات حجم صفري (نقاط)، ولكنها سلاسل اهتزازية يمكن فتحها (بنهايتين مختلفتين) أو حلقات (مع نهايتين مجتمعتين منغلقتين) حيث السينماتيكا cinématique محكومة بالنسبية الخاصة، ودينامياتها تحكمها فيزياء الكموم. إن نظرية النسبية العامة لا تظهر في صلب فرضية النظرية، مما يعني أنها "تبدأ" دون ملاحظة وجود الجاذبية. وبالتالي، لا تستدعي النظرية الثقالة، ومع ذلك، من المبادئ التي لا تحتوي على الجاذبية، على مقياس مسافة معينة، تصنع معادلات أينشتاين للجاذبية. لذلك تتوقع نظرية الأوتار الفائقة الجاذبية كقوة ضرورية وهي نتيجة التطابق الذي وضع العلماء على طريق "نظرية كل شيء" التي ماتزال متذبذبة. مثل الجنية، تنبثق نظرية النسبية العامة من الحاجة إلى وجود جسيم له جميع خصائص جسيم الجاذبية أو الثقالة المعروف باسم الغرافيتون، من المفترض أن يكون الوسيط الحامل والناقل للجاذبية. يظهر هذا الغرافيتون في الحسابات كحالة اهتزاز معينة لوتر مغلق وبالتالي لحلقة، وهو نفس الـ"نسق المعين لأوتار مفتوحة الذي يتوافق تمامًا مع الفوتون، وهو الجسيم الوسيط للتفاعل الكهرومغناطيسي. يمكننا أن نقول عن نظرية الأوتار الفائقة أنها تغطي نظرية الكموم للكهرومغناطيسية التي نسميها"الكهروديناميكا الكمومية، انطلاقاً من إطار شكلي تحكمه الفيزياء الكوانتية أو الكمومية ونظرية النسبية الخاصة ولايشملان الثقالة أو الجاذبية تقودنا مباديء نظرية الأوتار الفائقة الى معادلات النسبية العامة. ما يسمح لنا بالقول إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمومية أصيلة للثقالة أو الجاذبية.  يقولون إن هذه النظرية الجديدة هي نظرية كمية حقيقية للجاذبية. تؤدي نظرية الأوتار الفائقة بشكل خاص إلى "نظرية المجال الكمومي"، والتي تنتج عن التزاوج بين فيزياء الكموم ونظرية النسبية الخاصة وتشكل الشكلية على أساس النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات. نظرًا لأن نظرية الأوتار الفائقة تتخلص من فكرة التفرد الأولي أو الفرادة الأولية، فإن بعض النماذج المعروفة باسم ما قبل "الانفجار الأعظم" تحل محل الانفجار الأعظم بمرحلة كثيفة للغاية يمكن أن تكون بمثابة "جسر كمومي" بين كوننا المتوسع و آخر كان سيسبقه (في الواقع هو نفسه، ولكن في حالة الانكماش العظيم). تم اقتراح إصدارات مختلفة من هذه النماذج  من بينها وأبرزها نموذج  غابرييل فينزيانو، أحد مؤسسي نظرية الأوتار الفائقة. كان الكون قد شهد قبل الانفجار العظيم تطورًا متناظرًا لما كان عليه بعد الانفجار العظيم و خلال هذه المرحلة الوسيطة ،فإن كثافة المادة ، بدلاً من التناقص كما هو الحال في الكون الحالي، تكون مرتفعة أكثر فأكثرفي حين تناقص أبعاد الكون حتى تبلغ كثافة الطاقة  ودرجة الحرارة القيم القصوى الحرجة التي تسمح بها نظرية الأوتار الفائقة . في هذه اللحظة يرتد الكون على نفسه وبدلاً من تقلصه سوف يتمدد  وكل القيم التي تزداد سوف تتناقص بين المرحلتين المتميزيتن وهكذا فإن الكون السابق للانفجار العظيم يمكن أن يلاحظ وكأنه انعكاس لصورة في مرآة للكون اللاحق  أي ما بعد الانفجار العظيم والذي هو بدوره ليس سوى مرحلة انتقالية بين مرحلتين متمايزتين لنفس الكون فبدلاً من التقلص، يكون توسع وكل المقادير التي ازدادت تنمو. هكذا الكون السابق. هناك متغيرات أخرى، مثل علم الكونيات البراني كون الأغشية والنظرية الثقالية الكمومية الحلقية أو العروية أو نظرية الفراغ الكمومي ، نظرية الجاذبية الكمومية المهم هو أن كل هذه النماذج النظرية تتعارض مع فكرة اللحظة O التي تشير إلى بدء الكون وأصله.

تجدر الإشارة إلى إن عبارة "الانفجار الكبير" كانتذات معنى انتقاصي أو تحقيري في البدء، ولكن بالنسبة للكثير من الأمور كانت غير اللائقة: لا يعرض الانفجار الكبير فكرة تشتت المواد في جميع الاتجاهات لملء مساحة فارغة مسبقًا، كما يوحي التعبير. إنه الفضاء نفسه الذي يتوسع بمرور الوقت، وبالتالي زيادة المسافات بين الأشياء التي تنطوي عليها في توسعها.

ما هي النظرية المثبتة؟

قد يتساءل المرء بشكل شرعي كيف يمكن إثبات نظرية الانفجار العظيم إذا كانت في النهاية ... غير مثبتة. من المهم أن نفهم كيف يعمل العلم: كتذكير، لا توجد نظرية مثبتة حقًا. يقين العلم لا يمكن إلا أن يتعلق بالدحض. هذا ما فهمه فيلسوف العلوم كارل بوبر: من المستحيل إثبات صحة النظرية العلمية بشكل قاطع. يسأل الناس أحيانًا بسذاجة: هل هذه النظرية مثبتة؟ لا توجد نظرية مثبتة - وهذا هو السبب في أن الحجة الإعلانية "المثبتة علميا" هي انحراف معرفي. لإثبات (بشكل نهائي) نظرية ما، سيحتاج المرء إلى تأمين مزدوج: إجراء عدد لا حصر له من التجارب التي تجعل من الممكن وضع المقياس على المحك، وهذا بدقة غير محدودة، وهو أمر مستحيل بشكل مضاعف. كل نظرية إطارية تكون دائمًا "خاطئة" في الاتجاه بقدر ما هي صحيحة للحظات فقط، كما يوضح تاريخ العلم.

 

د. جواد بشارة

 

 

2.1.2. اللغات الأنديَّة

مجموعة قليلة من اللغات المحليَّة المحدودة الإنتشار تنطق بها أقليّات سكّانيِّة صغيرة العدد هم بقايا لقوميّات مختلفة تقلَّصَت أعدادهم لأسباب مختلفة. تنتشر هذه اللغات في قرى متعددة على سفوح الجبال أو ضفاف الأنهر المتواجدة في فيدراليَّة داغستان ضمن جمهوريَّة روسيا الفيدراليَّة عند الحدود مع جمهوريَّة الشيشان وينحصر إستخدامها في الوقت الحاضر على الأغلب في الأطر العائليَّة. تُشَكِّل هذه المجموعة اللغوية مع اللغة الأفاريَّة ومجموعة اللغات الديدوئيَّة واللغات اللزغِيَّة مجموعة اللغات الداغستانيَّة، التي تشكل بمجموعها مع اللغات الناغيَّة عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة. جَرَت أوَّل عملية إحصاء رسمي للقوميّات الناطقة بهذه اللغات عام 1926، أي في الفترة الزمنيَّة التي أصبحت فيها مناطق شعوب القوقاز جزء من الإتحاد السوفيتي سابقا. لم يتم إحصاء هذه الأقليات السكانِيَّة كل على حدة في عمليات التعداد السكانيَّة المختلفة التي جرت بعد التأريخ المذكور بل كانت توضع كلها في سلة واحدة تحت مسمى الأواريين وبهذا تم إهمال تنوعهم القومي واللغوي. تقلصت أعداد أبناء هذه القوميّات على مر الزمن بفعل الحروب والغزوات المتنوعة التي تعرضوا لها من مختلف القوميات والدول المجاورة لهم  خضعوا على أثرها لهجرات جماعية وفردية مختلفة وتبعثروا في مناطق متعددة ترتب عليها إنصهار أعداد كبيرة منهم مع قوميات هذه الدول وإهمالهم للغاتهم الأم. في الإحصاء الذي جرى عام 2002 تمت الإشارة إلى ذكر هذه القوميّات المتنوعة وأعداد أبنائها وكذلك أعداد من تبقى منهم يمتلك ناصية اللغة الأم. جميع لغات هذه المجموعة هي لغات غير مكتوبة ولا تمتلك أبجدية لكتابتها  بالإضافة إلى كونها لغات غير رسميَّة وغير معترف بها بإستثناء اللغة التنديَّة. يجري تصنيف هذه اللغات ضمن المعايير الدوليَّة كونها لغات غير أدبية أو لغات لا تمتلك إمكانيَّة إستخدامها كواسطة للتواصل الإجتماعي حيث يلجأ الناطقين بهذه اللغات إلى إستخدام اللغة الأواريَّة الأكثر إنتشاراً في مناطق تواجدهم أو اللغة الروسيَّة كونها اللغة الرسميَّة الأولى في كافة جمهوريات روسيا الفيدرالية للتفاهم فيما بينهم. تضم هذه المجموعة اللغوية اللغات التالية:

1.2.1.2. اللغة الأخواخيَّة

اللغة الأخواخيَّة:

اللغة الأخواخيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/ اللغات الداغستانيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات ـ الأنْديَّة/ ومنها اللغة الأخواخيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأخواخيَّة عند الناطقين بها باسم الأشواثلهيَّة (Aschwathlhi).

تأريخها، نشوئها وتطورها: لم تتوفر أولِيّات يمكن الرجوع إليها لمعرفة تأريخ هذه اللغة.

تتضمن اللغة الأخواخيَّة الكثير من  مفردات اللغات الإيفيريّة والروسيَّة والعربيَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الأخواخيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الأخواخيَّة جنوب إقليم داغستان في مناطق الأخواخيين شرق منطقة تادماجيتل وفي المناطق الشمالية لأذربيجان.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الأخواخيَّة في الوقت الحاضرأقل من 500 مواطن فقط رغم أن أعداد الأخواخيين يتجاوز ال 20 ألف مواطن.

لهجاتها: للغة الأخواخيَّة رغم قلة أعداد الناطقين بها لهجات مختلفة منها:

اللهجات الأخواخيَّة الشماليَّة (Nordachwachisch) واللهجات الأخواخيَّة الجنوبيَّة (Südachwachisch) التي تتضمن لهجتي تليانوب (Tlyanub) وتسيغوب (Tsegob) بالإضافة إلى لهجة كاخيب (Kachib). يصعب على الأخواخيَّين التفاهم فيما بينهم فيلجأؤن إلى إستخدام اللغة الإيفيريّة الشائعة الإستخدام في مناطق تواجدهم.

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الأخواخيَّة لغة محكيَّة فقط وتستخدم في الإطار العائلي.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الأخواخيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأخواخيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط، وهي مهددة بالإنقراض كغيرها الكثير من اللغات القوقازيَّة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الأخواخيَّة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأخواخيَّة لغة محليَّة محدودة الأنتشار.

الكود الدولي اللغة الأخواخيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: --- ISO 639-3: aka

2.2.1.2. اللغة الأنديَّة

اللغة الأنديَّة:

اللغة الآنديَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة/ ومنها اللغة الأنديَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأنديَّة عند الناطقين بها باسم قواناب ميسي  (Q`wannab micci). سُمِّيت هذه اللغة على اسم قرية آندي التي يقطنها الأنديين جنوب داغستان.

تأريخها، نشوئها وتطورها: اللغة الأنديَّة كغيرها الكثير من اللغات القوقازيَّة مهددة بالإنقراض بسبب التناقص الكبير في أعداد الأنديين من جهة ولنفوذ اللغة الإيفيريّة في مناطق تواجد الأنديين.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الأنديَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الأنديَّة جنوب إقليم داغستان في منطقة آندي.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الأنديَّة 10 ألف مواطن فقط من مجموع الأنديين البالغ عددهم حالياً 20 ألف مواطن.

لهجاتها: هناك لهجتان مختلفتان في اللغة الأنديَّة هما:

اللهجة الأنديَّة العليا (Oberandisch) واللهجة الأنديَّة السفلى (Niederandisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: كُتِبَت اللغة الآنديَّة لأَوَّل مرَّة بالأبجديَّة العربيَّة وإستمر إستخدام هذه الأبجديَّة حتى عام 1928، ومن عام 1928 حتى عام 1938 تم الإنتقال إلى الأبجديَّة اللاتِينيَّة. عام 1938 تم إسْتِبْدال الأبجديَّة اللاتِينيَّة بالأبجديَّة السيريليَّة ولا يزال إستخدام هذه الأبجديَّة مستمراً.

يستعين الأندييون في الوقت الحاضر بالأبجديَّة الإيفيريّة أو السيريلِيَّة لكتابة لغتهم.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الأنديَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأنديَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الأنديَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأنديَّة لغة محليَّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي اللغة الأنديَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: cau,  ISO 639-3: ani

3.2.1.2. اللغة البغوالاليَّة

اللغة البغواليَّة:

اللغة البغوالاليَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة/ ومنها اللغة البغوالاليَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى هذه اللغة بمسميات مختلفة بإختلاف مناطق تواجدها ولهجاتها منها: البغوالينيَّة (Bagvalinisch)، باغوال (Bagual)، بغوالال (Bagwalal)،  كواناديَّة (Kwanadaisch) و باربالينِيَّة (Barbalinisch).

تأريخها، نشوئها وتطورها: تم إكتشاف اللغة البغوالاليَّة في القرن التاسع عشر. لم تحضى هذه اللغة بالدراسة الكافيَة لقلَّة الناطقين بها ولإبتعادهم عن المراكز الحضاريَّة في البلاد. إكتشف علماء اللغات الكثير من مفردات العربيَّة والتركيَّة والأواريَّة والروسيَّة في هذه اللغة. يستخدم البغوالاليون اللغة الأفاريَّة أو اللغة الروسيَّة للتفاهم مع جيرانهم ويتعلم الأطفال البغوالاليون اللغة الأفاريَّة في المدارس الإبتدائيَّة و اللغة الروسيَّة في الثانويَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة البغوالاليَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة البغوالاليَّة جنوب غرب إقليم داغستان في مناطق الأخواخيين والتشوماديين.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة البغوالاليَّة  6.700 مواطن فقط في إقليم داغستان.

لهجاتها: تتواجد في اللغة البغوالاليَّة اللهجات التالية:

لهجة كوانادا ـ هيمرزويش (Kwanada-Hemersoisch) ولهجة تلوندودا ـ خوشتاديش (Tlondoda-Chuschtadisch) ولهجة تليسي ـ تليبيشويش (Tlissi-Tlibischoisch) ولهجة باربالينِش (Barbalinisch). أُخِذَت هذه التسميات من أسماء قرى البغوالاليّين.

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة البغوالاليَّة لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة البغوالاليَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة البغوالاليَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة البغوالاليَّة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة البغوالاليَّة لغة محليَّة تستخدم في الإطار العائلي فقط وهي مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الأواريَّة في مناطق تواجدها.

الكود الدولي للغة البغوالاليَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: cau,  ISO 639-3: kva

4.2.1.2. اللغة البوتليشيَّة

اللغة البوتليشيَّة:

اللغة البوتليشيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأندِيَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأندِيَّة/ ومنها اللغة البوتليشيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة البوتليشيَّة عند الناطقين بها باسم *بوتليش*.

أطلقت هذه التسمية أيضاً على اكبر القرى التي يسكنها البوتليشييون.

تأريخها، نشوئها وتطورها: البوتليشييون هم جزء من قبائل الإيفيريين.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة البوتليشيَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: يقطن البوتليشيَّون في القرى على سفوح جبال الساحل الشرقي من نهر سولاك جنوب غرب إقليم داغستان على مقربة من الحدود مع جمهورية الشيشان. بالرغم من الزيادة في أعداد السكان البوتليشيَّون فإن أعداد الناطقين باللغة البوتليشيَّة في تناقص مستمر لنفوذ اللغة الإيفيريّة في مناطق تواجدهم.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة البوتليشيَّة في الوقت الحاضر أقل من  500 مواطن في إقليم داغستان في قريتي بويكة و آشينو.

لهجاتها: توجد في اللغة البوتليشيَّة لهجتان متميزتان هما:

اللهجة البوتليشيَّة (Botlichisch) واللهجة الميارزِيَّة (Miarsisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة البوتليشيَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة البوتليشيَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة البوتليشيَّة لغة محليَّة ضيقة الإنتشار.

الكود الدولي للغة البوتليشيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: pbh

5.2.1.2. اللغة الغودوبيريَّة

اللغة الغودوبيريَّة:

اللغة الغودوبيريَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة /ومنها اللغة الغودوبيريَّة.

التسميَّة باللغة الأم: وتسمى أيضاً اللغة الغيبدهليَّة (Ghibdihli) أو الغودوبرية (Godoberi).

تأريخها، نشوئها وتطورها: اللغة الغودوبيريَّة قريبة إلى اللغتين البوتليشيَّة والشامالاليَّة وتتواجد في نفس المناطق التي يقطنها البوتليشييون.

لم يتمكن علماء اللغة من معرفة مراحل التطور التي مَرَّت بها هذه اللغة. تتواجد في اللغة الغودوبيريَّة الكثير من المفردات العربيَّة والتركيَّة بالإضافة إلى المفردات الروسيَّة التي أخذت تطغي في السنوات الأخيرة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد أيَّة مخطوطات للغة الغودوبيريَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الغودوبيريَّة جنوب غرب إقليم داغستان في مناطق غودوبيري وزيبرشالو ومناطق البوتليشيين عند الضفة اليسرى لنهر آندي كُويسو.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الغودوبيريَّة في الوقت الحاضر 2.000 مواطن فقط.

لهجاتها: هناك لهجتان مختلفتان في اللغة الغودوبيريَّة هما:

اللهجة الغودوبيريَّة (Godoberisch) واللهجة السيبرشاليَّة (Zibirchalisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الغودوبيريَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الغودوبيريَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الغودوبيريَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط إلا أنها مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الأفاريَّة في مناطق تواجدها.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الغودوبيريَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الغودوبيريَّة  لغة تستخدم على نطاق عائلي فقط.

يتعلم الأطفال الغودوبيرييون اللغة الأفاريَّة أو الروسيَّة في المدارس.

الكود الدولي اللغة الغودوبيريَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: gdo

6.2.1.2.  اللغة الكاراتينيَّة

اللغة الكاراتينيَّة:

اللغة الكاراتينيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/  اللغات الأنْدِيَّة/ ومنها اللغة الكاراتينيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: أُخِذت تسمية اللغة الكاراتينيَّة من اسم القرية التي يتواجد فيها الكاراتينييون وكذلك من اسم النهر الذي تقع عليه هذه القرية.

تأريخها، نشوئها وتطورها: يعود تأريخ الكاراتينييون ولغتهم إلى القرون الوسطى، وهم يشتركون مع الآوارييون ويتشابهون معهم من حيث التطورات التي عاشتها مناطقهم. خضعت هذه المناطق منذ القرن الثامن إلى سيطرة القوات العربية الإسلاميَّة وتعاقب السيطرة عليها الفرس والتُرك حتى نهاية القرن الثامن عشر، ثم خضعت لسيطرة القيصريَّة الروسيَّة. تطورت اللغة الكاراتينيَّة من رحم اللغة الأواريَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة الكراتينيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الكاراتينيَّة في 10 قرى جنوب غرب إقليم داغستان في مناطق الأخواخيين إلى الغرب من منطقة تندي.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الكاراتينيَّة في الوقت الحاضر 6.000 مواطن فقط.

لهجاتها: تنتشر في اللغة الكاراتينيَّة اللهجات التالية:

توكيتا (Tokita) و كاراتن (Karatin) و توكيتن (Tokitin).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الكاراتينيَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الكاراتينيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الكاراتينيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الكاراتينيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الكاراتينيَّة  لغة محليَّة ضيقة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الكراتينيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: kpt

7.2.1.2. اللغة التنديَّة

اللغة التنديَّة:

اللغة التنديَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْدِيَّة ـ الديدوئِيَّة/  اللغات الأنْدِيَّة/ ومنها اللغة التنديَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة التنديَّة عند الناطقين بها باسم إيداراب (Idarab) وهذا هو اسم القرية التي يتواجد فيها التندييون. يطلق الروس عليهم اسم التندال.

تأريخها، نشوئها وتطورها: اللغة التنديَّة شديدة الشبه باللغتين الشامالاليَّة والبغوالاليَّة.

لم تتم دراسة اللغة التنديَّة بشكل جيد لحد الآن.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة التنديَّة لكونها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: تستخدم اللغة التنديَّة في قرية تندي جنوب غرب إقليم داغستان.

أُخِذَت تسمية هذه اللغة من اسم هذه القرية.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة التنديَّة  في الوقت الحاضر 5.000 مواطن فقط.

لهجاتها: تتواجد في اللغة التنديَّة اللهجتان الرئيستان التاليتان:

اللهجة التنديَّة (Tindisch) و لهجة أكنادا ـ انغيدش (Aknada-Angidisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة التنديَّة لغة غير مكتوبة. يدوِّن التندييون لغتهم باللغة  الأواريَّة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة التنديَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة التنديَّة لغة معاصرة محكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة التنديَّة  لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة التنديَّة لغة محليَّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي اللغة التنديَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: tin

8.2.1.2. اللغة الشامالاليَّة

اللغة الشامالاليَّة:

اللغة الشامالاليَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/  اللغات الأنْدِيَّة/ ومنها اللغة الشامالاليَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الشامالاليَّة عند الناطقين بها باسم سيمالال (Camalal) أو شامالين (Chamalin).

تأريخها، نشوئها وتطورها: يمتد تأريخ اللغة الشامالاليَّة إلى القرن الثامن للميلاد.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد آثاراً لغويَّة للغة الشامالاليَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الشامالاليَّة  جنوب غرب داغستان في منطقة تشوماد.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الشامالاليَّة في الوقت الحاضر 6.000 مواطن فقط.

لهجاتها: توجد في اللغة الشامالاليَّة اللهجات التالية:

لهجة جاكوارش (Gakwarisch) ولهجة هيهاتلش (Hihatlisch)

بالإضافة إلى لهجة جيجاتل (Gigatil) ولهجة جاديري (Gadyri).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الشامالاليَّة  لغة غير مكتوبة.

يستخدم الشامالاليَّون اللغة الأواريَّة أو اللغة الروسيَّة لتوثيق تراثهم.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الشامالاليَّة  لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الشامالاليَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الشامالاليَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الشامالاليَّة  لغة محليَّة ضيقة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الشامالاليَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: cji

9.2.1.2.  اللغة البوتليشيَّة

اللغة البوتليشيَّة:

اللغة البوتليشيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الناغيَّة ـ الداغستانِيَّة/

اللغات الأفاريَّة ـ الأنْديَّة ـ الديدوئِيَّة/ اللغات الأنْديَّة/ ومنها اللغة البوتليشيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة البوتليشيَّة عند الناطقين بها باسم *بوتليش*.

أطلقت هذه التسمية أيضاً على اكبر القرى التي يسكنها البوتليشييون.

تأريخها، نشوئها وتطورها: البوتليشييون هم جزء من قبائل الإيفيريين.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة البوتليشيَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها: يقطن البوتليشييون في قرى على سفوح جبال الساحل الشرقي لنهر سولاك جنوب غرب إقليم داغستان قرب الحدود مع جمهورية الشيشان الفدراليَّة.

بالرغم من الزيادة في أعداد البوتليشيَّين فإن أعداد الناطقين باللغة البوتليشيَّة في تناقص مستمر وذلك لنفوذ اللغة الإيفيريّة في مناطق تواجدهم.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة البوتليشيَّة في الوقت الحاضر أقل من  500 مواطن في إقليم داغستان في قريتي بويكة و آشينو.

لهجاتها: توجد في اللغة البوتليشيَّة لهجتان متميزتان هما:

اللهجة البوتليشيَّة (Botlichisch) واللهجة الميارزِيَّة (Miarsisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة البوتليشيَّة  لغة غير مكتوبة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة البوتليشيَّة  لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة: اللغة البوتليشيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات عائلتها.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة البوتليشيَّة لغة محليَّة تستخدم في الإطار العائلي فقط.

الكود الدولي اللغة البوتليشيَّة: ISO 639-1: ---,  ISO 639-2: ---,  ISO 639-3: pbh

***

د. محمد شطب

 

 

بدر الدين شيخ رشيدمقاربات بسيطة بين رؤي الفرق الإسلامية

الحياة دائما  صراع بين إتجاهين إتجاه تقدمي وأخر رجعي. وهذان الاتجاهان بدءا منذ ان بدء الإنسان حياته على هذا الكوكب الارضي . وهو صراع داير في فلك اسباب ونوامسي السنن الكونية، لا يحابي إحدا دون الآخر فمن اخذ اسباب التقدم يرقي ويصنع الحضارات ومن  تخلي عنها تخلف عن الركب  وعاش  في مؤخرات الأمم.

هذا، وفي اطار ابجديات قواعد الفكر الاسلامي في حياة الانسان من حيث التقدم والتأخر من خلال رؤى الفرق الاسلامية ،هناك حركات  تقدمية  واخري  رجعية، بناء علي  استجابة الإنسان معطيات سنن الكون الالهية.

فالعتزلة والشيعة الامامية هما حركات تقدمية، بينما الأشاعرة والحنابلة تعتبران حركات رجعية. إذ أن كل من قدم العقل علي النص عند التعارض بينهما فهو تقدمي واالعكس رجعي. علما بأن هناك اختلاف بسيط بين الامامية والمعتزلة حول دور العقل بين الاطلاق والتقييد.

إن مفهوم  التقدمي والرجعي يظهر من خلال تفسير حركة التطور بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم الي الرفيق الأعلي.

الإمامية ومن نحى نحوهم يرون بأن حركة التطور بعد النبي صلى الله عله  وسلم قابلة للتطور نحو الصعود الي الأحسن. وذلك  بتوظيف وظائف الإمامية، لأن الإمامة إمتداد للنبوة وذلك لاستكمال وظائف الرسالة النبوية بعد إنقطاع الوحي بموت النبي صلى الله علي وسلم.

ومن وظايف النبي صلى الله عليه وسلمي كما ذكر في القرآن الكريم تتمثل قوله تعالي:

"هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانون من قبل لفي ضلال مبين"

وكقوله تعالي: "وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم"

وقوله تعالي: "لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"

وقوله:"  وإنك لعلي خلق عظيم"

وقوله:" لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق "

وهناك عشرات من الأيات الي تبين وظائف النبي صلى الله عليه وسلم في  شأن الرسالة.

كما اشير بوظائف الرسالة المحمدية بإيجار قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"

ومن هنا يقدم العالم نحو الصعود الي الاحسن لا الي التدني نحو الأسوء.

هذا، بخلاف حركات الرجعية المتمثلة بالأشاعرة والحنابلة بناء على تفسيرهم حول عجلة حياة الإنسان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من أنها تتحرك  وتسير نحو الأسفل  والأسوء.

وهناك أثر يستدلون بها" ما من زمان إلا والذي بعده أشر".

وإنطلاقا من هذا التفسير يرون بأ العالم دائما ينحدر نحو الأسوء.

لكن إذا نظرنا هذا التفسير نجد أن منشؤه ومرجعه كان فكرة أنشأت الدولة الأموية من خلال زرع فكرة الجبر والإرجاء المثبطة على قدرة الإنسان في تطوير الحياة. عكس الإختيار للإنسان بأفعاله وأنه حر.

وكان الشيخ محمد الغزالي من علماء المعاصرين الذين فندوا فكرة" أن كل زمان متأخر أسوء ممن قبله" مستدلا بأثر أخرى"  مثل أمتي مثل المطر  لا يدرى أولها خير أم أخرها"

وهناك منعطفان خطيران أثرت علي عدم تأسيس الفكر الإسلامي الحر التقدمي في العالم الإسلامي حتى استغل هذا  الفراغ أخيرا الحركات العلمانية والإشتراكية في القرن العشرين في كافة أقطار العالم الإسلامي.

المنعطف الأول: كان محاربة الأمويين والعباسيين أهل  بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا أقرب الناس الي فهم روح الإسلام .

المنعطف الثاني: كان ترك الإمام الأشعري فكر الإعتزال الذي تبني بها نحو أربعين سنة  وتبنيه علي مذهب أحمد بن حنبل كما صرح بذلك في مؤلفاته.

علاوة علي ذلك إقصاء ومحارية مذهب الإعتزال الذي  تبني به الخليفة العباسية المأمون في أرساء قواعده وتطبيقه وجعله مذهب الدولة في مجلات الحياة الفكرة وغيرها.

 

د. بدر  الدين شيخ رشيح إبراهيم.

 

 

محمد المرجانمن الصعب جدا اعتبار بعض الأحداث التي تقع هنا وهناك، وتتباين خطورتها وأهميتها حسب ظرفيات وأوضاع معينة، بمثابة ظواهر اجتماعية ثابتة متكررة جمعية وشاملة، وبالتالي قابلة للمعاينة العلمية بكل سهولة. كما يستحيل علينا اعتبارها في إطار محدوديتها، كتوجه تاريخي عميق يحكم المسار العام للمجتمع. ولعل ما حدث في الآونة الأخيرة من تصرفات رعناء "للعامة الواطئة" في هجومها على "الكسابة" أو سرقتها للمعدات الطبية بعد خروجها من المستشفيات التي قامت بعلاجها، لدليل واضح على هذا النوع من الأحداث، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدل على ظاهرة اجتماعية تتكرر عبر الزمان والمكان وتشمل فئات اجتماعية بعينها.

قد يكون سلوك النهب والتخريب تعبير مباشر عن مستوى الصراع الاجتماعي السائد داخل الكتل الاجتماعية الغير متساوية والمتصارعة فيما بينها، وهو أمر يسود كل الأنظمة الاجتماعية بدون استثناء. إلا أن الأنظمة الأكثر مركزية والأكثر انغلاقا والأشد رسوخا على المستوى التاريخي والمؤسسي هي المعروفة بكثرة هذه الحركات اليائسة والموجهة لغيضها نحو ما هو مثيل لها أو أدنى منها، على أساس ضعفها البنيوي في إيجاد الصيغ الكفيلة بالتعبير اللائق عن حرمانها. خاصة إذا كانت درجة ومستوى الإصلاح الطامح إلى ترميم هذه الأنظمة غير قادرة على إحداث أي تغيير ممكن في علاقتها بمكوناتها البشرية. هل تختص الفئات المعدمة وحدها بمثل هذا التصرف؟ لا شك أن سياق التناقض الطبقي المحدد لوضعية الفئات داخل البنية الاجتماعية العامة، يلعب دورا كبيرا في "انتاج القيم الداعمة لمكانة ووضعية الفئات" ضمن التراتبية المتدرجة من الأعلى إلى الأسفل. ولذلك تتفاعل السلوكات الفردية أو الجماعية اليومية للفئات المعدمة –و بكيفية شعورية أو غير شعورية-من أجل تكريس القيم الدالة على دونيتها وعلى تخلفها واستهتارها بكل القيم المناقضة لطبيعتها وتفكيرها ونمط عيشها. معتبرة أن الانتماء العضوي لطبقتها هو ما يشكل في الواقع مبرر وجودها الشرعي.

وعلى أساس ذلك تتبلور "بنية الشخصية" المتكونة من مجموع التأثيرات العامة لكل من الوسط الاجتماعي والأسري والسياسي والنفسي والاقتصادي والثقافي. فتكون هذه الجموع صورة عن ذاتها تتماهى في الغالب مع الصورة التي رسخها المجتمع عنها. وبعبارة أوضح خضوع الإنسان لضغط الأنساق وحتمياتها، لا يلغي بتاتا المسؤولية الأخلاقية للأفراد في مثل هذه السلوكيات. مما يعني التقيد بتحليل الحدث في إطار ظرفه الخاص المرتبط بأحداث أخرى تتشابك فيما بينها موضوعيا، وتضغط في اتجاه بلورة سلوك معين، كرد فعل طبيعي من طرف مجموعة معينة. فليست كل الفئات المعدمة همجية الطبع متوحشة السلوك ومدمرة لكل القيم الصالحة، وإنما قد تصبح كذلك حينما نعمل على إنتاج كل الشروط التي تعمل على المزيد من إقصائها ونبدها.

إن الجرم الكبير الذي نقترفه هو الاعتقاد بأن مثل هذه التصرفات تقتصر على الطبقات المعدمة أو تلك المتواجدة في العالم الثالث. ففي الهزات التي عرفتها فرنسا في ضواحيها تبين بالملموس أن الطبقة المتوسطة التي شاركت في هذه الاحتجاجات مارست نفس الأمر على ممتلكات ومتاجر نفس الطبقة. في الولايات المتحدة الأمريكية منظر النهب والسرقة للمتاجر الصغرى والدكاكين العادية من طرف الحشود الغاضبة، معروف ويتذكره الجميع. هذا الاستنتاج لا يسمح قطعا بتبرير هكذا سلوك. لكن اللافت بكل تأكيد أنه داخل هذا الصراع ليس هناك طرف محايد، ووسائل الإعلام الرسمية أو غيرها جزء كبير من هذه المواجهة. والنخبة المثقفة بدورها ليست في منأى عن هذه الورطة. وإلا كيف نفسر الضجيج الإعلامي حول حادث الكسابة، والذي لم ينجم عنه إلا الخسائر المادية، والصمت الشبه المطبق على القرار الارتجالي الذي اتخذ حول حالة الطوارئ بين المدن خلال 24 ساعة وكانت نتيجته إزهاق العديد من الأرواح والخسائر المادية أيضا.

إن المعرفة الناجعة لا تستقيم مع التسرع في الأحكام، بل في القدرة على التعاطي مع تنوع الواقع وصعوبة تجليه، والارتكان للمقارنة بين الأوضاع حتى نتمكن من الإمساك بالخيط الناظم الذي يجمع بين المتناقضات في إطار بنية إدراكية واضحة.

 

بقلم د. محمد المرجان

 أستاذ باحث في علم الاجتماع ـ جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، المغرب

 

عدنان ابوزيدالعلاقة بين الغرب والعرب، بشكل خاص، كانت على الدوام، قائمة على الإرادات، لصالح الغرب لا سيما في مجال النفط، الذي دفع الى حقبة استعمارية كرّست علاقة الحساسية المفرطة بين الطرفين، لكن أزمة كورنا مدعاة الى علاقات أكثر عدالة بين الشعوب بعيدا عن تعبئة الماضي وعقده المستحكمة بين الشعوب بشكل عام، لكن هيهات في خضم الكراهية التاريخية التي تقود العالم.

التأزّم في التطبيق يكمن في إرث وازن من ماضي الأواصر بين الشعوب، ومن ذلك ما يذكره الفيلسوف الهولندي هان فان دير هورست، بانّ من المنطقي أنْ تحتقر الشعوب الغرب، فلولا أسباب الصراع التي ولّدتها الدول الاستعمارية في المنطقة، لكان العرب، على سبيل المثال، على سعة في البناء باستخدام مليارات ومليارات الدولارات المهدورة في حروب ورثوا أسبابها، لكنهم لن يفعلوا، ليس لأنهم لا يؤمنون بذلك، بل لان الخرائط المرسومة، وبواعث الصراع تحوُل دون التنفيذ.

وكل أمة في العالم، لها أسبابها في التناحر والبغضاء.

لايزال الاتراك ينظرون الى العرب على انهم خونة، لأنهم وقفوا بجانب الحلفاء الذين وعدوهم بالاستقلال، خلال الحرب العالمية الأولى، ليتمردوا على حكامهم العثمانيين (الأتراك) الذين انحازوا إلى ألمانيا. ولاحقا أدرك العرب ان الدول الغربية خانتهم أيضا.

يروي هورست أيضا عن ان الغرب الذي يثلب الدكتاتوريات العربية لنهجها الصارم ضد المعارضين العزل، فانه نفسه لاسيما الحكام البريطانيون استخدموا في عشرينيات القرن الماضي، غاز الخردل القذر للغاية ضد الثوار العراقيين بموافقة صريحة من ونستون تشرشل.

وفي جانب أسباب التباغض، فان الحكومات الغربية والشركات المتعددة الجنسيات آزرت الأنظمة العربية من اجل النفط، لا من اجل حقوق الانسان. وفي السبعينيات من القرن الماضي، دفع الغرب أسعارًا منخفضة للغاية للذهب الأسود محذرا قادة الشرق الأوسط من الاحتجاج.

وفي أوائل الخمسينيات، أندمج البريطانيون والأمريكيون في مشروع إِقْصاء رئيس الوزراء الإيراني الراحل، مصدق لأنه أراد تأميم المصالح النفطية، ويسّروا للشاه، تأسيس ديكتاتورية وحشية.

ازدادت علاقات الفتن بين الشعوب، بالتدخل العسكري لأمريكا وحلفاءها في أفغانستان.

وإذا كانت العرب تمتهن الغرب ولا تثق به، لأسباب تاريخية تبرّر ذلك، فان بواعث الكراهية تسوّغ الصراعات بين الكثير من الشعوب.

لايزال الصينيون، يضعون صورة الياباني كرمز للعداء والكراهية، في شعور انتقامي تَولّد جراء غزو القوات العسكرية اليابانية، شرق آسيا، واصبحت فوبيا اليابان، ثقافة اجتماعية في الصين والكوريتين. ولا يزال اليابانيون يلقبون الصين بـ رجل آسيا المريض، على الرغم من انها لم تعد كذلك.

وشنّ الجيش الأمريكي، العام 1942 الحرب على اليابانيين الذين قتلوا بصورة وحشية، وصوّرتهم الأفلام الامريكية الكلاسيكية، بأسنان كبيرة وعيون مشدودة، في قصد التحقير.

الانكليز ينافرون الفرنسيين، ويصف شكسبير في مسرحيته الملك الفرنسي هنري الخامس بـ "الفاسق".

الفرنسيون يصفون الانكليز بالغطرسة والسُكْر، فيما يصف الانكليز الفرنسيين بالمهذارين والغريرين وتفوح منهم رائحة الثوم.

وبواعث الكراهية بينهما تاريخية، تعود الى حروب المائة عام، والثلاثين سنة بين كرّ وفرّ، فاز فيها الانكليز في 23 حربا وخسروا في 11 منها.

وعقب خسارتها للحرب العالمية الأولى، خضعت ألمانيا لشروط الحلفاء المنتصرين، وانتهت الى كراهة مبطّنة، تظهر عبر الدعابات الساخرة التي يتبادلها الشعبان.

على ذات المنوال، لازال الروس يتطارحون الحكايات التي تحقّر اليابانيين، إثر الحرب ما بين عامي 1904و 1905.

 يزيد من هذا السجال العنيف، في الاعلام وفي ساحات الحروب، أولئك الخطباء المفوهون، الذين يتحصنون على الدوام خلف الأيديولوجيات، لتعليل أسباب الكراهية بين الشعوب، استجابة للسياسات الرسمية، وهو أمر فَتَح السبل لغزو الأوطان، والحروب المحلية والعالمية.

في حقبة كورونا، لم يصرف هؤلاء من الكلام، ولم تنفق الدول من المال، لمكافحة الوباء، قدر بذلها على التسليح والحروب والكراهية.

 

عدنان أبوزيد

 

احمد عزت سليميجتاح العالم الآن وخاصة في العالم الغربى وعلى غير المتوقع فإن الكبار في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية قلقون بشأن الشباب واستخدامهم للتكنولوجيا الرقمية.. غالبًا ما يتم إلقاء اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، والمحتوى الجنسي، على وجه الخصوص، لمجموعة من النتائج الإشكالية بين الشباب -  بداية من فاعليات رقمية من  صورة الجسم السيئة وقضايا الصحة العقلية إلى البلطجة والمواقف الجنسية القسرية - ولكن قاعدة الأدلة لهذه الادعاءات ليست قوية دائمًا، إلى جانب الادعاءات بالتأثيرات وعلى الرغم من الآثار العميقة على كيفية دعم الشباب لتطوير المهارات والثقة لتصفح العلاقات وتأمين صحتهم ورفاههم وخاصة في المراحل التعليمية الغربية كافة .

أصبحت الوسائط الرقمية محورية في كيفية تنمية وتطوير الصداقات والعلاقات العائلية والعلاقات الرومانسية والجنسية والحفاظ عليها. .. بجميع الأشكال الحميمية، وقد تم التوسط فيها بطريقة ما، من حيث أنها : ـــ " تتطلب وسيطًا يمكن من خلاله إقامة علاقات حميمة بين الموضوع والآخر، ومع ذلك رغم الإنتشار، لا تزال العلاقات الحميمة التي يتم التوسط فيها من خلال التقنيات الرقمية الجديدة نسبيًا، كما أن الاستجابات المتعلقة بالسياسات والممارسات تلعب دور اللحاق بالركب باستمرار - لا سيما في ضوء التطورات التكنولوجية السريعة والمستمرة والسرعة التي يأخذ بها الشباب منصات معينة ويتخلى عنها.. المصطلحان " الحميمية بوساطة " و"الحميمية الرقمية" مفيدان في هذا السياق أولاً، ــــ للتأكيد على الأهمية التعليمية الغربية لأشكال وسائل الإعلام مثل الجنس والعلاقة النصيحية و " الحالات المؤلمة " في تطوير المعرفة الجنسية وإدارة الصحة الجنسية، وثانيًا، ــــ للإشارة إلى الطرق التي يتم بها تشكيل العلاقة الحميمة الآن من خلال الاتصالات بين الأشخاص داخل البيئات المتصلة بالشبكة باستخدام الأجهزة والتطبيقات والمنصات والغرف وحيث تمتد هذه الوظائف المزدوجة للعلاقات الحميمة بوساطة إلى الأدوار التي تلعبها الوسائط الرقمية فيما يتعلق بالعلاقات والتربية الجنسية (RSE) - فهي وسيلة يتم من خلالها تكوين العلاقات الحميمة والتفاوض بشأنها بين الشباب، وأيضًا من خلاله يمكن تطوير التعليم حول العلاقات الحميمة ومشاركتها، من خلال الحملات الرسمية الغربية ومشاركة المعلومات من نظير إلى نظير.. ومن السمات الرئيسية لوسائل الإعلام الرقمية الغربية في هذا السياق أنها تسمح للشباب بأن يكونوا مستهلكين ومنتجين " للتعليم".

الطرق التي أصبحت بها الوسائط الرقمية جزءًا لا يتجزأ من أشكال مختلفة من الحميمية لها آثار مهمة على فهمنا لما يشكل صحة جنسية، ومع ذلك لا يوجد اتفاق حول كيف وفي أي عمر، يجب على الآباء والمهنيين ــ كما يرى الغرب ــ الذين يعملون مع الشباب معالجة الأسئلة المتعلقة رقميًا المحتوى والتجارب الجنسية بوساطة ... وكمثال على الإهتمام الغربى بذلك سيصبح تعليم العلاقات على مستوى المدرسة الابتدائية والعلاقات والتربية الجنسية على مستوى المدرسة الثانوية قانونيًا في جميع المدارس وكمثال في إنجلترا اعتبارًا من سبتمبر 2020 .

يستخدم مصطلح "الحميمية الرقمية" ليشمل مجموعة واسعة من الممارسات بما في ذلك مشاركة الصور الجنسية الصريحة؛ التقاط صور السيلفي ومشاركتها؛ مقابلة الشركاء الجنسيين؛ التواصل حول الجنس والعلاقات؛ البحث عن المعلومات والمشورة؛ وإنشاء محتوى جنسي والوصول إليه وتعميمه عبر الإنترنت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وعبر التطبيقات .

كما تشير الحميمية الرقمية أيضًا إلى كيفية مشاركة الشباب في الاتصالات عبر المنصات / التقنيات الرقمية لتعزيز العلاقة الحميمة - " أنواع الاتصال التي تؤثر على الناس، والتي يعتمدون عليها في العيش " ...

تحدد العلاقة الحميمة أشكالًا عديدة من العلاقات - من العائلة إلى الصداقة إلى الرومانسية والجنسية.. توفر المساحات الرقمية طرقًا جديدة للتواصل، وبما أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت الآن جزءًا كبيرًا من الأعمال الحياتية حتى " الأعمال الخشبية " في الحياة اليومية ... فإن الوسائط الرقمية توفر اتصالات وعلاقات فعالة ومعقدة وفوضوية ومستدامة ومشكلة.. لأن العلاقات المزورة في وضع عدم الاتصال، وفي الواقع في وضع عدم الاتصال، والعلاقات عبر الإنترنت قد تكون متشابكة للغاية بحيث لا يمكن فصلها .

 

أحمد عزت سليم

 

جواد بشارةالكون المرئي ثورة جديدة في الفيزياء

الجذور الخرافية لولادة الكون المرئي: تروي الأساطير كيف ظهر شيء ما، سواء تعلق ذلك بالكون أو بالإنسان أو بكل هذه الأنواع الحيوانية أو البنى الاجتماعية. لكن لأن خلق العالم يسبق كل الآخرين، فإن الكون يتمتع بمكانة خاصة. تعمل الأسطورة الكونية كنموذج لجميع الأساطير الأصلية. إن خلق الحيوانات أو النباتات أو الإنسان يفترض بالفعل وجود عالم سابق لوجودها. حتى في الحالات التي لا توجد فيها أسطورة كونية بالمعنى الدقيق للكلمة (كما هو الحال في أستراليا)، لا تزال هناك أسطورة مركزية تخبر عن بدايات العالم، ما حدث من قبل كينونات مثل "الله، أو حيوان أو شخصية أسطورية، يغطس هذا الكائن الخارق في قاع المحيط الأولي ويرسل القليل من GLAISE أنفاسه» لكي يصبح كما هو اليوم. "لذلك نجد دائمًا تاريخًا أساسيًا، وهذا التاريخ له بداية: الأسطورة الكونية أو الأسطورة التي تقدم لنا الحالة الأولى، اليرقية أو الجرثومية،»، يشير عالم الأساطير والأديان ميرسيا إلياد. إلى أن الأسطورة الكونية تشكل نموذجًا لجميع أنواع "الإبداعات" والتصورات الروحانية. علاوة على ذلك، تلعب الأسطورة دورًا رئيسيًا في طقوس التجديد الدوري للكون، وبالتالي، في تطوير الفكرة الأسطورية للزمن الدائري. إن عددًا كبيرًا من الأساليب العلاجية والمرضية مستمدة بالفعل من اليقين بأن المرء يمكن أن يكرر الكون، أنه يمكن للمرء أن يعاود خلق العالم.

وبالمثل، فإن التكهنات الأولى حول أصل الكائنات والأشياء، وبشكل عام، ظهور الميتافيزيقيا الشرقية العظيمة، أصبحت ممكنة بفضل حقيقة أنه لآلاف السنين، يعتقد البشر أنهم يعرفون كيف يجعلون الأفكار متطورة من بداية العالم وإلى الآن. باختصار، إن الأنظمة الكونية التي طورها الفلاسفة الأوائل هي جزء من تقليد سحيق مارسه البشر "البدائيون". ويضيف ميرسيا إلياد: "من المهم أن نشير إلى هذا التفكير فلسفيًا، إذ لم يتم التفكير في الواقع النهائي انطلاقاً من فضول عقلاني لمعرفة الأسباب الجذرية، ولكن من "الألفة الطقسية" مع بدايات العالم، من اليقين الذي استهلك الزمن، بين لحظة الخلق واللحظة الحالية، وهذه المسلمة لا تشكل عقبة لا يمكن التغلب عليها، لأن هذه المدة يمكن إلغاؤها أو تجاوزها. كان ذلك لأننا اعتقدنا أننا وصلنا بالفعل، في البداية، إلى بداية العالم الذي بدأنا فيه منذ لحظة معينة في التفكير المنهجي، في هيكل الأشياء، في غموض الجزيرة- العالم، كما هو باعتباره الهيكل الأول، هيكل هذه الحالة الأولى من الأشياء، في محاولة لاختراق سر الوجود تحت شخصية العالم كما كشفت عن نفسها للمرة الأولى. "

المتغيرات الكبيرة:

هناك عدد لا بأس به من موضوعات ومتغيرات كوسموجونية تتعلق بالخلق والحياة وخلق الإنسان والكون والحياة ولكن، وفقًا لعلم الأساطير، يمكن تصنيف أهمها إلى أربع فئات: أولاً ، ظاهرة الخلق العقلي. الخرافات التي تصف خلق العالم عن طريق الفكر والكلمة ( كن فيكون) أو دور السلطة الإلهية("الفعل") أو "الإحماءات أو الاستعدادات الربانية من قبل جزء من "إله أو إله ثانوي أو شبه إله ... هذا هو الحال كائنات الهنود الحمر وينيباغو Winnebago وأوماها Omahas الذين كان خلقهم للعالم بالفكر لأن جميع المخلوقات هي أرواح ، مثلما عند البولينيزيين. كما تم العثور على الخلق من خلال الحماوة أو الاستعداد الإلهي في التقاليد الفيدية védiques والبراهمانية الهندية حيث البيضة الذهبية هي نتيجة "الحماسة" وقساوة المياه البدائية. العنصر المشترك لجميع هذه الحكاية الكوسموجينية هو فكرة أن العالم مستمد مباشرة من الخالق: من أحلامه، من فكره، (أو من قلبه)، من فعله، من عرقه ("الاحماء") من جوهره. ثم ما يسمى "الغوص الكوني الكوسموجيني". الخرافات من بطولة "الغطس" الكوني: الله، كينونة على شكل حيوان أو شخصية أسطورية يغوص في قاع المحيط البدائي ويجلب قليل من الطين، والذي منه تتكون الأرض. هذه هي الحالة بين السكان الأصليين في الهند حيث يكون حيوان الغوص خنزيرًا برياً، يُنظر إليه أحيانًا على أنه صورة رمزية لفيشنوVishnu. في أساطير هنود أمريكا الشمالية، فإن حيوانات الغوص هي طيور مائية أو أسماك. في سيبيريا وآسيا الوسطى، تم دمج أسطورة الغمر هذه في الكون المزدوج أو الثنوية الكونية حيث يصبح الشيطان، الرفيق هو العدو، الخصم الذي يبحث عن الأرض ليحتفظ بها لنفسه بمفرده أو يحاول تدمير الخلق المكتمل. إدخال الشر في العالم، هو عدو الله والبشر. هذه النسخة المزدوجة من الغوص الكوني يمكن أن تكون ثمرة الاجتماع بين موضوعي "المياه البدائية" في الهند والمواضيعية الثنائية من أصل إيراني.أختبرت هذه النسخة  على الحدود الشرقية لسيبيريا (Samoyed ، Chukchi ، Yukagir) في حين انتشرت الأسطورة "الثنائية" الكونية على نطاق واسع في وسط وشمال آسيا ، بين الأتراك (التاتار التايكيين Tartars altaiques) وبين المغول. كما أنها وجدت كذلك مع الشعوب الأوغرينيه ougriens لروسيا الأوروبية (Ostyaks وVogouls وTcheremiss وMordvins) واندماجها في الفولكلور المسيحي في أوكرانيا وبولندا بين دول البلطيق والفنلنديين والرومانيين والبلغاريين. ومن ثم، فكرة تقسيم المادة البدائية، أي أن الكوزموجونات التي تفسر الخلق برؤية مادة بدائية منقسمة وغير متمايزة. هناك على الأقل ثلاث متغيرات مهمة: تلك الخاصة بـ "آباء العالم" حيث تمثل الوحدة البدائية زوجين السماء والأرض المتعانقين بإحكام والذين يكون فصلهم معادلاً للفعل الكوني. الزخرفة الكونية للزوجين البدائيين الأرض-السماء موجودة في العديد من الأساطير. وجدت بين الإغريق في نظرية الخلق الأسطورية théogonie مع الزوجين غايا - أورانوس Gaïa / Ouranos أو بين الماوري Maoris مع المعارضة رانجي Rangi (الجنة أو السماء) / الأب (الأرض). أسطورة "آباء العالم" منتشرة للغاية في جنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا Océanie، من إندونيسيا إلى ميكرونيزيا Micronésie. في تاهيتي، على سبيل المثال، يعتقد أن هذا الفصل تم من قبل نبات والذي، من خلال النمو ، رفع السماء. تم العثور على موضوع "آباء العالم" أيضا في أفريقيا والأمريكتين. إنها بالتأكيد فكرة قديمة. وفقا للتقاليد السومرية، في البداية

 كانت السماء ممتزجة بالأرض وفصل بينهما الإله إنليل Enlil وقد لوحظ وجود أسطورة مماثلة في مصر: كانت الأرض والسماء متعانقتين بإحكام، الإله جيب Geb تحت الإلهة نوت Nout. والدهم، تشو Chou، فصلهما، من خلال رفع الإلهة التي وضعها فوق رأسه والتي أصبحت القبة السماوية. يجمع الشكل الثاني بين رمز الفوضى Choas. توصف الحالة الأصلية بأنها كتلة غير متبلورة، الفوضى. في العديد من الأساطير، يتم تقديم الحالة الأصلية على أنها فراغ، هاوية بدائية، متفاعلة داخل الظلمات ومحاطة بالظلام. هذا هو الحال في التقليد الفينيقي، في التقليد الاسكندنافي أو في الكون اليوناني حيث الفوضى هي الكيان الأساسي قبل ولادة غايا Gaia وإيروس Eros. المتغير الثالث ينقل فكرة البيضة الكونية أو الوحدة البدائية التي يتم تصورها على أنها بيضة تشمل أو تتضمن المجمل الكوني، أو بيضة تطفو في المحيط البدائي. يبدأ الخلق بتقسيم البيضة. هذا هو الحال في الأساطير اليابانية حيث لا يتم فصل السماء (Izanagi) والأرض (Izanami)، ولكنها تشكل فوضى على شكل بيضة تنقسم لكسر الوحدة البدائية. تم العثور على قصة الفوضى هذه على شكل بيضة حيث يتم الجمع بين السماء والأرض في عدد كبير من الأساطير في الصين، الهند، إندونيسيا، بولينيزيا، إفريقيا، إلخ.). في الهند الفيدية védique، الجنين الذهبي ، هو الشكل البدائي للإله الذي يحوم فوق المياه. في الأساطير السيبيرية والإندونيسية، فإن الكائن الأسمى هو، على شكل طائر، يترسب في المياه البدائية على هيئة البيضة التي سيولد منها العالم لاحقًا. يروي آخر نوع رئيسي من الأساطير القصة التي تروي تمزيق عملاق أو وحش. لذا، فإن علم الكونيات هو نتيجة لتفكيك / تجزئة عملاق مجسم أو وحش بحري أوفيدي ophidien. يمكن تقديم التضحية. يأتي المثال الكلاسيكي من الأساطير الفيدية. يتم إنشاء كل الحياة من قبل التضحية ببوروشا Purusha (الرجل الكوني)، عملاق بدائي ضحت به الآلهة. رأسه يعطي الشمس، قدميه الأرض، ضميره القمر ونسيمه الريح. تأتي الطبقات الأربعة أيضًا من جسده. نجد هذا النوع من القصص في التقاليد الصينية مع تضحية بانغو pangu، الذي يتحول جسمه إلى كوزموس؛ عيناه تعطيان الشمس والقمر، والدهون تعطي الأنهار والبحار، والشعر يعطي النباتات. في الأساطير الاسكندنافية، الآلهة آسيس Ases تضحي بــ  وتمزق العملاق يمير Ymir. من جمجمته يصنعون القبو السماوي، من لحمه الأرض، من عرقه البحر، من عظامه الجبال، من شعره الأشجار. نجد نفس القصة في إيران، مدمجة في اللاهوت المزدكيMazdéenne حيث يبدأ الكون في جسد آهورا مازدا Ahura Mazda. عندما لا يتم تقديم التضحية أو القربان، فهي ثمرة معركة الله المنتصرة ضد وحش البحر، تليها تجزئته. المثال الكلاسيكي الذي قدمته إينوما إيليش Enuma Elish الملحمة البابلية لخلق العالم. من خلال هزيمة وحش البحر تيامات، قام الإله مردوخ بتقطيعه إلى نصفين لتشكيل السماء والأرض. لم يعد الأمر هجوما وافق عليه وحش، بل نتيجة معركة أسطورية حقيقية بين المبادئ المتعارضة. يعد هذا الكون جزءًا من أيديولوجية سياسية تهدف إلى جعل مردوخ الإله الأعلى. تشهد على ذلك أسطورة القتال بين إله بطل ووحش في الشرق الأدنى واليونان والهند. تختلف معانيها عن تلك التي تتحدث عنإينوما إيليش Enuma-elish بينما تبقى متحدة بشكل أساسي. لم يعد قتالًا كونيًا، بل معركة جرت لإنقاذ العالم من تهديد المياه الخارجية أو من الانحدار إلى الفوضى، على التوالي: الإله السومري نينورتا Ninurta ضد الوحش آساج Asag ، زيوس Zeus ضد تيفونTyphon أو إندرا  indra   ضد فريتراVritra.

المثال اليوناني:

عند هيسيود Hésiode ، في البداية لم تكن الكلمة ، كما في إنجيل يوحنا ، بل الفوضى أو الكاووس Le Chaos. إذا كان هيسيود Hesiod لا يمتد على طبيعة الفوضى، يجعل أوفيد Ovide في تحولاته كتلة مشوشة وغير متجانسة لم تكن سوى كتلة خاملة، وهي تتكدس في نفس الجراثيم المتباينة لعناصر الأشياء: لا يوجد رابط بينهما. " الأرض لم تكن موجودة بعد. لاحظ أن: قصة خلق هيسيود  Hesiod لا يتعني و لا تنطوي على أن شيئًا تم خلقه من لا شيء؛ كانت هناك مادة (فوضى) ، لكنها كانت بدون شكل حقيقي. عند القدماء، إن مفهوم الخلق، من لا شيء، غير موجود. يظهر هذا المفهوم مع الديانات التوحيدية.

يقول الفيلسوف لوك فيري: "إنه ليس شخصًا، ولا حتى شخصية". تخيل أن هذا اللاهوت البدائي ليس له شيء بشري: لا جسد ولا وجه ولا سمات شخصية. لقول الحقيقة، إنها هوة، ثقب أسود أو حفرة سوداء، لا يوجد فيها كائن يمكن تحديده. والحقيقة إنه الظلام المطلق الذي يسود ما هو في الأساس لا شيء غير الفوضى. علاوة على ذلك، في بداية هذه القصة، لا يوجد حتى الآن أحد يرى أي شيء: لا حيوانات، ولابشر، ولا حتى آلهة. ليس فقط لا توجد كائنات حية، متحركة، ولكن لا توجد أيضًا سماء أو شمس أو جبل أو بحر أو أنهار أو زهور أو غابات... باختصار، في هذه الفتحة الفاصلة، هي الظلام التام. كل شيء مرتبك، فوضوي. "بدون أن نعرف حقًا السبب، إلوهية ثانية ستخرج أو تنبثق من هذه الفوضى. إنها Gaïa غايا، أمنا الأرض. أخيرا ظهرت المادة للتو. Gaïa ، والتي تعني "الأرض" في اليونانية، هي الأرض الصلبة التي فوقها سوف تتطور الحياة الذهني العقلانية ستتساءل بلا شك كيف مكن لشيء أن ينبثق بنفسه من قلب الفوضى؟ إنه نوع من المعجزة، حدث أولي تأسيسي مثل هيسيود، أول شاعر يروي لنا هذه الحكاية الفكرة الأصلية للعالم هي التي تحدد كل الآخرين بواجهة أمامية. منذ زمن بعيد، في القرن السابع قبل الميلاد، يروي لنا هيسيود لكنه لايشرح و لا يفسر ولسبب وجيه أنه هو نفسه لايمتلك أي تفسيرأو لم يكن هناك أي تفسير متاح أمامه . ولتوضيح هذه المفارقة المنطقية الظاهرة، ظهرت الآلهة الثالثة، إيروس، آلهة الحب،  والرغبة على وجه أدق إذا جاز التعبير( ومثل الكاووس الفوضى، إنها في الواقع آلهة ولكن ليس شخصاً أو كينونة بل طاقة تفيض تقوم بتنمية وإخراج الكائنات إلى الوجود. يمكننا القول إنها مبدأ الحياة، قوة حيوية، على حد تعبير لوك فيري. تتمثل مهمة إيروس الأساسية أو الرئيسية هي عبور واجتياز كل الآلهة القادمة من الظلمات إلى النور. حسب أربعة الأنماط الأسطورية الرئيسية لخلق العالم.

 

د. جواد بشارة

...........................

المراجع الببليوغرافية

شكل وأصل الكون

Aurélien Barrau و Daniel Parrochia، Editions Dunod

الكوسمولوجيا الأثرية والنماذج المتنافسة:

 

 

عدنان عويدالعقلية الوثوقية، أو الدغمائية، هي عقلية جامدة سكونية مسكونة بهاجس المطلق والمقدس، والايمان والاستسلام قبل التفكير والشك. تتكئ في تفكيرها وممارستها على مرجعيات من خارج ذاتها، تعتقد أن هذه المرجعيات (النصوص) هي وحدها من يمتلك الحقيقة، وكل ما عداها هو حرام أو خطأ يسئ للحقيقة وبالتاي يجب محاربته وإقصائه.

العقلية الوثوقية الدينية:

يمثلها قوى اجتماعية متدينة، تحمل توجهات سياسية وعقيدية أرثوذوكسية، تقر بأن الحقيقة قد أعطيت فكراً وممارسة مرة واحدة وللأبد، وتؤمن بمشروع الحاكمية انطلاقاً من قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.) المائدة (50). وبغض النظر عن تفسير مفهوم الحكم هنا أهو سياسي أم قضائي، والأغلب هو الحكم القضائي، على اعتبار النص القرآني لم يحدد طبيعة للحكم ولا ألية عمل له. (راجع علي عبد الرازق – الإسلام وأصول الحكم).  وهذه العقلية تتكئ في الحقيقة كما بينا أعلاه على نصوص مقدسة قد أغلقت مداراتها ودلالاتها الفكرية في القرون الهجرية الثلاثة الاولى كما هو الحال في الخطاب الإسلامي حيث جاء: (الآن أتممت عليكم نعمتي... وخير القرون قرني والذي يليه ثم يليه.... وأصحابي كالنجوم الزاهرة بأي منهم اقتديتم اهتديتم). وعلى هذا الأساس أخذت هذه النصوص في دلالاتها استمراريتها الفكرية والسلوكية كوثائق، لا تقبل التغيير أو التعديل أو حتى المراجعة، لكونها كلام الله ورسوله وصحبه، وهي صالحة لكل زمان ومكان... فسرت وأولت دلالاتها في زمن ماض، وحاز مفسروها ومؤلوها على القداسة ذاتها التي تحوز عليها هذه النصوص، وأحيانا تعتبر أقوالهم أكثر قداسة من النص ذاته عند مريديهم أو تابعيهم.

تظل هذه العقلية في سياق نشاطها، عقلية تنظر إلى الفردوس المفقود ممثلاً بفكر ومنهج وسلوكية السلف الصالح، (القرون الهجرية الثلاث الأولى) بأنها هي زمن الفضيلة والنقاء، وأي خروج عن قيمها هو خروج عن النص المقدس.

ترفض هذه العقلية التجديد، مثلما ترفض الآخر المختلف وتكفره وتزندقه، ولا تتواني عن قتله أو ذبحه والتمثيل به.  تعمل على ليّ عنق الواقع كي يرتقي إلى النص وتمثله.

العقلية الوثوقية الوضعية:

عقلية لا تختلف من حيث المبدأ عن العقلية الوثوقية الدينية. فهي أيضاً عقلية جموديّة سكونية وثوقية استسلاميه، ترفض الحركة والتطور والتبدل، يمثلها قوى اجتماعية وصلت إلى السلطة في ظروف معينه، فراحت تعمل على برمجة الدولة ومؤسساتها (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وفقاً لمصالحها هي واستمرارية وجودها في السلطة. هي عقلية أنانية وانتهازية تقف مصالحها عند حدود ما تمثله من مرجعيات حزبية أو طائفية أو عشائرية أو قبلية. وغالباً ما تتخذ شعارات فضفاضة نظرية لحكمها، تجبر الناس على السير وراءها كقطيع أغنام، وكل من يخرج عنها هو منحرف وخائن ومرتبط بالخارج وعميل، ويعمل ضد مصالح الدولة وأمنها الوطني والقومي.. وبذلك تتحول هذه الشعارات إلى نصوص مقدسة، تمارس من خلالها حاكمية وضعية على الرعية.

إن القوى الحاكمة في هذه الصيغة الوثوقية، ترفص أي عقد اجتماعي يسعى لبناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.. أي دولة العدالة والمساواة والمشاركة.. فهي في نهاية المطاف تعتبر شعوبها قاصرة وغير قادرة على قيادة نفسها، ولا بد لهذه الشعوب من وصاية عليها، وهي الأولى بهذه الوصاية.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

"كل فتاة بابيها معجبة"

تشير عقدة اليكترا الى التعلق اللاواعي للفتاة بابيها وغيرتها من امها وكرهها لها، حيث تقترب الفتاة من ابيها وينتابها شعوربالغيرة من امها لانها تراها العقبة التي تقف امامها في طريق الحصول على ابيها وتحاول ابعادها ولكنها تفشل، وبعد ذلك تقوم الفتاة بالتشبه بامها واكتساب عاداتها وسلوكياتها.

جاءت فكرة تلك العقدة اساسا من فرويد الذي استوحاها من عقدة اوديب ثم وسع افكارها وطورها، ومع انه جاء بالفكرة الا ان الذي اطلق عليها هذه التسمية هو كارل يونغ عام 1913، والتي رفضها فرويد لانها تسعى الى توطيد فكرة التشابه بين سلوك كلا الجنسين، وكان يستخدم مصطلح"عقدة اوديب الانثوية".

ومصطلح عقدة اليكترا مشتق من الاسطورة الاغريقية لاليكترا واخيها "اوريستس" التي ارادت من اخيها ان يثار لموت ابيها " اغامبيون" بقتل امها" كليتمنسترا"، وذلك لانها شاركت بقتله.

اذا تناولنا عقدة اليكترا من الاساس لوجدنا ان السبب الرئيس لنشوءها وتطورها ووصولها الى مرحلة العقدة، هو وجود هوة كبيرة بين الام وبنتها تكبر وتكبر نتيجة الاهمال، وعدم الاهتمام، وسوء المعاملة التي تصل الى الضرب والتعنيف من قبل الام، لسبب او لاخر يقابله معاملة طيبة، وعاطفة جياشة، واهتمام كبير من قبل الاب الذي لايفتئ ان يغدق بحنانه على ابنته، اخذا برايها، مستشيرا لها، مقيما لها مكانة مرموقة لتكون المحصلة النهائية انجذاب الفتاة لابيها ونفورها من الام التي سرعان ماتكون عدوها الاول الذي لابد ان تنال منه ليخلو لها وجه ابيها!!

فتبدا رحلة الصراع التي لها بداية وليس لها نهاية، تبدا هذه الفتاة التي تعتبرها الام "عاقة" ولاتتوانى عن توبيخها ونعتها بمسميات شتى، بل انها تتقصد اهانتها و اطلاع الاخرين عن سلوكها الغير سوي والعدواني تجاه الام التي بذلت كل شئ في سبيلها-حسب تعبير الام- ليكون المقابل جحودها ومعاداتها، وبالمقابل تزداد الفتاة عدائية وتتحين الفرص للنيل من والدتها، وتحاول التقليل من شانها امام الاخرين، واظهار مساوئها، والتمرد على قوانينها، كالتجسس عليها مثلا، والتدخل في خصوصياتها، ومحاولة اصطياد الاخطاء والهنات من باب الفعل ورد الفعل، ثم تتودد الى والدها الذي تجده الحضن الدافئ والملاذ الامن الذي تلجا اليه كلما احتاجت لذلك، تستشيره بكل صغيرة وكبيرة، تاخذ رايه في امورها العامة والخاصة، تقدس نصيحته وتكون كلمته هي الاولى عندها، وتكون دائمة الشكوى من والدتها التي اتخذتها ندا لها، خصوصا اذا وجدت تجاوبا من قبل الاب لحمايتها من تلك الغريمة!!

الاغرب بالامر ان الام نفسها باتت تبادل الفتاة نفس الشعور بالنفور منها وتعتبرها شريكة لها بزوجها هي الاخرى، فتحاول ابعادها عنها باي وسيلة، كارسالها للعيش مع اقاربها خالتها او عمتها او اي قريب وهكذا لتضمن ابتعادها عن ناظريها، لان وجودها بات يشكل خطرا عليها ويهدد زواجها –كما تعتقد- بعد ان اعلنت تلك البنت تمردها و كرهها لها وحبها الشديد لوالدها، او ان تقوم بتزويجها في سن مبكرة لضمان ابتعادها نهائيا عن المسرح الذي يجب ان تكون لها دور البطولة فيه دون منازع.

ان مشاعر الغيرة التي تتاجج عند الفتاة من والدتها يوما بعد اخر قد تصل الى انغماس الفتاة بحب ابيها، وتكون معجبة به وباسلوبه وبطريقة تفكيره، ومهارته في وزن الامور اضف الى ذلك تلك المشاعر التي تنتاب الفتاة-المراهقة-وهي ترى شخصية الرجل الحقيقي تتجسد بوالدها الوسيم، الانيق، الحكيم والاهم من ذلك العطوف، هذه الفتاة التي تبدا بمقارنة كل الرجال بابيها، فتفشل فشلا ذريعا عندما تقترن برجل لتكون اسرة، لانها لاتفتئ ان تقارن هذا الرجل بابيها، تلك المقارنة التي لاتروق ابدا لهذا الزوج الذي نشا ببيئة اخرى مختلفة وله شخصيته المستقلة وقوانينه الخاصة..

وعليه نخلص الى القول ان اصل العقد النفسية هو التفكك الاسري وعدم الانسجام بين الابوين الذي ينم عن جهل احد الطرفين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه التي تحدث شرخا نفسيا كبيرا في حياة الابناء قد يدفعون ثمنه غاليا، اذا ماادركوا قيمة التعامل الجاد والمسؤول مع الابناء لان الابن يدرك ويفهم كل شئ ولايحتاج الى ترجمان ليعي حقيقة مشاعره باعتباره طفل فالطفل كائن قائم بذاته له عالمه الذي لايقبل فيه الاساءة لانه لاينسى ابدا من اساء اليه وترك بصمته المؤلمة على تاريخ حياته، فالام العاقلة يجب ان تدرك ان هذه الطفلة جزءامنها، وعليها ان تتعامل مع هذا الجزء بحب وحنان ومسؤولية لانها سوف تسال عنها امام الله والمجتمع، لا ان تجعل منها ندا وتحاربها في حب ابيها لان الاسرة ليست ساحة اقتتال بل هي روضة تغرس فيها المشاعر الانسانية النبيلة لتزهر، فالمشاعر المريضة اذا لم تنقلها الجينات ستنقلها التربية الخاطئة.

وعليه ولتلافي نشوء الطفلة بجو مشحون بالالم والعقد يجب ان تتحلى الام بالصفات التالية:

-التعاطف والتواصل العاطفي بين الام وطفلتها منذ ولادتها تولد عندها مشاعردافئة تجاه هذه الام التي تغمرها بحنانها.

-القرب الدائم من الطفلة واشعارها بالطمانينة والسكينة يخلق لها حصنا دفاعيا من الوقوع بالامراض النفسية الفتاكة.

- احترام استقلالية الطفلة وخصوصيتها، وفسح المجال لها للتعبير عن رايها بكل اريحية .

-الحب غير المشروط، وتقبيل الطفلة كلما سنحت الفرصة للتعبير عن الرضا يعزز الثقة بنفسها ويكون خط الدفاع الذاتي لها مستقبلا.

- تقبل الاخطاء ومحاولة اصلاحها برفق بدل الزجر والنهر، لان ذلك يجعل الطفلة تلجا الى الكذب لتمرير اخطاءها.

- تعويد الطفلة على ثقافة الاعتذار، فانا اخطئ لابد ان اعتذر.

-عدم الكلام بالسوء عن الاب، بل تجميل صورته حتى وان كان مسيئا.

وبذلك نكون قد جنبنا انفسنا واطفالنا امراضا نفسية نحن وهم في غنى عنها.

"اعظم امراة هي التي تعلمنا كيف نحب ونحن نكره، وكيف نضجك ونحن نبكي، وكيف نصبر ونحن نتعذب".

 

مريم لطفي

 

علي سيف الرعينيالروح ولا جسد بلا روح وهي التي تبعث فيه تفاعلاته التي تتولد عنها الحركة، لكنها لا تحكم تصرفاته، ولا تتحكم فيه، فهي لا تأتي بالعقل للجسد، فلكل جسد عقل، ومراحل نمو، فلو فرضنا ان الروح تأتي بالعقل للجسد، لكان الأطفال عقلاء منذ ولادتهم، وهذا لا ينفي ان تكون الروح عاقلة، لأنها تستمر في وضع معين في فترة معينه في الجسد، بوتيرة ثابته تبعث فيه الحياه، ولا يمكن لفعل كهذا بالقياس ان يكون غير عاقل. الروح لها حيز ولها وزن، فلكل حيز وزن، لكن مقدار وزنها مجهول ومقدار حيزها معلوم، فحيزها يقع في كل شيء حي ينمو ويتحرك، اما حجمها فهي ذاتها في الحيز الذي تسكن فيه لا يعرفه احد، ولو قسنا الامر هذا بالبشر سيسهل علينا، فشخص واحد يستطيع ان يتحكم في قطعه اكبر منه يَشغَل هو جزء بسيط من حيزها، كالسيارة مثلاً، او المنزل، ويبقى هو المتحكم في تلك القطعة بشكل شبه كامل، وكذلك الروح فهي تقع في الجسد وتبعث فيه الحركة لكن حيزها في الجسد غير معلوم، او كيفية انتشارها والروح نشيطة بشكل مستمر لا كسل فيها ولا تعب، فالجسد يرتاح في النوم، اما الروح فلا تستقر لنوم، ولو استقرت للنوم، لفنت اجسادنا في نومها، او تلفت، فهي باقية في الجسد تبعث التفاعل، والحياة، التي تجعل ذلك الجسد مستمر، في بناء ذاته، فيقوم ذلك الجسد بعد النوم، ليستعيد نشاطه كاملاً، وقد توازنت فيه كل الهرمونات، وارتخت كل التشنجات . اريد ان ارجع للدين في هذه النقطة التي سأتحدث عنها والسبب في ذلك ان كل المكتوب عن حالة الروح وما يحدث لها خلال نوم الجسد، لم يستطع احد قياسها، أو الوصول إلى نتائج مؤكدة في هذا الجانب، لكننا بالرجوع لمصادر الدين سنجد بعض التفاسير التي تهمنا فأشهر خلق يذكر في كل الأديان السماوية هو خلق الأنسان، والاتفاق بين تلك الأديان، ان سيدنا ادم عليه السلام هو اول كائن بشري بعثت فيه الحياه، وسكنته الروح، قال تعالى {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} الحجر: 29، والدلالة في هذ الآية ان الروح جزء من روح الله عز وجل، وعند انفصالها عن الأصل لم تمت بل بعثت الحياة فيما حلت فيه، والدلالة الأخرى الأهم في نظري، ان الروح يمكنها ان تغادر الجسد بشكل كامل، فيموت الجسد، او تغادره بشكل جزئي، وهذا وارد ايضاً في الدين فالنوم يقع بين الحياة والموت . ومن تلك النقطة التي عاشها جميعنا في النوم، نستطيع ان نستنتج أمور كثيرة، فالروح تتحرك في نومنا، ولها سرعة، في تنقلها، ولها زمن له قياس آخر غير زماننا، وفي النوم تلتقي الروح وتتفاعل مع الجزء الأهم في الانسان وهو العقل، والمشاعر، فتزيد السرعة، ويتضخم الزمن، والمشاعر، للحد الأقصى الذي يمكن أن يصل له تصور بشر، ولنقف هنا لنقرأ بعض الأمور بشكر اكبر، فالأحلام تقع قبل الاستيقاظ بثواني فقط، لكن تلك الثواني تقع فيها احداث كثيرة لا يمكن ان يستوعبها الزمن في حالة اليقظة، ولو كانت الاحلام مرتبطة بالجسد، لعكس واقع زمنه على تلك الاحلام أي ان الساعة في الحلم ستكون ساعة في الواقع، وهذا يخالف كل الدراسات التي جاءت في هذا الصدد . في حالة نوم الجسد، تكون الروح حرة، من قيود الجسد فتتحرك ويطغى زمانها على زمان الجسد، فيستقبله العقل والشعور، وهي الأجزاء الأكثر حساسية، فينفعل الانسان في نومه مع ما يشاهد، ويخزن العقل تلك الذكريات فنتذكرها بعد يقظتنا، لا يهمني الآن الحديث عما نتذكر من الاحلام بل ما يهمني هو قياس ذلك الزمن، فالثواني التي نعيشها في الاحلام هي زمن طويل بالنسبة للواقع، وهذا الزمن هو زمن الروح، التي تعود لزمنها اثناء نومنا، وتنطلق بسرعتها كاملة دون قيود، ويكون الشعور البشري مهتاج في تلك الفترة القصيرة في زمنه، فتتضخم مشاعر الخوف، او اللذة، او المتعة، او الحيرة، لأنها لا تواجه الواقع بما تعرف

 

كتب/علي سيف الرعيني

 

 

بليغ حمدي اسماعيليزيد الشاعر والمفكر العربي "أدونيس" مشهدنا الثقافي غموضا حينما ينأى بسطوره بعيدا عن المتاح في راهننا المعرفي مشيرا إلى أن إدراك الحقيقة لا يتم استنادًا إلى العقل أو إلى النقل، لأن الحقيقة ليست في ظاهر النص وهو يشير في ذلك إلى كنه عمل العقل وأعماله في النص من حيث تفسيره وتأويل مضامينه، وإنما يتم عن طريق تأويل النص بإرجاعه إلى أصله والكشف عن معناه الحقيقي .

والتأويل بهذه الصورة هو طرحُ الظاهر جانبا كونه صورة من صور الباطن فحسب، أما الباطن لا نهاية له، بمعنى ـ حسب توصيف أدونيس للفرق بين الحقيقة والشريعة ـ أنه لا يمكن أن تحده صورة واحدة، بل لا يمكن أن تحده الصور . وهذه الإشكالية التي لم يفطنها فقهاء العصر الحديث بل على وجه الاختصاص أمراء الجماعات والتيارات الدينية المعاصرة الذين لم يروا في العقل أية فائدة واكتفوا بالنقل المباشر من السلف في تفسيرهم وفهمهم للنصوص الدينية التي جاءت لتبيين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .

والإشكالية بين العقل والنقل وما بينهما من حقيقة عرفانية يمتلكها أهل التصوف فقط، تتضح في محاولة فهم الاتصال والانفصال بين الزمني والمكاني، هذا الفهم الذي بدا عصيا على أمراء التيارات الدينية الراديكالية التي لم تفرق بين حكم فقهي أو نص ديني لرجل ينتمي لعصر بائد وعصرنا الراهن، وهو مجمل ما قامت عليه الدراسة المعرفية الموسوعية  للمفكر السوري أدونيس في كتابه " الثابت والمتحول بحث في الإبداع والاتباع عند العرب " بأجزائه الأربعة.  

ولعل المؤسسات التعليمية العربية القائمة نجحت بامتهار متمايز في تكريس الاتصال بالتراث العربي الثقافي في صورته السطحية البسيطة، في الوقت نفسه التي داومت فشلها المستدام في تحقيق اتصال بالحداثة المعرفية، وكأنها بذلك أعلت ثقافة الولاية المعرفية كبديل وحيد عن الجنوح لتأسيس العقلية العربية، هذا كله أشار إليه محمد أركون وأدونيس وعابد الجابري وفؤاد زكريا، وظل نصر أبو زيد يشحذ طاقاته لمواجهة الولاية المعرفية لاسيما في دراسته المتميزة عن الإمام الشافعي صاحب المذهب الفقهي. 

وتتمثل إشكالية النقل والعقل وما بينهما من ذوق وحدس لا يمتلك زمامهما إلا المتصوفة بالقطعية التاريخية ـ في قضية الاجتهاد، الذي يعني كما وصفه ابن رشد بأنه بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدي إليها. والسلفيون يرفضون فكرة الاجتهاد مقتصرين على نصوص السلف الأوائل، في حين أن قصور الفهم والبحث لدى معظم أنصار ومريدي التيارات الراديكالية لم يلتفتوا بالقدر المناسب إلى ما وضحه الفاروق الرشيد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما أجاز وأباح وأقر بالاجتهاد والتجديد في رسالته الأشهر إلى أبي موسى الأشعري حينما سطر فيها قوله بشرط المجتهد: " أن يلتمس نور القرآن وهدي السنة " .

وثمة خلاف ظاهر وواضح في التجربة الحداثوية للثقافة العربية بين أهل النقل الحرفي وأهل العقل دون الذوق يدورحول جدلية السنة النبوية، لاسيما فيما يتعلق بالتجديد والاجتهاد؛ هذه الجدلية ظلت ولا تزال محل هوس لدى الكثيرين من المعاصرين بل والأوائل أيضا من دعاة التنوير حيث اعتماد الأخذ بالحديث عند التجديد الفقهي شريطة أن يكون موافقا للكتاب، رغم أن هذا الشأن مردود عليه كون السنة النبوية مصدرا أصيلا ومقياسا واضحا لصحة العقل والاجتهاد.

ولا أكاد أجزم أن معظم مشكلاتنا العربية الراهنة بدءا من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة وحكومات وهي في الأصل ثورات لا تجمعها أسباب واحدة ولا غايات واحدة بل ولا فكر في تنظيم إحداثياتها،وظاهرة الإرهاب وظهور التيارات المتطرفة الراديكالية مرورا بمشكلات نوعية مثل سد النهضة وحكومات العراق الممزق وفتنة سورية العصية على الحل والتفسير انتهاء بتحليل انفجار لبنان الأخير مجملها المركزية المهيمنة على ثقافتنا العربية التي لا تخلو من مهاجم رجعي أو معاصر يبغي الاستشراف بغير خطة، وأن حرص الأغلبية على البقاء دفعها إلى اعتماد النهج السابق وإن كان لا يتصل بالعصر الراهن على حساب مغامرات فكرية لا يعلم نتائجها .

في حين أن أولئك المنادين بالحداثة والتعامل مع الحدث الحالي والحدث الماضي بمفاهيم تبدو غربية مستهجنة تم تصديرها للواقع العربي تحت رعاية صهيونية في بطئ وخبث، حتى صار هؤلاء يتكلمون بلغة الغرب في قضايا عربية أكثر من اهتمامهم بالتفكير اللغوي الذي استحال في مكانة تهديد وتقويض لأركانها الثابتة . 

هذا التناوب بين الزمني والمكاني يعيدنا اضطرارا إلى قصة العالم جاليليو الذي يعد من أبرز مؤسسي العلم في العصر الحديث، ولقد نظر إلى الديناميكا نظرة جديدة، فقد افترض أن السكون ليس حالة مميزة للأجسام، بل إن الحركة طبيعية شأنها شأن السكون تماماً، وهي حركة في خط مستقيم.

وقد طور جاليليو نظرته هذه في مجال الفلك، فنادى بمركزية الشمس، وكانت كشوفه تلك قد قلبت كل الأفكار الراسخة القديمة منذ أرسطو، بل لقد عكر منظاره الذي اخترعه صفو سبات القدماء الغارقين في الظنون والأفكار الواهية. وقبل أن تفكر أيها القارئ في مصير جاليليو،لابد وأن تستقرئ نتيجة أفكاره دون تحليل أو استنتاج، فلقد صدم جاليليو رجال الدين في عصره، وأدين بالفعل في جلسة مغلقة، غير أن جاليليو لم يرضخ أو يستسلم، فسيق مرة أخرى للمحاكمة العلنية، فتراجع خوفاً على حياته، ووعد بأن يتخلى عن كل أفكاره المتعلقة بحركة الأرض حول الشمس، وفعل حقاً ما أمر به من رجال الدين، لكنه هو في قفص الاتهام تمتم لنفسه قائلاً: " ومع ذلك فإنها تتحرك" . القصة انتهت.

إن ما فعله العالم جاليليو في فكر عصره نسعى أن نحققه نحن، نفكر، ونستدل، ونبحث، ونجرب، ونتهم، ثم نتراجع عما فكرنا فيه، الأدهش هو أننا حينما نشرع في التفكير نجد عشرات المتربصين بنا وبأفكارنا التي نقسم بالله أنها ليست علمانية، وأن ديننا الإسلامي حض على التفكير، وأن القرآن الكريم الذي ندعي بأننا نفهمه فهماً كاملاً، حث على استعمال العقل والمنطق والتحليل، ففي القرآن الكريم آيات تحض على النظر والتحليل والاستقراء والاستنباط مثل قوله تعالى : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)،أي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وفي آية أخرى  (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض)، وكثير من الآيات القرآنية التي تحض الإنسان على التفكير وإعمال العقل.

وما أكثر الخطب المنبرية والمقالات والكتب التي تتحدث عن وجوب التفكير وأنه فريضة إسلامية كما ذكر عباس محمود العقاد في أحد عناوين كتبه الماتعة الرائعة وهو يواجه صلابة وتعنت الأفكار الرائجة في عصره والتي استدامت حتى عصورنا الراهنة، ولكن عند أول اختبار لأصحابها يسقطون في فخ الزيغ والهوس وبطلان الحجة. وإذا سألت بعض رجال الدين عن دوره كرجل تنويري لسوف يحدثك عن فعالية التفكير والاستنباط، وعن عظمة التسامح كمحور للتنوير، وأن التسامح ينبغي أن يمتد بلا تمييز. وفي أول محك لتطبيق أفكاره سيلعن التنوير والتنويريين، وسيربط التنوير بالعلمانية، بل وربما بالمسيحية، وبالفلاسفة الملاحدة، ولهم أقول إن التنوير حركة لم تكن مرتبطة بأي مدرسة فلسفية معينة بل إن التنوير يعني العودة إلى تقدير النشاط العقلي المستقل، وبصورة أبسط  نشر النور حيث كان الظلام يسود من قبل.

إن ما فعله جاليليو منذ قرون مضت وجعلنا مضطرين لسرد قصته لأمر واضح وجلي للأفهام، إنه حاول أن يبرهن على دوران وحركة الأرض، وواجه بسبب آرائه تلك تهمة الزندقة والخروج على التعاليم الدينية، وهو ما يريد أن يفعله اليوم بعض الرجال المحسوبين على ديننا الحنيف إذا فكرنا قليلاً  فيما يقولون ويسردون من قصص لا أصل لها في تراثنا الحضاري نزعوا إلى العنف وإلى التكفير وإلى إهدار الدم، واستباحة العرض للمخالف، ولعل هذا في رأيي هو الذي أوجد فقهاً تعسفياً مغالياً، فكيف سيدعون يوماً إلى ثقافة التسمح والمواطنة والتعايش؟ .

ولست ممن يحاربون الماضي برمته، بل إننا لم نفطن حاضرنا إلا باستيعاب ما تركه لنا السابقون في مجالات التوحيد،والفقه، والحديث،والتاريخ الإسلامي، لكنني أصبحت أمقت مصطلح إعادة قراءة الماضي، وتحليل الموروث الثقافي، بل إنني أحلم بالانطلاق إلى واقعنا الحالي وما يحمله من تحديات ومعوقات تثقل كاهلنا، ولقد عجبت من قول أحد رجال الدين المعاصرين حينما قال إن ثقافتنا الإسلامية لهي جديرة بأن تصارع ثقافة الآخرين، وأن تصرعها وتخلصها من شوائب المدنية الزائفة وأن تحولها إلى دماء صالحة.

ولربما هذا الارتداد المطلق لنصوص السلف الأوائل هو أيضا المتسبب في الكارثة المعرفية لقصور العلماء العرب الموجودين في تفسير واضح ومحدد وأكثر علمية لجائحة كورونا، لكن هم فقط يتحدثون بمنطق الأوائل الراديكالي وفق تصورات وطروحات ثابتة لا تقبل التجديد والتمايز وقد لا تتوافق مع أنماط العقل، فنجدهم يتحدثون عن عملية تحور الفيروس وبداية استنساخه في صور جديدة شتى، ورغم أن مجمل المنتسبين لكليات العلوم بالضرورة يقتبسون شعارات الحداثة والتطور وإعمال العقل في أقصى طاقاته إلا أنهم في المواجهة الأولى الحقيقية لاكتشاف مدى كفاءتهم العلمية في التصدي ولو ثقافيا لكوفيد ـ 19 وليس بالصفة العلمية التطبيقية التي ظلوا يتفاخرون بامتلاك أدواتها لسنوات مضت، وجدناهم يقرون حقائق علمية أشبه بالطرح السلفي للنصوص الدينية بغير تجديد أو اجتهاد .

ولعلي لا أجد مللا في استطراد الحديث عن قصور العلماء العرب لاسيما وأننا بالفعل بانتظار معجزات علمية تأتينا من الغرب، وتكفي إطلالة سريعة لبعض المواقع العلمية الرصينة مثل موقع مجلة Nature لنكتشف حجم وفداحة الجهالة العلمية عند ما يطلق عليهم العلماء الأكاديميين العرب وهذه الغفلة الراديكالية عن التجديد أو الابتكار وبالقطعية هؤلاء لا يمكن أن نطالبهم بالمزيد في مواجهة الجائحة التي تتطور وسط تطور علمي متزامن في الغرب، لأنهم بحاجة ماسة إلى تطوير أدواتهم المعرفية بصورة أقوى وأكبر من تطوير أدواتهم العلمية وإمكاناتهم المعملية، المشكلة بحق في افتقار هؤلاء إلى امتلاك أدوات معرفية مثل الراديكاليين الذين توقفوا في التفكير عند حدود زمانية لا يمكن تخطيها .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل 

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

"كلنا يود ارجاع اصوله... لشخصيات مقدسة !!!"

عبر الخيال نشأت الاساطير المستندة على تجارب الموت ومواجهة الخوف والقلق من الانقراض، ونحن عبرها نردد متسائلين "ماذا لو؟" هو السؤال ذاته الذي نحن ملزمين به، "ماذا لو كان هناك شيء آخر إلى جانب هذا العالم"؟ وان وجد فكيف يمكن له أن يؤثر على حياتنا الروحية واليومية والاجتماعية؟ ربما سنتغير؟ وهل سيكون تغيرنا مثاليا؟ وإذا كنا قد تغيرنا حقاً فهل هذا يعني أن حياتنا ستكون امينة او صادقة إلى حد ما او أنها ستحتوي على بعض الحقائق الجديدة بالنسبة لنا، على الرغم من أننا لا ولن نستطيع إثبات ذلك بعقلانية؟ ترتبط الأساطير مع الطقوس وان العديد منها لا معنى لها خارج الطقوس المقدسة التي ولدت منها غير أنها في الحالة الدنيوية غير مفهومة، والأسطورة تدور حول المجهول في محور الصمت العظيم فتعمل على إن تقدم لنا ذاتها مفسرة بشكل صحيح للحالة الروحية أو النفسية والتي تضمن العمل الصحيح في المستقبل في هذا العالم أو حتى في عالم آخر. ولو تأملنا الأساطير لوجدناها جميعا تعلن عن وجود عالم آخر متداخلا بعالمنا ويدعمه إلى حد ما وتؤكد على وجوب الاعتقاد في هذا الواقع غير المرئي والذي يشار إليه أحيانا باسم "الفلسفة الأبدية"، وفي معظم المجتمعات وبالطريقة التقليدية، ووفقاً لهذه الفلسفة الأبدية فأن كل شيء يحدث في العالم وكل ما نراه ونسمع به له مراسلاته في العالم الإخر وهو أكثر إشراقاً وأقوى من نظيره الأرضي وكل الواقع الدنيوي ليس سوى ظل شاحب وهو شبه مثالي لنموذجه الأصلي، وفقط عبر المشاركة في العالم الاخر يتمكن الشخص الضعيف من أدراك إمكاناته، وقد أعطت الأساطير مظهرًا واضحًا وشكلًا واضحًا للواقع الذي شعر الناس به بشكل حدسي.

تتميز الثقافة الحديثة القائمة على الأفكار العلمية بمفهوم مبسط للغاية عن مفهوم الناس قديما عن الفكرة والايمان مما يؤدي إلى حياة ميتافيزيقية منفصلة تمامًا إذ لم تكن الأساطير بالمعنى الحديث للكلمة إنما في مجال محدود وضيق للفكر وللخبرة الإنسانية وهكذا تم تصميمها لتكون داعمة للناس في المواقف الصعبة ولمساعدتهم في العثور على مكانهم الملائم والنفسي في العالم ومسارهم الحقيقي، ومع حقيقية رجوع البشر جميعا إلى ادم عليه السلام اب البشرية لكننا مع ذلك كلنا نحاول وكلنا نريد أن نعرف من أين أتينا ونود ارجاع اصولنا إلى شخصيات مقدسة، وبما أن الأصول ضائعة في ضباب عصور ما قبل التاريخ فإن الناس يؤلفون أساطير عن أسلافهم لا ترتبط بالواقع التاريخي غير أنها ساعدت في تفسير خصوصيات بيئتهم وعاداتهم الاجتماعية. وتكاد إن تكون رغبتنا جميعا ذاتها في أن نعرف إلى أين نحن ذاهبون وبنفس الطريقة التي نشكل بها أساطير عن الحياة، ونريد جميعًا أن نجد تفسيراً لتلك اللحظات الخاصة في حياتنا عندما نتمكن من الارتفاع فوق المستوى العادي ونشعر أن الإنسان والعالم المادي يأويان شيئًا أكثر واكبر واوسع وادق. وغالباً ما تكون الكلمة "أسطورة" مرادفة لأكاذيب عادية لدرجة إن كل سياسي متهم سيعلن إن اتهامه بالفساد هي نوع من التزوير وأن كل ذلك ليس اكثر من "أسطورة"، مما يعني أنه لم يكن هناك شيء من هذا القبيل ومن هذا وذاك التصقت الاساطير بالجوانب المنافية للعقول فهي لا تصدق تماما وتتناقض بصراحة مع كل ما نعتبره ممكنًا حقًا ولذلك قام المفكرين والعلماء ومنذ منتصف القرن السابع عشر بتطوير منهجًا علميًا للتاريخ مما ادى إلى إن يكون الأهتمام وبشكل أساس بما حدث بالفعل فسابقا كان الأشخاص الذين كتبوا عن الماضي مهتمين في المقام الأول ليس بالأحداث بحد ذاتها إنما بما كانت تعنيه وتقصده، ومن ذلك كله كانت الأسطورة حدثًا بمعنى ما لربما يكون قد حدث مرة واحدة ولكنه في ذات الوقت لم يتكرر في كل وقت وإن النهج العلمي الصارم للتاريخ لا يسمح باختيار كلمة علمية لوصف هذه الظاهرة غير إن الأساطير هي شكل خاص من أشكال الفن وتسعى جاهدة وراء حدود التاريخ إلى محاولة الدخول فكريا لجوهر الوجود الأبدي مما يساعد على التحرر من التدفق الفوضوي للأحداث العشوائية ويلتقط لمحة عن جوهر الواقع. ولأن الناس تطمح لتجربة التعالي والسعي إلى تجربة لحظات من النشوة الروحية تؤثر في بعض السلاسل النفسية العميقة فتم لذلك تصميم الأساطير لإيقاظ حالة الشخص من النشوة حتى في مواجهة اليأس لابعاده عن احتضانه لفكرة الهروب الى الموت وإذا كانت الأسطورة غير قادرة على ذلك فهذا يعني أنه قد تخطت عهدها وخسرت كل القيمة، فلذا لا ينبغي اعتبار الأسطورة مجرد شكل أدنى من التفكير يمكن تجاهله في عصر العقل لأنها ليست على الإطلاق نموذجًا أوليًا للتاريخ والأحداث الموصوفة فيها لا تتظاهر على الأقل بدور الحقائق الموضوعية للواقع غير أنها تحول عالمنا المأساوي المجزأ وتساعد على كشف فرص جديدة.

لذا فإن الأسطورة تعد أنها صحيحة لأنها فعالة وليس لأنها تعطينا بعض المعلومات عن حقائق الواقع لانها إذا لم تساعدنا على اختراق أعمق في أسرار الحياة فعندئذ لا فائدة منها فهي قيمة حقا إن ألهمتنا بأفكار ومشاعر جديدة تعطي الأمل وتشجعنا على أن نعيش حياة كاملة، ويمكن للأساطير أن تحولنا فقط إذا اتبعنا تعليماتها إذ إن بعضها تشرح لنا ما يجب أن نفعله لإثراء حياتنا وان لم نطبق فحواها على وضع حياتنا تبقى الأسطورة غير مفهومة وغريبة كقواعد لعبة غير مألوفة والتي غالبا ما تبدو مملة ومربكة حتى تبدأ اللعب، وعموما فقد أدت الأساطير دورًا مهمًا للغاية وهي لم تساعد فقط الناس في العثور على معنى الحياة إنما كشفت أيضًا عن نواحي الوعي التي لا يمكن الوصول إليها بطرق أخرى فهي بذات الوقت تماثلت على أنها شكلا مبكرا من علم النفس، وقد كانت هناك دائما نسخ مختلفة من ذات الأساطير ومن أجل الاستمرار في نقل الحقيقة الخالدة الواردة فيها يجب أن تتكيف مع الظروف المتغيرة وأنه كلما حققت البشرية قفزة في تطورها تغيرت هي وفقًا للظروف الجديدة غير إن الطبيعة البشرية لا تزال دون تغيير إلى حد كبير كما إن العديد من الأساطير المتولدة والمتناسخة عن مختلف الثقافات ما زالت تناشد، أعمق مخاوفنا وأدق رغباتنا.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات الضيفي