مجدي ابراهيمإذا كان الإبداع عموماً في مجالات الأدب والفن والثقافة والفكر، يعرّف بأنه خلقُ على غير مثال سابق، فمن المؤكد أن هذا التعريف لا ينطبق على مجال من تلك المجالات مقدار ما ينطبق على التصوف، فالصوفي مبدع على الحقيقة بلا مبالغة في القول، وبلا مجاز. ربما يكون الإبداع في مجال الأدب أو الفن على اختلاف ضروبه أو يكون في ميدان الفكر على تنوع أشكاله خاصةّ نفسية تتجاوز المعهود ممّا يكون مألوفاً من فنون المقول، فما فوق المألوف المعتاد يقال عنه خلق على غير مثال ما سبق به أحد، أو إن شئت قلت هو الجديد الذي لا يعرف التقليد ولا ينزع إلى المحاكاة.

والأصل فيه أن يصدر مباشرة عن نفس صاحبه، صدوراً عن طبيعته المبدعة، عن قواه الباطنة الخفية، ولا يصدر عنها وهو يقلد أو يحاكي أو ينقل ما عساه أن ينقله، أو يحلل عبارات الآخرين دون أن يتوفر فيه شرط التذوق، شرط الإبداع. وإذا شرطنا لعنصر الخيال في الإبداع الفني والأدبي أن يكون حاضراً بقوة، مؤثراً غاية التأثير، فلا شرط هنا في ميدان التصوف إلا شرط الصدق في التجربة المعرفية ومع ذلك فهي أي التجربة المعرفية الصوفية لا تخلو من عنصر الخيال الخلاق، وربما كان أهم وأفعل عنصر فيها. وليس لعنصر الخيال وحده هو الفاعل الأهم في هذه العملية الإبداعية ما لم تكن التجربة الصادقة مؤسسة على الذوق والأصالة، مهيئة للتلقي والاستقبال من عالم الغيب مددها الفياض فهي من أجل ذلك تتعامل مع النصوص الدينية معاملة خاصة لا يعمل فيها الخيال وحده وكفى بمقدار ما يعمل فيها الوعي المجمل الشامل بعناصره الوجودية والمعرفية.

فإمّا العناصر الوجودية، فكل ما يتصل بالوجود الإنساني من جهة الجسد والنفس والروح وكل ما يتضمن دائرة المعرفة من جهة : الحسّ والعقل والقلب والخيال.

الوعي المجمل إذن هو العمل الإبداعي مرهون بشرطه، من حيث قوة الخيال وقوة اللغة ووحدة الوجود والمعرفة، ولا يقوم في المبدع على الحقيقة إلا قياماً مجملاً، وبعد الوعي يكون البيان. لم يكن ابن عطاء الله السكندري بغافل عن هذه الخصوصية حين قال في إحدى حكمه :" الحقائق ترد في حال التجلي مُجملة، وبعد الوعي يكون البيان "فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ثم إنّا علينا بيانه". فانتقال الوعي من حالة إلى حالة هو نفسه انتقال الوظيفة والخصوصية من وعي مجمل إلى وعي تفصيلي بياني، أو من وعي عالي إلى وعي عادي. في الحالة الأولي تتجلى الحقائق مجملة لا تفصيل فيها ولا قدرة للعقل على الإحاطة بها، لأنها تتجلى كما لو كانت بوارق خاطفة في غيبة واصطلام، وفي الحالة الثانية بعد الوعي أي بعد أن تعرض على حالة الصحو والحضور يجئ البيان من قبل العقل. فالبيان مرحلة لاحقة على التجربة، والتفصيل مرحلة شارحة لها يقوم بها العقل.

خذ مثلاً واحداً من أمثلة كثيرة لا حصر لها تدليلاً على ما أقول : وقف أحدهم عند قوله تعالى : (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (سورة البقرة: آية 269)؛ فقال : إنّما قال تعالى ذلك؛ لكثرة "الوجوه المَبْطونَة في الكلمات".

ولكن قبل أن نستطرد مع هذه الوقفة علينا أن نتوقف عند صاحبها، فالذي وقف هذه الوقفة المُلهمة كان أميِّاً لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم، كما وصفه تلميذه، على معاني القرآن العظيم والسّنة المشرّفة كلاماً نفيساً تحيَّر فيه العلماء، وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولاً لابد أن يقع على الصفحة التي قال …؛ هو الشيخ "علىُّ الخواص" شيخ الشعراني وأستاذه ومعلمه أسرار الطريق ودروب السير فبه.

وإنما أثبتنا هذا عن "الخواص" لئلا يتوهم متوهم أن العرفان بمعاني القرآن متوقف على آلة النظر بالعقل، فهذا جهلٌ بالله، وتحجيرٌ على قدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ فالعلماء الذين يتشدَّقون بالعقل ما لهم آلة لفهم كلام الله تعالى إلا بالفكر والنظر.

أمّا العارفون، فطريقهم إلى فهمه : الكشف والتعريف الإلهي. وممَّا يزيدك قناعة بفتوح الله على عباده هو أن تنظر إلى "علىِّ الخواص" هذا الأمِّي الذي لا يعرف القراءة والكتابة. انظر إلى الثقة العلويّة بما لديه من عند الله، وانظر إلى "الإبداع" الخالص الذي لا يعرف للتقليد طريقاً، وانظر إلى الخصوصيِّة والتفرُّد .. ماذا تراه يقول؟

إنه ليقول: "لا يُسمى عالماً عندنا إلّا من كان علمه غير مستفادٍ من نقل أو صدر، بأن يكون خضريَّ المقام. وأمّا غير هذا، فإنما هو حاكٍ لعلم غيره فقط، فله أجر من حَمَلَ العلم حتى أدَّاه، لا أجر "العالم"، (والله لا يضيع أجرَ المحسنين)؛ فمن أرادَ أن يعرف مرتبته في العلم يقيناً لا شك، فليُردَّ كل قول حفظه إلى قائله، وينظر بعد ذلك إلى علمه، فما وجده معه، فهو علمه. وأظن أنْ لا يبقى معه إلّا شيء يسير لا يسمى به عالماً ( طبقات الشعراني : جـ 2، ص 137).

وإنه ليُفرّق بين العلم والكشف تفرقة فاصلة جديرة بالنظر والاعتبار، خالصة من الالتفات إلى الأغيار مبدعة بمقدار صدورها من شمس الحقيقة. وعنده إنما يكون الكشف هو علمك بالحقائق على ما هى عليه في نفسها. والعلم هو علمك بالأمور على ظاهرها (الشعراني : درر الغواص على فتاوي سيدي عليّ الخواص، القاهرة  1425هـ - 2014م ؛ ص 64)

في الواقع إن ما عبَّر عنه الخواص إنما هى "علوم الحقائق" لا تستفاد من فكر ولا نظر ولا عقل، ولكنها علوم وهب وتوفيق, علوم أذكار لا علوم أفكار، وهى التي يعوَّل عليها في فهم "الوجوه المبطونة" في كلمات القرآن الكريم. وقد أجابَ لمّا سئل عن قولهم : القرآن بحر لا ساحل له. فقال : معناه إنه يقبل جميع ما فسّره به المفسرون؛ وذلك أن المتكلم به، وهو الله تعالى عالم بجميع تلك المعاني والوجوه التي تدل عليها هذه الألفاظ بالنظر إلى كل شارح، فما من شارح يقصد وجهاً في شرح تلك هذه الآية أو تلك إلّا وذلك الوجه المقصود للمتكلم به وهو الله تعالى، بخلاف ما إذا كان المتكلم من الخلق؛ فإنّ الشرح لكلامه لا يتعدّى مرتبة المتكلم من القصور، وإنْ كان اللفظ يبتغيه .

اقتضاه هذا أن يفرِّق أيضاً بين "الفهم" و"العلم"؛ وذلك لإمكان القول إنّ الفهم في الكلام على قسمين : أحدهما مكتسب من مادة. والآخر: موهوب من غير مادة. فالذي وُهبَ من غير مادة، لا يُقال فيه فهم، وإنما يُقالُ فيه علم.

وأمّا المكتسب من المادة، فهو الذي يقال فيه "فهم"، وهو تعلُّق خاصُّ في العلم. فإذا علم السامع "اللفظة" من اللافظ بها أو رأى الكتابة ففهم منها أمراً؛ فمردَّه إلى حكمين : أحدهما : أن يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة مع تضمُّنها في الاصطلاح معاني كثيرة خلاف مُراد المتكلم بها. فهذا يُسمى فهماً؛ لأنه كان اكتسبه عن مادة. والثاني : لا يعلم مراد المتكلم من تلك الكلمة على التفصيل، ولكن يحتمل عنده فيها عدّة وجوه (مبطونة) يدل عليها الكلام، لا يعلم مراد المتكلم من تلك الوجوه، ولا يدري : هل أرادها كلها أو أراد بعضها، فمثل هذا لا يُقال في حقه إنه أُعطى الفهم في القرآن، وإنما يُقَال فيه أنه أعطى "العلم" بمدلولات تلك الكلمة أو الكلمات.

وقد أجمع العارفون على أن كلام الله واسع، حَمَّال أوْجُه كما وصفه الإمام عليّ رضى الله عنه، يقبل جميع ما فسَّره به المفسرون، لأنه خاطبهم بجميع ما يقبله استعدادهم.

فما من وجه مقبول فهمه عبادُه المؤمنون إلا وهو مقصود له تعالى من تلك الكلمة بالنظر إلى فَهْم مَنْ فَهمَ من كلامه تلك الوجوه المقصودة لله أو لذلك الشخص الذي فهم منها ما فهم حيث لم يخرج في فهمه عمَّا يؤديِّه الكلام من التَّجَوِّز؛ فإنْ كان خَرَجَ عَمَّا يؤدِّيه كلام العرب فلا علم ولا فهم. هذا من خصائص كلام الله. أمَّا كلام المخلوقين فقد يكون بعض الوجوه غير مقصود لصاحب الكلام.

ولمَّا كانت الآيات قد وَرَدَتْ في القرآن على التنوِّع والتّفرُّق : آيات لقوم يعقلون، وآيات لقوم يؤمنون، وآيات لقوم يتفكرون، وآيات لقوم يسمعون، وآيات للعالمين، وآيات للمؤمنين، وآيات للموقنين، وآيات لأولي النّهي، ولأولي الألباب، ولأولي الأبصار؛ صار من أوجب واجبات العبد أن يلتزم أدب الفهم في كلام ربَّه عز وجل, لينال من توجهات الخطاب ما كان تحقق به وانطبق عليه. وأدب الفهم هو أن يعقل على الدوام أن فيه مجموع ما تفرَّق من آيات : نعته الله بالعقل، والإيمان، والتَّفكّر، والتقوى، والسمع، والقلب الذي هو اللبّ، والأبصار؛ حتى إذا ما نظر في كل صفة هو موصوف بها، وكل نعت هو منعوت به، بعد أن يكون قد مشى حيث مشى به الشرع، ووقف حيث وقف به الشرع، وعقل فيما قيل له فيه هاهنا أعقل، وآمن فيما قيل له فيه هاهنا آمن، ونظر وفكَّر فيما قيل له فيه هاهنا انظر وتفكر، وسلَّم فيما قيل له فيه هاهنا سَلِّم، حتى إذا ما كان هذا دَيْدَنَه في طريق العرفان، ظهر بأوصافه ونعوته في العالم، فكان ممَّن جُمِع له القرآن وأعطي الفرقان من طريق الوهب والتوفيق بعد مكابدة مفاوز الطريق.

والعارفون ليس لهم آلة إلى فهم كلام ربهم أو غيره إلّا بالكشف والذوق لا الفهم والفكر. ومرادنا بهذا الكشف؛ هكذا يتكلم الخواص؛ هو كشف العلوم والمعارف الحاصل بالنفث والرَّوْع لا الكشف المعهود في الحسّ بين أرباب الأحوال. فإن العلوم ليست محسوسة حتى يكشف عنها كما يكشف عن الأماكن البعيدة في الكشف الصوري، وقد جعل الحق تعالى لعلماء الشريعة نظير هذا الكشف بواسطة الاجتهاد والأدلة المعلومة بينهم. وأن الله تعالى قد أخبر في كتابه عن أقوام إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون، وأخبر صلوات الله عليه عن أقوام من أمته يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فكيف تكون هذه الأقوام متقربين إليه؟ وكيف يتقرّبون بعدم العلم الذي هو الجهل، هذا عجيب!

عندي أن الفهم عن الله لا يتسنى لأحد إلاّ بمقدار ما تتعلَّق به إرادة الله لتفهيم العبد على مقدار إخلاصه. وبهذا أو بمثله يكون فهم القرآن على نورانية الصلة الروحيّة، وهو ما يسمى بملكة "التعلَّق" عند العارف. فالعارف يحظى بملكة خاصّة ينفرد بها هى ولا شك أقوى وسائل التحصيل الذوقي للمعرفة التي هى في الأصل ذوقية صرفة.

وبملكة التعلُّق هذه، يتجاوز الصوفي (العارف) عالم الظاهر المحدود؛ ليتصل في لحظة كاشفة بما ليس ظاهراً ولا محدوداً، ممَّا لا يتناهى، وممَّا لا تقع معرفته في حدود التصوِّر المحدود. التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك؛ تأخذك وتستوفيك وتملك عليك بالكلية جميع أقطارك. التجربة هى التي تفعل؛ فيوحي فعلها فيك لغة الإشارة.

في بطن التجربة الصوفية وحدها يكشف العارف في تجربته عن لغتها الرمزية الخاصَّة؛ لغة الحبّ، ولغة التسامح لا التَّمزق، ولغة الفناء في المحبوب تعطيها الإشارة لا العبارة، أي لغة المعنى تحصيلاً وتذوقاً وشعوراً بمعطيات الحَال، يحيط صاحبه معنىً خالصاً قد لا يتسع له اللفظ المعتاد، وإنْ أتسع له اللفظ المعتاد أفسده، وإنْ ساقته العبارة العادية خَرَجَتْ به عن المقصود. وهو حين يكشفها لا يكشفها في باطن التجربة وكفى بل بعد منازلة الحال وعياً غير عادي ولا معهود.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

نبيل عودةاتهمت من بعض ناشري الشعر والنقد ومختلف أنواع الأدب باني فقدت البوصلة الثقافية، ولم اعد اجاري عصري، ومن هنا نقمتي على ابداعات الأدب الحديث، او ما يطيب للبعض ان يسميه بالحداثة الأدبية، وحالهم كمن يعلن رسميا انه لا يفقه الف باء الحداثة ومصادرها الفكرية والفلسفية .. واحدهم لم يتردد ان يعلن ذلك عبر موجات الأثير بلقاء ادبي لا ادب فيه، وبثرثرات مقاهي بين واهمين انهم باتوا من شعراء وكتاب العصر من اول تجربة إبداعية تنشر لهم.

أسوأ ما في هذا الأسلوب توجيه الاتهامات، إدانة المتهم وهو لا يملك حق الرد. أحيانا لا ضرورة للرد لتفاهة قائله. اخترت التجاهل ليس عجزا، انما من رؤيتي ان أكثرية ما ينشر لا يستحق ان يسمى ابداعا ادبيا ومهما اجتهدت لطرح رؤيتي الصريحة، لن تفهم بإطارها الادبي، ولا اريد ان اترك انطباعا باني انتقائي في اختياري للنصوص، خاصة وان وقتي لم يعد متاحا لمتابعة كل ما ينشر، خاصة الشعر الذي لم اعد قادرا على الإحاطة بسيله الجارف. طبعا هناك من يجعل من تلك النصوص ابداعا من المستوى الأول خاصة اذا كانت صاحبة الديوان من الجنس اللطيف.

موقفهم لا يعني لي أي شيء جديد، انما اتعامل معه كإعلان شخصي للغباء، خاصة عندما يصر بعض "ثقال الوزن" على اصطلاح "الحداثة" حين يطبقونها كأمر عسكري على نصوص، أحيانا من الصعب اعتبارها ابداعا ادبيا بل محاولات لكتابة ادب، واكثرية تلك النصوص تطمح لأن تكون شعرا. يبدو ان صياغة الشعر لا تحتاج الى شخصيات قصصية وعقدة قصصية ودراما وحوار بل مجرد أسطر مرتبة بصف عسكري، اشبه بالكتابة الصينية، ولا بأس من عدم تواصل الفكرة بين سطر وآخر. دائما يوجد الناقد الذي يفسر ما لا يفهمه ولم يعنيه صاحب النص.

قمة الغباء ما قاله أحدهم بأن مشكلتي أني لم استوعب الحداثة وتفاعلاتها في الادب الحديث. لكن ليته يشرح للقراء مفهومه للحداثة او مصدرها الفلسفي، وعلاقة الحداثة بالتطور الاجتماعي، الاقتصادي، العلمي، الثقافي، وبحرية التعددية الفكرية وسائر الحريات. هذا ما نفتقده بشكل مطلق في واقعنا العربي، لو جرى الحديث عن الحداثة في الأدب العبري كنت سافهم ذلك. للأسف هناك ظواهر سلبية تلقي ظلالها على مجتمعنا العربي داخل إسرائيل رغم التغيرات العميقة الثورية التي حدثت خلال العقود الماضية، بعضها نتيجة سياسة التمييز العنصري والخنق الاقتصادي للمجتمع العربي الذي تمارسه السلطة الإسرائيلية، وأكثرها سلبية هي تأثرا وتقليدا للفكر السائد بالمجتمعات العربية والخلل البنيوي للواقع الاجتماعي، السياسي وتأثيره على حرية الابداع وحق التعددية الفكرية والثقافية.

عدا القلة من المبدعين يكاد يكون غياب كامل للأعمال الأدبية المثمرة على صفحات الجرائد والانترنت... واعترف اني حين عملت نائبا لرئيس التحرير ومحررا ادبيا في صحيفة "الأهالي" رفضت بقوة نشر اي عمل ادبي مما يسميه البعض بأدب الحداثة، لأنه حسب فهمي يفتقد ليس للحداثة بل للإبداع الحقيقي.

 اتنازل عن تقديم نماذج، حتى لا ادخل بصراع شخصي. وامل ان يهتم الادباء الناشئين بتطوير فكرهم الثقافي وقدراتهم الإبداعية ولا يتوهموا ان إطلاق صفة الحداثة ترفع من شأن ما ينشرون.

في التلخيص النهائي اقول ما يلي: الحداثة او حداثة ما بعد الحداثة ... هي تعابير عقيمة لأنها أُخرجت من مسارها. الحداثة هي عملية تنوير اجتماعي، ثقافي وفكري. مجتمعنا، وكل المجتمعات العربية عامة، ما زالت على ضفاف الحداثة، وعدا بعض المثقفين ... والقليل من الأدباء المبدعين، ما زلنا اجتماعيا وفكريا نعيش في مجتمعات تحت سيطرة او تأثير وتحكم الفكر الاصولي المتطرف. حتى على المستوى السياسي تتحكم بمجتمعاتنا قوى تفتقد للتوازن السياسي، الفكري والثقافي.

 السيطرة للأسف ليست لحركة الاصلاح والتنوير العربية، انما للقوى الظلامية ... ما زلنا نبحث ونتعارك حول السماح للمرأة بقيادة السيارة ... وحول اجازة الاعمال الأدبية، وحول السماح بتعليم نظريات علمية تنسف الغيبية الدينية، وحول اصلاح التعليم وتحرير عقل الطالب من اسلوب التلقين والايمان الاعمى بلا وعي، وما زالت مجتمعات العالم العربي، رغم ثرواته الهائلة، في أدنى مستويات الفقر، وتعاني من انتشار هائل للأمية. قبل سنوات قال الشاعر المصري عبد المعطي حجازي، بان من لا يعرف استعمال الحاسوب هو أمي. مثلا نسبة مستخدمي الانترت في العالم العربي منخفضة بالقياس مع الدول الأجنبية، ما عدا السعودية التي تتجاوز نسبة ال 70% نجد ان سائر الأقطار العربية وعلى راسها مصر لا تتجاوز ال 20% -40%، والمعروف ان السعوديين هم أفضل زبائن للمواقع الجنسية في الانترنت!!

لو راجعنا الوضع في الدول المتقدمة مثل اليابان والدول الأوروبية وامريكا لوجدنا النسبة تتجاوز ال 80% وبعض الدول تتجاوز نسبة ال 90% اليابان مثلا، اما في إسرائيل النسبة تتجاوز ال 80%. واعتقد ان الحاسوب اليوم اضحى ضرورة لكل بيت ولكل انسان. نسبة ال 80% لا تشمل كما اعتقد شريحة من العجزة والعاجزين بكل انواعهم. وربما نجد مثلا في مؤسسات مختلفة أجهزة للاستعمال العام للنزلاء.  في كل بيت في إسرائيل يوجد أحيانا حاسوب لكل شخص، للزوج، للزوجة وللأولاد.

الحاسوب سهل إمكانيات النشر، ما لا تنشره الصحيفة او الموقع فالفيسبوك الشخصي هو البديل. لذا أرى تراجعا بالمضامين والمعاني والصور الشعرية وفن الصياغة الأدبية عامة. هذا ليس دليل الحداثة انما دليل انفصام ثقافي مع مجتمعنا. ان ثقافة الحداثة يا مدعي الحداثة لا تجيء ببضع خربشات شعرية او نثرية او نقدية، انما هي معركة تنوير ما زلنا على ضفافها ... استغرقت اوروبا مئات السنين من الصراع مع الاصولية المسيحية للقرون الوسطى، ومع ذلك ما زال الغرب يعاني من ازمة معنى الحياة ومعنى الوجود، مما يعني ان التطور الاقتصادي والأكل والمشرب والمتع الجسدية، ليسوا كل شيء، وهي مشكلة تختلف مع مشكلة الانسان العربي، الذي ما زال يبحث عن اشباع جوعه اولا.

ان المحاولة للتقدم دون فهم اهمية عصر التنوير الذي حرر الانسان من التخلف الاجتماعي والعلمي والقوى الظلامية، ووضع مستقبله بين يديه، وغير اولويات حياته، وحرره من القيود على تطوير الفكر والعلوم والاقتصاد والثقافة وضاعف اوقات راحته وقدراته الاستهلاكية بمختلف انواعها، هي محاولة عقيمة ومحكومة بالفشل.

 

نبيل عودة

 

محمود محمد عليناقشنا في مقالنا السابق فكرة صناعة العدو في حروب الجيل الثالث، ونستكمل المسيرة هنا في الجزء الثاني في هذا المقال مفهوم العدو في حروب الجيل الرابع؛ حيث يمكن القول بأنه في عام  1989 أخذت الإدارة الأمريكية في التخلي الاستراتيجي عن مفهوم "الحرب على الإرهاب"، وتستخدم بدلاً منه "الإرهاب الداخلي" وتقصره علي فكرة " الدكتاتور ونظام العنف"، والدكتاتورية هي أحد أشكال أنظمة الحكم، التي شغلت حيزاً هاماً من نشاط السلطة السياسية الحاكمة في العصر الحديث شملت بلداناً مختلفة، ولا زالت أحد الخيارات المفروضة في بعض الدول النامية، بوجه خاص، مستمدة شرعيتها الواقعية من معاناتها وأزماتها الاجتماعية والسياسية، وقد وجدت جذورها التاريخية في النظام الروماني القديم.. فهي مصطلح سياسي، يوصف به نظام الحكم، الذي تتركز فيه السلطة بيد حاكم فرد، يتولى السلطة عن غير طريق الوراثة، وبطريق القوة، أو يتولاها بطريق ديمقراطي يفضي فيما بعد إلى تركيز السلطة بيده. يمارسها بحسب مشيئته، ويهيمن بسطوته على السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويُملي إرادته على القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من دون أن يكون هناك مراقبة حقيقية على أداء نظامه أو معارضة سياسية في المجتمع .

والسلطة في النظام الدكتاتوري، تستند إلى الأمر الواقع أكثر مما تستند إلى النصوص وفي حال وجود النصوص، فإنها تطبق بروح غير تلك التي أملتها، وقد لا نرى الطريق على التطبيق. وكما تعددت الأنظمة الديمقراطية، فقد تعددت الأنظمة الدكتاتورية. فمنها دكتاتوريات أيديولوجية، أو عسكرية، ومنها ما يستند إلى حزب واحد، وبعضها ذو توجيهات محافظة رجعية، وأخرى تقدمية ثورية. وقد يمارس السلطة الدكتاتورية فرد أو هيئة، غير أن السمة الرئيسة التي تميزها هو جوهرها الاستبدادي .

وعلى الرغم من تعدد واختلاف الأنظمة الدكتاتورية، من حيث الوسائل والأهداف، إلا أن هناك خصائص مشتركة تميزها من غيرها، وهي أن معظم الدكتاتوريات حين تستولي على السلطة بالقوة والعنف إلى تغيير أسس النظام الذي انقلبت عليه، وهذا يقتضي تغييراً دستورياً ينعكس في شكل النظام السياسي، وتبديلاً في التوجيهات السياسية والاقتصادية. كما تلجأ الأنظمة الدكتاتورية، حين تستولي على السلطة، بالقوة وبغير الطرق الدستورية، ولاسيما عن طريق الانقلاب العسكري، إلى الإعلان عن أن إجراءاتها المتعلقة بتعطيل الدستور أو تغييره، وحجب الحريات الفردية والعامة، تمثل مرحلة مؤقتة للعبور إلى مرحلة قادمة، أكثر استقراراً ورغداً وحرية. وأن هذه المرحلة المؤقتة مرهونة بأوضاع استثنائية تمر بها البلاد .

علاوة علي أن الدكتاتورية تمثل نظاماً شمولياً كلياً؛ بمعني أن سلطة الدولة تمتد إلى كل نواحي نشاط أو حياة الفرد في المجتمع، فلا شيء يتعلق بالفرد، سواء حرياته أو حقوقه أو معتقداته. ينبغي أن يمارس بعيداً عن سلطة الدولة التي تمثل المجتمع، فالدولة كلٌ كتلةٌ لا تقبل فصل السلطات. فهي سلطة مطلقة كلية سياسية، فليس في الدكتاتورية رأي خارج فكر الدولة، ولا حق فردي يعلو على الدولة وتعد الحريات بمثابة منحة منها للأفراد تقررت من أجل الصالح العام .

ومن  هنا  فإنه في ضوء حروب الجيل الرابع، فإن  صناعة العدو تتمثل في فكرة "الدكتاتورية"، حيث يمكن وصف الدول المارقة أو دول محور الشر كما وصفت ذلك الإدارة الأمريكية كلاً من إيران وكوريا الشمالية، بأنها دول دكتاتورية ذات أنظمة شمولية وبوليسية، وبالتالي يجب إسقاط تلك الدول التي لا تراعي المصالح الأمريكي، ولكن إسقاطها يكون من خلال شعوبها، حيث تكون هذه الشعوب هي التي بإمكانها إسقاط هذا النظام، وذلك لا يتم إلا من التدريب علي حروب اللاعنف .

وهنا نتساءل : ما الشروط الواجب توافرها في الدولة المستهدفة لكي ينفذ عليها حروب الجيل الرابع؟

يري المنظرون لحروب الجيل الرابع أنه لإسقاط أي نظام، لا بد من أن تقوم بعض منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج، ومعها سلسلة من الطابور الخامس ليلاً ونهاراً، عن طريق الإعلام الممول التصدير للشعب الموجود في الدولة المستهدفة، بإبراز فكرة أن هذا النظام  دكتاتوري، وفكرة الدكتاتورية هنا هي نوع من صناعة الوهم الذي يمكن استشفافها من واقع الفساد الذي كانت تعيشه الدولة المستهدفة ، وهذا الواقع لا تخلو منه أي دولة (مثل: انتشار الفساد المالي، والإداري، والرشوة على نطاق واسع- انتشار الغلاء وزيادة الأسعار- الاستيلاء على أراضي الدولة- ازدياد معدلات البطالة في وسط الشباب- وجود أزمات في المواصلات والعلاج والتعليم- سوء الأوضاع المعيشية بشكل عام- زيادة معدلات الفقر وشيوع مظاهره- الاضطهاد والاستبعاد وعدم احترام حقوق الإنسان- هيمنة رجال السلطة على المناصب السياسية والإدارية العليا في الدولة- غياب الديمقراطية وعدم السماح بتكوين نقابات وأحزاب سياسية- تزوير الانتخابات بجميع مستوياتها وأشكالها- غياب الدور الرقابي للمؤسسات المعنية وإخضاعها للسلطة التنفيذية - ازدياد وتيرة الاعتقالات التعسفية والخطف والتغيب القسري- التنكيل بالمعارضين وتعذيبهم بمختلف وسائل التعذيب حتى الموت أو حرمانهم من أبسط حقوقهم- تغييب الحلول الأمنية على الحلول السياسية في معالجة المشاكل والأزمات  السياسية .. وهلم جرا .

وبالتالي يمكن تبعا لذلك تســليط الضــوء علــى فســاد المســؤولين فــي دائـرة السـلطة، أو ما يطلق عليه الفساد الرئاسي، ويعد هذا الفساد (في نظر المنظرين لحروب الجيل الرابع) هو الذي يجب التركيز عليه، فهو يمثل الصورة الواجب دراستها بعمق والتركيز عليها من بين صور الفساد السياسي الأخرى، حيث تشكل المرتكز الأساس لفساد المستويات الدنيا منها، ويشمل هذا النوع من الفساد ذروة الهرم السياسي، إذ ينصرف إلى فساد الرؤساء والحكام مستغلين سلطاتهم لتحقيق منافع شخصية بطرق غير مشروعة، وهذا النمط من الفساد من أخطر صور الفساد. وترجع خطورته إلى ارتباطه بقمة الهرم السياسي في كثير من أشكال النظم السياسية لانتفاع من يتولى القمة بالخروج عن حكم القانون بالمكاسب الشخصية التي تجني الثروات الطائلة، لذلك يوصف استشراء هذا النمط بأنه "فساد القمة المكثف" corruption heavy-Top حيث يجري العمل على أساس آلية تعرف بإطار "الرئيس-العملاء tiers Client-Patron " التي تتعامل القمة من خلاله لجني ريع فالعديد من قيادات الدول النامية تولت الحكم وهي شبه معدمة ولكنها عقب سنوات من ممارسة السلطة - ونتيجة لاستخدام السلطة في تحقيق الصالح الخاص- أضحت تملك ثروات هائلة، ومن الملاحظ أن تلك القيادات الفاسدة عادة ما تقوم بتحويل جزء كبير من الثروات إلى البنوك الغربية، حيث يتم الاحتفاظ بها في حسابات سرية تكفل لهذه القيادات الاستمرار في الحياة الرغدة التي اعتادتها إذا ما أطاح بها انقلاب عسكري أو ثورة شعبية .

وإذا ما تم الكشف عن حقيقة ذلك، يمكن بالتالي (في نظر المنظرين لحروب الجيل الرابع) دعوة الجماهيـر عـن طريـق قنـوات إعلامية وكـوادر إعلامية شبابية، تم إعدادها في مراكز أعدت لهـذا الغـرض، مثـل "فريـدم هـاوس وغيرها، بالإضافة إلـى إعـداد كـوادر سياسـية عاشـت لسـنوات فـي حضـن الولايات المتحدة،وســبق أن ســاهمت فــي التآمــر علــى الدولة التي احتضنتها وتربت فيها، وهؤلاء انطلقوا في تحقيق ذلك من خلال فكرة مظلومية الشعب وحقه في العيش بكرامة ليصلوا به إلى نتيجة "عبقرية" وهـي أن المشـكلة الرئيسـية للدولة المستهدفة تكمـن فـي الفسـاد والاستبداد وغيـاب الديمقراطيـة أساسـا، وليـس الاحتلال والتبعيـة .

ومن هنا يمكن قطع حلقـة الوصـل بيـن حالـة التخلـف والفسـاد التـي تعيشها الدولة المستهدفة، والدور الذي تسعي من خلاله الولايات المتحدة فـي تجذيـر وتأبيـد واقـع الفسـاد في الدولة المستهدفة، ولأجل ذلك حاولت الولايات المتحدة فـي المعركـة استخدام قنـوات إعلامية، تم الأنفـاق عليهـا بسـخاء، ورجـال ديـن، ووعـاظ، وجيـوش مـن المحلليـن السياسـيين المرتزقـة الذيـن يُطلـون علينـا صبـاح مسـاء مـن شاشـات التلفـاز .

كل هـذه الأدوات التي تصورها منظرو حروب الجيل الرابع، كان الهدف منها هو توصـل الصـورة التاليـة إلـى أذهـان الشعوب في الدولة المستهدفة وإقناعهـم بهـا، وهـي أن المشـكلة الحقيقية هـي مشـكلة ديمقراطيـة، وأن محاربـة الاستبداد أولـى مـن محاربـة الاحتلال، فبـدل أن يتـم تثويـر الشـارع علـى إسرائيل وأمريكا، لا بد من أن يثورونه علـى أنفسـهم وعلـى قـوى المقاومـة ( تبعا لاستراتيجية حروب الجيل الرابع)، وبالتالي يمكن بث دعوات تبرز أن الفتنـة الطائفيـة مـن الصهيونيـة حرام وحركات  المقاومـة كافـرة، وحـزب الله حـزب "رافضـي" كافـر، وحـزب البعـث حـزب كافـر، والنظـام المقـاوم فـي سـورية نظـام شـيعي "نصيـري"، بينمـا اليهـود هـم أهـل كتـاب وأمريـكا أقـرب إلينـا مـن روسـيا الشـيوعية الملحـدة.. وأصبـح التقييـم لا يقـوم علـى أسـاس الموقـف مـن الاحتلال والصهيونيـة، بـل علـى أسـس طائفيـة، فيعبـر "الثائـر" مـن أرض فلسـطين مـن دون أن يطلـق رصاصـة واحـدة علـى الصهاينـة ليقاتـل إخوانـه المقاوميـن فـي سـوريا، لا بـل ويتـداوى فـي مشـافي الصهاينـة فـي صفـد وغيرهـا كمـا هـو حـال جبهـة النصـرة .

ولتنفيذ هذا المخطط قررت الإدارة الأمريكية اعتماد تكتيكات حروب اللاعنف؛ وهذه التكتيكات صممها 'جين شارب' الشهير 'بميكافيللي اللاعنف، وهو مهندس تصميم سلاح العصيان المدني، وصاحب مؤلفات عديدة من ذخائر حروب الجيل الرابع، أهمها علي الإطلاق، ذلك السلاح الفتاك المسموح به دولياً 'كتاب "من الديكتاتورية إلي الديمقراطية'، حيث يقدم فيه تحليلاً سياسياً عملياً عن الحراك السلمي كوسيلة لممارسة القوة في فترات النزاع. ومن أهم الأفكار التي يطرحها شارب هو أن السلطة ليست أحادية ثابتة، أي أنها ليست أمراً لا يمكن انتزاعه من أصحاب السلطة، ولكنه يرى أن السلطة السياسية، أي سلطة الدولة، بغض النظر عن طبيعة تنظيمها، هي نابعة في المقام الأول من المواطنين فيها. وهو يرى أن أي قاعدة للسلطة إنما هي قائمة على طاعة المواطنين لأوامر الحاكم أو الساسة، فإن امتنع المواطنون عن الطاعة، ففي هذه الحالة يفقد الحاكم سلطته .

وهذا الكتاب وصفه البعض بأنه كتاب دخل التاريخ الإنساني من بابه الواسع لعلاقته بالعمل الثوري السلمي ونظرية التغيير السلمي للأنظمة الدكتاتورية، فهو يضاهي كتاب "الأمير" لميكافيلي، أو "صراع الحضارات" لهنتجتون، أو "نهاية التاريخ" لفوكاياما، حيث يمثل دليل عمل الثورات التي شهدها العالم منذ أن صدر لأول مرة في أكتوبر 1993 ؛ حيث تم تطبيقه بحذافيره في الثورات الملونة في أوربا الشرقية وثورات الربيع العربي، ولعل هذا ما جعل ألقاباً كثيرة تُطلق علي هذا الكتاب منها " صندوق معلومات المتظاهر"، و" مرشد الثورات الملونة"، و"خطوات إسقاط الأنظمة"، و" خطة المخابرات الأمريكية لإعادة رسم خرائط السلطة السياسية في العالم" وألقاب أخري كثيرة .

ومن جهة أخري يؤكد هذا الكتاب علي فرضية خطيرة، وهو أن حرب اللاعنف، هو التكنيك الجديد للغزو بلا تدخل عسكري، حيث يتم الضغط على الدولة من الداخل، عن طريق الطابور الخامس، بإضعاف أجهزة الدولة، واختراقها، وإحراقها، وإضعاف النظام في الدولة عن طريق الإضراب، ولزوم المنازل، ورفض التعامل مع مؤسسات الدولة، لإسقاط الدولة في الفوضى والديون، وبالتالي تدميرها بدون تدخل خارجي .

ويعد العصيان المدني آخر الحلول التي يضعها جين شارب في حرب اللاعنف والكفاح السلمي، فإذا فشل هذا الحل لإسقاط الدولة يتم الكفاح المسلح والنضال الغير سلمي ضد الدولة من الداخل عن طريق الطابور الخامس وميليشيات تلك المنظمات، تمهيداً لإضعاف الدولة والتدخل العسكري الحربي .

لقد تأثر شارب” بحركة الزعيم الهندى “المهاتما غاندى” اللاعنفية،وبأطروحات داعية السلام الأمريكى “ديفيد ثورو 1817-1882”، والزعيم الأمريكي الأسود “مارتن لوثر كنج”، وملخص نظرية شارب أنه يمكن نزع السلطة عن الحاكم إذا توافق المواطنون على عدم طاعته، فأى سلطة تستمد تواجدها من موافقة المواطن على حكمها له، وذلك بأن يطيع أوامرها، فإذا تخلى المواطنون عن طاعة هذه السلطة تفقد شرعيتها وتسقط .

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقل – جامعة أسيوط

 

صالح الطائيوُلِد أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرّازي (250 هـ/864 م - 5 شعبان 311هـ/19 نوفمبر 923م) بالرِّي؛ بالفارسية (شهر ری) وهي مدينة تاريخية تقع في الجنوب الشرقي لمدينة طهران، درس الرازي الرياضيات والطب والفلسفة والفلك والكيمياء والمنطق والأدب. وكان كريما متفضلا بارا بالناس حسن الرأفة بالفقراء، حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهم، وله تجديد في الفلسفة اليونانية، وكانت كتبه مع كتب ابن سينا أساس للتدريس في الجامعات الأوربية في القرن السابع عشر!.

وللرازي أقوال حكيمة في الطب والعلاج، ترقى إلى مماهاة ومماحكة ومزاحمة أقوال الأطباء والعلماء المعاصرين، ومنها قوله:

- مهما قدرت أن تعالج بالأغذية فلا تعالج بالأدوية.

- مهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد فلا تعالج بدواء مركب.

- إذا كان الطبيب عالماً والمريض مطيعاً، فما أقل لبث العلة.

- عالج في أول العلة بما لا تسقط به القوة.

أسهمت كتاباته في نمو الفكر العلمي العالمي، بل كانت الأساس الذي اعتمدته أوربا في تنمية قدراتها العلمية، ذكر سامح كريم في موسوعة أعلام المجددين في الإسلام من القرن الأول حتى القرن الخامس للهجرة - الجزء الأول، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية أن للرازي كتابا اسمه "الحاوي" ترجم في عصر النهضة إلى اللاتينية، ترجمه فرج بن سالم الاسرائيلي عام 1279، ونُسخ عدة نسخت دارت في أوربا ، ثم طبع بين الأعوام  1486 و 1542 خمس طبعات عدا ما طبع منه متفرقا.

أما كتابه في الجدري والحصبة فقد ترجم إلى اللاتينية، وخرج منه أربعون طبعة بين عام 1498 وعام 1866، ومع ذلك لم يسلم هذا العظيم من هجمات اللئيم زورا وبهتانا، فاتهم بأنه صاحب فلسفة تنتقد الاديان والنبوة والكتب السماوية وتشكك بصحة النبوة، وترفض التصديق بالمعجزات النبوية، ومن هنا تجرأ أحد معاصريه من علماء الجرح والتعديل وهو الاسماعيلي محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران؛ أبو حاتم الرازي (195هـ/ 811م ـ 277هـ / 890 م) فوصفه في القرن الثالث للهجرة بالملحد!.

ثم اتخذ هذا القول أساسا لتأكيد كفر الرازي، ففي رسالة لأبي الريحان محمد بن أحمد البيروني (362هـ/ 973م ـ 440هـ/ 1048م) عنوانها "فهرست كتب الرازي"، هناك كتابان للرازي لا أصل لهما، صنفا على أنهما (كتب في الكفريات) هما كتاب "في النبوات" وكتاب "حيل المتنبين".

وقد اقتبست المستشرقة الألمانية "زيغريد هونكة" (26 أبريل 1913 / 15 يونيو 1999) المعروفة بكتاباتها في مجال الدراسات الدينية هذه الرؤية، وادعت أن هناك أيضا كتاب للرازي يبشر بأخلاق لا دينية ويدعو إلى أن يعيش الانسان حياته بشجاعة ورجولة دون أن تؤثر فيه وعود بوجود جنة أو نار في العالم الاخر ، وذلك أن العلم والعقل يشهدان على انعدام الحياة بعد الموت.

وقد جايلها علماء ومستشرقون آخرون من ذوي النزعات الإسرائيلية مثل "بول كراوس" (1904 - 1944م) وهو مستعرب يهودي. درس اللغات الشرقية بجامعتي براك وبرلين، له رسالة في تاريخ الأفكار العلمية في الإسلام بثلاثة أجزاء ورسالة في فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي لأبي الريحان البيروني. و"سارة سترومسا" وهي رئيسة الجامعة العبرية، فادعيا ان أبا حاتم الرازي أقتبس الآراء التي كفر من خلالها الرازي إما من كتاب يسمى "مخاريق الانبياء" أو كتاب "العلم الالهي".

المشكلة أن جميع الكتب المنسوبة إلى الرازي؛ المتعلقة بالأديان مفقودة الآن، ولا توجد أي نسخة مخطوطة أو مطبوعة أو مصورة منها، ولم يصلنا منها إلا مجرد اقتباسات وردت في أقوال منتقديه ومعارضيه ومكفريه، وهذا يجعلنا نشكك بصحة تلك الأقوال، بل ونطعن بها ونوهنها، طالما أن التنافس والصراع والنزاع والسياسة ومنهج التسقيط والانتقام كان محتدما بين الأطراف، وطالما أن التهم ومن قام بدراستها ومن أبدى رأيا فيها، كلها تجتمع على قاعدة من الشك والاحتمال، وعدم التيقن والقطع.

وآخر ما أريد الإشارة إليه هو أن الرازي قدم للإنسانية الشيء الكثير، الذي يستحق عليه أن تخلده الإنسانية وتحترمه بل وتقدسه، وأقل ما قدم من خير، يعتبر أكبر كثيرا من كل الذي قدمه منتقدوه؛ الذين لم ينجحوا إلا في زراعة عقيدة التكفير وثقافة التجهيل والتفرقة والعنصرية والجهل والأمية والكراهية، ولذا أرى أن على العالم المعاصر ولاسيما الدول العربية والإسلامية أن يرفعوا عن هذا العالم الجهبذ الظلم الذي لحق به.

 

صالح الطائي

 

المهدي بسطيلي” يبدو أن أصعب المعضلات التي تواجه عالم الاجتماع هي كيفية فهم و بناء المجتمع، وعقلنة أنماط السلوك، من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، لكن كلما ذكرت كلمة ”الحداثة“ يتبادر للذهن صورة المجتمع الغربي”

فهل تكون الحداثة مرحلة مطابقة للمجتمع الغربي ويكون هو وحده صورتها الممكنة؟

في الحقيقة للقول سياقاته الخاصة، فقد تميزت العصور القديمة والوسطى بغياب مفهوم الدولة بشكلها الحالي، حيث انتشرت مسميات مختلفة منها، الإمبراطورية، والسلطنة، والممالك، إلا أن أغلب الممالك التي حكمت في العصور الوسطى في أوروبا حكمت باسم الدين، كفرنسا على سبيل المثال، وكان لسلطة الكنيسة أثر سلبي في التحكم بالدولة وسياستها، وإمكانياتها في عزل الملوك والأمراء عن طريق سحب الثقة منهم وفصلهم من الكنيسة، ما يعني إفتقادهم لثقة وطاعة الرب الذي تمثله الكنيسة، فانتشرت الحروب الدينية لمدة ثلاثين عاماً وانتهت في عام 1648 )) بتوقيع اتفاقية' وستفاليا' في أوروبا، واضعة حداً للحرب الدينية وسلطة الكنيسة على الحكم، بإنشاء نظام جديد للدول في أوروبا عرف فيما بعد باسم الدولة الحديثة.

”وبهذا تكون الحداثة كحدث لها سياقات أوروبية زمنية ومكانية خاصة، لكن ألا يمكن لها أن تتحقق خارج هذا السياق؟ ”

يمكن القول ببساطة تحمل قدر لا بأس به من البراءة، أن الحداثة هي التوافق على أُسس عيش مشتركة بين المجتمع الواحد، لكن هذا التوافق مبني على شروط موضوعية كشرط للحديث عن الحداثة، هذه الشروط التي ترسمها الخطابات السياسية باستمرار وتعلن عنها الشعارات (نضج الفكر، الديموقراطية، والحرية، المساواة، العدالة، الممارسة السياسية، النضج والوعي السياسي...) ، حمل السياسي هذه الشعارات وذهب من خلالها للبناء، لكنه لم يستطع بناء المجتمع ولم يستطع تحقيق هذه الشروط ومقومات الحديث عن الحداثة، هذه المعضلة وقفت عائقا أمام كل السياسيين، والتيارات الحزبية في بناء مجتمع على هذه المقومات، وبدلاً من الاستمرار والمحاولة سعوا إلى بناء الدولة، وأصبحت الدول كبناء أخذت الشكل الحديث من الخارج، أما من الداخل فهي ما زالت دولة بدائية، يعيش فيها المجتمع بعيدا كل البعد عن صورتها، حيث سلطة لقبيلة تمثل السلطة الأعلى، وقوانين مشايخها العرفية هي الأقوى من قوانين الدولة، فتشكلت لنا سلطة نفوذها أقوى من سلطة الدولة.

"وهي معضلة الحديث عن إمكانية تحقق الدولة الحديثة"

—لكي نفهم أكثر سبب المشكلة أستحضر ما جاء على ذكره عبد الله العروي في مؤلفه مفهوم الدولة:

”أن كل تفكير فيالدولة هو تفكير بشكل من الأشكال في السلطة، كما أن التساؤل عن الدولة هو تساؤل في أبعاد ثلاث :الهدف أو الغاية من الدولة ،ثم وظيفة الدولة جهاز،وضرورة قياس مراحل نموها وتطورها في علاقتها بالمجتمع ”.

—كما أن التفكير في الدولة كظاهرة اجتماعية، يجب أن يكون تفكيرا رافضا لتصور الفرد خارج الدولة وتصور الدولة خارج المجتمع، وأن أي فصل بينهم يجب أن يكون على أساس تؤطره غاية الفهم من أجل الإدراك و العرض و التفسيرفقط.وهو الشيء الذي لم يفهمه رجل السياسة بعد. كيف يمكن لنا أن نبني دولة حديثة دون أن نبني مجتمعا حديثا؟

إن المجتمع الحديث هو الذي يبني دولة حديثة، وليست الدولة الحديثة هي من تبني المجتمع الحديث، فمعضلات التحديث التي واجهها السياسي جعلته يهرب من مسؤوليته الاجتماعية، اتجاه مجتمعه إلى مربع أكثر ضيقاً وذاتيةً، وهو مربع السلطة والبحث عن السيطرة من أعلى لا من أسفل، وهذا ما أفقد الخطابات السياسية مشروعيتها.

”وهنا يكون سؤال بناء الحداثة في المجتمع سياق الحديث عن الدولة الحديثة“

ماذا نقصد بالدولة الحديثة ؟

وكيف تكون الحرية و الديمقراطية وغيرها من المفاهيم سياقا ممكنا للحديث عن الدولة الحديثة ؟

الدولة الحديثة

”إن الدولة الحديثة هي شكل الدولة أصلا“

تعتبر الدولة منذ نشأتها الحديثة في أعقاب مؤتمر وستفاليا، إحدى حقائق الحياة السياسية المعاصرة التي رسخت تدريجيَّاً، حتى أصبحت تشكل اللبنة الأولى في بنية النظام الدولي الراهن، وبالرغم من اعتبار الدولة مؤسسة عالمية ضرورية، إلا أن تعريفها واسع ومتنوع لا يكاد يجمع عليه اثنان، بل ويمكن أن يُقال أَنَّ إيجاد تعريف واحد لمفهوم الدولة هو صراع إيديولوجي بحد ذاته، كون التعاريف المختلفة ناتجة عن نظريات مختلفة لوظيفة الدولة، مما يولد استراتيجيات سياسية ونتائج مختلفة، فمصطلح "الدولة" يشير إلى مجموعة من النظريات المختلفة والمترابطة والمتداخلة في كثير من الأحيان، حول مجموعة معينة من الظواهر السياسية.

لكن يمكن أن يكون هناك حد أدنى للحديث باستحضار المفاهيم الممكنة

الدولة' الفرد' المجتمع

وأعود لنظرية العقد الاجتماعي لتحقيق هذا المفهم ربما استجابتا للدعوة التي وجهها لنا العروي

 

تنطلق نظرية العقد الاجتماعي في محاولتها لفهم أصل نشوء المجتمع المدني ومن ثم نشوء الدولة، من الفرضية القائلة بأن نشوء المجتمع لم يكن طبيعياً، بل اصطناعياً، حيث كان الناس يعيشون في الحالة الطبيعية (ما قبل الدولة) من دون قوانين تنظم حياتهم، مما أدى لانتشار الفوضى،وانتهاك للحقوق الاجتماعية مما دفع الأفراد للاتفاق على ميثاق ينظم شؤونهم وبموجبه يتخلون عن بعض حقوقهم الطبيعية مقابل نوع من التنظيم.

يقول جون جاك روسو في كتابه نظرية العقد الاجتماعي:

" فحتى الأسرة وهي أقدم الجماعات البشرية فتكون حاجتنا إليها اتفاقية لأجل محدد، ذلك أن الأبناء يرتبطون بأبيهم للمحافظة عليهم ورعايتهم ،وما أن تزول هذه الحاجة حتى ينحل ذلك الرباط الطبيعي،ويعفى الأبناء من واجب الطاعة نحو آبائهم،كما يعفى الآباء من التزام الحماية و الرعاية ،فإذا بقيت مع ذلك الأسرة قائمة واستمرت فما هو إلا نتيجة اتفاق حر ورغبة مشتركة في الإبقاء عليها"

وعلى ذلك لايمكن تصور وجود الدولة السياسية خارج رغبة الأفراد،وحاجتهم إليها،وتكون ذات مصداقية إذا اجتمعت إرادتهم على مشروعيتها وطريقة استعمالها ،وغايتها وهدفها ،فلن يتكون صالحة مالم تحقق حياة اجتماعية أفضل من حياة العزلة السابقة .وليست حياة الفطرة بنظر روسو هي أسعد حالة للحياة البشرية بل العكس لأن الجماعة وحدها هي التي ترتقي بالإنسان ومعنوياته وترتقي بتفكيره ومشاعره وتحل العدالة و الفضيلة مكان الغرائز و الشهوات وتحكم العقل بالتصرفات .

إن لحظة الانتقال من حالة اللا دولة إلى حالة الدولة، هي لحظة بناء المجتمع المدني وهو وحده يجسد فكرة قيام الدولة ، كما أن فكرة المجتمع المدني عند نظرية العقد الاجتماعي فكرة سياسية بالأساس نحو وعي و إرادة حرة في خلق قانون سيادي يضمن الحق في ممارسة الحقوق الطبيعية على الأقل و بالتالي فهي فكرة تجسد المشاركة الفعالة و الحق المدني، وتطور هذا الوعي هو تطور في اتجاه بناء المجتمع

إن فكرة المجتمع المدني هي الكاشفة عن لحظة الانتقال

—'ثم إن شرط الحديث عن الدولة لابد أن يتم في سياق المفاهيم التي أشرنا لها سابقا'

—”فكيف يكون القانون، و الديمقراطية، المجتمع المدني، البيروقراطية، السيادة... وغيرها من المفاهيم سياقا ممكنا للحديث عن الدولة الحديثة ؟“

—الدولة /المجتمع المدني / الديموقراطية

 

يعد المجتمع المدني، أحد مظاهر الديمقراطية، ونتيجة من نتائجها، وعلامة من علامتها، وإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني، ذات تأثير كبير في المحيط السياسي لدولة ما، دل ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة، من ديمقراطية، في حين إذا كانت هذه المؤسسات، تفتقد إلى التأثير الواضح في مجريات الحياة، السياسية والاجتماعية، للدولة، دل ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة من حظ قليل بالديمقراطية وأهلها. مادامت الديموقراطية تعني المشاركة الفعالة في الحقل السياسي وترشيد السياسيات العامة .

—إن ارتباط الديمقراطية بالمجتمع المدني ثم بالدولة باعتبارها الضامن لوجوده، جاء في سياق ظهور حاجيات جديدة مثل:

حماية الحريات والحقوق الجماعية والفردية، فتوسعت منظومة المشاركة الاجتماعية

والسياسية وتصاعدت المطالب المنادية بتغيير قواعد ممارسة السلطة.

كما أفضت إلى تبلورتعبيرات مدنية متنوعة فتغيرت العلاقة بالسلطة، وبكيفية إدارة الشأن العام والتعاطي مع الروابط الاجتماعية الجديدة، يضاف إلى ذلك تنامي الاحتجاجات المواطنة خارج الأطر السياسية التقليدية للديمقراطية التي اتخذت من الشارع والساحات العامة ووسائل الإعلام التقليدي وشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة فضاء لها.

كل هذه المؤشرات تستدعي إعادة النظر في جغرافية الأدوار والوظائف التي يؤمنها المجتمع المدني عموما، بين تدعيم تماسك الفئات الاجتماعية أو تذكية التوترات بينها، والتفاوض بصيغ مختلفة حول توفير الشروط الضرورية لتأسيس الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمها وتجديد ممارستها، وذلك في مراحل الانتقال الديمقراطي بشكل خاص. حينها فقط يمكن الحديث عن الدولة الحديثة.

لأن ظهور هذه المفاهيم في سياق الدولة الحديثة ، كان تمهيدا و تجسيدا لفكرة النهضة و الاصلاح الديني و التنوير وسيادة روح القانون، من خلال إرساء قواعد المجتمع المدني الذي يكون فاعلا في ممارسة هذه المفاهيم ونقلها من التنظير إلى التجسيد.

إن النقطة الأساسية الأخرى مفادها أن بناء مفهوم المجتمع المدني هو في نفس الوقت إعادة بناء المجال السياسي، على أسس غير دينية ترتبط بالمجتمع نفسه بشكل وضعي وليس بتكليف إلهي، وهي لحظة إنتقال من نظرية الحق الإلهي، إلى نظرية السيادة الشعبية و هو تطور للفكر الاجتماعي في سياق الفكر السياسي الحديث و الحداثة السياسية، التي أعطت دولة الحداثة التي نتحدث عنها أصلا.

وهذه الأفكار تتجسد في فكر "هوبس" أيضا فكل سلطة مدنية يجب أن تكون انعكاس لأصل مجتمعي دنيوي وليس إلهي أو ديني. دفاعا عن المادية و التاريخ،

—الدولة و البيروقراطية

 

يقول ماكس فيبر حول البيروقراطية والادارة في الدولة الحديثة:

«إن الخصائص نظام إداري وقانوني قابل للتغيير بواسطة التشريع الذي تتوجه إليه أنشطة الهيئة الإدارية الناظمة أيضا بلوائح منظمة، ويفترض هذا النظام امتلاكه سلطة ملزمة، ليس على أفراد الدولة، أي مواطنين فحسب، ولكن أيضا ولدرجة كبيرة على كل ما يقع ضمن إقليم سيادته»

وبالتالي تكون البيروقراطية مدخلا لتنظيم الدولة ككل

لعل من أحد أهم سمات البيروقراطية في الدولة الحديثة هو العقلانية التي وصفها بها فيبر، والتي تعضد من سمة الاستمرارية والاضطراد، بل وتؤكد على قوتها التشعبية فهي تنظم حياة المجتمع المدني من الميلاد وحتى الوفاة وكل ما يتعلق بتفاصيل حياته.وبالتالي إن فكرة البيروقراطية تجسد فكرة الدولة الحديثة.

—هل يتحقق شرط السيادة أمام الدولة الحديثة؟

— نسائل اللحظة سؤال الحق أمام الدولة في استخدام العنف المبني على فكرة السيادة المطلقة، فإذا كان من حق الدولة أن تحتكر العنف لتحمي الأفراد من الأفراد فمن يحمي الأفراد من عنف الدولة ؟

—تكون العقلانية و النضج السياسي الذي تحدث عنه الراحل "جسوس" السبيل لحل هذه المعضلة. ماهي مظاهر سيادة الدولة اذن؟

—الأول: المظهر الخارجي: ويكون بتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى في ضوء أنظمتها الداخلية، وحريتها في إدارة شئونها الخارجية، وتحديد علاقاتها بغيرها من الدول وحريتها بالتعاقد معها، وحقها في إعلان الحرب أو التزام الحياد.

والسيادة الخارجية "مرادفة للاستقلال السياسي, ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة لأية دولة أجنبية, والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، فتنظيم العلاقات الخارجية يكون على أساس من الاستقلال .

تساؤلات مشروعة:

هل تتحقق سيادة الدولة الحديثة في ظل التحولات العالمية اليوم؟

هل تكون الدولة الحديثة مطابقة لدولة التعاقد؟

هل يتحقق المطلب الديموقراطي في الدولة الحديثة اليوم؟

هل يستمر فينا مطلب الحداثة و التحديث؟

متى يفهم السياسي أن بناء الدولة يتم من خلال بناء المجتمع ؟

 

المهدي بسطيلي

 

عدنان عويدبداية: علينا أن نميز بين قيم الليبرالية ممثلة بالحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة وتحرير المرأة وتحييد الدين ونشر الثقافة العقلانية التنويرية واحترام الرأي والرأي الآخر وغير ذلك من القيم الإنسانية النبيلة، وبين العقلانية الوصفية التي تتعامل مع هذه القيم وتختزلها في صيغتها القانونية فقط.

يشكل العصر الوسيط، واحداً من أكثر الفترات أو المراحل الزمنية مأساوية بالنسبة لأروبا بشكل خاص. حيث شكلت هذه المرحلة محطة هامة من محطات احتقار عقل وروح وجسد جماهير هائلة من السكان المضطهدين من فلاحين أقنان، وحرفي وبروليتاريا المدن، التي كانت في مرحلتها الجنينية، كل هؤلاء الذين أخذ امتلكهم الحقد ضد مضطهديهم من النبلاء الاقطاعيين والكنيسة والملك، مثلما امتلكتهم الرغبة في الخلاص منهم، أو تخفيف معاناتهم الطبقية بكل تجلياتها التي فُرضت عليهم. هذه الرغبة التي ترافقت عملياً من قبلهم مع انتفاضات للفلاحين، ثم تحولت إلى حروب أهلية حقيقية. دون أن ننسى الإشارة هنا إلى أن هذه الانتفاضات رافقها من الناحية الفكرية أيضاً نشر العديد من المؤلفات التي لا سابق لها من حيث الجرأة في فضح وتعرية السلطتين الدينية والروحية لعلاقات ذلك العصر. فمجموع المطالب التي طُرحت آنذاك، يمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل منطلقات أساسية في إعادة صياغة الحياة وفق أسس جديدة في معطياتها أو في مضمونها الاجتماعي والسياسي والثقافي والقيمي مثل إلغاء القنانة والامتيازات الفئوية وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع، وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيوية، ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ. (1). بيد أن (غريزة الحرية) هذه، كانت تصطدم بالثقافة أو المواقف الفكرية المحافظة للعصور الوسطى وأسر تقاليدها. هذا وإن نجحت آنذاك القوى الاجتماعية المتمردة أحياناً بالتخلص من أسر هذه الثقافة، فما ذلك إلا بسبب التمردات الفوضوية التي كانت تجري، وليس نتيجة مواقف عقلانية مدروسة ومخطط لها كما جرى لاحقاً عندما تشكلت الطبقة البرجوازية وأصبح لها منظروها من المفكرين والسياسيين.

لقد كان الدين في العصور الوسطى يمثل الأيديولوجيا الفعلية الوحيدة المسيطرة على حياة الدولة والمجتمع، وبالتالي فإن أي مطالبة عملية بالحرية تصدر عن الجماهير لم تكن ممكنة التحقق عملياً إلا داخل إطار الأيديولوجيا الدينية ذاتها، أي على شكل هرطقة دينة بالنسبة للخطاب الديني الرسمي، فثوريو القرنيين الخامس عشر والسادس عشر كما هو شأن أعدائهم المدافعين عن الإقطاع، كانوا مخلصين للنظرة الدينية اللاهوتية إلى العالم، حيث اعتقدوا أن هناك نظاماً الهياً معطى مرة واحدة وإلى الأبد، وعلى أساسه يُحكم المجتمع، وأن أي خلل يحدث في تطبيق هذا النظام. سببه تعسف المضطهِدين وجهل المضطهَدين. والمهمة الأساسية تكمن عندهم في إزالة البدع والتحسينات الكاذبة التي دخلت على النموذج الاجتماعي العريق والمثالي والأسطوري.

أما الحل للخروج من هذه الهرطقة فهو إعادة تفسير النصوص الدينية المقدسة تفسيراً أكثر دقة وعمقاً، وهذا ما دفع قسم من رجال الكهنوت المسيحي الثوريين في القرن السادس عشر، إلى استخدام العقل والمنطق ضمن رؤية صوفية يمكن للرب أن يرسلها لمن يشاء حسب زعمهم. (2).

الأفكار الثورية ذات الطابع العقلاني الوصفي لبرجوازية عصر التنوير:

لم يكن بإمكان الصراع ضد الاضطهاد والاستبداد الاقطاعيين، والدعوة إلى تحقيق العدالة والحرية الإنسانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن يصبحا ناجحين بدون تغيير النظرة إلى العالم، ففي مطلع القرن السابع عشر نشأت المقدمات الموضوعية في أوربا المتعلقة بإعادة النظر بالنسبة لرؤية العالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي، ففي ذلك الوقت أخذت تنتشر الرؤية النقدية غير المنسجمة منهاجياً مع مجموع المفاهيم والتقاليد والعادات الدينية غير العلمية للعالم. وقد أحرز هذا النقد في البداية نجاحات عظيمة بالنسبة لقضايا العلوم الطبيعية، وليس الاجتماعية، وكانت تلك القضايا مرتبطة بالدرجة الأولى بإدراك الطبيعة وطبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان. وفي مضمار هذا السير النظري جرى التحدي للنظرة الدينية التقليدية للعالم بصورة ثورية حقاً، حيث ترك هذا التحدي تأثيراً كبيراً على تفكير الناس وعلى الحياة الروحية بأسرها. فنظرية كوبر نيك حول مركزية النظام الشمسي زعزعت أحد الأسس الدينية الأسطورية المتعلقة بالنظرة الدينية للكون، وهذا ينطبق على نظرية هارفي حول الدورة الدموية وتناقضها مع التفكير الديني والتصورات الكنسية عن الإنسان والتشريح العضوي له. يضاف إلى ذلك تطور الرياضيات الكلاسيكية والميكانيك والتأكيد على إعطاء الثقة المطلقة بالعقل والخشوع للمنطق.

لا شك أن خصائص فلسفة المذهب العقلي الوصفي التي أخذت تنتشر بشكل واسع في عصر التنوير، راحت تترك آثارها المهمة على طابع الفكر الانتقادي في القرنين السابع والثامن عشر. وذلك بإعلان المذهب العقلي أن كل ما هو غير منسجم وغير متسق ومتناقض داخلياً، هو غير حقيقي. وبالتالي من هنا أصبحت العلاقات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية التي لم يكن موجوداً في أطرها الانسجام الاجتماعي، وكانت تتكشف فيها التناحرات الاجتماعية، موضعاً للانتقاد من قبل المذهب العقلي الوصفي. لذلك أقر هذا المذهب العقلي ممثلاً بحوامله الاجتماعية تغيير هذه العلاقات والمؤسسات الاجتماعية.

لقد افترض تيار المذهب العقلي الوصفي، أن المجتمع شأنه شأن الطبيعة، يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبياً ومتجانسة كيفياً، وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفياً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئاً (كذرات) اجتماعية من نوع ما، ويتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبدية. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة بدأت تأخذ طابعاً أكثر تحديداً ودقة، وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية)، وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع. (3).

إن فلسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر (فلسفة التنوير)، قد انطلقت بصورة واضحة من المقدمة القائلة: بأن تطبيق الحرية المدنيّة يعتبر أساساً كافياً لبناء المجتمع المثالي. وكان فلاسفة هذه المرحلة يفهمون الحرية على أنها تحرر من الفروض الاقطاعية وقيود تقسيم المجتمع إلى فئات ومراتب، وكمساواة للناس أمام (القانون). لقد كانت فلسفة التنوير هذه تقصد حرية العمل الاقتصادي، أي النشاط البرجوازي، وقد عكس هذا الاقتناع موضوعياً خصائص الممارسة الاجتماعية التاريخية في ذلك العصر، عصر تطور نشاط رجال الأعمال الرأسماليين. إلا أن فلاسفة عصر التنوير رأوا طبقاً لأوهام المذهب العقلي الوصفي في فهمهم للحرية ومثالهم عنها، بديهية يصوغها العقل الصرف للمفكر على حد زعمهم، عدا (روسو) الذي اعترف بأن المساواة أمام القانون من السهل أن تصبح مساواة شكلية وستاراً للثروة، فالمساواة الفعلية عنده لا يمكن أن تتحقق حيث يوجد الثراء والفقر، وحيث يوجد عدم المساواة في الملكية. أما الحل عنده فهو خلق مواطن صالح أخلاقياً، أي خلق مواطن بعيداً عن الأنانية والرغبة في الاقتناء المفرط. وهذا ما دفعه للقول: (عندما قام أول شخص وسيج قطعة من الأرص وقال هذه ملكي وصدقة الناس، بدأ استغلال الإنسان للإنسان.). وهو بذلك ظل في الحقيقة يدور في مضمار العقلانية الوصفية برأيي لأنه اعتبر أن التربية الأخلاقية قادرة على حل المشكلة الطبقية وليس الثورة، وهذا ما دفعه لتالف كتابه (إيميل).

أما الحاكم الذي يعتبر المثل الأعلى لتحقيق السعادة والمساواة لشعبه فهو عند فلاسفة عصر التنوير ذو الثقافة التنويرية الذي يعمل طبقاً لقوانين العقل.

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن فلاسفة عصر التنوير قد ساهموا في الإعداد للثورة الفرنسية الكبرى، وكانوا على ثقة كبيرة بأن المصدر الرئيس لأي اضطهاد اجتماعي، إنما يتمثل في سوء الاستخدام الواعي والإرادي للثروة والسلطة من قبل بعض القوى الاجتماعية التي أخذت تنشأ نتيجة لعدم المساواة (الحقوقية) بين الناس، ونتيجة للتبعية المقوننة في التشريع الاقطاعي بين الفلاح والنبيل، ولعدم وجود قوانين واحدة والزامية للجميع. لذلك اعتقدوا بأن الإلغاء الحقوقي للتبعية الشخصية وجعل جميع الأفراد في وضع واحد أمام القانون، يمكن عندها فقط أن تزول جميع أشكال الاضطهاد والنزاعات من تلقاء ذاتها في الحياة الاجتماعية.

بيد أن تاريخ المجتمعات قد أثبت أن المساواة الاجتماعية أمام القانون لم تلغ عدم المساواة الاجتماعية. وأن إقرار المساواة أمام القانون لم يكن سوى بداية مرحلة جديدة في الصراع الطبقي، وأصبح الاعتبار الحاسم في هذا الصراع هو عدم المساوة من حيث الملكية، وانقسام الناس إلى جماعات اجتماعية كبيرة تبعاً لحالة ومقدار الملكية العائدة لهم. كما أثبت التاريخ أيضاً أن الثورة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر التي مهد لها فلاسفة التنوير فكرياً لم تكن في النهاية إلا ثورة برجوازية، وقد شهدت نهاية الثورة بالمثال الاجتماعي المجرد الذي وضعه هؤلاء الفلاسفة، والذي اعتنقه بإخلاص الجمهور الثوري الذي كانت تحركه غريزة الحرية بشل عام، أو غريزة الديمقراطية بشكل خاص من جهة أولى، ثم بمن تأثر بهذا المثال الاجتماعي من حملة أفكار التنوير من جهة ثانياً. لذلك أظهرت الثورة الفرنسية المحدودية التاريخية لمجتمع العقل الوصفي الذي وضع تصوراته آنذاك فلاسفة التنوير التي تبين أن تلك التصورات عن المجتمع، لم تكن تعتبر هذا المجتمع أكثر من مجموعة ميكانيكية متوازنة من الأفراد، وأن هؤلاء الأفراد ليسوا أكثر من ذرات اجتماعية متجانسة تماماً، أو متساوية مع بعضها من الناحية القانونية الشكلية / الوصفية.

ملاك القول: إن الثورات الاجتماعية الحقيقية التي تعمل على إعادة بناء الدولة والمجتمع وفقاً للقوانين العلمية الثورية التي يلعب فيها العقل النقدي (وليس العقل الوصفي/ الشكلي) دوراً فاعلاً في كشف القوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم في حركة الدولة والمجتمع، ومن ثم إعادة توظيف هذه القوانيين لمصلحة جميع أفراد والمجتمع، وهذا الدور يمارسه الفلاسفة الثوريون المؤمنون بحرية الإنسان وعدالته الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وهذا ما جعل ماركس يعول كثيراً على الفلاسفة الثورين عندما أناط بهم مسألة التغيير بقوله: (آن للفيلسوف الآن أن يبني هندسة المجتمع كما يبني المعماري هندسة البناء). بيد أن ما يرسم له الفلاسفة لن يتحقق مالم تؤمن به الجماهير المضطهدة والمحرومة من العدالة والمساواة، هذه الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع...إنها ثورة القوى الاجتماعية التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجية الاستغلالية السابقة لوجودها، أو التي اوصلتها هذه العلاقات إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشييء. والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجية جديدة يسود ويعم فيها العدل والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون أي عودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانية. أي عودته من ضياعه في منتجاته، هذا الضياع الذي يعتبر امراً حتمياً، فهو ليس نتيجة ذنب ارتكبه الإنسان في حياته، بل هو النتيجة المؤلمة للانفصال الذي يحدث في مرحلة معينة من نمو الإنسان بين وجوده الواقعي ومنتجاته. إن الضياع هو الوجه الاخر المقابل للتموضع. فالإنسان يتموضع بصورة دائمة، أي يوجد خارج ذاته، ويتجسد في أشياء (يشيئ). والضياع يتخذ مصدره من الحياة الاقتصادية عندما يقوم الإنسان ببيع قوة عمله في السوق ولا يعود يخصه إنتاجه، ويتخذ إنتاجه وجوداً مستقلاً عنه. والحرية بالنسبة لهذا الإنسان المتشيئ المعزول عن إنتاجه، لا تتحقق إلا بإزالة هذا الضياع.

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

..............................

المراجع.

1- راجع كتاب الفلسفة العلمية والثورية – إصدار دار التقدم 1982- مجموعة من الباحثين السوفييت – ترجمة –فهد كم نقش- ص 25.

2- المرجع نفسه- ص 27.

3- المرجع نفسه- ص 33.

 

عبد الجبار الرفاعيورد اسمُ "الرحمن" 44 مرةً في القرآن الكريم، ولو احتسبنا معها ورودَه في البسملة 113 مرة، يصبح العددُ 157، منها 11 مرةً في سورة مريم فقط. والرحمنُ من أسماء الله الحسنى، وهذه الأسماءُ يتّصف بها الإنسانُ وتجد تجليَها فيه كما يرى الشيخُ محيي الدين بن عربي: "فصفات العبد كلّها معارة من عند الله، فهي لله حقيقة، ونعتنا بها، فقبلناها أدبًا على علم أنها له لا لنا"[1].

ويحتلّ اسمُ الرحمن موقعًا محوريًا في نظرية الخلق والإيجاد في الرؤية التوحيدية لابن عربي، فعمليةُ الإيجاد لديه تعني الرحمةَ بالموجود، وذلك ما تحدّث عنه بقوله: "فاعلم أن الله سبحانه ما استوى على عرشه إلا باسم الرحمن، إعلامًا بذلك أنّه ما أراد بالإيجاد إلّا رحمة الموجودين، ولم يذكر غيره من الأسماء"[2]. أما المضمونُ الجوهريّ للتوحيد في مفهومِه فهو الرحمة، إذ "تفتح صور التوحيد الـست والثلاثين المغمورة بنَفَس الرحمن الألوهة على العالم والإنسان بنسب متعدّدة غير مترادفة"[3].

التديّنُ الرحمانيّ يعني اسحضارَ اسم "الرحمن" في بناءِ الصلةِ بالله، وتمثّلَ الصورة الرحمانية لله في الرؤية التوحيدية للمتديّن، وهذا التديّنُ يبدأ بمشاعرَ عفويةٍ بسيطةٍ تتطوّر بنموِّ التجربةِ الدينيةِ وتراكمِها في الحياة الروحية للمتديّن، وفي مراتب عليا يمكن أن يصل المتديّنُ بهذا النوعِ من التديّنِ في سيره وسلوكه الروحي إلى مقامٍ لا يرى فيه إلا الرحمن، ولا يعيش صلةً أصيلةً في الوجود إلا به، وقتئذٍ تتجلّى له صورةُ الرحمان في كلّ فعلٍ وموقف، ولا يصدر عن المتديّن إلا الرحمةُ بالخلق. عندها تتحوّل الرحمةُ المكتسبةُ إلى مادةٍ لروحِه ومقوِّمًا لحقيقتِه الوجودية، بنحو تكون الرحمةُ فيه سجيةً ومَلَكةً ثابتة، فيصير راحمًا لكلِّ من حوله من الناس، بل حتى مختلف الكائنات الحية [4]، لأن التديّنَ الرحماني مادتُه محبةُ الخلق.

المتديّنُ الرحماني مرآةٌ تتجلّى فيها صورةُ الرحمن، لذلك تكون الرحمةُ مقامًا أنطولوجيًا ساميًا في الحياة الروحية، إذ تشكّل مكوّنًا لهويته الوجودية، فيتميّز بها عن غيره من المتدينين. وهو مقامٌ يتعذّر على كلِّ متديّن أن يسمو إليه. الرحمةُ حالةٌ نسبية، حضورُها وتحققُّها على درجات، وبعضُ تعبيراتها أوضحُ ظهورًا في التديّن الفطري لدى عامة الناس الذين يكون تديّنُهم تديّنًا شعبيًا، ولا تظهر في مراتبها العليا إلا نادرًا لدى بعض الشخصيات الروحانية المُلهِمة.

التديّنُ الرحماني نمطُ تديّنٍ نادر، وإن كانت أمثلتُه موجودةً في كلِّ الأديان، سواء أكانت إبراهيميةً أو غيرها، ولا يتجسّد هذا التديّنُ إلا في شخصيات تمتلك مشاعرَ مرهفةً وعواطفَ شديدةَ الحساسية لكلِّ ألمٍ يصيب الآخر، فهي تتألم بشدّةٍ لما يُؤلِم الآخرَ بشدّة، وتحزن لما يُحزِن الآخرَ، وتكتئب لاكتئابِ الآخرَ، ويؤذيها كلُّ أذىً يصيب الخلق، ولا يسعدها إلا إسعادُهم. لا ينظر المتديّنُ الرحمانيُّ لأي إنسانٍ إلا بوصفه إنسانًا، لذلك نراه عندما يتعامل مع الناس لا يفتّش عن معتقداتهم، ولا يسأل عن أديانهم، ولا تهمُّه أعراقُهم وقبائلُهم. إنه مستثمرٌ بارعٌ في الرحمة، لا ينظرُ إلا لمن يستحقها فحيثما وجده رحمه. المتديّنُ الرحماني قدوةٌ مُلهِمةٌ لتأسيس علاقات تراحمٍ مجتمعية، من دون وجودِه يفتقرُ بناءُ هذه العلاقات للأسوة، ولا يُبنى التراحمُ ويتطور ويترسخ بلا رحمةٍ مُجسَّدةٍ في إنسان، يهتمُّ بغيره أكثر من اهتمامه بنفسه، ويمنح غيرَه ما لا يمنحه لنفسه بلا مقابل، يبهجُه العطاءُ مثلما يبهجُ الأمَ وهي تُعطي الأبناء. في التديّنِ الرحماني يظلُ أفقُ المعنى الروحي ثريًا متدفقًا مُلهمًا، يتجدّدُ بتجدّدِ احتياجاتِ الروحِ للسكينةِ والسلامِ الداخلي.

لا يُخلَق المتديّنُ الرحماني رحيمًا بالطبع، وكأنه مجبورٌ على هذه الحالة، إنما هو إنسانٌ مثلُ بقية البشر، وإن كان أكثرَ استعدادًا للاتصاف بالرحمة من غيره، عندما يكون شديدَ التأثر لآلامِ الناس وعذاباتِهم، ومع ذلك لا تكتسب هذه الحالةُ إلا من خلال تربيةٍ على القناعة بالقيمة العظمى لمعنى الرحمة التي تتفوّق على قيمةِ كلِّ مصلحةٍ ومنفعةٍ في الحياة، وارتياضٍ روحيّ يدمن عليه الإنسان، حتى تكفَّ نزعاتُ الشرِّ في داخله أن تجدَ ما يسمح لها بالظهور، بل يستطيع في مراحلَ متقدمةٍ من التربيةِ والارتياضِ أن يقتلع الجذورَ الغاطسةَ للشرِّ ولكراهية الآخر في باطنه، ويسعى للظفر بالمعاني الروحية الأصيلة، لأن المعنى الروحيّ أثمنُ من كلِّ معنىً في العالَم.

الكائنُ البشريّ ليس رحيمًا بالطبع، بل إنه ينزعُ بطبيعته للتسلّطِ على غيرِه؛ ليسحوذَ على كلّ شيءٍ في حياته، ولعلّ في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتّصفُ بها بيسر، ولا يتمثّلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشريّ عن التحقّقِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها. والإنسانُ في سلوكه ومواقفه كائنٌ طالما تغلّب في شخصيته الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا القيمُ الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين والثقافة والفن لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ والثقافات والفنون خفّضت كثيرًا من الطاقة التدميرية للتوحّش البشري في الأرض، فأضحت حياةُ الإنسان ممكنة. لا يتأنسنُ الكائنُ البشريّ إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَّ وحشٍ مفترس[5].

فاعليةُ المتديّن وحيويتُه وتفاؤله يستمدُّها من كيفيةِ تصوّره لله، وطبيعةِ استحضاره لأسمائه وصفاته وتحقّقه بها، فإن كانت صورةُ الله في ضميره قاسيةً، مخيفة، شديدةَ العنف، لا تعرف المغفرةَ والعفوَ والسلام، ولا تحضر فيها رحمة، حينئذٍ يستولي عليه الخوفُ والقلقُ والإحباطُ واليأس، وتصاب قدرتُه على المبادرةِ والفعلِ البنّاء بالشلل. وإن كانت هذه الصورةُ مرآةً يرى فيها الرحمةَ بوصفها صوتَ الله، والسلامَ بوصفه اسمَ الله، والعدلَ بوصفه شريعةَ الله، والمحبةَ بوصفها ضميرَ الدين، فسيكون مُبادِرًا فاعلًا حيويًا متفائلًا. إن رسمَ صورةٍ مرعبةٍ مفزعةٍ لله، تحجب صورتَه بوصفه الرحمنَ الرحيم، الذي "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"[6]، ورحمتُه "وَسِعَتْ كلَّ شيء"[7]، والذي سبقت رحمتُه غضبَه[8]. ولا ترى اللهَ إلّا بصورةِ مُعاقِبٍ عنيفٍ بالغِ القسوة. ينتجُ تمثّلُ المتديّن لهذه الصورة شخصية ًكئيبةً حزينةً قلقة، تميلُ للعنف، ولا تطيق التعامل مع المُختلِف في الدين والثقافة، إلى الحدِ الذي يصلُ فيه بعضُ هؤلاء المتديّنين إلى العجز التام عن محبة أيّ إنسان، لأنهم عاجزون عن محبة حتى أنفسهم.

أعرف بعضَ المتديّنين الذين تنتابهم حالاتُ هلوسةٍ واضطرابٍ وهلعٍ من الصور المفزعة التي ترسمها قصصُ عذاب القبر، والمشاهدُ المهولة للعالَم الآخر، وحكاياتُ بعض الوعاظ التي لا تنشد سوى إثارة الذعر في قلوب الناس، من خلال التشديدِ على ما يمتلئ به القبرُ من نيران، فضلا عن الصور المفزعة للحساب والقيامة وأهوالها. وكأن اللهَ لم يخلق الإنسانَ إلا ليتلذّذ بعذابه. لذلك نرى الذين لا يتجلّى لهم اللهُ إلّا بصورة معاقِبٍ عنيفٍ شديدِ البطش والقسوة، تختنق حياتُهم بكوابيس مرعبة، أما الذين يتجلّى لهم اللهُ بصورة الرحمنِ السلامِ العفوِّ الجميل، وهم الأقلّ في الحياة الدينية، فلم أرَ أحدًا منهم إلّا وهو في حالةِ سكينةٍ روحيةٍ وسلامٍ قلبي، وثقةٍ بالله وبذاته.

المؤسفُ أن بعضَ رجال الدين منهمكون في رسم صورٍ مرعبةٍ لله، وترسيخِ اليأس من رحمته، وخلقِ حالةِ صراعٍ بين الله والإنسان، وكأن اللهَ عدوُّ الإنسان، لم يخلقه إلّا لأجل أن يزجّه في معركةٍ أبديةٍ معه، ويظلُّ يطارده كي يبطش به، لكنهم يتكتمون على صورة "الله الرحمن الرحيم"، إلهِ المحبة والسلام والجمال، وينسون أن الحياةَ الروحيةَ ليست خاصةً بهم وبأمثالهم، بل إن كلَّ إنسانٍ يحتاجُ بطبيعته إلى الحياة الروحية، وإن كلَّ شخصٍ يغترفُ من معين الحقِّ على شاكلته، وتشرق روحُه بأنواره، ويتذوّق لذةَ وصاله بمقدار ما تتسع له هويتُه الوجودية، وذلك ما تشير إليه الآية: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا"[9].

التديّنُ الرحماني والتديّنُ الأخلاقي بينهما مشتركات كثيرة، إلى الحدِّ الذي يدعو البعض للاعتقاد بتطابقهما كليًا، بمعنى أن الشخصَ ما دام متديّنًا أخلاقيًا فهو متديّنٌ رحمانيّ، وما دام متديّنا رحمانيًا فهو متديّنٌ أخلاقيّ، لكن التأملَ يُظهر أن المتديّنَ الأخلاقيّ لا يكون بالضرورة رحمانيًا، وإن كان كلُّ متديّنٍ رحمانيّ أخلاقيّا بالضرورة، أي إن بعضَ الناس ربما يكون أخلاقيًا في تديّنِه وحياتِه الشخصية، وتعاملِه مع الغير، غير أن حالةَ الرحمة لم تصبح مكوّنًا لهويته الوجودية، لذلك تراه يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه وتعامله مع الناس، إلا أنه لا يسمو في بعض المواقف التي تتطلب منه التسامي إلى الرحمة. المتديّنُ الرحمانيّ يجسّد العدالةَ والإنصافَ في سلوكه ومعاملاته المختلفة مع الناس، ومع ذلك يتسامى إلى مرتبةِ الرحمة، حيثما تطلّب الموقفُ ذلك، والرحمةُ لا تفوقها مرتبةٌ لأنها أسمى مراتبِ الاهتمامِ بالناس ورعايتِهم والتضحية من أجل أمنِهم وسلامتِهم وسعادتهم.

مازالت الكتاباتُ الدينيةُ المختلفةُ تفتقر للحديث عن الرحمةِ الإلهية، فقلّما أقرأ مقالةً أو عملًا عنها، على الرغم من الحاجة الماسّة لها في عصر تتسلّط فيه بعضُ القراءات الفاشية للنصوص الدينية، ويحاصر الحياةَ الروحيةَ والأخلاقيةَ والجماليةَ فهمٌ مغلقٌ للدين. وتلك واحدةٌ من الثغرات الكبيرة في الثقافة الدينية.

كذلك قلّما تتحدّث الكتاباتُ الدينيةُ عن الأخلاق، وإن تحدّثتْ عنها تأتي في سياقِ الكلام عن غيرها، وبمنطقٍ وعظي، ولا تقاربها في ضوء الأفق التاريخي الذي يعيشه المتديّنُ اليوم واحتياجات حياته الماسة للقيم.

الدراساتُ الدينيةُ في معاهدِ التعليم الديني أكثرُها تكررُ المكرراتِ المملة، وتشرحُ الشروحَ المتراكمة على هامشِ المتونِ القديمة، ولا تطلُ بأي أفقٍ مضيء يواكبُ المتطلباتِ القيميةِ لحياةِ المتديّن. ولا تسعى لإنقاذ الأبناء الذين ضيّعتهم متاهاتُ الفهمِ المغلق للدين والقراءةُ الحرفيةُ لنصوصه، فغرقوا في تديّن عنيف لا يعرفُ سلامًا ولا رحمة.

المتديّنُ الذي يتجلى اللهُ له في صورةِ الرحمن يعيشُ سلامًا في روحه، وحيثما كان يكونُ سلامًا في كلِّ قولٍ وفعلٍ. إن التشدّدَ في الدين، والأسلوبَ العنيفَ في التعامل مع الناس، نتيجةً طبيعية لكسوفِ "اسم الرحمن" واحتجابه عن الحياةِ الروحية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

[1] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 409، ج10، ص166. ج8، ص19.

[2] ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 198، ج6، ص142. ج5، ص 8.

[3] الديري، علي أحمد، لماذا نكفّر؟ ابن عربي من عنف الأسماء إلى نفس الرحمن، تقديم: عبدالجبار الرفاعي، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين، بيروت، دار التنوير، 2019، ص 81 – 82. هذا الكتاب تلخيص جيد للرؤية التوحيدية للشيخ محيي الدين بن عربي، ومركزية اسم الرحمن وتنويعات حضوره في هذه الرؤية.

[4] يقال إن عدد الحيوانات المستغلة في مختلف التجارب الطبية وغيرها ما بين 17 و70 مليون حيوان في السنة الواحدة، وأحيانًا يجري "بشكل متعمد جرح الكلاب، بطريقة تجعل الطلاب يتعلمون كيف يكونون مستعدين لمداواة الجروح والكسور". راجع: ديفيد رزنيك، أخلاقيات العلم: مدخل، ترجمة، عبد النور عبد المنعم، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2005، ص 203، "سلسلة عالم المعرفة العدد 316".

[5] للمزيد راجع: الرحمة مفتاح فهم القرآن، فصل 1 من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط2، ص 23.

[6] الأنعام، 12.

[7] الأعراف، 156.

[8] ورد الحديث في صحيحي البخاري ومسلم بهذه الصيغ: "إن رحمتي سبقت غضبي"، "إن رحمتي تغلب غضبي"، "إن رحمتي غلبت غضبي".  

[9] الرعد، 17.

 

محمود محمد عليلكي تخوض دولة ما حربا ضد دولة لا بد من أن تكون هناك أهداف مشروعة لتلك الحرب؛ حيث ثبت علي مر التاريخ أن الحروب قد ارتبطت بالصراعات بين الأفراد، ثم بين الجماعات، كما تطور وتنامي نطاقها عبر التاريخ في فنونها، وأدواتها، وطرق إدارتها، من جيل إلى جيل، شأنها شأن أي تطور طبيعي يطرأ على مناحي الحياة المختلفة،  فهي قدر محتوم على البشرية منذ قديم الأزل، تكون حيناً واقعاً مفروضاً للدفاع عن الأرض والعرض، أو لتحقيق مطلب، وحق استعصي نيله بالطرق السلمية، وتكون في حين آخر صراعاً بين طائفتين، أو فئتين، أو دولتين، لتحقيق مكاسب معينة سواء، اقتصادية، أو سياسية، أو أيدولوجية، أو لتحقيق أغراضٍ توسعية، يراها كل طرف بمثابة الحاجة الملحة لتأكيد هدف معين  .

وهذا الهدف هو ما يطلق عليه "صناعة العدو"، يقول هنري ميشو Heneri Michaux  بطريقة واضحة وضوح الشمس، إن تحديد الأعداء أو الأصدقاء والتحقق منهم يشكل آلية ضرورية قبل شن الحرب، وعند انتهاء النزاع يحتسب المتنازعون الحصيلة السلبية ذاتها : لقد كانت الحرب أسوأ الحلول لكن الناس خضعوا لها، مرة أخري، ومن المنطقي أن نحاول فهم كيفية إنتاج العجرفة الحربية التي تدفع الناس إلي أن يقتل بعضهم بعضا بطريقة شرعية  .

ذلك أن الحرب هي، قبل كل شئ، ترخيص ممنوع شرعيا لقتل أناس لا نعرفهم أو أحيانا تعرفهم حق المعرفة علي غرار الحروب الأهلية، لكنهم يتحولون فجأة إلي طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها . إن الحرب هي اللحظة " غير الطبيعية"، إذ يمكن معاقبة من يرفض قتل العدو بالموت، لذا يتعين علينا القيام بذلك عن طيب خاطر والاقتناع بما نفعل .

وللكشف عن كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يبُني المتخيل قبل الذهاب إلي الحرب ولتوضيح ذلك يمكن القول بأنه علي مر التاريخ، تكثر أمثال صناعة العدو. فلقد عرفنا " الخطر الأصفر"، أي الاختراع العبقري لغيوم الثاني Guillaume II بغية تبرير مشاركة ألمانيا في تقسيم الصين . وعرفنا " ألبيون الغدارة"، وهو الوصف الذي أطلقته فرنسا العظمي، متهمة إياها بأنها منعتها من الاستعمار بطريقة هادئة. وعرفنا" المؤامرة اليهودية- الماسونية" للبلوتوقراطيين (أي الأثرياء المتنفذين) التي ازدهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين،والتي استخدمت لتبرير المحرقة النازية (الهولوكوست) وتجريد حملات الاعتقال قبل أن تعود إلي الظهور بصورة  مشتتة . لكن هل اختفت تماما هذه الآلية التي أنتجت هذه الأساطير، والتي شرعنت الكثير من الحروب ؟ يشكل خطاب الرئيس جورج بوش في 29 من يناير 2002 حول حال الاتحاد، والذي يشير بشكل أحادي إلي بلدان " محور الشر " الثلاث، مثالاً معاصراً للإنتاج المصطنع للأعداء قدمته أقوي ديمقراطية  في العالم . ولم يكن ممكناً بالنسبة إلي أي دولة من الدول الثلاث المذكورة (إيران والعراق وكوريا الشمالية) أن يُشك في تورطها باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لكن الرئيس بوش أعلن للشعب الأمريكي، المصدوم نفسيا من الإرهاب، قراره بمحاربة .. انتشار أسلحة الدمار الشامل ! وانقسمت أوربا التي كانت دوماً متحدة ضد العدو السوفيتي إلي معسكرين  متعارضين، فقد كانت" أوربا العجوز" تعد صدام مشكلة، لكنها كانت ترفض اعتبار طاغية بغداد مبرراً للحرب. أما " أوربا الجديدة" فتبعت واشنطن وشاركت في الحملة العسكرية علي "التهديد العراقي" .

وقد أبرزنا في كتابنا "حروب الجيل الثالث ونظرية تفتيت الوطن العربي" أن الولايات المتحدة بنت فكرة حروب الجيل الثالث علي افتراض، أن العدو سيبدأ الحرب في المسـتقبل القريـب، وبالتـالي ستصبح ملائمة جداً للطرف الذي يباشر بها، بمعنى أوضح، فهي تعبر عن القيام، أو التحول في الرد على هجوم فعلي، إلى المبادرة بالهجوم لمنع هجوم معاد محتمـل من قبل خصوم أمريكا .

وهنا برزت فكرة حروب الجيل الثالث كاستراتيجية أمريكية جديدة، بعد أحداث الحـادي عشـر مـن سبتمبر 2001م، وتبنتها الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش الابن، كعقيدة، ونظريـة معتمـدة فـي السياسة الخارجية، بعدما تم نشرها من قبل البيت الأبـيض فـي سـبتمبر 2002 ضـمن وثيقـة " استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحـدة National security strategy of the US، فهي تعبر - مفاهيمياً- عن سياسة أو إطار عمل، تحتفظ فيها الولايات المتحدة بحق مهاجمة دول تعتبـر طامحة، لأن تشكل تهديداً، أو منافسة محتملين على الصعيد العسكري .

وتكمن النواة الأساسية لحروب الجيل الثالث ضمن وثيقة استراتيجية الأمن القومي، في الجمع بين تهديدين بالغي الخطورة من منظور أمريكي، وهما الدول المارقة والإرهابيين من جهـة، وإمكانيـة حصولهم على أسلحة الدمار الشامل من جهة أخرى  ؛ يقول فرانسيس فوكوياما:" إن أحداث 11 سبتمبر، قد غيرت إدراك الولايات المتحدة للتهديد المتغير،لأن الهجمات جمعت معاً تهديدين أكثر خطورة فـي حزمة واحدة، وهما الراديكالية - التطرف، والتكنولوجيا - أسلحة الدمار الشـامل، حيث رفعت القضيتان لأول مرة الاحتمال الوشيك لتهديد نووي مباشـر لا يمكـن  ردعه" .

إن أسلوب حروب الجيل الثالث يمنع العدو من فعل التهديد، فالولايات المتحدة تريد القضاء على العدو قبل أن يهددها، وهى تري أيضاً في أسلوب حروب الجيل الثالث، هو الذي يعيد استراتيجية الردع، فمثلاً كان الرد الأمريكي ضعيفاً على تفجير سفارتها في كينيا وتنزانيا، من خلال قصف صاروخي لمواقع في السودان وأفغانستان، وهذا الرد لم يخلق الردع للأعداء، لذا وجدت الولايات المتحدة أن أفضل وسيلة، هي البدء بالهجوم من أجل إعطاء فرصة للعدو أن يهدد الأمن القومي الأمريكي، فوجدت في النظام السياسي في أفغانستان والعراق أفضل فرصة لحروب الجيل الثالث القائمة على الحرب الوقائية، فهي رأت في أن هذا النظام يأوي الإرهاب، ويسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وفي مثل هذه الحالة سيكون اللجوء للقوة، هو الأفضل من أجل منعه من تهديدها وردع الآخرين .

ولخوض هذا النوع الجديد من الحرب ضد الإرهاب داخل الولايات المتحدة وخارجها، حدّد الرئيس "بوش" استراتيجية الحرب الاستباقية، والتي تُعرف في بعض الدوائر باسم "عقيدة بوش"، حيث مضى قائلاً: "إذا ما انتظرنا حتى تستكمل التهديدات استعدادها، فمعنى ذلك نكون قد انتظرنا لأكثر من اللازم، ويتطلب أمننا أن يتحلى جميع الأمريكيين ببعد النظر والعزيمة، وأن نكون مستعدين للقيام بعمل استباقي، وتعلن تفاصيل الحرب الاستباقية الموضحة في استراتيجية الأمن القومي، إن الولايات المتحدة لن تتردد في العمل بمفردها إذا لزم الأمر، لممارسة حقها في الدفاع عن نفسها بشن حرب استباقية ضد الإرهابيين، ومنعهم من إلحاق أضرار بشعبنا وبلدنا"، وإذ تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على ما كفله القانون الدولي من حق الدول في العمل ضد "خطر من هجمات وشيكة"، فإنها تقترح إعادة النظر في تفسير كلمة "وشيكة"، بسبب الطبيعة الثورية للعدو الإرهابي، وتمضي الوثيقة قائلة: "ينبغي أن نكيِّف مفهوم التهديد الوشيك مع مقدرات وأهداف أعداء اليوم؛ فكلما كان التهديد أكبر، كلما ازدادت مخاطر السلبية، وأصبح من الضروري اتخاذ عمل بالاعتماد على توقعاتنا لحماية أنفسنا، وحتى لو اكتنف الغموض زمان ومكان هجوم العدو، فإن الولايات المتحدة سوف تقوم بأعمال استباقية عند الضرورة. وحتى لا يشكِّل العدو تهديداً وشيكاً، فإن الولايات المتحدة سوف تشن الضربة الأولى ضد الإرهابيين، ومن يأويهم بعلم منه، أو يقدّم لهم المساعدة" .

وتحت شعار "مبدأ بوش" شنت الولايات المتحدة حروب الجيل الثالث، وهي الحروب الوقائية والاستباقية، ويعنى مبدأ بوش الأيديولوجيا أو العقيدة السياسية التي وضعها للعمل بها في مجال السياسة الخارجية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إبان فترة رئاسته الأولى، وهو ما يمكن أن نطلق عليه أيضاً استراتيجية "الحروب الاستباقية" التي تمثل بذاتها العمود الفقري استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ككل التي وضعت عام 2002؛ أي بعد عام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد تم الاستناد إلى هذا المبدأ في الحروب الأمريكية على الإرهاب والدول المارقة تحديداً ضد كل من أفغانستان والعراق .

ولذلك اخترعت الولايات المتحدة فكرة حروب الجيل الثالث، أو الحرب على الإرهاب، فأخذ شكل الحرب الأمريكية علي الإرهاب، بمعاونة حلفائها، والتي بدأتها بالحرب علي أفغانستان، واحتلال العراق في مارس2003م، والتي انتهت بتدمير العراق .

وبعد عشر سنوات من التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق، استشعرت الإدارة الأمريكية أنها تورطت في هذه الحرب، حيث كشفت الدراسة التي نشرتها جامعة براون الأمريكية بأن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة إثر هجمات 11 سبتمبر 2001 م أسفرت عن ما لا يقل عن 225 ألف قتيل وبلغ تكلفتها المادية 3700  مليار دولار على  الأقل ؛ وبحسب بيانات الدراسة فإن الإحصاءات تشمل الحرب على أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى الغارات التي تشنها الطائرات الأمريكية على أفغانستان. وتبين الدراسة أن قتلى الجيش الأمريكي في هذه الحروب بلغ ستة آلاف قتيل فيما بلغ عدد قتلى حلفاء أمريكا 1200 قتيل، و10000 جندي عراقي، و 8800 جندي أفغاني، و 3500 جندي باكستاني، و2300 من موظفي الشركات الأمنية الخاصة "المرتزقة" .

وهنا قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم؛ حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عقب الهزيمة في العراق، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

وقد بدأ كثيرون من صناع القرارات في الولايات المتحدة الأمريكية  يتحدثون عن الحرب غير المتماثلة والحرب طويلة الأمد، حيث ستشارك الولايات المتحدة الأمريكية- تحت مظلة هذه النماذج من الحروب- في أنشطة مكافحة الإرهاب في منطقة واسعة من العالم الإسلامي لفترة طويلة جدًا. وبدا صراع الند للند peer-to-peer conflict  قد عفى عليه الزمن؛ وهنا أدرك صناع السياسات الأمريكية بأنه في ظل الظروف المناسبة قد تستطيع "العصابات" أن ترجح الكفة أمام "الجيش التقليدي"، حتى لو كان الأخير يمتلك مميزات خارقة في الجو، أو البحر، أو في القدرة النارية .

وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقل – جامعة أسيوط

 

رائد عبيسالإيمان بالحكومات غير الايمان بالدولة، ومجتمعاتنا العربية والإسلامية مازالت لا تؤمن بمفهوم الدولة بمعناه الحديث، فهي تؤمن بالحكومات التي تقودها وتؤسسها وتوجدها وتديرها، ولا تسعى للحفاظ عليها كسعيها للحفاظ على حكوماتها!! وهذه في الواقع إشكالية كبيرة وخطيرة موجودة، وما زالت راكزة في وعي الأجيال وقناعتهم بها، فهم ما زالوا يخلطون بين مفهوم الدولة وبين الحكم الإسلامي أو الديني. وهذا ما يفسره عدم اطمئنان أصحاب الديانات الأخرى كالمسيح، أو اليهود، أو الصابئة، أو غيرهم من مشروع الدولة الإسلامية؛ لأنه ربما يهدد وجودهم واقعاً ومستقبلاً، وهم لديهم تجارب في ذلك وتاريخ من الإقتتال المشترك، فهم لا يطمحوا أن يكون مفهوم الدولة يحمل عنوان لدين واحد، وهذا يدفعهم أما للمشاركة في الحكم والمطالبة به أو يتوجهون للمقاومة واثبات هويتهم بالقوة اذا منعوا من ذلك، ولعل مرد ذلك إلى جملة اسباب :

١-ان مجتمعاتنا تؤمن بالرمز الذي سرعان ما تضفي على رمزية الحاكم صفة القداسة، والخلافة الربانية للدين والرعية، وهذه تشجع على أن يتخذ من الدين غطاء بحكمه.

٢-  لم تؤثر بهذه المجتمعات تجربة حكم الدولة الحديث بسبب ارتهانهم تاريخياً للحكم بمفهوم الخلافة الذي يستمد شرعيته من المؤسسة الدينية.

٣- طبيعة هذه المجتمعات مازالت بدوية وريفية أو متحضرة قهراً أو منذ مدة حديثاً نسبياً لا يلائمها الحكم بمفهوم الدولة الحديثة الذي يتطلب مجتمعات متمدنة.

٤- مازالت هذه المجتمعات تعيش بيوتوبيا الحكم الإسلامي ودولته التي هي مطمح الأجيال المتلاحقة، وهذا ما تفسره كل الصراعات الاجتماعية داخل بلداننا العربية والإسلامية مع الحكومات المتعاقبة عليها، وان كان هذا التعاقد لم يعش بالكامل، فما زالت اغلب بلداننا تعيش تجارب الحزب الواحد والحاكم الواحد، ولم تألف التنوع في الحكومات الا بعد الربيع العربي. ولعل اسبقها العراق الذي فشل به الحكم الإسلامي الذي كانت تناضل من أجله شريحة كبيرة من المجتمع.

هذه الأسباب وغيرها حالت دون نجاح تجربة مفهوم الدولة الحديثة،والدليل أن كل سقوط نظام حكم في بلداننا تنهار معه الدولة وتفقد استقرارها، لأن المجتمع كان يؤمن بكرزمة الحاكم، وليس بحنكة إدارته وحسن تدبيره لشؤون البلد، ما ان غابت هذه الرمزية الكرزمية بدأ يحلم بظلها أو شبيه لها. ونحن نتذكر كيف لعبت قضية شبيه صدام حسين في عقول الناس وتركت الحيرة والامل عندهم، والأمثلة من البلدان الأخرى كثيرة .

فمجتمعاتنا وصلت إلى حد تأليه الحاكم وتقديسه، حتى بلغ الحال في بعض المؤسسات الدينية إلى تحريم الخروج عليه،ومعارضته، ومعصية عدم طاعته.

هذه كلها معطيات تنبئنا بتلاشي الدولة وانهيار مفهومها من قناعات المجتمع العربي تماماً، لأنها عجزت عن تحقيق متطلبات الدولة المدنية، أو الدولة الحديثة، من الخدمات وحتى الأسس المعرفية لهذه الدولة وثقافتها، فهي تعيش تجربتها الحديثة، وتثقف مجتمعها في الوقت نفسه على انتظار وترقب دولة الإسلام وحكمه ! فكيف تؤمن الأجيال اذان بمفهوم الدولة الحديثة ! التي أخذت صبغة علمانية في أعم تجاربها. فضلا عن إيمان أمة المسلمين بمفهوم الأمة، ورفض فكرة وواقع الحدود المصطنعة التي جاء بها "الاستدمار" وهو مصطلح بديل عن مصطلح الاستعمار نفضل استخدامه هنا،لأنه قريب من توصيف المسلمين له، لانهم يعدون الاستعمار مفردة قرآنية توحي بإعمار الارض الذي استهدف الله الإنسان فيها، فمفهوم الأمة هو مفهوم واسع، يتجاوز حدود الدول الصغيرة أو الكبيرة، ليمتد شرقاً وغرباً في المعمورة، فهي مشروع للدولة الكونية التي تقترب بها من الطروحات الفلسفية حول الفضاء الكوني الموحد لمفاهيم وتجارب مشتركة. وهذا يعني أن مفهوم الدولة الضيق الذي صنعته حدود سايكس بيكو، أو التقاسم الجغرافي لهذه البلدان بعد احتلالها من قبل الامبراطوريات والدول الاوربية لا تؤمن به مجتمعاتنا العربية والإسلامية، صحيح انها تتقاتل عليها، وتثار المشكلات السياسية حولها، فالأنظمة الحاكمة هي من ترسخ حدود دولتها بفكر مجتمعها عبر هذه الصراعات وحقيتها.

وبعد انهيار هذه الأنظمة ونظام الدولة ومؤسساتها، اصبح من الواضح أن تشكل الدول العربية ككيانات مستقلة أصبح من الصعب جدا، وهي تكشف عن انفتاح بين الحدود وتلاشيها، وهذا لا يعني توحدها بل لأنها فقدت السيطرة على إعادة هيكلها التقليدي الذي نشأت عليه، فكل دولة من الدول العربية ربما بعضها لا يتجاوز قرنا من الزمن، وان كان أ كثر فهو الأضعف أمام المستقبل الحامل لهذه الأفكار التي تأتي بفعل حركة التاريخ وسيرورته أو بفعل وعي المجتمعات، أو بفعل القوى الكبرى التي تطمح بالاحتلال لهذه البلدان. بفكرة الحدود المشتركة التي أصبحت مستباحة في سوريا مثلا، فضلا عن تجاوزها وعدم التقيد بها أمام التحركات العسكرية أو الدبلوماسية أو التجارية وغيرها.

وهذا الأمر سواء تم بعوامل وظروف استثنائية كالحرب والصراعات وغيرها، أو يأتي بواسطة اتفاقيات ونسخ تجارب وتعزيز وحدة، كما هو الحال في وضع مجلس التعاون الخليجي مثلا، وقبلة فكرة الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق التي انهارت وتبددت، فشعوبنا العربية تملك فكرة تلاشي الدولة وواقعها من خلال هذه التجارب، والمبادرات، والطموح بالوحدة القومية، سواء وجدت اليوم ام لم تجد فهي تبقى طموح الاجيال، وكذلك الأمة أو الشعوب الإسلامية، فهي تملك فكرة تلاشي الدولة وتوحيدها بعنوان أمة لا تعترف بالحدود بل تعترف بالمشترك، وهذا ما يجعلها تعبر الحدود وتتجاوزها، كما في فكر الدول التي تدعي أنها ترعى الإسلام في المنطقة كإيران والسعودية. وبكلا الأمرين لا يمكن اذان أن تتحقق الدولة بكيان مدني علماني حديث ومتطور في بلداننا العربية.

والمقال تتمة.....

 

الدكتور رائد عبيس 

 

مصطفى غلمانلا يتشكل الوعي من دون إدراك معنى القيمة التي تشغل عقل الانسان. إذ الوجود الحتمي للتفكير كضرورة لا تنضبط دون إقامة البرهان على الفهم الحقيق بالحياة.

إن من يعيش على الفراغ لا يدرك كنه وجود الذات من عدمها. لهذا يكمن السؤال الفلسفي في فرضية اللاشعور كضرورة مشروعة، في التأثير الممارس على الذات داخل نطاق محدود لا تستوعبه المنطقة السيكولوجية للإنسان.

فما الذي يمنحنا سلطة الشعور ـ الوعي كحد من حدود المعرفة؟ وهل يستطيع العقل الإنساني السيطرة على حزمة من الغرائز، بما في ذلك مظاهر التدين ونوازع الأخلاق وضروب السياسة والأيديولوجيات الثقافية والأثنية، المرتبطة أساسا باللاوعي؟؟.

الفيلسوف الفرنسي إميل شارتي كان قد رفض نظرية فرويد القائلة بالدور الخطير للاوعي في توجيه السلوكيات والأفكار الذاتية والتحكم فيها والانصياع لرغباتها المكبوتة، وذهب إلى خيالية فرويد وأسطوريته، متشبثا بالروابط العميقة بين الأفكار والسلوكيات البشرية، بما هي نتائج وخلاصات للوعي، بمعنى أنها نتاج لإرادة صادرة عن الذات الواعية الفاعلة والمتحكمة.

ونحن لا نشك أبدا في هذه البصيرة المترنحة التي تنسج مفهوميتها من أن كل وعي أو شعور هو عقلي ومفكر فيه حتما من قبل العقل الواعي. لكننا أحيانا نتقاطع مع إدراكنا الجزئي في النظر بالعقل الواعي لكل الأشياء التي لا نتحكم فيها، والتي تقع بين الشعور واللاشعور، والتي نرفض أن تكون أساسا لعلاقاتنا. ولهذا يجب ألا نبالغ في تقدير خاصية الوعي. ألم يقل هيجل في الإستيتيكا "الإنسان ولكونه، كائنا ذا عقل له وجود مزدوج فهو يوجد على نفس شاكلة الأشياء الطبيعية، لكنه، من جهة أخرى، يوجد من أجل ذاته، يتأمل ذاته، يتمثلها ويفكر فيها، وهو لا يكون فكرا سوى لأنه فاعلية تشكل وجود الأصل ذاته".

2 ـ اللغة اليوم ليست فقط رموزا يشكلها العقل الإنساني، ولا صياغة تفحصية مستمرة لمشكلات الفروع الفلسفية المعاصرة؛ خصوصا ما يتعلق بعلم الاجتماع وعلم النفس اللغوي.

اللغة فوق التحولات السلوكية التعبيرية التي نجتاز مرحلتها الراهنة بكثير من الخوف وقليل من الإيمان . إنها ظاهرة معقدة تتماهى داخل فرنها كل مواقد السلطة والفكر والإيديولوجية والمنطق.

الأعجب أن يظل احتماؤنا قائما بنظرية اللغة السلطوية التي يعتبرها البعض" ليست إلا الحد الأدنى للسان المشروع" . فاللسان اليوم أضحى أكبر مقبرة للصمت، وباقي الأعضاء في الجسم البشري مجرد صابون لتليين الوجود وكبح إرادته.

والبحث عن ممكنات العيش باللغة العارفة يجتاز ردة؛ فوق كل ما لا يتحمله العقل.ذلك الاحتمال الذي اعتبره رولان بارط طافقا تحت تأثير الطقوس والعادات وضغط الطابوهات؛ بما هو وسيلة لتخفي الذات المتكلمة، أو ما تود قوله ..

فما عسى الذات تقول وهي مجنزرة تحت تأثير سلط التعتيم والبروباجندا وسياسة التعمية والتخويف والتخوين ..

3 ـ إذا كان الأمل حكمة الحياة، فنحن أولى به .. نستحضره في كل سلوكياتنا اليومية . لولا أننا نتجاهله .. بالأحرى نتناسى أنه جزء من عقيدتنا الوجودية ..

هناك كتاب عن الأمل الذي يخلف التفاؤل، وهو للناقد الأدبي الإنكليزي تيري إيغلتون، عنونه ب "أمل بلا تفاؤل" ..

عنوان مثير للسخرية، يستدرجنا ضمنيا إلى واقعية راهنة تحتاج إلى فورة أمل ناذرة، كأنه يبتعد عما يثير كمية التفاؤل المغلول بالسذاجة، ما يولد شيئا من قيمة الفرج. وكما يقول إيغلتون متماهيا: للأمل المنشود مرجع أبدي الحضور ..

 

د . مصــطفى غَــلْمَـان*

 

محمد عرفات حجازيتُعاني الأخلاق العربية المعاصرة من حالة انحطاط وتردّي يُرثى لها، ولكن، هل هذه الحالة البائسة (أزمة) أخلاقية، أم أنّها فقرٌ أخلاقي؟ ربّما هذا يتطلّب أولًا تحديد كلا المعنيين، واستعراض العديد من تلك الأخلاقيات؛ لتحديد المُسمىّ المُناسب لها، من جهة، وعرض أسبابها وما تنطوي عليه من طرق حلول، من جهة أخرى.

الأزمة في اللغة العربية هي الشِّدةُ والقَحْطُ، والسَّنةُ المُجدبة. يُقال إن الشِّدة إذا تتابعت انفرجت وإذا توالت تولّت. ولكن، هل أزمة (شِّدة) الأخلاق العربية المُعاصرة ـ المُتتابعة والمُتوالية قد انفرجت وتولّت، أو أوشكت، أم أنّها في تنامي وازدياد؟

أمّا الفقر في اللغة فهو ضدّ الغنى، وهو الحاجة، والفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، يقول تعالى: "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر" (سورة الكهف/ 79)، وقال ابن عرفة: الفقير المحتاج، لقوله تعالى: "أنتم الفقراء إلى الله" (سورة فاطر/ 15)، أي: المُحتاجون إليه.

أصبح الكذب أمرًا مقبولًا في حياتنا اليومية، بدءًا من ردّنا التلقائي حين يسألنا أحدٌ عن حالنا بأنّنا "على ما يُرام". كما أنّنا، مثلًا، نكذب يوميًّا على سبيل المُجاملة، كي لا نجرح مشاعر الآخرين، ونتجاهل بذلك نداء الضمير.

أيضًا، فقد انتشرت الرشوة والمحسوبية لدى شريحة واسعة من المجتمع العربي، والمثير أنّهم يطلقون عليها "إكرامية"، وغيرها الكثير والكثير.

من جهة أخرى، انتشر انحلال أخلاقي جنسي على نطاق واسع، فمن ألفاظ اعتدنا على سماعها في الشوارع، حتى باتت جزءًا من حياتنا اليومية، إلى انتشار تبادل الصور ومقاطع الفيديو الخاصة، وانتشار ظاهرة التحرش اللفظي والجسدي، وصولًا إلى ممارسات واقعية اعتادت شريحة واسعة عليها بدعوى الحب، أو الحرمان العاطفي الجنسي والإهمال الأسري..

أحد أبرز أسباب ما نحن فيه هو انتشار الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي عملت على نشر الكثير من أوجه الانحلال الأخلاقي، إلى جانب بثّ الكثير من المعلومات المغلوطة، ونظرًا لنقص الوعي العام، انقادت شريحة واسعة من مجتمعنا وراء ذلك، دونما أدنى إعمال للعقل أو الفكر، وساعدهم في ذلك إمكانية تغيير الهوية والدخول بأسماء مستعارة، أدت في النهاية إلى ارتفاع عدد الضحايا.

كما لعب تردي الخطاب الإعلامي دورًا خطيرًا في حالة الفقر الأخلاقي السائدة، فنجد العديد من الأفلام والمسلسلات الهابطة والمُروِّجة للإباحة الجسدية واللفظية دون معالجة جادة للقضية المطروحة، وأغاني الخلاعة، والدعايات وما تحويه من ترويج لموضوعات مثل السحر والشعوذة والتعري الجسدي واللفظي، والبرامج الحوارية العديدة وما فيها من تطاول وحروب لفظية... إلخ، وقد تناولنا أغلب تلك الموضوعات وأثرها على الأخلاق في مقالات منفصلة، (مقال الدعايات الفضائية والقيم الأخلاقية؛ ومقال البرامج الحوارية وبث القيم؛ ومقال برامج صناعة النجوم ـ قراءة فلسفية؛ ومقال صراع توم وجيري وقلب القيم؛ ومقال السينما وعلاقتها بالأخلاق)، وقد أدى جميع ذلك إلى حالة جفاف أخلاقي ميؤوس.

أيضًا، فقد عمل تدنّي مستوى الوعي على اتخاذ نماذج هابطة كقدوة أو مثل أعلى، كبعض نجوم السينما والغناء مثلًا، واقتباس أدوار تلك الشخصيات وتطبيقها في الحياة اليومية، ما ساعد بشكل قاطع على الانحطاط الأخلاقي. ناهيك عن التبعية الغربية، والتمسّك بشكليّاتها وماديّاتها ما أدّى إلى تخبّط عربي عام في الملبس وطرق الردّ وأسلوب المعيشة (لنا مقال حول ذلك بعنوان الملابس بين الحياء والحرية).

كذلك نجد ضعف الخطاب الديني، وبثّه فكرة التخويف من الله بدلًا من محبته، فباتت شريحة واسعة تخاف الله وتخاف ممن يعرفه، وأخذت تتوسّد فكرة طول الحياة وإمكانية التوبة لاحقًا، وقد عمل ذلك على ذيوع التدين الشكلي وتراجع دور الضمير.

إنّ غياب الدور التوعوي والرقابي الأسري، وتأصّل الأفكار المتوارثة، والأمثال الشعبية، فمثلًا قيل: "الأقارب عقارب"، ولكن الله تعالى يقول: "الأقربون أولى بالمعروف"، وقد سبّبت هذه القيم المدمرة للعقول والنفوس في تمزق العلاقات بين الناس، وتجاهل القراءة والبحث عن الفضائل، وعدم امتلاك الشجاعة للظهور بمظهر الجاهل والسؤال عن حقيقة القيم، أدّى جميع ذلك إلى حالة فقر أخلاقي يُحتّم علينا ضرورة التكاتف الجاد والمُلخص عسى أن ترتقي أخلاقنا..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

 

رائد عبيسلا تشابه بين دين الرغبة ودين الرب، فكلمة دين توحي تنوع بعد ضمها إلى أي كلمة تحمل بعداً سلبياً أو ايجابياً، تبقى تشير إلى تأثير اعتقادي يترك أثره على المرء، وهذا التأثير يعزز في الإنسان أبعاد مختلفة واهمها هو البعد العقلاني، والبعد المعرفي، والبعد الخيالي. ما أن يتغلب اي من هذه الابعاد وبدون ضابطة ما على الآخر، سوف تنتهي بعلاقة المرء بدينه إلى علاقة مضطربة يسودها عمق من النفاق أو مستوى من السطحية.

ما المقصود بالدين الرذيل؟ الرذالة هي منقصة وسوء ومثلبة،التي تضاد معنى حسنة ومأثرة ومحمدة.

فالدين الحسن هو نقيض الدين السيء، والدين الناقص هو غير الدين الكامل، وتقابل الأضداد في كل معنى نضع قبله الدين ليكتمل أو لينتقص منه.

فالدين الرذيل: هو الدين السيء الناقص الذي لم يكتمل بأحكامه وتعاليمه وفقهه على وفق فهم الرجال له، فالدين لا يمكن أن تحكمه هذه المفاهيم وتحاكمه. بل فيه من العمق ما يجعل من الدين يتجاوز كل الاعماق المدعاة من قبل السطحيين الذي بهم يبدأ يتنامى الدين الرذيل ويقتصر على رؤى واحكام وأحلام فردية، تريد من الدين الحكم، والملك، والشهرة، وتوسيع الحاشية، وكسب الأنصار، والمؤيدين، وخلق المؤلفات من الفراغ، والاحكام من اللاشيء، واصدار الفتاوى الناقصة، والمبطنة بالفتن، والتكفير، والتفسيق، وتحريم المحلل، أو تحليل المحرم، والخروج عن الثوابت، وتشريع المستهجن، وتشريع سنن مشبوهة، وغيرها من الأفعال التي تؤسس على وفق افكار ونوايا مختلفة، مثل التي تسمى بالإسرائيليات، أو باليهوديات، أو بالشبهات، أو بالانشقاقات، أو البدع وغيرها من الأمور التي تؤسس بقصدية التخريب.

وعندما نعود إلى الأبعاد التي حددناها في مقدمة المقال، نجد بعد هذه الأسطر الأخيرة أن المبدأ الأول منها غائب تماماً، وهو العقلانية التي تختزلها الطروحات الدينية المعتدلة، البعيدة عن المزاجية والارتجالية، والأنانية التي تعاني منها الأوساط الدينية أيضا، بدوافع متعددة كالغيرة أو الحسد او التسقيط، وغيرها من الأمور التي تدخل في مسألة التنافس، فالدين لا يستدعي التنافس وان كان كل ما يصدر منه يشكل خاصية ذاتية بتجربة ما، كتجربة الرسول أو من يقترب منه، وهذه شهدناها في مزاحمة الرسول محمد على أمر الخلافة عند بعضهم، لأنهم يتصوروها ملك وسلطة.

فعقلنة الدين يعني اظهار كل محاسنه وكمالاته ومزاياه، وعندما تغيب العقلانية يدخل في تراذله و تهافته وضحالته. و عمق الدين يتضح في عقلانيته واعتداله وتسامحه.

إلى جانب العقلنة وسيادتها، تبدأ المعرفة بالموازاة،ويبدا الدين باظهار علومه المكنونة لفاهميه بهذا البعد، لمعرفة الدين وتحويله من دين احكام وتعاليم، إلى دين معرفة وعلم وفكر، نكون قد ركزنا الدين في عقول أجيال أتباعه اذا ما كسب اتباع جدد من ديانات أخرى بشكل ذاتي وقناعات فردية.

ما المقصود بمعرفة الدين؟

المعرفة الدينية من أجل أن تكون معرفة يجب أن تستند إلى عدة أمور أهمها :

١- اللغة الواضحة البريئة البعيدة عن التشنج والتشدد في العبارة بما توحيه من تقاطعات مع الآخر.

٢- الابتعاد عن الافكار والأحكام التي تعزز الذاتية والنرجسية العقائدية لما لها من أثر سايكولوجي يؤثر على علاقة صاحب الدين بالأديان الأخرى.

٣- محاولة إصدار أحكام وفقه ديني قريب من قناعات جميع أتباع الدين حتى نتجاوز بها الطائفية.

٤- المعرفة هي ضد التعصب للرأي والتعنت للأحكام لأنها توفر مساحة كبيرة من الموضوعية.

٥- المعرفة تزرع السلام العقائدي والتسامح والانبساط عند اتباع الدين.

إن أهمية تنامي البعد المعرفي في الدين، يعني أنه لا يسمح بتنامي التراذل في الدين و رذيلته ورذيلة متبعيه، كما كان عند القاعدة وداعش وغيرها من الحركات المتطرفة والتي تتبع البعد الثالث الذي ذكرناه في هذا المقال، وهو الخيال الديني الذي يتنامى عند الفرد نتيجة غياب البعد الاول والثاني، وبسبب هذه المغادرة للبعد العقلاني والمعرفي، ينشأ الخيال الذي تنميه الاوهام العقائدية والذي يظهر بشكل اساطير، وقصص مختلقة، وأحلام، وتصورات، وخيال جانح نحو أبعاد كبيرة وخطيرة منها إيروسية، وعبادية، وماورائية ميتافيزيقة، وفلكية وحتى طبيعية، كالتي تتعلق بالكرامات المزعومة باطلاً عند مقلدي بعض رجال الدين الأموات منهم والاحياء، فضلا عن قصص عقاب القبر البرزخ، وتخيلات الجنة والنار، وما يحاك حول يوم القيامة من روايات متخيلة بعيدة جدا عن منطق العقل، فضلا عن تصور شكل الله وتخيلهم له بصور متعددة، كبشر أو حيوان أو جماد.

مثل هذا الخيال يمسخ القيم الدينية المعتدلة والأحكام العقلانية عند متبعيه وليس من الدين ومضمونه، فالدين المتخيل هو دين متراذل سيء لا يحمل عمقاً معرفياً، ولا حقيقة تتفق مع العقل يمثل دين الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، و السذج من شريحة كبيرة من شرائح المجتمعات التي تتلقى الدين بهذا البعد دون غيره، والمشكلة الأكبر في هذا الأمر أن هناك اجندات خارجية وداخلية يقودها ويمثلوها أناس ما مغرضون، يحاولون أن يكون الدين ممثل بهذا البعد فقط، لجرف المجتمع إلى متبنيات هذا الدين الرذيل، المتراذل بهم وبتوجهاتهم النفعية فيه.

ومن اجل أن يكون الدين عامل سلام بين الشعوب جميعاً، يجب إشاعة نمط عقلانيته المتضمنة فيه و بجوهره، وليس بتسطيحه أو تسخيفه وتسذيجه وتتفيهه في قناعات الناس فيه.

وللمقال تتمة ....

 

الدكتور رائد عبيس

 

صادق السامرائيلكل مكان أفكاره، ولكل زمان موجباته، ولا يمكن للأمكنة والأزمنة أن تتطابق، ولا يجوز فرض حالة مكانية وزمانية على غيرها، فمثلما لا يمكن عبور النهر مرتين، لا يمكن التواجد في المكان والزمان مرتين، بمعنى أن يكون المكان ثابتا وكذلك الزمان.

وسبب ذلك أن الأرض تدور ولا تعرف التوقف عن الحركة ولو للحظة واحدة، مما يعني أن التغيير ديدن الوجود فوق التراب، وأن التغيير منهج الحياة، فلا حالة تبقى على حالها، ولا يمكن الجزم بالثبات لأنه يتنافى وإرادة الدوران التي تتحكم بالموجودات الأرضية.

ووفقا لإرادة الأرض ونواميس الكون المحكومة بها فأن آليات الرؤى والتصورات والتقديرات والتقيمات تتبدل وتكتسب معاني متفقة وما أدركته أو توصلت إليه، فما نراه اليوم لا يتوافق تماما مع ما سنراه غدا أو بعد غد، وما كان فيما مضى غير كائن فيما حضر.

وهذا يعني أن النسبية فاعلة في الوجود على مستوياته المتنوعة، وأن الإطلاقية لا وجود لها ولا أساس، فلا مطلق إلا الذي لا ندركه ولا نراه، وهذا المطلق نعجز عن تصوره وتحسسه، لكنه خارج المدارك الحسية للمخلوقات ومنها البشر.

وعليه فأن الإعتماد على رأي أو تصور متحقق في مكان وزمان ما، وإستحضاره لمواجهة ما هو حاصل في مكان وزمان آخر لا يتوافق ومنطق الدوران ومناهج الأكوان.

وهذا السلوك هو الذي أوقع البشرية في متاهات ومطبات خسرانية مروعة، فلو أخذنا مواقف الفقهاء في قرن ما إزاء حالة ما، وعملنا بها في زمننا المعاصر، فأننا نهينها وندمر ذاتنا وموضوعنا، وهذا ما يتأكد في الحركات التي تدعي الدينية، وتتبع هذا الفقيه أو غيره وتستهدي بآرائه وأفكاره، وتعزله عن مكانه وزمانه والضرورات التي حتمت عليه القول بما قاله ورآه.

فلو أخذنا منطلقات الفقهاء في القرن الثالث عشر، لتبين بأنها ذات قيمة عملية في مكانها وزمانها، وقد أدت دورها وحافظت على الوجود العربي والدين، وحمته من الإنقراض الأكيد والإبادة الحتمية التي عصفت به بعد سقوط بغداد على يد هولاكو وإندفاعه نحو بلاد الشام ومصر، ولو أنه تمكن منهما لما بقي للإسلام والعرب مقام ودور في الدنيا، لكن أولئك الفقهاء والأمناء على الأمة رفعوا رايات التحدي والجهاد وإنتصروا على الهولاكيين، وأدلوا بفتاواهم ورؤاهم التي حافظت على العرب والدين.

وما أطلقوه في مكانه وزمانه لا يصلح لأي مكان آخر وزمان غير زمانهم، وقد ينفع إستخلاص المعاني والعبر مما إجتهدوا به، لكن لا يمكن للتبعية الحرفية العمياء أن تكون دواء وإنما داء فتاك.

وأكثر الفقهاء العرب الذين أثروا في مسيرة الأمة ومقامها هم من الجهابذة النبغاء، الذين إمتلكوا قدرات ذكائية معرفية متميزة إستطاعوا توظيفها لخدمة الصالح العام والحفاظ على الدين، ولا يوجد تناقض بينهم وإنما رؤاهم ذات زوايا متعددة وإقتراباتهم محكومة بمكانهم وزمانهم، ولهذا الكثير منها أدت غرضها وإنتهت.

وعلينا أن نعرف مكاننا ونعي زماننا وننطلق في تقديراتنا من العناصر الفاعلة في المكان والزمان، أما الإقرار بنفي المكان والزمان، والعمل بآليات عمياء ذات شحنات عاطفية هوجاء ولصقها بفكرة أو عقيدة ودين، إنما يشير إلى جهل مرير وإندحار خطير.

فهل من وعي لمقتضيات المكان والزمان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي محمد اليوسف- عندما ييأس الانسان العربي يقوم بمقارنة السيء بالاسوأ لأنه لم يعش العدالة في حياته ولا يجد النزيه في مجتمعه.

- لا غرابة أن يكون عمر الانسان الغني عشرات أضعاف عمر الفقير زمنيا و(نوعيا).

- أن القول بأن الله خلق الكون من عدم، هي قدرة أعجازية خارقة لقوانين الطبيعة لن تتكرر، وأهميتها في جعل الخالق حياة الانسان قائمة على السببية والضرورة ومبدأ المادة لا تفنى ولا تستحدث ولا شيء يخلق من عدم، وبغير هذه القوانين لا تقوم الحياة عند الانسان، ولا تلزم هذه القوانين الله خالق الكون والاشياء والانسان والطبيعة بها.ومن هنا يأتي الاعجاز الالهي متفردا في خرقه قوانين الطبيعة والعلم والكون، بما لا يقدر الانسان القيام بجزء ضئيل جدا من تلك الخوارق.

- تخليق العقل للفكر واللغة التي تؤطره في أدراك الاشياء والتعبير عنها، لا ينتج عنهما خلق وجود مادي مغاير للاشياء، لأن الفكر واللغة هما توصيف للوجود المادي في ظواهره والتعبيرعنه وليس خلقه وأيجاده، كما أن تخليق العقل للاشياء أنما يكون في تغيير ظواهرها وليس في خلق وجودها من جديد. .

- أن تعي ذاتيتك بصدق وضمير، معناه أنك قذفت وجودك في مجهول ومأساة حياتية لا ينهيها سوى الموت.

- في تأكيد المتصوفة أهمية القلب الايماني المنفصل عن العقل العاجزعندهم، ويعبّرون عنه أن حدود العقل تتوقف ادراكيا نهائيا، في قفزة المتصوف من الوجود الانساني الارضي، الى وجوده المتسامي الروحي في محاولة الاتحاد بالمطلق النوراني الالهي وهي تجربة لا يمكن شرحها ولا التأكد منها لدى المتصوف وغير المتصوف.لذا يعتبر المتصوفة أدراك حقيقة التجربة الصوفية باطلا في توسّلهما العقل، لأن العقل يعجز عن أدراك حقيقة التجربة الصوفية.

- لا يبقى هناك مفاهيم خلف ألغائنا مبدأ الاحتكام الى أحالة، ولا تبقى معلومة فلسفية أو معرفية وأفكار صحيحة في تدمير مرجعيات الاحالة الى بعض الثوابت الافتراضية لأهميتها الوصول الى حقيقة الاشياء، منها العقل،.

- الوعي هو وعي الذات بالآخر، ويبقى الآخر وجودا مغايرا لمدركه.

- أخذ هيجل عن أسبينوزا مبدأ وحدة الوجود بقوله (الله هو الوجود).

- النومين او الوجود بذاته، هو كل وجود مكتف بذاته،ولا يشترط أن كل وجود بذاته يعي وجوده والمحيط، وأغلب الوجود بذاته هو لا وعي غير قابل للتغييرأو أدراكه يقينا، والانسان لا يكون وجودا بذاته فقط في أستحالة أدراكية لوجوده الحقيقي الذي لا يتحقق من غير كونه وجودا في عالم متغير وطبيعة متغيرة.والفلسفة المادية وبعض الفلاسفة ينكرون الوجود بذاته في الطبيعة وليس الانسان، انه حالة من الوجود غير حقيقية لا ماديا ولا حتى تجريديا وكل ماندركه ظواهر الاشياء فقط.

- الوجود (لذاته) هو شكل الوجود الذي يعي ذاته وجودا متغيرا ويتعامل مع الكلية المجتمعية بجدل وجودي ومعرفي وعلمي متخارج.

- نظافة الضمير هبة روحانية لا يتمتع بها سوى أنسان يعي مسؤوليته الانسانية.

- الفكر المجرد الأعزل من دون أرادة الانسان في التغيير لا يغيّر الواقع أو الوجود ولا قيمة حقيقية له.

- الفلسفة عند ماركس ليس فهم الحياة فقط وانما واجب تغييرها نحو الافضل، بخلافه يذهب براتراندرسل، أن الفلسفة نظام مفاهيمي في تفسير الحياة ومعرفتها وليس من مهام الفلسفة تغييرالحياة وتبديلها.

- يعتبر ميرلوبونتي أنه لا فكر خارج الكلمات أو العالم،ولكن الفكر موجود في صمت اللغة وفي عالم الخيال في التعبير عن الجمال في الفن الذي لا يحتاج الكلمات.

- في مجتمع بلا ضمير ومنافق كاذب لا يضمن الانسان حقوقه وصيانة كرامته.

- يقول برجسون (هناك في الصيرورة أكثر مما هناك في الوجود) ونقول أن الوجود بأكمله صيرورة دائمية مستمرة، وما هو غير صيرورة وجودية يصبح في حقيقته لا وجود يمكن التحقق من وجوده.والوجود من غير صيرورة دائمية هو عدم لا يمكن أدراكه.

- عندما أدخل دريدا الهدم والتدميرعلى فلسفة اللغة التفكيكية، يكون أدخل الفلسفة في غرفة انعاش مرّكزة قصيرة الأمد في عمر الفلسفة التاريخي.

- بداية نهضة أي مجتمع متخلف يكون في ربط التعليم بجميع مراحله في خدمة التفكير العلمي والاقتصاد أولا وتطوير الحياة الاجتماعية والسياسية تأتي لا حقا كناتج عرضي حتمي لمنجزات العلم والاقتصاد.

- الدين قيمة حقيقية مطلقة مثل الاخلاق والجمال،. ولفهم مطلق الحقيقة الدينية او الجمالية او الاخلاقية، علينا التعالي عليها بقدرة العقل الذي يعجز ويتوقف عند حدوده الادراكية والمنطقية التي لا تتحدد بالفهم العام بل بمنطق التسليم بالدين أيمانا قلبيا.

- ليس الفرق بين المثقف العربي ونظيره الاجنبي، أعتياش المثقف العربي على الثقافة الاجنبية وحسب، وأنما المثقف العربي غير متطابق بأمانة مع ضميره في كيفية تعامله مع ثلاثة أوساط تحكم وجوده.....هي السلطة اولا، والمجتمع ثانيا، والوسط الثقافي الموبوء الذي ينتسب له ثالثا.وهذه الاثافي الثلاث متحرر منها مثقفي الغربة عن اوطانهم.

وهذه العلائقية الاشكالية تشير الى خلل في المثقف وليس في الضد المناويء له،فالمثقف الذي يجد في نفسه التعالي على السلطة والمجتمع والوسط الثقافي، عليه قلب المعادلة ويبدأ بأصلاح نفسه والوسط الثقافي الموبوء الذي ينتمي له، بعدها يصبح له الحق أن يقوم باصلاح المجتمع وتقويم السلطة السياسية الغاشمة.

- الاحلام نوع من الاسطورة التي مارسها الانسان قديما في ميثالوجيا السحر وطقوس الاديان الوثنية التي يتم بها خرق قوانين الطبيعة في الزمان والمكان خرافيا وليس علميا حقيقيا.وأنتقلت الاسطورة في ملازمتها الانسان في غيبيات الاحلام لاشعوريا أثناء النوم بفرق أن الاساطير تتوسل الالهة والاحلام متحررة منها.

- الاحلام نوع من الاساطير التي يبتدعها اللاشعور في خرقه قوانين الطبيعة اثناء النوم ولا تنفع الانسان أكثر من تفريغ أمانيه المحروم منها في حياته، في تعويض الاحلام الكاذبة لها.

- المكان هو الوجود في الزمن ولا مكان لوجود خارج الزمن.

- الزمان لا يدرك ولا يقاس بغيراستدلال مكاني ملازم له.

- مكان الشيء وزمانيته مظهران لحقيقة واحدة هي ادراك وجوده .

- الفكر لا ينوب عن العقل في التفكير وادراك الوجود بل هو وسيلته اللغوية في التعبير عن الاشياء بعد تخليق العقل لها.

- أدراك وجود الشيء مكانا يتم في قياس زمانيته، ولا أستقلالية لموجود مكانا لا يقاس أدراكه بغير الزمن.وأدراك الاشياء زمانيا يتجاوز ادراك الحواس.

- حركة الشيء هي مقياس زمانيته في أدراكه وليس في تبديل وجوده مكانا.

- الانسان يفكرعقليا ولغويا وهو صامت يتخّيل ماضيه وحاضره ومستقبله، وهذا غير متاح للحيوان مطلقا. بمعنى أن الانسان يعي زمنه بخلاف الحيوان.

- أكثر الامور كراهية و مقتا في الثقافة وكراهية في السلوك هي تبادل المجاملات الرخيصة في تسويق الفشل الثقافي، ومحاولة بناء ثقافة تقوم على التزوير والاكاذيب، لتكريس لا معنى الثقافة الحقيقية الابداعية، التي تشق طريقها بصعوبة كبيرة في مسارات الدفاع عن وجودها، قبل استكمال مهمتها في تبديل قناعات بالية اجتماعيا وأنظمة حكم غاطسة في مستنقع الفساد.

- لغة الخيال هي قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر، بأختلاف أن لغة الفلسفة تخضع لسطوة العقل المنطقي في لجم الخيال أن يكون تهويميا،بينما الشعر يعيش ويخضع لمرجعية تنظيم اللغة وتنظيم خيال اللاشعورجماليا فنيا أيضا. بعد برودة عاطفة الشعر وبرودة تهويم اللاشعور العقلي في تدوين النص الابداعي.

- اللغة قرينة الخيال أكثر من أنها قرينة الواقع، فالخيال محاورة ذهنية داخل الذات، أكثر منها تعبير عن وجود الاشياء قبل الاحساس و التفكير بها.

- الامجاد الزائفة الكاذبة بالحياة تستقي جذورها دوما من مستنقع الرذيلة، وأدامة دورة حياتها مستمدة من أخلاق الحثالة الاجتماعية.

- نفاق القطيع الضال لا يغيّر حقائق الاشياء في الحياة.

- أنعزالية تختارها بأرادتك تحفظ لك نقاء الضمير، أفضل الف مرة أن يحتويك نفاق القطيع المضّلل الضال.

- الالحاد قلق وجودي لا يغيّر حاجة الانسان الى التديّن بمعناه الروحي الاصيل، ويدخل الانسان في خواء عدمي يزيد من قلق لا مخرج منه.

- الصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا، وتفكير الصمت ذهنيا بدون لغة تعبير عن الموجودات والاشياء التي يتم أدراكها تخييليا فقط،والصمت تفكير لا يلغي دور العقل في تنظيم وضبط الخيال، كي لا يكون التعبير عنه هلوسة وهذاءات أصوات بلا معنى.

- اذا كان الله وجودا متعاليا على الادراك والفهم الانساني المحدود، لذا لا يمكن للانسان أدراك الله اللامتناهي وغير المحدود لا بصفاته ولا جوهره ولاماهيته كوجود بذاته، ولا زمان ولامكان يحدّه، الا بملكة الخيال الايماني الانساني فقط، كما أن المحدود العقلي في الانسان يعجزعن أدراك غير المحدود اللانهائي المقدس لا بالصفات ولا بالوجود ولا بالماهية.ولا يشترط هنا الخيال على صواب في التفكير لأن مرجعية العقل في الاحتكام لها غائبة.

- الانسان كينونة وجودية تمتلك وجودها الظاهراتي والعقلي وماهيتها التي هي مجموع صفاتها وكيفياتها كانسان، تجعل منه هوية جوهرية ماهوية مستقلة. وفي هذه الخاصية يتأكد أستحالة الاتحاد غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، أي بين الخالق الالهي والمخلوق الانساني كما تدّعيه الصوفية في تغاير (كيفيتين) احداهما روحانية لا يدركها الانسان هي الخالق، والاخرى مادية تتمايز ذاتيا مع غيرها بقوانين الطبيعة زمكانيا وهي الانسان، ولا تلتقي كيفية الانسان المادية الا مع كيفيات مادية تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات.

- كل متفرد متعال موجود فوق الزمان والمكان هو خارق لقوانين الطبيعة بما لا يستطيع العقل الانساني ادراكه، لذا فهو غير موجود انطولوجيا بالنسبة لغيره المتناقض مع وجوده ماهويا (الانسان)، وهكذا يستطيع الانسان أدراك وجود الخالق في ذاته أيمانيا فقط وأدراكه وجدانيا في غيره من الموجودات التي تعقل او لا تعقل ذاتها في الطبيعة.

- الصمت لغة حوارية داخلية في الذهن العقلي المفكّر فقط، وصمت الحيوان (عدما) غير متعيّن في الذهن والتفكير، يغيب عنده و عن او مكتوبا او جماليا ممثلا في لوحة فنية وفي جميع انواع التشكيل الفني التي تكون اللغة فيها في حالة كمون يستنطقها المتلقي المشاهد ولا تحتاج تعبير اللغة الصوتي.

- عبقرية اللغة سابقة على الفكر رغم أن أنتاجية العقل للفكر سابق على انتاجية العقل للغة الصورية، وفي حالة الصمت تكون اللغة هي الفكر، والفكر واللغة داخل الذات هما حوار غير معلن لشيء واحد، ويفترقان (اللغة والفكر) عن الخيال العقلي، والتمايز الدلالي بينها أيضا، متى ما أصبحت الفكرة واقعا ماديا معبرا عنه لغويا يدركه الاخرون.

- كل عمل شاق جادا يقود الى نتيجة لا تزول بسهولة،وكل عمل ساذج ينتهي في ولادته قبل وفاته بحتمية زوال وجوده الطاريء التافه من الحياة.

- اذا كانت الصفات السيئة مثل الانانية والغيرة والحسد، غرائز متأصلة بالانسان، فسوف لن يجد الانسان قيمته الحقيقية بالحياة دون التخلص منها.

- أجد ان الثقافة الحقيقية ليس في مهادنة ترسيخ المخطوء في الحياة على أنه من حقائق الامور المفروضة الواجب الاستسلام والانصياع لزيفها،بل في الاصطراع الحتمي معها وفي ألاصرار على تغييرها.

- قيمة الانسان الحقيقية هي في تحرره من غرائز الغيرة والانانية والكراهية والنفاق التي تسلبه الموقف المبدئي الصائب بالحياة، وتمنع عنه أن يعيش حياته في نظافة الضمير المتطابق مع حقيقته الانسانية الاخلاقية ضمن مجتمع يروم خلقه وتجديده باستمرار.

- اسمى قيمة يحققها الانسان في الحياة حين يتطابق مع ضميره في مناصرة الحق وقيم الفضيلة والخير ويترك أثرا في نفوس و سلوك الاخرين.

- خسارة لا يمكن تعويضها أن يبيع الانسان ضميره في وقت لا يمتلك غيره رصيدا متبقيّا من أجله يعيش الحياة. ..

- قيمة الانسان الحقيقية ان يترفع عن الغيرة والانانية والنفاق وبيع ضميره، وهي مهمة ليست سهلة وفي متناول الامنيات، بل هي صراع مع النفس وصراع مع قيم مجتمعية بالية متجذرة تمجد الزيف كما تمجد المقدس في الحياة على هامش كل قيمة حقيقية تخدم التقدم بالحياة.

- من لا يستحقون صداقتك في نظافة الضمير و قيمك الانسانية، غير مأسوف عليهم أخراجهم من حياتك وتطويهم في غياهب النسيان، فهم خلقوا لأناس مثلهم وليس لأناس مثلك.

- ليس من الحكمة أن يظهر المثقف بمظهر الحريص على اصلاح مجتمعه وهو الاولى بمراجعة نفسه واصلاح عيوبه. مع الاسف كلنا في مجتمعاتنا العربية الاسلامية نعيش هذه الازدواجية التي أحتقرها العالم في تقدمه ونحن حريصون على عدم أضاعتها في تجذير تخلفنا اكثر. وفي هذا المعنى البليغ الذي خانتني اللغة التعبير عنه جيدا يقول برناردشو: أن أعظم المصلحين في العالم هم الذين بدأوا بانفسهم.

- لا تطلب حاجتك من لئيم فهو لا يلبيها لك، ولا تستطيع استرجاع كرامتك

منه.

- اذا أردت مصادرة العقل عن التفكير فيكون مجاله الدخول في مجاهل الميتافيزيقا، واللاهوت الديني تحديدا.

- الانسان ذات وموضوع يتبادلان الادراك بالتناوب.فالانسان يدرك الموضوع في وعيه العقلي أو الخيالي. والانسان يدرك ذاته بذاته عقليا أيضا.والموضوع لا يشترط أن يدرك ذاته الا بشرط علاقته بمن يدركه وهو الانسان، اذا كان وعي الذات ووعي الموضوع من نفس النوع.بمعنى ان يدرك الانسان غيره من البشر لا غيره من الكائنات في الطبيعة والعالم الخارجي. فهنا لا يكون الادراك بين الذات والموضوع متبادلا، بمعنى أن الانسان في هذه الحالة يدرك موضوعه، لكن موضوعه لا يدرك الانسان ولا وعيه به كموضوع.

- في تحول اللاهوت او الفكر الديني الى ايديولوجيا دينية سياسية، ذلك يجعل من الايمان الديني متعذرا أخذه من رجال الدين والفقهاء فالايمان بالله لم يعد اليوم بحاجة الى وسيط قام به الانبياء على مر التاريخ والعصور وانتهى دورهم.

- الوجود الذي يعقبه عدم لا يسبقه عدم،والا كان ليس موجودا.بمعنى أن المادة لا تفنى ولا تستحدث نفسها عقليا تجريبيا، وأنما يمكن أن تستحدث ايمانيا روحيا فقط في خرق قوانين الطبيعة ومفهومي الزمان والمكان.

- خطأ الاعتقاد امكانية الاتحاد الصوفي او الذوبان في الذات الالهية في الاديان تقوم على امكانية اتحاد (كيفيتين) مختلفتين في هوية مؤقتة واحدة اثناء المرور بالتجربة الصوفية والعودة كلا منهما الى كيفيته المتمايزة عن الاخر بعد انتهاء المرور بالتجربة التصوفية، فهذا يستحيل ماديا وروحيا أيضا.

- الفهم الاسبينوزي لمذهب وحدة الوجود في أبسط عبارة له أن الله هو الطبيعة في كل شيء، وبالعكس أن الطبيعة في تنوعها وظوهرها وقوانينها هي الله.وهو تعبير لايمكن التسليم به ما لم يتم الغاء وجود أحدهما من أجل أثبات وجود الآخر. فهما (الله والانسان) كيفيتان مختلفتان طبيعة وجوهرا، وافتراض اتحادهما يستلزم عدم ادراك واحدا منهما على حساب تغييب وجود الاخر.

- فكرة وحدة الوجود في المسيحية مرتبطة ارتباطا وثيقا في اللاهوت الديني في ولادة المسيح ومعجزاته وقيامته كخوارق فوق طبيعية ربانية، أكثر من ارتباط الصوفية المسيحية بالاشراق التصوفي في ان يحقق الانسان حلمه ان يكون جزءا مؤقتا من الذات الالهية في سعيه وسلوكه مدارج العرفان والحال غير الطبيعي الخارق لنواميس للطبيعة، كما في الصوفية الاسلامية والبوذية والهندوسية.

- لا بديل لنا عن السعي تحقيق مجتمع تسوده ثقافة الضمير النظيف، لنتجنب السقوط في لا معنى الحياة، وجحيمها الارضي، فمباديء التقدم الحضاري نخبوية دائما تسعى تعميمها على المجموع، والنخبة مستهدفة من السلطة والمجتمع ولا فرق بين قساوة وغباوة الطرفين في أستهداف الفكر التقدمي وحامله.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

مهدي الصافيثبت ان العالم انشتاين لم يكن مخطئا في علوم الفيزياء، يوم حددت نظريته النسبية بعض الحقائق العلمية حول الابعاد الاربعة للاشياء، وتحديد قوة الجاذبية الهائلة للثقوب السوداء، والمسافات الزمنية الضوئية للمجرات والكواكب وبعدها عن الارض، حيث خرجت قبل عدة ايام وكالة ناسا لتظهرلنا حقيقة تلك الظاهرة الكونية الغريبة (صور الثقوب السوداء)، مؤكدة على ان الخيال العلمي لافلام هوليود كانت دقيقة وقريبة نسبيا من الواقع ...

نعتقد ان الخيال العلمي للعباقرة والمفكرين والعلماء والباحثين وبدرجات متفاوتة لبقية البشر (الذي يسمى في الازمنة الغابرة بالالهام او المعجزة او الاتصال الروحي مع السماء اوعلم الغيب او حتى مايقال عنه في الشارع المقدس بالوحي) هو الاصل في الاكتشاف والاستنتاج والتجربة والانجاز، اي بعبارة اخرى يمكن القول ان كل خيال علمي هو حقيقة او امر قابل للتطبيق ان توفرت له الظروف الملائمة،

ولعل اول من ركز على حقيقة التأمل والتفكر واعمال العقل في الكون لتوليد مجالات الخيال العلمي هي الحضارات القديمة(الاله والخلود والاختفاء او الصعود الى السماء)، والقران الكريم، وفلاسفة القرون الاخيرة، فكانت تلك الاشارات والمحاولات العلمية هي احدى اهم الاسس المنطقية للاكتشافات العلمية الحديثة، الا ان الاهتمامات العلمية والفكرية تبقى دائما داخل الاطر المحدودة، هي ليست مهنة او تجاربة مربحة، انما خيال علمي يتجسد في صورة حقائق علمية نظرية مؤجلة مخزونة في خيال المفكرين والعلماء، بمعنى اخر اننا نود ان نطرح تلك الظاهرة او هذه الحالة الخاصة (والعامة فلكل انسان خيال عاطفي وانساني واجتماعي وعلمي محدود او نسبي) على انها مفهوم او نظرية علمية شبه ثابتة، اي ان التسارع العلمي التكنولوجي الذي يراه العالم هو نتاج خيال علمي لدى الاذكياء، فتحت له الحضارة الالكترونية الابواب ليصبح اقرب للحقائق العلمية القابلة للتطبيق والتنفيذ كما ذكرنا، وهذه الحالة يمكن تصنيفها على انها ظاهرة متقدمة في مسألة تقارب او تقليص المسافات بين الحقيقة والخيال العلمي، اذ اصبح بالامكان ان يتم تطويع التكنولوجيا عقليا لانجاز اية مشاريع تعد خيالية بالنسبة للكثيرين، فقد بات يسمع في البرامج والنشرات والمجلات العلمية عبارة"العقل الصناعي"...

ان الحاجة والاهمية التربوية والعلمية في الاوساط التعليمية والاكاديمية لاعطاء فضاءات ومساحات واسعة لاستيعاب وتطور الخيال العلمي للاجيال المختلفة كبيرة جدا، عبر فتح مراكز بحوث ودراسات علمية متدرجة، تبدأ من المراحل الدراسية الابتدائية، مرورا بالمراحل الثانوية الى المراحل الجامعية ومابعد التخرج، واعتبارها جزء من دراسة العلوم التطبيقية الطبيعية العملية المعتمدة رسميا، تعطي مجالا كبيرا لتطوير طرق واساليب وادوات البحث والتفكير والابتكار والابداع العلمي، وكذلك تسمح للطلبة والشباب بالابتعاد جزئيا عن النمط الروتيني الكلاسيكي المتحجر او الجامد المعتمد منذ عقود في وسائل التربية والتعليم، اضافة الى انها سترفع من درجة ثقافة ووعي الشارع بتحويل الانظار لى تلك الاهتمامات الدقيقة والمتقدمة علميا، بتحريك العقول وتوجيهها نحو مجالات الابداع العلمي، ولهذا نؤكد على ان الثقافة والوعي لايمكن لها ان تؤثر في اي مجتمع متخلف علميا، مالم يتم اعتماد وسائل العلم والمعرفة الالكترونية، لتطويرالعقول السليمة وتشجيعها على استخدام الادوات والتقنيات القابلة لتنمية الادراكات العقلية لدى بقية بسطاء المجتمع، فتكون عندها القرية والريف عموما قادرة على التواصل مع حضارة المدن عبر وسائط الاندماج والتقارب للحضارة الالكترونية المتاحة، ثم يمكن بعدها ان تسجل النجاحات والطموحات النسبية للمحاولات الثقافية الجادة الموجهة للمجتمع لرفع درجة وعيه وثقافته، لم يعد الخبز كافيا لانقاذ فقراء المجتمع، انما بالعلم يمكن لهم ان يشاركوا بجدية في صناعة دولة الرفاهية، فقارة افريقا ليست اكثر فقرا من اسيا او اوربا، الا ان الجوع والفوضى والحروب القبلية والصراعات الداخلية والانخراط في مافيات تجارة الحروب جاءت بعد الفشل العلمي والاجتماعي والثقافي والاخلاقي المتجذر في المجتمعات البدائية ....

ان رؤية او معرفة وتشخيص مفهوم اونظرية الحقائق داخل الخيال العلمي الانساني، يمكن ان يلمسها الانسان عن طريق العودة بالذاكرة الى الماضي، وكذلك بالعودة الى معظم او اغلب الاسس التي استندت اليها ابحاث وتجارب وبدايات تفكير العلماء والمفكرين، سنجد انها بدأت بمايسمى بالفكرة والتأمل البسيط الذي تطور ليصبح حقيقة في المستقبل (كعلوم الطيران والفضاء والتحكم عن بعد، وجميع الابتكارات والصناعات الدقيقة)، فالخيال العلمي الواسع هو ليس امرا غريبا او خارج المنظومة الفطرية الكونية، انما هو اساس التفكير النظري العلمي، الذي يمكنه ان يشرح او يوضح للناس حقيقة الخلق والتكوين، ونشأة او بدايات تكون الحضارات والاساطير القديمة، والاديان والطوائف والمعاجز، وحركة وتطور المجتمعات الانسانية، وطبيعة حياة الكائنات الاخرى واسرارها، واسباب الانقراض والهجرة لقسم منها، ومعرفة مواقع النجوم والكواكب والمجرات بالنسبة للارض، وتأثير تغير المناخ والبيئة على الحياة الانسانية، الخ.

ان العصر الحالي هو عصر دراسة الفضاء الخارجي المحيط او القريب من الارض نسبة للمجرات البعيدة الغير مكتشفة، وهذا يعني ان العقلية او الفكر الانساني العلمي بدء مرحلة جديدة من البحث والاكتشاف، وهي في طور التكون كحضارة خاصة بعلوم وتكنولوجيا الفضاء التي يمكن اعتبار انها جاءت بعد مرحلة الحضارة الالكترونية او التكنولوجية، فالقوى والامم العظمى اليوم تتسابق فيما بينها في مجال العلوم والاكتشافات الفضائية، مما يتطلب من الدول النامية او الناشئة التي تعتقد ان مجرد الحصول على التقنية النووية او الذرية كافية للدخول في موسوعة او منظومة الدول القوية المتقدمة علميا وعسكريا، ان تبدا مرحلة الدخول الى حضارة تكنولوجيا الفضاء، من خلال انشاء مراكز البحوث والدراسات الفضائية...

الخيال الانساني العلمي او المنطقي او المعرفي هو اساس الفكر والابداع والابتكار والاكتشاف، يشعر الانسان المفكر او العالم ان كل ماموجود في الكون هو نتاج خيال علمي ينزل من السماء الى الارض كالمعجزة..

 

مهدي الصافي

 

علي رسول الربيعيإنً محاولة اقامة مقاربة- رابطة بين الإسلام والحكم بدون الألتفات الى ان محاولة الربط هذه فيما يمكن أن تكون عليه العلاقة تلازمية تبدو ربطاً لا يتقوم بهذه الصورة ولا يستقيم بهذا المعنى. إنه يتعاطى مع الطرفين بطريقة أيديولوجية استغراقية ناضحة عن عقلية قروسطية في نظامها الأبستمي- المعرفي المستدعى الى الحاضر. السؤال ماذا يعني الإسلام اليوم؟ فكأن "الإسلام" يتأول ويمر باوضاع تمعينية دائماً في مسارالتجربة التاريخية وأثرالمتلقين بإختلاف مراحلهم واوضاعهم التاريخية، مما يدفع الى أهمية الإعتراف بتاريخية ونسبية النتاج الفكري للعقل الإسلامي. فالإسلام اليوم لا تتعين معرفيا حدوده بالتمسك بمقولات اللاهوت ـ الكلام وإتجاهاته الكبرى، ولا حتى الفقه وأصوله القائمة على آليات النظام المعرفي القروسطي؛ وبالتالي فأن كان في مرحلة ما تلازما بين الإسلام والحكم فليست تلك المرحلة الماضية حاكما على الحاضر، الراهن، المختلف.

يتطلبَ الدور الكبير الذي يمارسه الدين في الفضاء العمومي للمجتمعات في السياق الإسلامي، في العقود الأخيرة، إعادة النظر في هذا الدور من قبل علماء الدين والمختصين في العلوم الاجتماعية. فلا يزال يتعين على المناقشات الدستورية معالجة دور القناعات والقيم الدينية في تطوير المؤسسات الديمقراطية لضمان الحريات والحقوق الأساسية في البلدان ذات الغالبية المسلمة.

بدأ من خلال التطبيق أن هناك عائق أساس أمام إرساء الديمقراطية ألا وهو الطريقة التي يتم بها ممارسة دور القيم الدينية والإصرار على التوحيد العقائدي /اللاهوتي، وهذا ما يقف حائلاً من تطوير شعور شامل بالمواطنة. لاسيما إذ أصر الفقهاء والزعماء الدينيون على جعل الشريعة الإسلامية، المصدر الرئيس لتعريف الحريات والحقوق في الدستور. في حين من المَسلَم أن الشريعة تقتصر على فقه الأحوال الشخصية للمسلم فقط، كما بدا أيضًا مصدر قلق كبير من الطريقة التي تُحدِد بها صياغات الشريعة التقليدية الحقوق الاجتماعية والسياسية. والأهم من ذلك، ما تتطلبه الطبيعة التعددية الدينية للجماعات في السياق الإسلامي أن يضع المَشرِع في اعتباره ليس فقط العلاقات بين المذاهب أو الطوائف، بل بين الأديان أيضاً. لذا أصبحت الحاجة إلى البحث في دور القيم الدينية مسألة ملحة وراهنة.

إن التحدي الذي يواجه المجتمعات في السياق الإسلامي اليوم هو الاعتقاد الراسخ بين المسلمين ذوي التوجه الديني: بأن الأسلام دليل شامل لحياة الإنسان ويجب ألا يكون موجها ومرشدا ودليلاً فقط بل يجب أن يحكم دولة حديثة ذات أغلبية مسلمة. هل يمكن أن نتصور بأن هناك من بين المصادر الكلاسيكية التقليدية الموروثة ما يمكن استثماره لإنشاء الدولة/ الأمة في الوقت الراهن؟! استكشف هنا إمكانية تصور هذا الأعتقاد الديني في ضوء الظروف المتغيرة التي تدير فيها الدول الحديثة شؤونها. من أجل القيام بذلك، سأتناول المصادر الأساسية للخطاب السياسي الإسلامي في السياق الذي شكل فيه هذا الخطاب الأسس السياسية للإمبراطورية الإسلامية.

إن تأمّلاتي حول المصادر التأسيسية مثل القرآن والمصادر التقليدية الأخرى التي تحظى باحترام كبير من قبل المسلمين ستوفر لي الفرصة لتقديم أطروحتي حول الحكم الديمقراطي القائم على نوع من العلمانية الوظيفية ــ سوف أعود إلى هذه العلمانية في وقت لاحق ــ لكن أؤكد من البداية أنني لا أفرض هذا المفهوم على التقاليد الإسلامية، فقد تم الاعتراف بفصل السلطات القضائية واستقلاليتها عن السلطات السياسة في ما يتعلق بالمعاملات بين البشر (بدلاً من الفصل بين الكنيسة والدولة في الغرب) في قانون الإسلام المقدس: الشريعة الإسلامية.

تكشف قراءة التفاعل بين الدين والتاريخ في الإسلام عن ذاك التطور التاريخي للتقاليد الإسلامية، وعلى عكس التصورات الحديثة الدينية أو العلمانية عن دور الدين، التي كانت مصدراً لمشروعٍ عامٍ قائمٍ على مبدأ التعايش، ويعترف (أو يُقر) بالحرية للجماعات الدينية الأخرى أن تحكم ذاتها في مايتعلق بإدارة شؤونها الداخلية في ظل نظام سياسي ديني واجتماعي شامل. فمن بين جميع الديانات الإبراهيمية المستندة إلى الروح التوراتية لتشكيل ثقافتها العامة، كان الإسلام منذ نشأته أكثرَ وعيًا بجدول أعمال الناس الدنيوية، مؤمنًا بعالمها واشتراطاتها.

نَظمَت الشريعة الممارسة الدينية بهدف الحفاظ على حقوق الفرد والجماعة. وتعامل نظامها الشامل مع الالتزامات التي يؤديها البشر كجزء من علاقتهم بالله والواجبات التي يؤدونها كجزء من مسؤوليتهم الشخصية. ومنها الحفاظ على النظام العام للعبادة، والتعامل الأقتصادي، وكافة مجالات التفاعل البشري. كما تعتبر الشريعة الإسلامية المعاملات الاجتماعية كافة قائمة على معيار سلوكي أخلاقي مع إنفاذ القانون من خلال الأخذ بعين الاعتبار ما يظهر علناً أو يُمارس في المجال العام. فلا تملك المحاكم الإسلامية ولاية قضائية على الأفعال الشخصية الخاصة، ما لم يحدث انتهاك للحق العام، وأذا حدث مثل هذا الأنتهاك حينئذ يتم محاكمة القائمين بتلك الأفعال من قبل القضاء دون تحقير.[1]

إن السؤال في سياق البحث عن المبادئ الإرشادية التوجيهية لمجتمع مدني، هو ما إذا كانت الجماعة في السياق الديني/ الإسلامي تتمكن من قبول فكرة أن الجماعات الدينية الأخرى لها وجود مستقل، وحق حكم ذاتها فيما يتعلق بشؤونها الداخلية والأحتكام الى شريعتها؟. هذا هو الجانب الأكثر تحديًا في التزام المرء الديني المؤثر على النظام العام. النقطة الأساس التي تتطلب لفت النظر هي ما إذا كانت الجماعات الدينية مستعدة للأعتراف ببعضها البعض على أنها متساوية روحيا ولها نفس المكانة اللاهوتية، ويحق لكل منها الألتزام بطريقها الخاص للخلاص. ففي ظل نظام ديمقراطي تعددي، يعتمد الإجماع السياسي في الفضاء العمومي على حق ممارسة كل جماعة شعائرها الدينية.

أتعامل، هنا، مع التعددية الدينية بأنها تعني الاعتراف بالقيم المدنيًة البديلة التعويضية عن التقاليد الدينية المتنافسة. فمن المتوقع أن تتعارض المعتقدات والقيم الأساس لمجتمع واحد مع قيم آخرين؛ وهنا يتخفى احتمال الصراع والعنف، ما لم يتم التعبير عن التعاليم الدينية لكل فئة متلازمًا مع الحكمة العملية الضرورية المطلوبة للسلم في الفضاء العمومي وهي الأحتكام الى القوانين المحايدة دينياً.

إن المشكلة الأساسية التي تنعكس في الصياغة الكلاسيكية للهوية السياسية الإسلامية، هي الاستبداد الديني القائم على ادعاء خصوصية استبعادية، تتعارض مع الروح العالمية التي تنشأ مع الديمقراطية التي تعترف بالتعددية الدينية. ينبثق جوهر التعددية الديمقراطية من احترام حقوق الإنسان لغير المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات في السياق الإسلامي. كافح المفكرون والاجتماعيون المسلمون والكثير من المؤمنيين الإسلاميين منذ بداية القرن الماضي، من أجل اثبات قدرة الإسلام على بناء مجتمع سياسي يتخطى الحدود التقليدية بين المؤمنين وغير المؤمنين، مما يسمح للكرامة الإنسانية بأن تكون المعيار الوحيد للاستحقاقات الاجتماعية والسياسية.

قدم الإسلام، منذ ظهوره لأتباعه رؤية معياريًة مُنظِمة للأمة أو الجماعة المؤمنة به، تقودها إلى حياة مثالية. هذه الرؤية لها علاقة بإمكانية وجود نظام حكم عادل في المجال العام، من شأنه تشكيل هوية مسلمة للناس الذين "يخضعون" بإيمان لإرادة الله كأعضاء في مجتمع بشري. وهي في المقام الأول إمكانية أعمار الأرض لحياة مجتمع متعدد الثقافات ومتعدد الأعراق محوره الله وتسنده الرؤية القرآنية للعلاقات بين الناس.

من المهم التأكيد على أهمية الخطاب المعياري القرآني الكوني الذي يخاطب كل البشر: يأيها الناس فيدعو الإنسانية إلى الاستجابة لطبيعتها الفطرية الأصلية القادرة على التمييز بين الحق والباطل أو الصواب والخطأ. وأنه لا يمكن لأي إنسان يتمتع بالعقل أن يفشل في فهم هذه اللغة الأخلاقية. والأهم من ذلك، كونه مصدرًا للتوحيد يتخطى الخلافات الدينية، إن هذه اللغة تحدد التوافق الضروري بين التوجيه الأخلاقي الذي يتعلق بالحياة الخاصة والضمير الفردي، والتوجيه العالمي الشامل. وبالتالي، فإن القرآن يربط البشرية طبقاً لأستعدادها الطبيعي، ليس فقط لتكون على بينة من معنى الحقانية والعدالة ولكن أيضا لتحقيق إرادتها على الأرض.

لا يمكن لأي إنسان في أطار هذا الأسلوب العالمي، إذن، أن يدعي الجهل بالمعنى الأخلاقي المميز بين الخطأ والصواب؛ مما يترتب على ذلك أنه لا يمكن لأحد أن يفلت من الأحكام الإلهية ويتهرب من قانون العدالة على الأرض.

يسمح القرآن لغير المؤمنين به بأن يكونوا بمعية الآخرين في مجال الأخلاق، حيث أن المعرفة الطبيعية للخير والشر تجعل الظلم بأي شكل غير مبرر و لايغتفر. وبغض النظر عن كيفية تقسيم الأديان للناس، فإن الخطاب الأخلاقي يركز على العلاقات الإنسانية في بناء نظام عادل للناس كافة. ويزودنا بعلاقات إنسانية على المستوى العام كإطار عمل لتوافق الأديان أو الثقافات الأخرى من حيث "نحن" و "هم". فيصبح تعريف الذات الإسلامية قابلاً للفهم ومتاحًا لغير المسلمين من خلال وصف هذه الذات المفاهيمي للآخر. يقع مثل هذا الوصف للآخر غير المسلم في مجال الشريعة، وهو مجال النشاط الديني والأخلاقي القائم على الوحي.

إنَّ الشريعة القرآنية بوصفها تعبيرًا عن المسعى الإنساني لتنفيذ الإرادة الإلهية على الأرض هي في الواقع مطابقة للاعتقاد بأن الإيمان هو أداة للعدالة. يخلق التساوق بين الشريعة والإيمان في حياة الفرد إحساسًا بالمسؤولية الكبرى لتحقيق العدالة من أجل مصلحته. وعندما يتم عرض هذا التساوق على الحياة الجماعية للمجتمع أيضاً، فإنه يؤدي إلى الأمن والنزاهة والسلام لاجتماعي.

فالسلام إذن، هو الاعتقاد المترجم إلى عمل. ولا يكفي أن نؤمن بالعدالة لتحقيق السلام. إذ السلام هو نتيجة الحفاظ على العدالة في كل مرحلة من مراحل العلاقات بين البشر. بينما يؤدي فصل الشريعة عن الإيمان إلى عدم الالتزام بالعدالة الذي يؤدي بدوره إلى الفوضى والعنف وحتى إلى الحرب. ومن هنا، فإن الوصفة الإسلامية المعيًارية لتجنب المذابح بين البشر هي الأستجابة لوحي الله، الذي يدعو إلى علاقة مخلصة مع الله و علاقات إنسانية صادقة. بعبارة أخرى، يصبح الخضوع لإرادة الله نوعًا من قنوات خلق العدالة والإنصاف والحفاظ عليهما على الأرض. في نهاية المطاف، ترتكز رؤية الإسلام المعياري للعلاقات بين الجماعات المتنوعة على مشاركتها في الاهتمام الأخلاقي الديني عبر المساواة، والسلام، والعدالة.

لكن في غير هذه الرؤية المعيارية نلاحظ أن التفاعل بين هذا الإيمان والتاريخ لم يرسِخ رؤية مشتركة عن المساواة الروحية بين الأديان. لقد أدى هذا الفهم من عدم المساواة الروحية، في الواقع التاريخي المشخص، عند جزء كبير من المسلمين إلى عدم التسامح، بل الى استبعاد الآخر حتى من العلاقة الإلهية – الإنسانية. لا يمكن أن تتصور مثل هذه العقيدة أو اللاهوت الدوغمائي الحصري مجتمعًا بشريًا عالميًا إلا تحت الهيمنة الإسلامية. ويصبح تفسير التقاليد الإسلامية، أداة لتعزيز السلطة السياسية "الإسلامية" على الأمم الأخرى.إنَّ الإصرار على الاتفاق بخصوص مسائل العقيدة، في مجتمع متنوع الملل، كشرط مسبق للتنظيم الاجتماعي يمثل تحدياً كبيرًا ومشكلة معقدة. والحل الذي تقدمه النظرية الليبرالية العلمانية هو: لايأتي الحكم ذو الكفاءة والفاعلية من الأشتراك في العقيدة، بل من نظام سياسي يجسد ويتقبل مبدأ التعددية الدينية.

لا يتطلب حل النزاعات بين الناس دعم بعض المعتقدات الدينية؛ فهي اختلافات في مسائل الإيمان غير قابلة للتوفيق. ولكن ذلك لا يعني أنهم لا يستطيعون مشاركة رؤيتهم عن مجتمع مستقبلي مستوحى من الإيمان الديني. ووفقاً لهذا النمط من التفكير الذي تحافظ عليه الليبرالية السياسية، لا يمكن الوصولالى الأحكام المستندة إلى الأخلاق الدينية أو يتعذر بلوغها لأن بعض المقدمات الأساسية التي تكمن وراء هذه الأحكام لا تخضع للقبول العام أو لأثباتات مقنعة يمكن الوصول إليها بواسطة العقل العمومي".[2]

بوسع الأديان عموما بما تحتله من مكانة في الضمير أن تنشر الثقة بالحياة والمسامحة والتضامن، أن تلعب دورًا هامًا على الصعيد النفسي وتنمي التجدد الروحي وأن تكون سنداً للهوية المنفتحه على الآخر. وفي هذا السياق تتضمن الأديان الإبراهيمية من بين مذاهبها اللاهوتية مفاهيم عن العدالة الإلهية ومفاهيم عن الأخلاق الإنسانية حول المسؤولية الفردية والجماعية لتعزيز النظام الأخلاقي العمومي. فلدى التقاليد الإبراهيمية بشكل عام، والإسلام على وجه خاص، الكثير للمساهمة في خطاب حول استصواب إدراج حجة دينية عالمية تدعو إلى التعاون الإنساني في تأسيس نظام عام عادل. ونحن كمسلمين لديَّنا مسؤولية مواجهة التحدي المتمثل في الحاجة الى التقييم النقدي لأوجه عوائق تبني مبادئ حقوق الانسان، وعدم المساواة بين الرجال والنساء، وتجاهل التجارب الإنسانية، وإعادة تأكيد القيم الإنسانية في سياق إسلامي، وإعادة التوازن للاعتبارات الأخرى مثل المصلحة الوطنية، وغيرها من الأولويات والتقاليد.[3] بالإضافة إلى إجراء تقييم نقدي للفكر والممارسة الإسلاميَين الحاليَين لإثبات "إمكانية الوصول" لتفسيرات دينية تسـاهم في تطوير " أجماع متداخل" أو متقاطع ، طبقا لراولز، ضروري في مجتمع ديمقراطي لأغراض الحكم الرشيد.

أنَّ هدف الوحي هو توجيه البشر، أي أنْ يكون مرشدا ودليلا لطريق الهداية الروحية والأخلاقية، لا نظاما لحكهم، فلا يقدم القرآن نظرية سياسية إلهية للحكم. ولايمكن للإسلام وهو دين كوني لكافة البشر في كل زمان ومكان أن يُوظَف من قِبل جماعة بشرية في زمان ومكان محدد كوسيلة أويديولوجيا للوصول ألى السلطة، نعم قد تكون هناك صلة ما بين الإسلام والسياسة ولكن بمعنى القيم الكونية الكبرى التي تأتي من خلال أطر نظرية تأسيسية كبرى.[4]

اعترف الإسلام صراحةً بالأرضية القيميًة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب، وبأن اليهود والمسيحيين غير محرومين من الخلاص ومن ثم لا يوضعون في منزلة أدنى في حالة عدم تحولهم الى الاسلام.[5] لم يشعر المسلمون الأوائل، خلافاً للمسيحيين الأوائل، بالحاجة إلى تأسيس هويتهم الاجتماعية والسياسية والدينية على حساب مجتمع آخر.[6] كما أنهم لم ينظروا إلى الناس، كنظرة اليهود حين اعتبروا أنفسهم جماعة مختارة بشكل فريد لتلقي التوجيه والرعاية الإلهية في عالم خالي من ذلك. رأى المسلمون جماعتهم واحدة من بين العديد من الجماعات الدينية ذات الإرشاد الإلهي. وقد نص القرآن على ذلك (المائدة الآية 48)، أي باعتبار المسلمين، كغيرهم من الطوائف الدينية الأخرى، كائن اجتماعي مستقل بذاته وله قوانينه الخاصة لأعضائه.

 

د. علي رسول الربيعي

.....................

[1]Joseph Schacht, An introductory to Islamic Law (Oxford: Clarendon Press, 1964), 189-190

يناقش مراقبة الإجراءات في المحاكم الإسلامية : "لا يمكن اتخاذ أي إجراء دون مطالبة. ويقتصر هذا المبدأ على اختصاص القاضي في اتخاذ إجراءات في أمور الرفاه العام... ليس إلزاميًا تقديم طلب للقاضي... طالما لم يتقدم أي طرف للقاضي لايتخذ القاضي اي إشعار ". 

[2] Kent, Greenawalt, Religious Convictions and Political Choice (New York: Oxford University Press, 1988),68. 

[3]إنها ليست مهمة سهلة لضمير أي مفكر مسلم في العالم الإسلامي أو في الغرب للقيام بهذه المهمة الحرجة دون تعريض حياته للخطر. إن التعصب الذي أبدته المؤسسة الدينية في بعض البلدان الإسلامية ، والذي يشعرهم بالتهديد من التقييم العقلاني للنصوص الدينية في سياقها التاريخي في الجامعات ، أجبر هؤلاء العلماء على التخلي عن دينهم . والمسؤولية الأخلاقية لمجتمعهم. في بعض الحالات ، أُجبر هؤلاء العلماء على النزول تحت الأرض وطلب اللجوء في الغرب. وكما هو معروف ، فقد واجه الأكاديميون اليهود والمسيحيون ، في المرحلة الأولى من دخولهم في عالم الفحص والنقد الأكاديمي ، رد فعل مماثل من السلطات الدينية والجمعيات الدينية في جميع أنحاء العالم. بالنسبة للمسلمين بشكل عام ، فإن الدراسة الأكاديمية للإسلام هي ظاهرة جديدة تسبب لهم الشعور العميق بعدم الأمان تجاه إيمانهم فيكون رد فعلهم قوي وعنيف ضد أي شيء يبدو أنه يتحدى نظام المعتقدات التي طالما اعتنقوها.

[4] حول كونية الإسلام ولايمكن أن يوظف للأحاطة بالجماهيلا للوصول الى السلطة ، وأن صلة الإسلام بالسياسة ترتبط بالواسطة النظرية البعيدة، أنظر الطروحات المهمة التي قدمها: المرزوقي، ابو يعرب في: 1- شروط نهضة العرب والمسلمين ، دار الفكر المعاصر، بيروت،2001. 2- وحدة الفكرين الديني والفلسفي، دار الفكر المعاصرن بيروت، 2001. الوعي العربي في قضايا الأمة، دار الفرقد، دمشق، 2006. صوناً للفلسفة والدين، دار الفرقد، دمشق،2007. 

[5]Karl-Josef Kuschel, Abraham: Sign of Hope for Jews, Christians and Muslims (New York: Continuum, 1995),190. 

[6]MarkR.Cohen,UnderCrescentandCross:TheJewsintheMiddleAges(Princeton:PrincetonUniversityPress,1997),26;MarcelSimon,VersusIsrael:ASh1dyofRelations Between Christians and Jews in the Roman Empire (AD 135--425) (New York: OxfordUniversityPress,1986),especiallychapter3.

 

منى زيتونعلى غلاف العدد الأخير من صحيفة In Touch Weekly الأسبوعية، ظهرت صورة للأمير ويليام حفيد الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، وصورة أخرى لزوجته الأميرة كيت، مع عنوان صادم عن أسوأ كوابيس الأميرة؛ بخيانة زوجها لها، التي اكتشفتها مؤخرًا، وفقًا لما أوردته الصحيفة.

نشرت الصحيفة القصة الكاملة لما زعمت أنه خيانة الأمير ويليام لزوجته كيت ميدلتون، مع إحدى صديقاتها، والتي بدأت عندما كانت كيت حاملًا في ابنها الأخير لويس. لكن يبدو أن الزوجة المخدوعة تأكدت من شكوكها فقط في الشهر الماضي.

وأشارت التقارير الصحفية أن ويليام لا يظهر عليه الشعور بالذنب، بل ولم يعترف! ونفى لكيت أنه خانها كما تعتقد. ولست محققة قانونية معنية بتحري صحة الواقعة، ولكن كان هذا الخبر لافتًا؛ فالأمر أعم من أنه ابن الأمير تشارلز الذي خان أمه الأميرة ديانا في شهر العسل، واستمر في خيانته لها طيلة سنين زواجهما؛ إذ أنه بالرغم من أن الرجال عبر العالم وعبر التاريخ لديهم استعداد طبيعي لزوغان العين، لكن الملاحظ أن التبجح المصاحب للخيانة قد زاد مرة أخرى في العصر الحديث، بعد أن كانت قد تقلصت نسبته منذ منتصف القرن العشرين، مواكبًا لدعاوى احترام المرأة والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق التي سادت في تلك الحقبة.

كثيرًا ما تغضب النساء مني، وتتهمنني بانحيازي للرجال في كثير من القضايا الاجتماعية التي أناقشها في مقالاتي. وحقيقةً فإنني ربما كنت أرى النساء أكثر احتمالية لاستخدام أساليب اللف والدوران والتوقيع والكيد وغيرها من خبائث الأساليب الاجتماعية، لكن فيما يخص الخيانة الزوجية، فإنني أرى النساء أكثر إخلاصًا، ولا وجه للمقارنة بينهن وبين الرجال، بل وليت الرجال يكونوا في معشار قدر إخلاصهن، وليس هذا تحيزًا مني للنساء. وصدق من قال: إن الرجل قلبه كحبة الرمانة تسع ألف من الأحبة، إنما المرأة عندما تحب رجلًا يستحيل أن تطرف عينها على رجل غيره، بل هي تعمى عن غيره حتى لو كان خائنًا متمرسًا في الخيانة! ومن وجهة نظري، فهذا من حكمة إباحة التعدد للرجال دون النساء؛ فالله خالقنا وهو أدرى بخلقه. وليس هذا الأخير موضوع نقاشنا هنا على أي حال.

وخلاصة رأيي أنني أرى الخيانة الزوجية أكثر شيوعًا في الرجال، فقد نجد نساءً خائنات لأزواجهن، وأغلبها خيانة غير جسدية –وهذا ليس تبريرًا مني لهن-، لكن كم النسبة؟ كما أنني أرى أن مسئولية الرجال عن الخيانة أكبر في أغلب الحالات من مسئولية النساء، وهذا ينطبق عبر العالم وباختلاف الثقافات.

أحد الأصدقاء المُصر على تعادل مسئولية الرجال والنساء في أمر الخيانة، احتج على كلامي قائلًا: دائما يُذكر الرجال عندما يأتي الحديث عن الخيانة؛ ولكن أين النساء من هذا المعترك؟! وهو هنا لا يقصد خيانة زوجة لزوجها، فهو يعترف أنها نادرة ولا تُقاس أعدادها بأعداد حالات خيانات الرجال المتزوجين لزوجاتهم، بل يقصد المرأة الطرف الثالث التي تمت معها الخيانة من رجل متزوج. من وجهة نظر الأخ العزيز فإن هناك إسهامًا متبادلًا وخفيًا بين النساء والرجال في سقطة الخيانة.

بدوري أرى أن النساء اللاتي تتم الخيانة معهن بعضهن من نوعية الباحثات عن منفعة من الرجل، وهن من يُطلق عليهن فئة "المصلحجية"، سواء كانت المصلحة هدايا أو خدمات تُقدم لهن، وبعضهن صائدات رجال ساعيات في خراب البيوت العامرة، وكلا هاتين الفئتين من النساء هن من تبدأن بالمبادرة ومحاولة لفت وجذب انتباه الرجل، الذي دائمًا ما يكون رجل ناجح وصاحب مركز اجتماعي ومادي مرموق.

 لكن النسبة الأكبر من النساء اللاتي ينخرطن في علاقات خيانة لسن أكثر من ساذجات، لم يكن يعلمن بالأساس أن الرجل متزوج أو خاطب أو مرتبط، وهذا رأيته في كثير من الحالات. وبعض الرجال الخونة أيضًا يوهم الساذجة بأنه في طريقه للانفصال، أو أنه يريد أن يتزوجها مع الإبقاء على زواجه البائس الذي لن ينهيه حرصًا على الأطفال أو حرصًا على رضا أمه التي لا تريده أن يطلق الأولى التي لا يحبها ولم ينجب منها بعد، أو أن ما يؤخر ارتباطه بها هو ضيق ذات اليد وأنه ينتظر فرصة ما لتحسين دخله أو للسفر إلى الخارج ليتزوجها ويأخذها معه. وفي كثير من البلاد العربية لا زال الزواج الثاني شائعًا ولا مشكلة فيه. ولو اجتهدت لحصر مختلف الحالات التي اطلعت عليها، والأسباب المتنوعة التي يطلقها الرجال الخونة لخلق علاقات خارج إطار الزواج، لأعياني الحصر، وكأن الواحد منهم لا يكتفي بأن تكون له ضحية واحدة وهي زوجته، فيخونها مع خائنة على شاكلته، بل يُصر على أن تكون له ضحيتان!

إذًا فالمسألة نسبية، ولكن مساهمة الرجال في القضية تكون بالنسبة الأكبر، بدليل أن الرجل الخائن تتكرر منه الخيانة مرارًا، وليس منطقيًا أن الله يجعل في طريقه دائمًا نساء متلاعبات! وقطعًا هذا ليس دفاعًا عن المتلاعبات.

إن المرأة يستحيل أن تخون رجلًا تحبه ولو خطب ودها ملك، فعندما تحبك امرأة لن ترى غيرك، وربما لهذا كانت الخيانة أصعب وقعًا على الرجل لأنها تعني له أنه لم يكن مخدوعًا فقط في عفة زوجته، بل ومخدوع في استشعاره حبها له، بينما المرأة تعرف أن عيون الرجال طوامح، والرجل أكثر استعدادًا للخيانة مع اختلاف درجاتها، ولا يمنعه حبه لزوجته عن خيانته إياها! ونزوات الرجل لا تنفي حبه، ففي قلبه متسع لأخريات! وربما لهذا تكون النساء أكثر استعدادًا للمسامحة والغفران بعد فترة من حدوث الخيانة، عندما يعود لها الرجل، وبراءة الأطفال في عينيه، لتبدأ معه الحوار رافضة عودته بـ "أيظن أني لعبةٌ بيديه؟" وفي النهاية تحن إليه وتقول: "ما أحلى الرجوع إليه!".

ومن الملاحظ لي أيضًا أن الزوجة ذات الشخصية القوية تميل لإلقاء الذنب على الرجل أكثر من المرأة التي شاركته الخيانة، بينما المرأة الضعيفة –وأكثرهن كذلك- تميل إلى تحميل المرأة التي شاركت زوجها خيانته لها الذنب، صابة جام غضبها عليها وحدها! حتى وإن كانت تعلم أن زوجها معتاد الخيانة، وليست هذه سقطته الأولى.

وربما كانت هذه السلوكيات من قِبل النساء آثار غير مباشرة تسهم في تكرار حالات خيانة الرجال.

 

د. منى زيتون

 

فخري مشكوريقوم العلم التجريبي على رفض القبول بالافكار المسبقة والاعتماد على الواقع المحسوس في اكتشاف الحقائق والحصول على المعلومات.

ولأجل ذلك وضع العلماء قواعد العمل في العلم التجريبي ليكون منهجاً في البحث العلمي، وصار هذا المنهج أساساً لا للقيام بالبحوث العلمية فقط بل للتحقق من المعلومات المتوفرة واختبار صحتها ايضاً.

يُستخدم المنهج التجريبي في العلوم المادية كالفيزياء والكيمياء والاحياء، كما يستخدم ايضا في العلوم الانسانية كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم التاريخ.

يقوم المنهج التجريبي على الانطلاق من الواقع للوصول الى النتائج وذلك بالعمل على مراحل متتالية يجب طيّها جميعاً للوصول الى الحقائق التي تصبح في النهاية نظريات أو قوانين صالحة للتطبيق على الحالات المماثلة.

يمر البحث العلمي بالمراحل التالية:

الملاحظة: وهي مشاهدة الواقع الملموس باستخدام الحواس الخمسة (السمع والبصر واللمس والشم والذوق). وغالباً ما تستخدم التقنية لتقوية الملاحظة فيستخدم التسلكوب لتقوية البصر، والمكرفون لتقوية السمع....الخ. ويبغي ان تكون الملاحظةُ فاحصةً ودقيقةً وذكية لكي توصِلَ الى العقل ما يستحق الدراسة.

الفرضية: بعد ان تصل الى العقل ملاحظة أو مجموعة ملاحظات مصدرها الواقع يبدأ العقل في وضع فرضية لتفسير هذه الملاحظات. أي يضع العقل تفسيراً أولياً مشتركاً يكشف عن سبب هذه الظواهر.

التجربة (اختبار صحة الفرضية): في هذه المرحلة تصمم تجربة (أو تجارب) قائمة على الفرضية، لاختبار صحتها أي قدرتها على تفسير الظاهرة موضع الدراسة.

النظرية: اذا استطاعت الفرضية تفسير عدد كبير من الظواهر تصبح نظرية.

 القانون: أما اذا استطاعت الفرضية تفسير جميع الظواهر فان الفرضية تصبح قانونا.

تلك هي باختصار مراحل البحث العلمي التجريبي.

***

فيما يلي سوف نقوم بتطبيق المنهج التجريبي على قضيتين يتعلقان بشجرة تفاح:

 في التطبيق الاول يحاول المنهج التجريبي ان يكتشف سبب سقوط تفاحة على الارض،

وفي التطبيق الثاني سوف يحاول المنهج ذاته  الكشف عن سبب وجود الشجرة على الارض.

في التطبيق الاول سنرى كيف يؤدي المنهج التجريبي الى اكتشاف الجاذبية.

وفي التطبيق الثاني سوف نرى كيف يقودنا المنهج التجريبي الى اكتشاف وجود الله.

التطبيق الاول للمنهج التجريبي: اكتشاف الجاذبية

كيف توصل العالم الفيزيائي الشهير اسحاق نيوتن الى قانون الجاذبية؟

لقد كان نيوتن جالساً تحت شجرة تفاح يتأمّل العالَم  تأمُّلً العالِم. فجأةً سقطت من الشجرة تفاحة فوقعت على الأرض.

درس نيوتن سقوط التفاحة مروراً بالمراحل التالية:

المرحلة الاولى: الملاحظة

كان سقوط التفاحة على الارض هي الملاحظة التي اثارت انتباه نيوتن.

سأل نيوتن نفسه السؤال التالي:

لماذا وقعت التفاحة على الارض؟ لماذا لم ترتفع الى الأعلى نحو السماء؟ او – على الاقل – لماذا لم تبقَ التفاحة معلّقةً في الهواء؟

 

في مرحلة الملاحظة كان دور الحواس هو الأول.

الحواس هي الوسيط بين الواقع والعقل.

الحواس تمثل دور القناة التي نقلت الملاحظة من الواقع الى العقل... العين رأت التفاحة، الأذن سمعت صوت سقوطها.

الحواس نقلت الى العقل ما احسته في الواقع.

المرحلة الثانية: الفرضية

الحواس الخمس هنا لا دور لها. لقد انتهى دور الحواس بنقل ما حصل في الواقع الى العقل؛ والباقي على العقل.

هنا بدا العقل يعمل. على العقل ان يفسر ظاهرة سقوط التفاحة على الارض (وعدم ارتفاعها الى الاعلى أوعدم بقائها معلّقة في الهواء).

عقل نيوتن قاده الى فرضية مفادها: ان قوةً ما هي التي جذبتها الى الاسفل لذلك اتجهت التفاحة باتجاه القوة ولم تصعد الى الاعلى، ولم تقف في مكانها. لقد ادرك وجود هذه القوة من خلال آثارها.

العلماء يدركون الاشياء من خلال اثارها، ولو اعرضوا عن الآثار وتمسكوا بالمشاهدة العينية لاصطدم العلم بصخرة تحطّمُ رأسه وتوقف مسيرته.

لم يقل نيوتن - كما يقول الجاهلون بالمنهج العلمي-: " انني لا ارى هذه القوة، ولا اسمع صوتها، ولا المسها بيدي، ولا اشمها بأنفي، ولا اذوقها بلساني؛ فهي اذاً غير موجودة " بل قال: " ان سقوط التفاحة يدل على وجود هذه القوة وإن لم أرها ".

ثم فكّر اكثر لمعرفة مصدر القوة فقال له عقله: لابد ان تكون هذه القوة موجودة في الارض، لأنها تسحب الاشياء نحو الارض.

وفكّر نيوتن أكثر فاسعفته ذاكرته (وليست حواسه) بأن كل شيء سبق ان لاحظه يسقط انما كان يتجه في حركته الى الارض.

بتجميع الملاحظات التي وصلته من الحواس حول الاجسام الساقطة قاده العقل الى صناعة الفرضية التي تقول:

[لابد ان تكون في الارض قوة تجذب الاجسام اليها].

ثم انتقل الى المرحلة التالية

المرحلة الثالثة: اختبار الفرضية

بقي نيوتن عدة سنوات يوسّع ملاحظاته ويصمم تجارب للتثبت من صحة فرضية الجاذبية التي وجد انها لا تختص بالارض فقط بل تشمل كل الاجرام السماوية.

بعد إجراء التجارب وجد ان الفرضية صالحة لتفسير ظاهرة سقوط الاجسام نحو الارض.

ثم انتقل الى المرحلة التالية:

المرحلة الرابعة: وضع النظرية

 بعد ان وجد ان الفرضية نجحت في تفسير عدد كبير من الظواهر في الواقع وفي التجارب التي اجراها ادرك عقله (وليست حواسّه) ان فرضية الجاذبية تصلح ان تكون نظرية.

تحولت  الفرضية الى نظرية

المرحلة الخامسة: القانون

ولما وجد نيوتن – وبعد بمزيد من التجارب وتحليل الآثار- ان هذه النظرية تنطبق على كل الحالات تحولت النظرية الى قانون، وهكذا اصبح لدينا قانون الجاذبية.

***

مما تقدم نستنتج نقطتين في غاية الاهمية:

النقطة الاولى: ان الحواس تنقل الى العقل ظواهر، وأن العقل هو الذي يقوم بتحليلها والتوصل الى الحقائق. اي ان العقل صاحب الدور الحقيقي وليست الحواس الا قنواتٍ تنقل الواقع وظواهره الى العقل.

والدليل على محورية العقل وعدم محورية الحواس هو: ان الظاهرة الواحدة تجد تفسيرات مختلفة عند الناس مع انها في مرحلة الحواس واحدة، اي ان الجميع شاهد سقوط التفاح على الارض لكن عقل نيوتن - لاعقلَ باقي الناس - هو الذي توصل من هذه المشاهدة الى قانون الجاذبية.

كما ان الحواس قد تخطئ ويتدخل العقل لاصلاح الخطأ ومعرفة الحقيقة التي فشلت الحواس في نقلها بأمانة (كما في ظاهرة السراب التي تنقلها العين على انها ماء لكن العقل لا يصدق العين، وكما في رؤية الشمس تتحرك من المشرق الى المغرب لكن العقل يقول ان الارض هي التي تدور حول نفسها فيتراءى للحواس ان الشمس هي التي تتحرك).

النقطة الثانية: ان بعض التفسيرات العلمية لا تصل الى درجة اليقين بل تبقى في اطار النظرية التي تنتظر اكتمال العمل عليها حتى تصبح قانونا. وهذا امر طبيعي في مسيرة العلم التي لا تتوقف.

هذا يعني انه ليست كل نظرية علمية صالحةً لبناء أحكامٍ قطعيةٍ عليها، بل علينا ان نفرق بين النظرية وبين القانون.

النظرية تشبه "جواز السفر الموقت" او "الهوية قيد الدرس"؛ تُستخدم موقتاً للضرورة ريثما تكتمل التحقيقات ويستحق حاملها جواز السفرالدائم او الهوية الدائمة.

وقد يتطور العلم فيكتشف ان كثيرا من نظرياته لم تكن صحيحة؛ مثال ذلك: كان العلماء يعتقدون بأنه لا يمكن للاجسام ان تسير بأكثر من سرعة الضوء، وبقي هذا الاعتقاد سائداً وراسخاً اكثر من خمسين سنة، لكن العلم اكتشف لاحقاً انه بالامكان تجاوز سرعة الضوء وذلك في تجربة حديثة جدا اطلق فيها جسيم سار باعلى من سرعة الضوء.

 

التطبيق الثاني للمنهج التجريبي: اكتشاف وجود الله

سنحاول هنا ان نطبق قواعد العلم التجريبي على مسألة الايمان بالله لنعرف هل يثبت وجود الله بطريقة تجريبية ام لا؟

وسوف نستخدم – لهذا الغرض- نفس المنهج والمراحل التي استخدمها نيوتن وأدت به الى اكتشف قانون الجاذبية لنرى صلاحية العلم التجريبي لاكتشاف وجود الله.

كما قلنا في القسم الاول من المقال: تبدأ عملية الوصول الى الحقيقة من الواقع وتمر في المنهج التجريبي بالمراحل التالية:

الملاحظة

الفرضية

اختبار الفرضية

النظرية

القانون.

لنبدأ كما بدأ نيوتن حين لاحظ سقوط التفاحة ووصل اخيرا الى قانون الجاذبية:

 المرحلة الاولى: الملاحظة

نلاحظ ان شجرة التفاح فيها جذور تمتد في الارض وتثبّتها لكي تحمل ثقل الجذع والاغضان والاوراق والثمار.

ونلاحظ ان الجذور تقوم بامتصاص الماء والاملاح من التربة وترسلها الى الاوراق عبر الساق والاغصان

ونلاحظ ان الاوراق تحمل مادة الكلوروفيل الخضراء لتقوم بوظيفتنين: احداهما تخدم البيئة اذ تصنع الاوكسجين وتطلقه للهواء لكي يتنفسه الانسان وباقي الاحياء، والثانية صنع الغذاء للشجرة نفسها، وللانسان لاحقاً.

ونلاحظ ان ازهار شجرة التفاح تتفتح في فصل الربيع وتتكون من اعضاء ذكرية واخرى انثوية في نفس الزهرة

ونلاحظ ان الرياح والحشرات تقوم بنقل حبوب الطلع من الاعضاء الذكرية الى الاعضاء الانثوية في الزهرة فتتكون الثمرة

ونلاحظ ان الثمرة لها وظيفتان: توفير الغذاء للانسان، وتوفير البذور التي تضمن تكاثر شجرة التفاح وبقاء نسلها من خلال امكانية زرع البذور للحصول على شجرة تفاح جديدة.

ويلاحظ ان كل شيء في الشجرة يجري وفق نظام معقد ودقيق، وأن هذا النظام شمولي يحكم كل شجرة تفاح في الارض، وأنه يمتاز بالديمومة والتكرارية، ويمتاز كذلك بالحفاظ على نفسه، ويمتاز كذلك بالمقاصدية، او تحقيق هدف ذكي او اهداف ذكية مقصودة.

المرحلة الثانية: وضع الفرضية

لتفسير ظاهرة نظام الشجرة يبدا العقل بالعمل ليعرف:

هل وراء نظام الشجرة قوة ذكية وقديرة ؟ ام لا؟

يضع العقل فرضيتين:

الاولى: فرضية الصدفة التي تقول: ليست هناك قوة ذكية وقديرة خططت للشجرة ان تقوم بهذه الوظائف.

الثانية: فرضية التصميم الذكي التي تقول:إن هناك قوةً ذكيةً وقديرةً خططت للشجرة ان تقوم بهذه الوظائف.

المرحلة الثالثة: اختبار الفرضية:

يقوم العقل باختبار الفرضيتين كليهما ليرى ايهما اقدر على تفسير مجموع الملاحظات حول شجرة التفاح.

يبدأ بالفرضية الاولى (فرضية الصدفة) فيبحث عن امكانية نشوء نظام مشابه او مقارب لنظام الشجرة بطريقة الصدفة.

يبحث في الانظمة التي صنعها الانسان فلا يجد نظاما يمكن ان يظهر بطريق الصدفة....كل الادوات والاجهزة التي يصنعها الانسان لا تصنع بالصدفة بل بالذكاء والقوة..كل ما صنعه الانسان يعبر عن تصميم وارادة وتفكير وابداع....من الفأس والرمح الى المحراث الى العجلة....الى السفن الفضائية..لا شيء يمكن صناعته بدون ذكاء وقوة وعلمٍ وإرادة.

يدقق في الاحداث العشوائية فلا يجدها الصدفة قادرة على ان تصنع دائرة هندسية واحدة، فضلاً عن صناعة نظام متطور معقد.

يلجأ الى التجربة ليرى هل يمكن للصدفة ان تصنع نظاما بأبسط اشكال النظام؟

يدرس تجربة القرود التي قام بها المجلس الوطني البريطاني للفنون لاكتشاف امكانية بروز قصيدة من قصائد شكسبير بطريق الصدفة حيث وضع ستة قرود في قفص فيه كومبيوتر وترك القرود تضرب عشوائياً على لوحة المفاتيح لمدة شهر طبعت القرود خلالها خمسين صفحة جرى فحصها بدقة فكانت النتيجة ان الصفحات الخمسين تخلو من كلمة واحدة ذات معنى..ولو كلمة من حرفين مثل: ان، أو، يا، ما....الخ فعرف ان الصدفة لا يمكن ان تصمم نظاماً مهما كان بسيطا.

وسأل الرياضيات عن احتمال بروز نظام بطريق الصدفة فقالت له الرياضيات انه لو وضع عشرة قطع معدنية مرقمة في كيس وحاول سحبها بالترتيب لكي تظهر متسلسلة من الواحد الى العشرة فانه يحتاج الى عمليات سحب مقدارها 10 مرفوعة الى القوة العاشرة، اي عشرة وامامها عشرة اصفار.

اما اذا اراد ان يكون جزيئاً بروتينيا واحداً عن طريق خلط عشوائي للعناصر المكونة له فان احتمال تكوين هذا الجزيء تبلغ 10 مرفوعة الى القوة 243  اي عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة، وهو احتمال يساوي الصفر في علم الرياضيات. وقالت الرياضيات ايضاً: انه يحتاج لاجراء هذا العدد من عمليات الخل العشوائي مواد اولية اكبر مما تحتويه الكرة الارضية. ولو تحقق له ذلك – على سبيل الفرض- فسوف يحصل على جزيء ميت لا حياة فيه.

عرض الامر على نظرية التطور فوجد ان نظرية التطور – لو صحّت- فلا يمكنها تفسير النظام القائم فعلاً بنظرية الصدفة، ولا تفسير النظام الذي قام في الخلية الاولى بنظرية الصدفة كذلك، لأن الرياضيات ترفض بروز هذا الاحتمال العشوائي، ولأن ابسط جزيء حي يحتوي من التعقيد ما يفوق بملايين المرات احتمال طباعة قصيدة واحدة لشكسبير بالضرب العشوائي للقرود على لوحة الحروف مهما طال الزمن.

***

يقوم العقل بمحاولة اخرى لفحص امكانية قيام نظام بطريق الصدفة.

يقوم بفحص ما حول الشجرة...يلتفت يمينا ويساراً فيجد خلف شجرة التفاح عمود اضاءة في الحديقة. يتفحص العمود جيداً فيراه مصنوعاً من معدن ومطلياً بدهان لمنع الصدأ وموصولاً بسلك كهربائي اخفي بداخله لحمايته من بلل المطر وحرارة الشمس.

فكّر في احتمال بروز هذا العمود الى الوجود بطريقة الصدفة وبدون تخطيط وارادة من الفريق الفني الذي نصبه فيها.... رأى ان من المستحيل ان يبرز هذا العمود بسبب تراكم صدف في اكوام حديد ملقاة قرب الحديقة، والتفاف اسلاك نقلتها الرياح من سلة مهملات، وانسكاب بقايا علبة دهان القى بها دهّان وهو يطلي مقاعد الحديقة، وسريان التيار الكهربائي من صاعقة ضربت المنطقة فاستطاع العمود ان يتلقف الكهرباء منها ويحتفظ بها....وسرح في الخيال فوجد ان التفكير بظهور عمود كهرباء ميت عن طريق الصدف العشوائية المتراكمة هو نوع من الجنون ولا يليق بعاقل ان يفكر فيه.

عاد بنظره الى شجرة التفاح ليقارن بينها وبين عمود الاضاءة، وسال نفسه: ايهما اعقد نظاماً وارقى تطوراً ؟ العمود الميت ام الشجرة الحية التي تثمر كل عام وتتكاثر وتخدم الانسان والبيئة ؟

هل يستطيع ان يقول ان الشجرة تنشأ عن طريق تراكم الصدف العشوائي ، بينما لا يمكن للعمود ان ينشأ بنفس الطريقة ؟

توصل الى النتيجة التالية:

[لا يمكن ان ينشأ اي نظام مهما كان بسيطاً من تراكم صدفة عشوائية، بل ينشا النظام بالعلم والقوة والقصد والارادة]

***

يبدأ بفحص الفرضية الثانية: فرضية التصميم الذكي

يجد ان فرضية وجود قوة ذكية قادرة تمتاز بالعلم والارادة يكفي لتفسير لنظام الشجرة ولكل الانظمة الاخرى التي يراها الانسان في الوجود، وهي ايضا فرضية صالحة لتفسير كل نظام صنعه الانسان سواء في عالم الصناعة ام في عالم المجتمع و الاسرة والقضاء والادارة...لا يوجد نظام بدون علم وقدرة و تصميم ذكي.

 

***

يقارن بين الفرضيتين فيستبعد فرضية الصدفة لانها عاجزة عن تفسير النظام في اي شيء، ويختار فرضية التصميم الذكي لقدرتها على تفسير النظام في كل شيء.

ينتقل الى المرحلة الرابعة

المرحلة الرابعة وضع النظرية

يضع النظرية التي تقول:

[ ان نظام الشجرة صنعته قوة عالمة قديرة ارادت للشجرة ان تقوم بدور خدمة الانسان و البيئة وان توفر الغذاء للبشر، وان تعيد انتاج نفسها عن طريق التكاثر، وان هذه النظرية تصلح ايضا لتفسير كل الانظمة الموجودة في الكون والتي لم يصنعها الانسان بل نراها في الطبيعة].

***

لكنه لا يصل بالنظرية هذه الى مرحلة القانون قبل ان يحد اجابة على اسئلة جديدة هي:

 صحيح ان النظام يسود كل اجزاء الكون، وعلى هذا الاساس تعمل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا؛ لكننا نجد ايضا جوانب من النظام الكوني لا وظيفة لها ولا معنى، مثال ذلك: الزائدة الدودية في الانسان، والصخور والاحجار في بعض جوانب النظام الكوني، والكثير من المواد الموجودة في الارض اوف الكواكب مما لا وظيفة له ولا فائدة، فاذا كان موجد النظام هو خالق حكيم فلماذا وجدت اشياء لا حكمة وراءها؟

 ان وجود الظلم والشر والألم في الحياة يدل على عدم وجود رحمة ولا نظام يحفظ للضعيف حقه ويمنع القوي من القضاء عليه، وهذا واضح في الغابة التي يفترس بعض حيواناتها البعض الاخر، او في المجتمع البشري الذي تسوده الحروب والصراعات وتسلط الاشرار الاقوياء على الاخيار الضعفاء...فاذا كان هناك اله رحيم قادر على نصرة المظلومين فلماذا لا يفعل ذلك.

اذا كان هناك اله خلق كل شيء فمن خلق هذا الاله؟ ولماذا يشذ الخالق عن حاجته الى من خلقه؟ لنقل ان هناك خالقاً خلق الاله وهذا ايضا له خالق، فما المشكلة في التسلسل الى ما لا نهاية؟

كيف أؤمن باله غيبي لا يمكن اثباته باستعمال الحواس الخمسة؟

***

يتوصل العقل بعد فحص هذه الاسئلة الى النتائج التالية:

 اننا حين حاولنا تفسير ظاهرة النظام توصلنا الى فرضيتين ثنتين لا ثالث لهما: فرضية الصدفة، وفرضية التصميم الذكي. ورفضنا نظرية الصدفة لعجزها عن تفسير اي نظام مهما كان بسيطا. ولم يبق لنا الا القبول بالفرضية الوحيدة الباقية وهي فرضية التصميم الذكي، فاذا رفضنا نظرية التصميم الذكي (بسبب عدم تفسرها لعدد محدود من الحالات) فالبديل هو نظرية الصدفة التي لا تفسر شيئا على الاطلاق. ولا يوجد عالم يترك نظرية فيها بعض جوانب الغموض ويلجأ الى نظرية تعجزعن تفسير اي مفردة من الظواهر محل الدراسة.

من الناحية العلمية عندما تتوفر لدينا الاف الادلة على صحة نظرية معينة فيها بعض الغموض؛ لا يُقدم اي عالم ولا (متعلم) على نفي النظرية بسبب بضعة شواهد على خلافها ويترك الاف الشواهد على صحتها. ان طلبة الجامعات في شتى الفروع يواجهون في بداية رحلتهم العلمية ما يتصورونه اخطاءً واضحة في المصادر العلمية المعتمدة بسبب عدم تعمقهم في ذلك الاختصاص، لكنهم يكتشفون بالتدريج ان الخلل في فهمهم المبتدئ لا في المصارد العلمية.

في الجزء الكوني من الحالات الشاذة (وجود اشياء لا وظيفة لها ): لأن مسيرة العلم لم تتوقف وانها مستمرة في الكشف عن اسرار الكون وقوانينه فلا يجوز لأحد ان يعتبر نفسه قد ملك العلم المطلق الذي يفسر كل شيء. فكم من الاشياء التي كانت تبدو بلا فائدة ثم ظهرت فوائدها؟ هل كان الانسان قبل القرن العشرين يعرف فائدة اليورانيوم مثلاً؟ وماذا نقول للذي نظر الى مناجم اليورانيوم قبل قرن من الزمان وحكم على عبثية وجودها؟.... لابد اذاً من التوقف عن الموقف غير العلمي في نفي فوائد ما لا تُعرف فوائده وترك الامر الى مسيرة العلم في الاجيال القادمة لتكتشف ما عجز عنه الجيل الحالي.

في الجزء الاجتماعي من الاسئلة والمتعلق بمشكلة الشر والألم والظلم: علينا ان نبحث في الاجابة على هذه الاسئلة بعقل مفتوح لا يستبعد ان تكون هذه الظواهر من جملة النظام الاجتماعي القائم على ضرورة التنوع وأهمّية الصراع بين الخير والشر في خطة وضعها المصمم الحكيم للحياة تقضي بمنح حرية العمل لكل البشر في مرحلة اولى ثم تأتي مرحلة ثانية يُكافأ فيها المظلوم ويجازى فيها الظالم...ما المانع من ذلك علمياً في تخطيط الخالق؟  وهل اذا خلت الحياة من الصراع او من الشر سوف تكون الحياة سعيدة وهانئة؟ ام سوف تتجمد الحياة عندما تتوفر للناس كل ما يريدون بلا معاناة ولا صبر ولا كفاح؟

 ان سؤال من خلق الخالق ينطوي على مغالطة، فالخالق غير المخلوق، ولو كان مخلوقاً لما كان خالقاً. الخالق ازلي لا اول له ولاخالق له. واذا قال الملحد انه لا يمكن ان يكون الخالق ازليا نقول له: اذا كانت المادة الفاقدة للعقل والارادة ازلية، فلماذا ترفض ان يكون الخالق المتصف بالعلم والارادة ازليا؟ لابد ان يكون هناك موجود أزلي لم يُخلق، اما الله او المادة، فأي الاحتمالين اقرب للعلم والعقل؟

يصعب على البعض ان يقبل بفكرة استحالة التسلسل حين يسأل عن من خلق الخالق ولا يقبل استحالة التسلسل في وجود خالق. ان العقل السليم يرفض فكرة التسلسل في الخالق الى ما لا نهاية، ويقبل فكرة خالق لا خالق له هو مصدر الوجود ولا وجود قبله. هذه الفكرة يمكن ببساطة شرحها عن طريق مصدر العملة...المال الذي في جيبك اخذتَه من رب العمل وهذا اخذه من الزبائن وهؤلاء اخذوه من غيرهم وغيرهم  اخذها من غيرهم....الخ. هل يمكن ان يستمر هذا التسلسل الى ما لانهاية؟ طبعاً لا، فلابد ان ينتهي الامر الى المصرف المركزي الذي اصدر العملة ولم يأخذها من احد، فكذلك الخالق هو المصدر النهائي للوجود الذي لم يأخذه من احد.

على فرض عدم الاقتناع بهذه الاجوبة، فهل يجوز لنا الرجوع الى فرض الصدفة الذي لا يفسر لنا اي نظام على الاطلاق؟ ام الموقف الصحيح هو القبول بالتصميم الذكي الذي يفسر لنا القسم الاكبر من الظواهر ونبحث لاحقا في تلك الاسئلة في مظانها وعند اهلها؟

ان التوصل الى معرفة الخالق لا يتم بطريقة غيبية، بل بطريقة علمية تجريبية كما شاهدنا وكما توصل نيوتن الى معرفة الجاذبية.

***

نخلص من هذا البحث الى النتيحة التالية:

يمكن التوصل الى وجود الله بالطريقة العلمية التجريبية وذلك باتباع نفس المراحل المقررة في المنهج التجريبي ودون الحاجة الى اي عناصر غيبية.

كل ما في الامر اننا يجب ان نفكر في انظمة السماوات والارض ونطوي مراحل الملاحظة ثم الفرضية ثم التجربة ثم النظرية ثم القانون.

ان في خلق السماوات والارض لآياتٍ لقومٍ يتفكرون.

 

د. فخري مشكور

 

قبلَ الخوضِ في هذا الموضوعِ الحَيَوِيِّ، لابُدَّ من تحديدِ المُصطَلَحاتِ، وَفَرزِ الالفاظِ . الفلاسفةُ طَرَحَوا ثَلاثَةَ مُصطَلَحاتٍ وهي: الواقعيات، الاعتباريات، والوهميات. وقالوا: اِنَّ مهمةَ الفلسفةِ التمييزُ بينَ هذهِ الامورِ الثلاثة. فماذا تعني هذهِ المفردات؟

والجوابُ هو:

1- الواقعيات او الحقائق: هي تلكَ المفاهيمُ التي لها مصاديقُ واقعيَّةٌ في الخارج.

2- الاعتباريّات: هي المفاهيمُ التي ليسَ لها مصداقٌ واقعيٌّ في الخارج ولكنَّ العقلَ يَعتَبِرُ لها مصداقاٌ . ومثال الاعتباريات: لو شَكَّلَ الفُ جنديٍّ فوجاً، فالواقعيُّ هو الجنودُ الالفُ الذين تَشَكَّلَ منهم الفوجُ امّا الفوجُ نفسه فهو اعتباريٌّ لامصداقَ لهُ في الخارجِ ولكنَّ العقلَ يعتبرُ له مصداقاً.

3- الوهميّات: وهي الادراكاتُ الذهنيَّةُ التي لامصداق لها اطلاقاً لافي الخارج ولافي الاعتبار.

الاعتبارياتُ وَتَشَكُّلُ الدُّوَلِ

هل يمكنُ ان تَتَشَكَّلَ الدُّوَلُ على اساسِ الامورِ الاعتباريّةِ، من قبيل ان تقوم الدولةُ على اساسِ القبيلةِ؟ القبيلة مُنَظَّمَةٌ تقومُ على اساس الاعتباريات، تقومُ على اساسِ النَّسَبِ، ومَقامُ المَشيَخَةِ يتُّمُّ تَوارِثُهُ، وافرادُ القبيلة يرتبطونَ بعضهم ببعضٍ بلحمة النسب . القبيلة لايمكن ان يكون في افرادها عناصر خارج القبيلة ... فهي كيان مغلق على افرادٍ مرتبطينَ نسبياً.. ويقابلُ منظمةَ القبيلةِ منظمة المجتمع المدني، التي تحاول الابتعاد عن الاعتباريات والاقتراب من الواقعيات، فهي مُنَظَّمَةٌ مفتوحةٌ، وافرادها متنوعون دينيا وعرقياً ومذهبياً، تجمعُهُم وتوحدُّهم قضيةٌ مشتركةٌ .

القبيلةُ ساهمت في الدفاعِ عن الاوطانِ، كما في ثورة العشرين، وساهمت في حل مشكلاتٍ كثيرة عجزت الدولةُ عن حلها، ولها دورٌ هامٌ في السلمِ الاهليِّ .

الدولةُ لايمكن ان تقومَ على اساسِ القبيلة؛ لانها لاتقومُ على اساسِ الاعتباريّات، وانما يجب ان تُؤسسَ على اساس الواقعيات، واذا اقيمت على اساس الاعتباريات فستكون دولة مُشّوَهة.

في بعضِ الدولِ، هناك مفاهيم استعلائية للمواطنة، وفي بعضها يتُمُّ التمييزُ بين المواطنين وتقسيمهم الى درجات . في اسرائيل يتُمُّ التمييزُ بين اليهود من اصلٍ شرقيٍّ (السفارديم) واليهودِ من اصلٍ غربيٍّ (الاشكيناز) .

اسرائيلُ دولةٌ قامت على اساس (الوهميات) . قامت على اساس اوهام . وهناك كتابٌ الَّفَهُ المفكر الفرنسيُّ روجيه غارودي، اسماه: (الاساطيرُ المُؤَسِسَةُ لدولةِ اسرائيل)، فشعب الله المختار، وارض الميعاد، والحق التاريخي، اوهام قامت عليها هذه الدولة .

العنصرية من الاعتباريات التي قامت عليها دولة جنوب افريقيا السابقة، والتي لاتستندُ على ايِّ اساسٍ علميٍّ، وكذلك الامرُ مع دولة هتلر النازية في المانيّا، فافضلية الجنس الاريِّ لم تستند على اي اساسٍ علميٍّ وواقعيٍّ، وانما قامت على اعتباريات، وانتهت هذه الدولُ ؛ لانهُ لامستقبلَ لها .

تجاوزت الدولة الحديثة كلَّ الاعتباريات، واتجهت نحو الحقائق والواقعيات، اقامت كياناتها على اساسِ المواطنة، والمواطنةُ مفهومٌ عابرٌ لِلّونِ والعنصرِ والقبيلةِ وكلِّ الامورِ الاعتباريّةِ .المواطنةُ مفهومٌ مَدَنِّيٍّ في الدولة المدنيّة، وحضاريٍّ في الدولة الحضاريّة، يتجاوزُ القبيلةَ والعنصرَ، واللغةَ والدينَ والطائفةَ .

الدول الاوربية حينما كانت تعيش على اعتبارياتها، كانت مسرحاً للحروب بين القبائلِ والاثنيّاتِ والقومياتِ، وكانت تسفكُ على اراضيها انهارٌ من الدماء، وحينما اقتربت من الواقعيات بنت دولها الحديثة على مفاهيم جديدة واقعية، بنت دولها على العلم والحقائق والارقام.

داعش اسست دولتها على الاعتباريات والاوهام، فتبنت مقولات ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب باعتبارها حقائق، تقتل الناس على اساسها، وتقطع الرؤوس، وتجلد، وتصادر الحريّات .

الدولة المدنية تجاوزت الاعتباريات، واقتربت من الواقعيات ... والدولة الحضارية اعلى انموذجِ بَشريّ للدولة يَتُمُّ فيه تجاوزُ كل الاعتباريات، واقامة الحياةِ على اساسِ الحقائقِ والارقامِ والواقعياتِ.

 

زعيم الخيرالله

 

ظل خطاب إصلاح التعليم في المغرب منذ الاستقلال وإلى الآن، هو الخطاب الأكثر تداولا في دهاليز السلطة وصالونات النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية، ومنتديات نساء ورجال التعليم،  وفضاءات الطبقات الشعبية.

فإصلاح التعليم الذي أقيمت له عشرات المؤتمرات والندوات والملقيات، وسطرت له العديد من المشاريع والمخططات، واختيرت له كثير من اللجان، حتى عد من الأولويات الإستراتيجية للدولة بعد الوحدة الترابية.

هذا التعليم الذي حضي بكل هذا وصرفت عليه الملايير من الدراهيم، بقي وضعه سيئا كما كان وربما أسوأ، ينتج البطالة والعطالة كما هو ظاهر للعيان، ولا يلبي حاجات الدولة من الأطر التقنية والمتخصصة كما تدعي، ولا يجيب على الأسئلة الحارقة لتنمية أصبحت تقوم على اقتصاد المعرفة أكثر من نوع آخر، ولا يلبي طموحات الشعب في النجاح وتحسين الوضع المادي والترقي الاجتماعي.

وعليه نتساءل كما يتساءل كثير من صناع الرأي والفكر في بلادنا:

هل إصلاح التعليم في المغرب مشروع استراتيجي للدولة، نابع من قناعة واعية ورغبة صادقة في تطوير المنظومة التعليمية باعتبارها رافعة للتنمية والتقدم؟ أم أن المخططات والمشاريع الإصلاحية كما تقول هي مجرد تكتيكات تسعى إلى ربح الوقت وخلط الأوراق وتعميق الأزمة وتعميمها، للإبقاء على الوضع كما هو مهلهلا، تلبية لرغبة جهات داخلية وخارجية مستفيدة من هذا الفشل التعليمي والتربوي؟.

معظم المعطيات والتقديرات والتحليلات تذهب إلى أن الدولة ونخبها الحاكمة، لا تريد إصلاحا حقيقيا لمنظومة التربية والتعليم رغم إدراكها العميق لنقط ضعفها وأسباب فشلها، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في تقرير الخمسينية، وتقارير المجلس الأعلى للتعليم وخاصة تقرير 2008، وذلك لاعتبارات كثيرة نذكر الواضح والصريح منها:

- التغيير المستمر وغير المفهوم لوزراء التعليم ببلادنا، حيث وصل عدد وزراء التعليم منذ الاستقلال (1956 م) إلى الآن إلى32  وزيرا بمعدل وزير كل 22 شهرا، وهذا دليل واضح على غياب الإرادة السياسية للإصلاح،  فهل يعقل أن يتم إصلاح قطاع التعليم أو أي قطاعا آخر بمثل هذه التغييرات المستمرة والمفاجئة في كثير من الأحيان.

- تعدد محاولات الإصلاح وتنوعها؛ حيث وصلت منذ الاستقلال إلى اليوم إلى 14 محاولة توزعت بين مخططات ومناظرات وبرامج ولجان ملكية...

- التسرع في تنزيل سياسة التعريب رغم عدم توفر شروط نجاحها، مما عجل بفشلها أو بالأحرى إفشالها ليتم التراجع عنها سريعا، ويستقر الأمر على تعريب التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والإبقاء على التعليم العالي مفرنسا في الشعب العلمية والتقنية،وهو ما خلق حالة ازدواج في لغة التدريس لا مثيل لها في كل التجارب التعليمية في العالم،  فكانت النتيجة المباشرة هي مغادرة عدد كبير من المتعلمين للجامعات  لأسوار الجامعات دون الحصول على أي شهادة.

- ازدواجية السياسة اللغوية والتعليمية في مسالة اللغة، بين لغات وطنية رسمية (العربية والأمازيغية) مهمشة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والتعليمية والبحث العلمي وفي الفضاءات العامة والخاصة، ولغة أجنبية (الفرنسية) تحظى بالأولوية في كل القطاعات والمجالات.

- الخلط المتعمد بين لغات التدريس وتدريس اللغات، وبين لغة الهوية ولغات الانفتاح، وتجاهل أن لغات الوطن أيا كانت درجة تطورها، هي اللغات التي يجب أن تكون لغات التدريس في كل التخصصات بما فيها  العلمية والتقنية، بينما اللغات الأجنبية هي لغات للانفتاح على اللغات والثقافات الأخرى. وهناك دول لا تصل لغتها إلى مستوى اللغة العربية من حيث حمولتها الحضارية وعدد الناطقين بها كالسويدية والهولندية والبولونية ومع ذلك نجد السويدي والبولوني والهولندي يعلم ويتعلم بلغته ويعتز ويتشبث بها، وفي نفس الوقت يتعلم اللغات الأجنبية الأخرى التي تساعده على الانفتاح.

- غياب تخطيط لغوي يحدد وظائف اللغات وأدوارها في ظل تعدد لغوي غير حقيقي رغم واقعيته، لأنه من مخلفات السياسة الاستعمارية.

- سن نظام العمل بالعقدة في مجال التدريس رغم غياب شروط ضمان الحريات والحقوق، مما يهدد الأمن الوظيفي والاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسين، مما سينعكس تلقائيا على مردوديتهم وفاعليتهم التربوية والتعليمية.

هذه العناصر وغيرها، تدل بوضوح تام على غياب الإرادة السياسية لدى الدولة ونخبها الحاكمة في إصلاح قطاع حيوي لا بديل عنه في أي نهوض أو تنمية محتملة.

هذا الفشل لمنظومة التربية والتعليم في بلادنا له مظاهر متعددة، من بينها:

- احتلال المغرب للمرتبتين 119 و111 من أصل 137 على التوالي في جودة النظام التعليمي وجودة مؤسسات البحث العلمي.

-  الضعف المهول للبنية التحتية في كثير المؤسسات التعليمية وخاصة في المجال القروي وشبه القروي يصل إلى حد غياب المرافق الصحية.

- انتشار ظاهرة الاكتظاظ في التعليم العالي والتعليم الثانوي والإعدادي، والأقسام المشتركة في التعليم الابتدائي، رغم المجهودات التي بذلتها الدولة في السنوات الأخيرة.

- ضعف ميزانية البحث العلمي؛ حيث لا تتعدى 0.8  بالمئة من الناتج الداخلي الخام، في حين تصل مثلا إلى: 4 بالمئة في كوريا، و4.7  بالمئة في إسرائيل، و3  بالمئة في تركيا... .

- ضعف أو غياب توظيف التكنولوجيات الحديثة في التدريس، رغم الشعارات التي رفعتها الوزارة الوصية على القطاع.

- غياب الإنترنت عن معظم المؤسسات التعليمية، وخاصة في العالم القروي.

كل هذه الأمور وأخرى، أبقت التعليم الذي كان على مدى التاريخ محركا للنهضات الحضارية والثورات العلمية والفكرية، غارقا في فشله وتخلفه، مكرسا للتبعية اللغوية والثقافية والاقتصادية...كمظاهر للتقهقر الحضاري الذي تعيشه الأمة بشكل عام وبلادنا بشكل خاص.

 

بقلم: د. بوجمعة وعلي

أستاذ باحث في اللغة والمجتمع- المغرب