منى زيتونمقالي اليوم سأحاول أن أضع فيه خلاصة خبرتي ومشاهداتي فيما يخص الأثر السلبي للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي في تربية الذكور في مجتمعنا.

لعل من الملحوظ للجميع زيادة أعداد المتفوقين من الإناث عن أقرانهم من الذكور بدءًا من المرحلة الإعدادية، وتزيد الأعداد كلما ارتقينا في المرحلة الثانوية، ثم تتزايد أكثر في المرحلة الجامعية، مما يعني أن عددًا متزايدًا من الذكور يخرج من ركب المهتمين بأمر التعليم عامًا تلو الآخر. والظاهرة ملحوظة منذ سنوات، ولا شك أن لها أسبابًا كثيرة سأحاول اليوم التركيز على أحدها مما لم يُوجه الانتباه له من قبل الباحثين.

تزامنت ظاهرة ضعف اهتمام البنين بالتعليم مع تدرجهم في مراحله مع ظاهرة أخرى وهي تكثيف الأمهات الضغط التنافسي على أبنائهن وبناتهن في المرحلة الابتدائية، وكثرة حديثهن عن الدرجات الكاملة full marks التي يحصلون عليها، وضرورة أن يكون الطفل هو الأول على أقرانه، حتى صار الأمر مظهرًا من مظاهر تفاخر النساء مثله مثل كثير من المظاهر التافهة التي استشرت في المجتمع دون قيمة حقيقية لها.

هذه الظاهرة لم تكن موجودة حتى قريب، فلم ألحظها في أمهات جيلي إلا قليلًا. أما الجيل السابق على جيل أمهاتنا فكن لا يفتحن كتابًا مع طفل ليتعلم، بل يُترك العبء في تعلمه عليه وعلى مدرسيه بالمدرسة، ونادرًا ما كان الطفل يُعطى درسًا خصوصيًا للتقوية.

لم تكن الدرجات بالنسبة للأجيال القديمة لها نفس القيمة التي تُعطى لها في عصرنا، وكان الأوائل بل النابغون تنقص درجاتهم كثيرًا عن الدرجات النهائية، ومع ذلك كانوا يُحصّلون علومهم جيدًا، ولم يكن أحد حتى أوائل الثانوية العامة يحصل على درجات نهائية. لم يكن أحد يأمل بها من الأساس أو يبحث عنها.

ومع مرور الزمن، تواتر اهتمام الأمهات المدفوع بحمى الدروس الخصوصية على تدريب الأبناء على تجاوز الاختبارات والحصول على درجات مرتفعة فيها، مع علمهن أنهم لم يُحصِّلوا من العلم ما يتفق وتلك الدرجات. ومنذ بدأ الاهتمام المبالغ به بالدرجات لوحظ التراجع المتواتر في مستوى التعليم، وتراجع أعداد من لديهم رغبة حقيقية ذاتية في الاستمرار به، وليس بضغط من المجتمع.

ولا أكتب اليوم لأقارن مستوى التحصيل قديمًا وحديثًا، فلا يخفى على بصير ما آل إليه مستوى خريجينا، ولكنني أكتب لألفت النظر لتأثيرات تربوية أكثر خطورة لتلك المستويات المرتفعة من التنافسية في التحصيل، ومعاتبة الطفل على نقصان نصف درجة، والاهتمام المبالغ فيه بترتيب الطفل على فصله وبين أقرانه، وأكثر من تضرر من تلك التصرفات غير الواعية كانوا الأطفال الذكور.

واقع الحال أن الأمهات –خاصة- والآباء لا يعوون تأثيرات الضغط على الطفل ومعاتبته على أي نقص في التحصيل الذي تعبر عنه درجاته، حتى وإن بدا لهن أنه قد حصّل علومه بشكل جيد، وعليه فإن أول التأثيرات التربوية الخطيرة التي خلّفها ذلك الوضع هو شعور الطفل الذكر بأنه فاشل دراسيًا، ومن ثم نفوره من التعليم والتحصيل عندما يدخل في المراهقة وترتفع سلطة الأبوين عنه رويدًا رويدًا.

ولمزيد من التوضيح، فإنه بمقارنة الماضي بالحاضر، نجد أن أمهات الماضي كن يتركن أطفالهن يدرسون ويتعلمون دون تدخل سوى بالتعزيز عند النجاح، فنشأ جيل يُقدر المسئولية والعلم، ويُقدر ذاته ويعلم حجم ومستوى كفاءته، والأهم أنه يعلم أنه غير فاشل، وبإمكانه النجاح وحده، أما أمهات اليوم فيحشرن أنفسهن في تدريس أبنائهن ويؤدين بعض المهام عوضًا عنهم –خاصة النشاطات المدرسية- ويصررن على الطفل أن يحصل على الدرجات النهائية وأن يكون الأول، فيفشل في ذلك لأنه لا يوجد غير فرد واحد بإمكانه الحصول على هذا المركز في كل فصل بمدارسنا، ولأنه لم يحقق ما أرادته منه أمه فحتى درجاته المرتفعة وترتيبه العالي لا يشعرانه بأنه ناجح، ويتعاظم إحساسه بالفشل ويكره المدرسة والتعليم لذلك، ويفقد اهتمامه به، والمؤسف أن هؤلاء الأمهات لا يفهمن أنهن قد تسببن في خراب جيل بأكمله، وأن النصف درجة والدرجة والدرجتين بل والثلاثة لا وزن لها ولا قيمة قياسًا بشعور الطفل أنه ناجح وتقبله لنفسه.

والغريب أن كراهية التعليم تبدأ بسبب رفع سقف التنافسية بين الأقران، ولكن مرور الأطفال –خاصة الذكور- بنفس الحالة تكون سببًا في تقاربهم؛ إذ تدفعهم عندما يكبرون إلى تكوين جماعات لها أنشطة غير تعليمية، يشكل وجودها في حياة المراهق الذكر دعمًا اجتماعيًا له بإزاء الضغط المقابل من الأسرة للاستمرار في التعليم والنجاح فيه، والذي يتزامن مع تراجع طموحات الأبوين كثيرًا وكفهم عن الحديث عن الدرجات النهائية والأمل بها.

أما عن سبب تأثر الذكور تحديدًا بشكل أكثر من الإناث برفع سقف التنافس مع الأقران، فيرجع في نظري إلى عاملين، العامل الفسيولوجي المتمثل في تأثير هرمون الذكورة المتزايد في نهاية مرحلة الطفولة مع اقتراب الطفل من مرحلة المراهقة ثم دخوله فيها، والعامل الاجتماعي المتمثل في ضعف السلطة الأبوية على الذكور بدءًا من المراهقة بدرجة أكبر بكثير مما يكون عليه الحال مع الإناث.

ويمكن القول إن الإناث لا يستطعن الانفلات من ضغط الأسرة ويستمررن في الاهتمام بالتعليم مكرهات رغم معاناتهن الأكيدة من الشعور بالفشل مثلما هو الحال لدى الذكور، ولكن تتحول المشاعر السلبية المتخلفة عن هذا الأسلوب غير التربوي إلى التحاسد والتغاير من القرينات. والأمر لا يخلو من إضمار المراهقين الذكور أيضًا لمشاعر سلبية تجاه من استمروا بالاهتمام بالتعليم من أقرانهم، ولكنهم يجدون عوضًا فيما يتلقونه من دعم اجتماعي من جماعات النشاط التي يندمجون فيها حتى لا يكاد يصبح للأسرة تأثير عليهم مقارنة بها، ولا تتُاح للإناث عادة في مجتمعنا نفس الدرجة من الحرية للمشاركة في نشاطات شبيهة وبنفس القدر.

والآن لنأتي إلى الأثر الأسوأ للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي لدى الأطفال، والذي سيكون صادمًا للقراء. هذا الأثر هو الإلحاد‏!‏

كلنا يلحظ زيادة أعداد الملحدين والمتشككين من المراهقين والشباب في مجتمعاتنا، وأغلبهم أيضًا من الذكور، ولكن لا يلحظ أغلبنا أثر التنافس التعليمي في الصغر ودفع الطفل لأن يكون الأول على أقرانه بكل وسيلة، وأن يحصل على الدرجات النهائية دائمًا وأبدًا، في زعزعة ثقته في وجود الله.

ما يحدث ببساطة أن الطفل بعد أن يبذل كل ما في وسعه لأجل تحصيل الدرجات التي تؤهله للمركز الأول ولا يحصل عليه عادة، يلجأ إلى الله تعالى فيدعو ويدعو، وهو لا يدرك أنه ليس وحده من يدعو بل كل أقرانه يفعلون، ولمّا لا يُستجاب لهم لأنه من المحال أن تُجاب دعواتهم جميعهم يبدأ الشك يتسرب إليهم من وجود الله في أواخر مرحلة الطفولة تحديدًا؛ ذلك أن إيمان الأطفال هو إيمان شكلي وليس حقيقي؛ فهم يقلدون الكبار ويكررون كلماتهم بغرض إرضاء الكبار فقط، وطالما الطفل قد قرر التمرد لأنه فشل في إرضائهم وصار يشعر أنه هو ذاته فاشل، فلا يعنيه ذلك التقليد ولا يرغب في الاستمرار في فعل ما ليس مقتنعًا به، لذا فقد تظهر عليه بوادر الإلحاد في نهاية الطفولة وبداية المراهقة، وتكون إشارته الأولى عدم انتظامه في الصلوات من تلقاء نفسه، والكذب حول أدائها عندما يكون بعيدًا عن رقابة الكبار.

لذا أقول للأمهات، رجاءً خففن من المنظرة الفارغة بعدد المواد التي حصل فيها أبناؤكن على الدرجات النهائية، وبترتيبه بين أقرانه، فلا الدرجات ولا الترتيب يساويان أن يشعر ابنك بالفشل ويهجر التعليم ويكرهه بعدما ترتفع سلطتك عنه، ولا يساويان أن يشك في وجود خالقه.

 

د. منى زيتون

 

إن الوضع الصحي لسكان البلاد العربية سيئا وسيئا بلا حدود، ويعتبر مرض القلب هو السبب الرئيسي للوفاة وليس بعيداً عما نراه فأنه يعد مشكلة مستمرة في النمو بشكل عام، وهناك عوامل عديدة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تحليل سلوك ظاهرته في كل بلد، ولكن العوامل السياسية المحفزة للمرض لا بد من تأجيلها لتحقيق نتائج إيجابية في الحد من معدلات الاعتلال والأزمات وارتفاع معدل الوفيات المفاجئ، وإن هناك علاقة وثيقة تعمق العلاقة بين الإقصاء السياسي والاجتماعي وبين الأمراض القلبية الوعائية مما يثير بقوة تساؤلا عما إذا كان كلا من الاستعباد السياسي والاستبعاد الاجتماعي يؤديان دورا مؤثرا وحاسماً في ارتفاع معدل الوفيات القلبية المفاجئة في العصر الحالي؟ غير انه قد لا يمكن العثور على الإجابة الوافية على هكذا تساؤل إلا عبر ادراك واستيعاب الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السائدة في الدول العربية !

هنا نتساءل ونحن جميعا نعرف الإجابة !! هل أوضاع البلاد العربية تتيح لمواطنيها الحصول على العلاجات والتكنولوجيات الجديدة والمتطورة في مجال الطب لمواجهة التحدي الكبير المتمثل في زيادة وباء القلب والأوعية الدموية؟ وان آفة الموت المفاجئ تتسبب كل يوم بضحايا أكثر من فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" أو السل أو وباء السرطان إذ قد لا تسبب اغلب الإمراض في جميع تطورات ومعدلات الفتك الموتية كما تتسبب بها افة الموت المفاجئ, وإن نطاقها قد يكون قابلا للمقارنة فقط مع تأثير هجوم إرهابي واسع النطاق والذي يؤدي فجأة إلى الموت، وتأثير تلك الظاهرة يتجاوز حجمها إطار عدد الأحداث المؤدية للموت التي تحدث سنوياً والتي يحدث ثلثاها خارج محيط المستشفيات ليصل الضحايا إلى أنظمة الطوارئ فيها مع سجلات تشير إلى نهاية حياتهم المأساة قبل الأوان وهم في الأعمار الصغيرة لتحدث الوفاة مثل البرق ولتعطي دلالة مريرة ونظرة مريرة لا تقدر بثمن لهذه الخسائر المتواصلة ما تتسبب بنكسات في اوضاع الأسر وفي الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإن الحزن الذي يترجمه الموت المفاجئ والأسئلة المحيطة بالحدث تساهم بزيادة الشكوك ومشاعر التشاؤم في الأسرة وأصدقاء الضحية.

متعددة ومتنوعة هي العوامل التي تشترط هذه الحقيقة غير إن أبرزها يتكشف على شاكلة العوامل الطبية كتلك المتعلقة بانتشار مرض الشريان التاجي والتي تكون مسؤولة عن اغلب الوفيات المفاجئة نتيجة لعدم وجود أو توفر السجلات الإحصائية الرسمية لتحليل مديات الاستعدادات لهذه الآفة او على الاقل توفير الظروف السياسية والحياتية المكافحة لها، إضافة إلى وعدم وجود تعريف مقبول من قبل المختصين خاصة عند التعامل مع الوقت الذي يجب أن يمر المستهدف قبل أن يعتبر الحدث فجأة، ومما لا شك فيه أن النقطة الأكثر أهمية في الأمر والنظر في حالات الوفاة المفاجئة لذا يجب أن تؤخذ هذه العوامل في الاعتبار عند تحليل سلوك الظاهرة في كل من البلدان ولذا يمكننا أن نطرح تساؤل حول هل هذه العوامل الطبية هي محددات لذلك الواقع المحزن في بلاد العرب عندما تواجه الارتفاع التدريجي لهذا الوباء المفاجئ لأمراض القلب والأوعية الدموية؟ مما يعني ترابطها وتشابكها مع العوامل ذات الطبيعة السياسية الحاسمة لكنه لن يغرب عن بالنا مسألة الاستبعاد الاجتماعي الذي يتترجم إلى عدم وجود الفرص للجميع في الصحة والفقر وشيوع التهميش والأمية وتعقيد النماذج الاستهلاكية التي تبعد المجتمعات عن المساهمة في تطوير الطب فلا تمتد نتائج الثورة العلمية والتقنية بشكل متساوٍ إلى الطبقات الاجتماعية المختلفة.

إن النوبة القلبية هي نافذة لتقييم آثار الطبقة الاجتماعية على الرعاية الصحية المختلفة، من أحداث الموت القلبي المفاجئ تتجلى في عموم السكان مع عوامل الخطر التي تعزز تطور بعض أنواع أمراض القلب والسمنة وداء السكري وعدم النشاط البدني وارتفاع ضغط الدم الشرياني، وتشكل الأوبئة الحقيقية في القرن الواحد والعشرين تغذيها النزعة الاستهلاكية وإساءة استخدام التطور التكنولوجي على حساب نظام النشاط البدني والأنماط الثقافية وفقدان المعايير والظروف المعيشية والتوتر المزمن والحتمية للحياة مع النتائج المنطقية التي تجلبها كالتدخين وسوء التغذية الجودة وقلة النشاط البدني والسمنة وارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكولسترول والإجهاد هي أكثر شيوعا بين الأقل حظا من التعليم والدخل وأيضا صعوبة تحمل تغيير نمط الحياة لا يبقيه بعيدا عن خطر الوقوع بنوبة قلبية محتملة. فكيف يمكن للأنظمة الاقتصادية التي تعزز الإقصاء الاجتماعي والنزعة الاستهلاكية أن تسهم في منع تطور أمراض القلب والأوعية الدموية؟ وهناك سؤال آخر سيكون وهل سيتم ضمان إمكانية الوصول إلى هذا النوع من الرعاية بالتساوي لجميع المرضى، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية والحالة الاقتصادية التي هي مشارك فيها؟ كما يجدر طرح السؤال التالي هل يمكن أن يؤدي الاستبعاد الاجتماعي، الذي يقوده النموذج الاستهلاكي الرأسمالي حتمًا، إلى تحديد نوع الرعاية والتشخيص والعلاج للمرضى الذين تم إنقاذهم أحياء من الموت القلبي المفاجئ؟ ويسمح لنا بطرح سؤال آخر هل الاستبعاد الاجتماعي من الضحايا هم حتما الملايين من البشر في المنطقة العربية سوف تلعب دورا حاسما في ارتفاع حالات توقف القلب المفاجئ في عصرنا الحالي؟ ومن الواضح أن الإجابة على هذه الأسئلة بغض النظر عن الأيديولوجية التي لديها، لا يمكن العثور عليها في مصدر آخر غير النظام الاقتصادي والسياسي وبالتالي الاجتماعي الذي يسود في الدول العربية، وسياسات الحكومات العربية للحفاظ على الصحة والحياة "الإرادة السياسية"، وينبغي أن توجه لتوفير الرعاية الطبية ممتازة مع أقل قدر من المخاطر للمريض، بغض النظر عن القوة الاقتصادية والحالة الاجتماعية أو الدين أو العقيدة أو العرق أو الجنس أو الأيديولوجية لأولئك الذين يعانون من فقدان الصحة.

هنا يجب أن نكون مدركين أن الحكومات هي المسئولة الحقيقية عن مصير شعوبها ولذلك فهي بسببها يجب أن تكون الإرادة السياسية للحكومات لعكس هذا الواقع المشترك قاسما مشتركا لجميع الدول العربية بهذه الطريقة فقط يمكن التصدي للتحدي الهائل لوباء القلب والأوعية الدموية في القرن الحادي والعشرين .وان الفقر والجهل ما هو إلا نتيجة الأمية والإقصاء الاجتماعي للأنظمة الطبيعة الأنانية لا تكون بالضرورة أفضل مستقبل نحلم به للبشرية، مهما كانت الإجابة كقناعة بالنموذج والقيم التي ندافع عنها، فلذا ما الذي يجب أن يكون الحل الأساس للنموذج السياسي والاجتماعي للشعوب العربية المنهكة هل هو الوجود أم انه غير الوجود؟ وذلك هو من سيحدد في النهاية الحلول وهو ما سيسمح بالنظر في العلاقة القائمة بين الاستبعاد الاجتماعي والموت القلبي المفاجئ.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

كتبَ المُستَشرِقونَ كتباً عديدةً، وفي مختلفِ حقولِ المعرفةِ، وصَنَّفوا مصنفاتٍ ضخمةً بمجلداتٍ كثيرةٍ، تَناوَلُوا فيها تأريخَنا وحضارتَنا ودينَنا. وكان أكثَرُهُم منحازين متعصبين، لم يَكُن رائِدُهم البحثَ العلميَّ؛ لانَّ اغلبيَتَهُم كانوا موظفينَ يعملونَ لصالح وزارة المستعمرات. واستثني القليلَ القليلَ منهم الذين كتبوا بانصاف .

اثارَ المستشرقونَ قضيةَ قسوةِ العقوباتِ الاسلاميَّةِ ووحشيتِها ؛ وانها عقوباتٌ أَفرَزَتها الصحراءُ وَقَسوَتُها وَجفافُها . وتابعهم في مقولتهم هذهِ بعضُ الحداثويينَ من أَبناءِ امتنا.

العقوبةُ والأَلَمُ

قبلَ أَن يَتَهِمَ هؤلاء الباحثونَ نظامَ العقوباتِ في الاسلام، كان عليهم أَن يَتَأَمَلُوا في العُقُوباتِ بشكلٍ عامٍ، فهل بامكانِهم أَن يُقَدِّمُوا لنا عقوبةً من دون المٍ؟ لايمكن ذلكَ؛لانَّ العقوبةَ متقومةٌ بالالم، والالمُ جزءٌ لايتجزأ من العقوبة ؛ لان الغرضَ من العُقُوبةِ هو تحقيقُ الردع، ولايمكنُ أَن يحصَلَ رَدعٌ من دون ألَمٍ.

وانا هنا أتَكَلَمُ عن اصل الايلام في العقوبة، لاعن كميةِ الالمِ وكيفيتِهِ.

فالعقوبةُ قد تَتَضَمَنُ أَلَماً خفيفاً او شديداً، ولكنَّهُ الم. هذا عن الكميّة، امّا الكيفيّةُ ؛ فالعقوباتُ انواعٌ مختلِفَةٌ وليست نوعاً واحداً .... فقد تكونُ العقوبةُ سجناً أو اِقامةً جَبريّةً، أوابعاداً، اوحرماناً من بعض الامتيازات، أَو غرامةً ماليّةً، ولكنّها جميعاً تشتركُ بعُنصر الالم؛ لانَّ وظيفةَ الالمِ في العُقُوبةِ هي تحقيقُ الردع.

التَجانُسُ بين الجريمةِ والعُقُوبةِ

في العقوبةِ لابُدَّ أَن يكونَ هناك تَجانُسٌ بينَ الجريمةِ والعقوبةِ؛ من اجل أَن تَكونَ العقوبةُ عادِلَةً . فلايصح ان يعاقبَ كبار المجرمين مع من ارتَكَبَ مخالفةً بسيطةً بعقوبةٍ واحدةٍ، كما يحصل -اليومَ- في اغلب سجون العالم .

المُماثلةُ بين الجريمةِ والعُقُوبةِ

من اجلِ أَن يَتَحَقَقُ الردعُ في العقوبةِ، لابُدَّ ان تكونَ هناك مُماثَلَةٌ بينَ الجريمةِ والعقوبة .

في نظام القصاص الاسلامي هناك مماثلةٌ بين الجريمةِ والعقاب، وهذا مااشارت اليه الاياتُ التاليةُ :

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). البقرة : الاية:179.

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).البقرة : الاية : 194.

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). المائدة: الاية : 45.

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ). النحل: الاية : (126) .

والمماثلة بين الفعل والعقوبة ليست مماثلةً تامةً في كل الخصوصيات، فالقاتل الذي مثَّلَ بضحيتهِ، يقتلُ قِصاصاً ولايجوزُ التمثيلُ به مماثلةً لفعلِ القاتلِ .

ولاتشترط المماثلةُ بالخصوصيات الطارئة، كأن يقتصَّ منه في الليل ؛ لان القتلَ وقعَ في الليل.

العقوباتُ الاسلاميّةُ وحمايةُ القِيَمِ

العقوباتُ الاسلاميةُ تستهدف حماية الكليات الضرورية، كحماية الدينِ والعقل والنفس والمال، اي حماية القيم الكبرى، ولاتستهدف حمايةَ حاكمٍ او نظامٍ او مصالح فئاتٍ محدودة، وطبقاتٍ معينّةٍ .

الذين يتحدثون عن قسوة عقوبة الزنا، لايتحدثون عن هذه العقوبة ضمن سياقها الثقافي والقيمي، فاقامة الجلد اوالرجم في مجتمعٍ أُطلِقَت في الغرائزُ والشهواتُ من عقالها، اقامتها في مجتمعٍ لايقيم وزناً للفضيلةِ .. تكون العقوبة قاسية.. اما العقوبة في السياق الثقافي والاخلاقي للمجتمع المسلم الذي تسود فيه الفضيلة، مجتمع تؤمن فيهِ حاجاتُ الناسِ الغرائزية عبر الزواج، ومجتمع تسيجه الفضيلة وتحرسهُ القيم، لاتكون فيه هذهِ العقوبة قاسيّة .

الذين يتحدثون عن قسوة عقوبة الزنا،ينبغي ان ينتبهوا الى ان الشروط التي وضعها المُشَرِّعُ في اثبات الزنا شروطٌ صعبةٌ يصعبُ اثباتُها. فالاسلامُ يشترط لاثبات الزنا حتى يقام الحد، اربعة شهداء يرون العملية كاملةً .وفي حياة رسول الله (ص) لم تثبت جريمة الزنا الا بالاقرار، لحالتين هما: ماعز بن مالك، والمرأة الغامدية، هما أَقَرّا على نفسيهما بالزنا .

والذين يتحدثون عن السرقة يتناسون ان السارق في عام المجاعة لاتقطع يده .ويتناسون ان الفقه الاسلاميَّ وضعَ قاعدة: (درءُ الحدودِ بالشبهات) .

الاسلام وصفةٌ كاملةٌ للحياة، يجب ان تطبقَ كاملةً غيرَ منقوصة . الذين طبقوا الحدود مبتورةً عن سياقها التشريعي، قدموا صورة مشوهة للاسلام . شوهوا لوحة الاسلام الجميلة باقتطاعِ جزءِ مهم من التشريع وانتزاعه من سياقه التشريعي، فشوهوا اللوحةَ الجميلة.

 

زعيم الخيرالله

 

 

اياد الزهيرييحكي تاريخ الأنسانيه بأنه مسيرة كفاح من أجل الحريه، وهي أنشودتها التي تغنت بها عبر الزمن، ومعشوقتها التي هامت بها عبر مسيرتها النضاليه . بدون الحريه لا يمكننا الكلام عن الأنسانيه، فهي عنوانها وصميم وجودها، فلا معنى للأنسانيه بدون الحريه، ولكن من المفارقات أن هناك من يهرب منها وكأنها تمثل حالة الا معقول والمقبول، وهذه لا شك مفارقه لا يمكن فهمها الا بالغوص بها والتعرف عليها والكشف عن أسبابها أملآ بأجلاء هذا الغموض وتعرية دوافعه الحقيقيه لكي يتجلى السبب الحقيقي للنكوص الذي أصاب بعض المجتمعات والأشخاص عبر أستمراءهم للعبوديه والتأقلم معها، بل والرغبه بعدم مغادرة قفصها الى حيث فضاء الحريه . لاشك ولا ريب بأن هناك علل قادت الى التلبس بالعبوديه وأستمراءها بل والممانعه عن مغادرتها. من الواضح أن هناك نوع من البشر تعرضوا الى حاله طويله ومزمنه من الأستعباد والقمع مما أنساهم حريتهم وأفقدهم الأحساس بها تمامآ. هذا النوع من البشر خضعوا الى نوع من الحكام الذين يتسمون بالساديه، والمصابون بأدمان السلطه، ويتمتعون بسلوك عنفي شديد، ومصاديق هؤلاء الحكام المستبدون من نيرون وفرعون الى هتلر وستالين وصدام حسين الى ملوك السعوديه، مقابل شعوب خضعت لظروف قاسيه في جو من الأستبداد والقهر والحرمان البسهم ثوب العبوديه والخضوع، طبعآ الناس في هكذا ظروف تنقسم الى ثلاث أصناف، واحده مقاومه وأخرى منزويه ومنكفئه وثالثه متزلفه خانعه، وطبعآ طبيعة الشعوب وموروثها الثقافي والقيمي يساهم في أتساع واحده من هذه الأصناف على الأخرى، ومن الملاحظ أن هناك نسبه غير قليله من الشعوب العربيه قد تكيفت مع الأستبداد وألفته حتى عادت تعتبره شرطآ من شروط السلامه والعيش الهنيء . هذه الشريحه التي أستطيبت العبوديه يطلق عليها صفة المازوخيه وهي شريحه تتلذذ بالقسوه الموجه لها من قبل الحاكم الذي يتصف بالساديه، وهو بالضد من الأول حيث يستمتع بتوجيه القسوه والعنف الى الأخر الضحيه، وبالحقيقه أن الفئتين مصابه بالشذوذ النفسي وأحد الطرفين ضحيه للأخر، فواحد كان له أستعداد للقسوه أما  الآخرفكان له أستعداد لتقبل القسوه، وخير من عبر عن هذه الحاله المفكر الأسلامي الجزائري مالك بن نبي عندما وصفهم بأن هناك جهه مستعمره وأخرى لها القابليه على الأستعمار، ولو رجعنا الى هذه الظاهره لوجدنا لها حضور شديد في بلداننا العربيه وخاصه الشرقيه منها ومنها العراق، حيث تعرضت شعوب هذه المنطقه الى زمن طويل من القسوه من قبل حكامها حتى قال أحد طغاة بني أميه ( من قال لنا برأسه هكذا قلنا له بسيوفنا هكذا) أنه أسلوب القوه والعنف وهو المبدأ الذي سار عليه كل من حكم هذه الشعوب ومنذ قيام الدوله الأمويه ولحد هذه الساعه ترزخ هذه الشعوب تحت حد السيف والقوه العنفيه الظالمه، حتى أن بعض هؤلاء الحكام ممن قتل أخوانه خوفآ من أن ينازعونه الحكم ومنهم المأمون العباسي والسلطان العثماني مراد الأول الذي قتل شقيقه محمود وأبنه وعمل على نفس المنوال السلطان محمد الفاتح وسليم الأول وهناك الكثير في تاريخنا الملطخ بالدم والجريمه. ولو رجعنا لما تعرض الشعب العراقي من تاريخ طويل من الظلم والأضطهاد من قبل الدوله الأمويه والعباسيه والعثمانيه أنتهاءآ بحكم البعث الذي أستمر 35 سنه والذي تعرض فيه الشعب العراقي الى أقسى أنواع الظلم والأضطهاد مضاف اليه الحروب والحصار الأقتصادي والذي تعرض له الشعب الى مجاعه قاسيه .كل هذه الظروف ساهمت بكسر أرادة الكثير، وأستسلام العديد من الشرائح الأجتماعيه، وهي حاله معروفه ومشخصه لدى علماء النفس الأجتماعي والتي يتعرض فيها الأنسان الى ضغوط قاسيه تساهم في تغير منظومته القيميه والأخلاقيه ويستسلم فيها الى القدر وتنتج شعبآ يمتاز بالأتكاليه واللأمسؤوليه بالأضافه الى أستخدام أساليب التذلل والخنوع من أجل البقاء.أي يتعايش مع الظلم والعبوديه من أجل السلامه. هذه الأسباب والظروف التي مر بها الشعب العراقي هي ما فسرت لي أسباب ميل الكثير لرجوع النظام الصدامي، بل والترحم على الدكتاتور .صحيح فشل الحكام الجدد كان أحد الأسباب لكن الشعوب التواقه للحريه لا تسمح لنفسها بأن تعبر عن رغبتها برجوع الدكتاتور مهما كان الثمن .

من الواضح أن القبول بالخضوع والتكيف معه لم يكن نتاج الأنظمه الحاكمه فقط،بل نوع التربيه الأسريه ذات الطابع البطريركي، والنظام العشائري بمنظومته القيميه وأعرافه العشائريه القائم على أساس السطوه والقوه أتجاه الأبناء،والذي يخلق منهم أبناء خانعين الى حد الذله والمسكنه، مما يفقدهم حس الحوار والأعتزاز بالذات، ويسلبهم القابليه على النقاش فيكونون فقد متلقين قانعين، كما أن هذه المنظومه الأجتماعيه دفعت بالفرد الى القناعه التي تصور له أن لا مفر من العيش بسلام والحصول على فرصة القبول أجتماعيآ الا من خلال التأقلم مع الواقع الأستبدادي وأعتباره هو الحاله الطبيعيه والتصور أن العكس هو المشاكسه والشذوذ، وهذا هو ما جعل من الأغلبيه هي الخانعه والأقليه هي المناهضه والمقاومه، والواقع في كل العالم يظهر وبوضوح أقلية الطبقات المكافحه مقابل أكثريه مهادنه خاضعه . يمكننا أضافه لما سبق من الأسباب للتأقلم للعبوديه هو أن هناك أسباب أخرى لا تقل أهميه من الأولى الا وهو الأميه الثقافيه والتي يعبر فيها الفرد عن أهماله للقيم الحضاريه وعلى رأسها الحريه، فتراهم يضحون بها من أجل حفنه من المال، كما حصل عندنا بالعراق في فترة الأنتخابات البرلمانيه والتي باع فيها الكثير أرادتهم البرلمانيه مقابل بطانيه أو مدفأه كهربائيه، بل هناك من باع صوته مقابل شريحه تلفون، هذا المواطن يكون مستعد لبيع وطنه بأقل الأثمان، وله القابليه أن يبيع حريته حتى للشيطان، كما أن أزدياد ظاهرة الأستهلاك وبروز النزعه الماديه ساهم وبشكل مخيف بظهور ظاهره غايه في الخطوره على مستقبل الوطن الا وهي غياب الشعور بالمواطنه، وهذه لا تظهر الا عندما ينكفأ المواطن على نفسه ولا يفكر الا بمصلحته ورفاهيته فقط، وهذه الظاهره تنضج في الظروف الماديه وغياب المثل العليا في المجتمع، فيصبح كما يقول المثل (كل شيء يباع ويشترى في روما). ان الشعوب التي تخضع لفتره طويله للقمع والقسوه تصاب لا شك باليأس والأحباط والركون للأستسلام فتفقد أحساسها بالحريه وتكون تبعيتها للأقوى، وهذا ما يفسر تصفيق الجماهير لكل حاكم قادم وخاصه اذا كان دكتاتورآ، لذى تكون الحكومات المستبده في غاية السعاده والأطمئنان عندما تتصف شعوبهم بالمسكنه وقبول الأمر الواقع، وهذا ما يذكرني بواقعه عندما كنا في معسكر اللجوء في المملكه السعوديه عندما سأل احد المحتجزين الحرس السعودي لماذا انتم لحد الان يحكمكم ملك فكان رد الجندي بجواب يفوق التصور وقد شكل لي صدمه عندما قال (ان الملك متفضل علينا نحن نعيش على ارضه) انه يعتبر ان الملك يملك الأرض وما عليها ويملكه هو، هذه الشعوب وصلت الى هذا المستوى من الآستلاب، وهذا المستوى هو ما يسعد كل دكتاتور لأنها الحاله التي توفر له قدر كبير من الأستقرار وعدم خروج المعارضه عليه . كما ينيغي ان نشير الى ان هناك مذاهب دينيه تكرس حالة الخضوع الى ولي الأمر وتثقف عليها على انه التزام ديني وعقائدي وان ولي الأمر احق ان يتبع ويطاع في كل الظروف والأحوال وأن الخروج عليه من الموبقات، وأعتبار الخروج عليه خروج على الجماعه وهنا يعاقب بحد السيف، حيث يسوقون عليه مبدأ ( من خرج على الجماعه أضربوه بالسيف كائن ما يكون)، وما أحكام قطع الأعناق بالسيف في المملكه السعوديه الا مصداق لهذا . أن أستئناس بعض الشعوب بالعبوديه يشكل أخطر حالة نكوص أجتماعي مما يستصعب فك أسرها منها، ويشكل عائقآ كبيرآ لكل رجالات الثوره الذين يبغون تحرير هذه الشعوب من واقعها فتشكل لهم حاجزآ منيعآ لحماية الدكتاتوريات، ويعطون فرص أكبر لبقائهم متسلطين على رقاب الناس، وهذا ما يتطلب جهدآ أضافيآ لكل الأحرار الذين يسعون الى رفع الحيف والظلم من شعوبهم، ومنها على سبيل المثال توفير جهد أستثنائي للقيام بحاله التوعيه لهم وهو أمر صعب في ظروف يستخدم فيها النظام أقسى درجات العنف ضد معارضيه وكل من ينشط في تعريف الناس بحقوقهم الأساسيه والذي تعتبرها هذه الأنظمه أخلال بالأمن العام وجريره يحكم على القائمين بها بالخيانه العظمى والتي تكون أحكامها الأعدام أما شنقآ او رميآ بالرصاص وفي زمن صدام أضافه لذلك الأعدام بالتيزاب أو الدفن حيآ . كل ذلك لا يمنع صيرورة الشعوب من المسير الى الأمام عن طريق التوعيه الجماهيريه التي يتعرف من خلالها الجمهور على حقوقهم الأساسيه، وغرس حب الحريه في نفوسهم، وأن الأنسان لا يمكنه العيش بدونها، وأنها هي من تعطي المعنى الحقيقي للحياة، وأن يتعلم الأنسان بأن مطلب الحريه هو مطلبآ دينيا كما قال الأمام علي (متى أستعبتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارآ، وكذلك القران الكريم (وكرمنا بني أدم).

 

أياد الزهيري

 

منى زيتونكثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن التحرش الجنسي والمسئول عن انتشاره في المجتمع المصري، والقاهري تحديدًا، وكان الحديث مصحوبًا بتبادل لإلقاء التهم عن النوع المسئول عن انتشار الظاهرة، هل هم الرجال أم النساء؟ والعجيب أن كلا الجنسين قد تباينت آراؤهم حول إلقاء مسئولية تلك الجريمة الاجتماعية التي انتشرت في مجتمعنا؛ فقسم من الرجال والنساء بالمجتمع يصرون على أن ثياب النساء المثيرة –على حد وصفهم-  هي السبب الرئيسي، في الوقت الذي يعجزون فيه عن تفسير عدم وجود تلك الظاهرة في عقود مضت كانت أزياء النساء فيها أكثر تحررًا، وقسم يُصرون على أن الثياب لم تكن يومًا في مجتمعنا وفي مجتمعات أخرى سببًا في انتشار التحرش كما هو الحادث في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، وعليه فهم يرون أن سلوكيات الشباب أصبحت مشينة، وحدث تغير في الثقافة الفرعية لتلك الفئة العمرية إزاء ما يكون مقبولًا عند التعامل مع المرأة.

في بدايات القرن العشرين كانت المرأة محوطة باهتمام وعناية الرجل المصري بشكل يكاد يقارب الوضع في المجتمعات الخليجية اليوم؛ فهو يبالغ في حمايتها ويقلل وقت خروجها من المنزل قدر المستطاع، وحتى عندما بدأ تعليم المرأة في الانتشار كانت أغلب النساء يتعلمن حتى يبلغن، ونادرًا ما كان يُسمح لهن بإكمال دراستهن الثانوية، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة مع بدء عقد السبعينيات، انتشر التعليم الجامعي بين النساء في مصر، وأصبح المجتمع المصري ككل أكثر تحررًا إزاء تقبل تعليم وأزياء المرأة، ومع ذلك بقي الرجل شهمًا معها، يحرص عليها ويحميها، ولكن بدرجة أقل بكثير من الحماية المفرطة التي كانت تُحاط بها في بدايات القرن.

ثم تغيرت ثقافة المجتمع المصري فيما يخص المرأة. تغير الرجل المصري بشكل لافت في العقود الأخيرة، فلم تعد المرأة تحظى بالحماية والرعاية مثلما كان يحدث في جيل أبيه، ولم يتوقف الأمر عند انتشار ضعف الإحساس بالمسئولية لدى فئات عريضة من الرجال، بل انتشر التحرش الجنسي في المجتمع المصري‏!

فماذا يرى علم النفس؟ وكيف يفسر انتشار هذه الظاهرة الاجتماعية؟

وإجابتي أنا شخصيًا عن هذا السؤال بأنه يمكن تفسير انتشار تلك السلوكيات في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي بالنمذجة، لعالم النفس الأمريكي المعاصر روبرت باندورا.

قديمًا، كان النموذج الذي يعرض ‏سلوكًا معينًا ذا نتائج تعزيزية، فيما يتعلق بمعاملة النساء، هو نموذج الشاب الشهم الجدع، الذي ‏يرعى الحرمات ويحافظ على بنات منطقته، حتى أنه يمكن أن يدخل في مشاحنات لأجلهن مع ‏شباب من منطقة أخرى، ولا يجرؤ شاب غريب أن يتعرض لهن، وإلا ووفقًا لتعبير أهل الشام (راح ياكل قتلة من شباب الحارة). هذا النموذج يكاد يكون اختفى الآن من المجتمع المصري، وسبق ‏اختفاؤه من المجتمع اختفاؤه من الإعلام؛ حيث ساعدت النماذج السلوكية الحقيرة التي يعرضها الإعلام على تعلم الأنماط ‏السلوكية الجديدة الخاصة بالتحرش، وعلى كف السلوكيات التي سبق أن تعلمها المصريون طوال تاريخهم عن معاملة ‏الشهم للنساء؛ حيث يسهم التعلم بالملاحظة والنمذجة في نقل ثقافة المجتمع إلى الناشئة، والتي من الواضح تمامًا أنها قد تغيرت.

ولمزيد من الإيضاح أعرض لأهم ملامح النظرية؛ إذ يرى باندورا أنه بما أن الإنسان في تفاعل دائم ومستمر مع بيئته، فإنه يتلقى العديد من المثيرات التي تؤثر عليه وتدفعه للاستجابة لها، وأن الإنسان يتعلم المعايير والقيم والعادات الاجتماعية والمعارف والمهارات من خلال النمذجة، حيث يحدث هذا التعلم من خلال المواقف التي تتضمن علاقة فرد بآخر أو فرد بجماعة، حينما يحدث تأثير متبادل بينهما، فيتم تعلم أنماط السلوك من خلال ملاحظة الآخرين وتقليدهم؛ والبيئة الخارجية تقدم للفرد نماذج كثيرة من السلوك التي يقوم الفرد بتمثل سلوكها، كالطفل الصغير يحاول دائمًا أن يقلد سلوك الكبار.

والتعلم الاجتماعي يؤكد أننا نتعلم الكثير بملاحظة من حولنا، فعملية النمذجة هي عملية نسخ سلوك آخرين مهمين للفرد، واكتساب السلوك الاجتماعي يقوم على الملاحظة، فإذا فعل أشخاص صغارًا أو كبارًا سلوكًا غريبًا في المجتمع فهذا دليل ملاحظتهم لشخص قام به أمامهم. ولا يُشترط أن يتم تنفيذ ما تم تعلمه من خلال الملاحظة مباشرة، أي بعد الانتهاء من عملية الملاحظة، وإنما يتم تخزينه في الذاكرة على شكل حوادث حسية أو استجابات رمزية، على أن يتم استدعاؤه لاحقًا عندما يتطلب الأمر القيام به.

كما أن الملاحظة لا تتم بشكل أوتوماتيكي بل تتم على نحو انتقائي، وقد لفت باندورا الانتباه إلى النموذج أو القدوة أو ما يسمى بـ البطل (hero) بالنسبة للطفل أو للمراهق. فإن كان الوالدان هما الأبطال لدى الأطفال، فإن الأفراد ذوو المكانة الاجتماعية العالية أو الجاذبية يمكن أن يكونوا مثارًا للملاحظة والتقليد، خاصة من قبل المراهقين، وقطعًا نعرف من هم هؤلاء النماذج الأبطال الذين يقلدهم المراهقون بمجتمعنا في العقود الأخيرة.

والأدهى أن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا إذا كانوا متشابهين؛ فجماعة الرفاق تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك المراهق، وإذا ما اعوج أحدهم فقد يؤثر في الباقين حسب وضعه ومكانته في الجماعة الصغيرة.

والآن، وبعد هذا التحليل والتفسير، ما هو العلاج لظاهرة التحرش السلوكية الخطيرة؟

1-  الناس يتعلمون فعل ما يقومون بملاحظته في سلوك الآخرين، فيجب أن نكون منتبهين إلى تقديم نماذج من السلوك المرغوب أمامهم، والإقلال ما أمكن من نماذج السلوك غير المرغوب. ولا يلزم فقط تقليل انتشار نموذج المتحرش والبلطجي في المسلسلات والإعلام، وهو ما يُلقي العبء على الرقابة على المصنفات الفنية، بل إن تلك الحملات التي تتم ضد عرض تلك الأفلام وإظهار الاستهجان والكراهية لتلك النماذج السلوكية هو أمر ضروري لتحويل التعزيز الإبدالي لدى المراهقين الذين يقلدونها إلى عقاب.

والجيد أن ما يتأثر به المراهق بدرجة أكبر هي النماذج التي تنتمي لمجتمعه، ومن ثم فإن أي مزاعم تُلقى عن عدم القدرة على التحكم في الأفلام الأجنبية التي يمكن للمراهقين مشاهدتها عبر شبكة الانترنت ليس ذي بال؛ لأن ما يؤثر فيهم أكثر ويقلدونه هو السلوكيات التي يقوم بها أفراد من مجتمعهم.

2- يجب أن يتلقى المراهق عقابًا على سلوكه الشخصي السيء تجاه المرأة، كي يتمكن من مقارنة التعزيز في المقابل على سلوكه وأفعاله الحميدة في مواقف أخرى، وفي كلتا الحالتين يؤثر الثواب والعقاب على السلوك تأثيرًا كبيرًا. وينبغي ألا يكون هذا العقاب فقط بالحبس أو الضرب من الآباء، بل يجب أن نعي جيدًا أن إظهار الاستهجان والاحتقار لتلك السلوكيات أقوى تأثيرًا من أي عقاب آخر.

3- إذا تغيرت الأفكار تغيرت السلوكيات؛ لذا يجب تعزيز مفاهيم الرجولة الحقة لدى النشء؛ فالرجولة لا تعني إظهار فحولة زائفة قذرة، والرجل الحقيقي لا يتهافت على النساء حتى لو كن متبذلات، بل إن إهمال الرجال للمتبذلات واحتقارهن هو مدعاة لهن لتغيير سلوكهن. فهل تسمح لنفسك بأن تغير متبذلة سلوكك؟

4- يجب إعادة نموذج ابن البلد الشهم الجدع كنموذج يُقتدى به في حياتنا وفي إعلامنا، مع إظهار الإعجاب به؛ كي يكون هذا تعزيزًا كافيًا للمراهقين يدعوهم لتقليده، مع التأكيد على نماذج دينية وتاريخية تؤكد على السلوكيات المرغوبة عند التعامل مع المرأة، تعطي مزيدًا من التعزيز.

5- مراقبة الآباء والأمهات لسلوكيات جماعة الرفاق التي ينخرط فيها أي من أبنائهم ضرورة؛ لأن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا، ورأي الرفاق في سلوكيات المراهق يكون أهم من رأي والديه؛ لذا يجب أن تعرف مع من يقضي ابنك أوقاته.

 

د. منى زيتون

 

عبد الرضا حمد جاسمفي حواره المفتوح مع المثقف الحلقة (41) بعنوان: [اين اختفت خطب الرسول؟] كتب الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي التالي:

http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/922972

 [اتضح مما تقدم أن الرسول لم يتصد لجمع القرآن بنفسه، ولم يجمع أحاديثه وخطبه، ولم ينص صريحا على خلافة أحد من بعده. وهذا يجعلنا نشك بكل ما جاء في التراث، ويفتح آفاقا واسعة للتفكير بجدوى الانقياد لماضٍ لم نعاصره، ولم نستطع التحقق من صدقه. فمن أين جاءوا بهذا العدد الكبير من الأحاديث، وكيف تراكمت الموسوعات الحديثية عبر السنين؟ وما هي حقيقة فتاوى وأحكام رجال الدين؟] انتهى

ووفق ما وصلنا اضع تصور على بعض ما جرى ودار في تلك الحقبة:

الحلول وبشكل مباشر في تطوير مفاهيم الإسلام التي فصلت على مشاكل تلك الحقبة والحدود المحدودة لتطلعات وأمنيات الناس هناك.

أما المشاكل فأعتقد هي بمن نّصب نفسه وصياً على الإرث الخالد الذي تركه محمد الذي قاد ثوره بكل مقاييس عصرنا الحالي مستخدماً ما متوفر من إمكانات فكريه وحركيه ماديه ومعنوية لمعالجة مشاكل عصره وساهم مساهمه راقيه في رفد الفكر الإنساني بشكل لازال محل تقدير ودراسة وتحليل منها:

1- اهتمامه بالقراءة والكتابة بشكل مبكر لما لها من تأثير على الواقع وللمستقبل.

2- أبدع في اقامة تنظيم سري منظم ومتسلسل ومحدد الواجبات وعمل من خلاله على تحريك الناس وتوعيتهم وتثوير ما كان راكد لديهم.

3-  فكر بإقامة تنظيم بديل خارج منطقته من خلال انتدابه لثلة مختارة من أتباعه لترك المنطقة والتوجه إلى الحبشة طالبين اللجوء السياسي وهذه أوائل عمليات اللجوء السياسي الموثقة.

4- قدم نموذج راقي للتكافل الاجتماعي والرعاية الاجتماعية من خلال بيت المال الذي وضع أسسه التنظيمية.

5- قدم نموذج راقي للنظام الضريبي من خلال الزكاة تعمل به كل دول العالم اليوم تقريباً.

6- قدم نموذج للتسامح والعفو عند المقدرة من خلال العفو الذي أطلقه بعد فتح مكة.

7- قدم نموذج مبدع لمكافحة العبودية من خلال احتضانه بلال الحبشي وتكليفه برفع الأذان ووقوفه مرتفعا أعلى من هامات من كانوا أسياداً قبل الاسلام.

8- قدم ما لم يأخذ حقه من التفسير ولم يتم التطرق اليه بما يناسبه من قبل المفسرين والمحللين وهو أنه أدارَ رأسه عن المسجد الأقصى وتوجه للكعبة رغم قدسية الأول ليتفرد ويترك للآخرين ما يتعبدون لأنه أدرك مبكراً أن هذا الموضوع سيكون مثيراً للمشاكل مع العقائد الأخرى التي يحترم ويقدر ولتأكيد ذلك لم يفكر بأن يحرك جيوشه باتجاه المسجد الأقصى بينما تحرك ومن بعده أبو بكر شمالاً وجنوباً.

9- وضع الأسس لتنظيم الجيش والقيادة والخطط العسكرية وتهيئه ما يحتاج له من أعدد وإعداد وإمداد وشحن معنوي.

10- قدم نموذجاً للتواصل وإدارة اللقاءات واحترام المواعيد من خلال تحديده لمواقيت الصلاة التي كان يديرها ويتابع من خلالها تقلب الأحوال وتطورها وألزم اتباعه بضرورة حضور الجمعة كموعد أضاف عليه القدسية لأهميته والمستمر لليوم حيث يهرعون اليه ويتعطرون له دون حتى امر فهو موعد ثابت للاجتماعات في كل مكان منذ أكثر من 1400 عام لا يوجد موعد بقدسيته واكتظاظه وطواعية حضوره الكثيف وانضباط المشاركين فيه والتهيؤ له من الذي قبله.

لقد قاد محمد ثوره هادئة متصاعدة بشكل مدروس سواء في الطروحات النظرية أو المعالجات العملية في مجتمع متخلف مستخدماً فيها خزينة الاجتماعي وشخصيته المتميزة كما يبدو وذكاءه وما تعلمه واستنتجه وطوره من خلال احتكاكه بالحركة التجارية وتواصله مع المحيط القريب والبعيد في رحلتي الشتاء والصيف وكما معروف إن التجارة وأجوائها تعني الصدق والدقة والأمانة والاحترام الغير والوقت والشجاعة والقدرة على خوض العملية والنجاح بها والتقدير الجيد للأمور وحسابات مستقبليه متجددة. لقد استفاد كثيراً من رحلات الشمال التي كانت متواصلة مع شمالها ولاحظ اختلاف الأشكال والمعتقدات والآراء والطباع والطبيعة وأستمع جيداً وناقش تلك المختلفات ليحاول نقل ما يجده مناسب إلى محيطه القريب في مكة والى الجنوب إن أمكن.

كان يقارن بين جمال الطبيعة هناك وبين قساوة الصحراء عند قومه وبين التسامح هناك والعصبية المقيتة عند قومه أثارت فيه هذه الأمور الكثير مما دفعه للتفكير جيداً بعمل شيء وكان كلما أراد أن يستمع لنفسه ويكلمها بصوت عالي يبتعد لينزوي في غار حراء مقتفياً آثر من فعل ذلك قبله من الذين سمع عنهم فقرر البدء بمعالجة الحال سالكاً طريقين هما::

1- سرد حكايات لم يعرف بها الناس للتشويق والاستفادة والتحذير والتخيل لحال أحسن مثل قصص الأنبياء والعقائد السائدة رغم عدم الحاجة إليها دينياً لكنها تثير الاهتمام وتتداول وتتبادل بسرعة.

2- البدء بحل المشاكل التي تواجه الناس يومياً بشكل مقنع ومتدرج مراعياً الحساسيات المتنوعة متبعاً الإقناع وتقديم المثل الحسن فعالج وأد البنات والخمر والزنا والمال والتعاون والاحوال الشخصية وتعدد الزيجات التي حددها بالعدل بعد إن كانت مشاعة وسائبه وبلا ضوابط وغيرها الكثير.

بهذه الطريقة أصبح محمد مع مرور الوقت هو المرجعية لكل من يتعرض له البشر لذلك تجد إن الكثير من هذه الأمور أتُبِعَتْ بعبارة (سؤل ...فنزلت الآية......عمل كذا فنزلت الآية.... "أُعْتُرِضَ" عليه فنزلت الآية).

بمثل هذا المنهج أصلح عصره ومجتمعه ولما كانت مشاكل البشرية لم/لا تنتهي أو تنحصر بمشاكل تلك الحقبة عليه يجب أن نسمع الآن عبارة  (ف....نزلت الآية) مع تطور المشاكل بتطور الحال.

إن محمد كان يستمع للمشكلة ويحللها ويتفنن في إدارتها وإيجاد الحلول التي تُرضي الجميع لأمرين الأول إن يكون مقبول من الجميع والثاني إشاعة الاهتمام بالأخر.

ناضل سياسياً في مكة بالممكنات المتوفرة كأي مفكر ثم أنتقل إلى يثرب لمعرفته أنه ترك أثر مهم في مكة وفي يثرب أشاع اللحمة بين أهلها والوافدين اليها وتعاهد مع اليهود بشكل يجنب ما يفكر به وما جاء من أجله إي هزات أو صدامات غير محسوبة وأستمر بهذه السلوكية في صلح الحديبية.

لقد كان يفكر بأن كل ما يقوم به متسلسلاً يراعي موازين القوى وعندما يشعر بأنه لصالحه كان يتصرف ليقدم شروطه ويحسن موقفه حتى لو أضطر لخوض معركة.

لقد تحولت هذه الحركة إلى دين وبالذات بعد تحويل أنظار الناس من التوجه إلى الأصنام إلى التوجه الى السماء البعيدة غير الملموسة ولكن هذا التحول أزداد بعد أن ترسخت الدولة واحتياج السياسة والسياسيين من أولي الأمر إلى فرض سيطرتهم على عامة الناس وبداء يتصاعد تقديس أولي الأمر على حساب مبادئ محمد معتمدين على نصوص وأحاديث هم من كتبها او شجع على كتابتها.

لم يسجل محمد ما أعلن أنه نزل عليه أو ما قاله لأنه كان يريد التطور من بعده تاركاً الباب مفتوح للاجتهاد والتفكير لكن أولي الأمر أعادوا كتابة ما جرى بعد عشرات ومئات السنين وهنا ظهرت المذاهب حسب أهواء أولي الأمر أو اجتهاد البعض بعد أن قارن ما بين ما يعرف وما مكتوب وما يقول به العقل والمنطق لينتقل التقديس من محمد إلى أولي الأمر ثم إلى أصحاب المذاهب ومن هنا بداء التخلف والانغلاق والجمود والاعتماد على ما قاله الأولياء الأولين وتم اشتقاق طرق وأساليب للسياسة الدور الكبير فيها.

وهنا أسرد حادثه شخصيه فيها عبره هي:

1- سألني أحدهم لماذا لم تؤدي الفرائض ..قلت له هل تستطيع إقناعي ..قال نعم...حددنا الموعد وحضر ومعه ما يريد أن يستند إليه فبادرته مشترطاً أن يعتبر نفسه محمد وأنا من جاهلية مكة ولا يستند إلى أي نص قراني أو حديث لافتراض اني لا اعرف ذلك أو أن هذا اللقاء في بداية الدعوة، فارتبك وضاعت عليه الأمور ليتحول إلى مصلح اجتماعي ويتكلم عن الصدق والإخلاص والسلام وصلة الرحم والجيرة وحب الناس والعادات والمستقبل.

2-  كان جاري يحمل شهادة الماجستير في علوم التربة وموظف بدرجه مرموقة ويؤدي الفرائض وفي أحد أيام الجمع ظهراً التقيته وهو يهم للصعود إلى سيارته المرسيدس الحديثة للذهاب الى الجامع "جامع فخري شنشل" الذي لا يبعد عن سكنه أكثر من 200متر وبعد التحية رأيته يضع السواك في فمه فقلت له مازحاً ...ما هذا؟ قال إنها سنه فقلت له أليس من السُنه أن تذهب ماشياً إلى الجامع أو تعتلي بعير فضحك وقال هذا التطور

هذا هو مصدر التخلف ليس بسبب السواك انما بسبب عدم الانتباه الى مثل هذه السنن البسيطة ذات المعاني الكبيرة حيث كما اعتقد لو فكر المسلم بالموضوع لأصبح المسلمين اليوم الأكثر ابداعاً بمشاكل الفم وصناعات تطبيب الاسنان والفم وأدوات ومحاليل ومواد تنظيفها والعناية بها. وهناك الكثير على هذا القياس.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

قاسم حسين صالحلنبدأ بتحديد مفهوم التحرش الجنسي ولنعتمد تعريف المركز المصري لحقوق المرأة بأنه "كل سلوك غير لائق له طبيعة جنسية يضايق المرأة أو يعطيها إحساسا بعدم الأمان.. يأخذ صيغة من الكلمات غير المرحب بها أو الأفعال ذات الطابع الجنسي والتي تنتهك جسد أو خصوصية أو مشاعر شخص ما وتجعله يشعر بعدم الارتياح، أو التهديد، أو عدم الأمان، أو الخوف، أو عدم الاحترام، أو الترويع، أو الإهانة، أو الإساءة، أو الترهيب، أو الانتهاك ". ونضيف بأن التحرش الجنسي هو اكراه على فعل جسدي، او وعد غير لائق او غير مرحب به بمكافآت مقابل خدمات جنسية. وهناك تعريفات أخرى تختلف باختلاف الثقافات.

أسبابه التقليدية:

تحدد الدراسات العلمية اهم اسباب التحرش بـ: سوء التربية الأسرية والحالات الناجمة عن التفكك الأسري، الكبت الجنسي واعتبار التحرش وسيلة ترفيهية من العناء، ثقافة مجتمعية متخلفة تزود المراهقين بفكرة ان التحرش يعدّ نوعا من الرجولة، ضعف الوازع الديني، عدم وجود عقوبات قضائية رادعة، وجود تاريخ سابق من التحرشات الجنسية او تاريخ اجرامي او تاريخ من الأمراض النفسية.

اسبابه العراقية

بهدف تحديد اسباب التحرش الجنسي في مجتمعنا العراقي، توجهنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي باكثر من استطلاع.. لحضراتكم نماذج من الأجابات:

- احسان الفرج: ثمة انهيار تام لمنظومة الاخلاق يمر بها المجتمع العراقي ولن تنفع اية حلول آنية للحد منه.

- امير القيسي: عملنا بحثا عنه في الجامعات واقتصر على الطالبات وكانت النتائج ان التحرش الجنسي موجود وله عدة مظاهر وموجه نحو الطالبات من قبل بعض الطلبة وقلة جدا من التدريسيين ولكنه لا يشكل ظاهرة.

- هدى العزاوي: نعم ظاهرة اجتماعية ظهرت على مجتمعنا خلال ال 15 سنة الماضية، اسبابها انهيار الحكم، وضياع التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ادى الى الاستهانة بالقيم الاخلاقية وكذلك غياب الرادع والعقوبات.

- خالص ابراهيم: موجود ولكن ليست ظاهرة مستشرية سببه انهيار منظومة القيم الاجتماعية وطريقة اللبس والمكياج واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة لا تتناسب مع قيم المجتمع العراقي الاصيل وغياب الوازع الديني والفارق في المستويات المادية للمجتمع.

- أمل التميمي: تحرش الرجل العراقي بالمرأة يعتبره غنيمة يتلذذ بها.

- اكرم الانصاري: نعم موجود ولكن بسبب عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والثقافي، ولأنه كلما زاد التدين بالمجتمع زاد التحرش.

- عامر المعموري: التحرش الجنسي والجنسية المثلية ظواهر شاذة في ظروف ضياع القيم الناجم عن ضياع السياسي والامني والمجتمعي بسبب اناس لم يحسنوا ادارة البلد.

- د جمال العزازي: 75% من جانب الانثى بسبب التبرج باشكاله المختلفة الناجم عن انهيار الاخلاق الحميده وعدم مخافة الله من الطرفين. الحجاب امر الهي في حالة الالتزام سيكون الاستقرار الاجتماعي الرقيب الداخلي اقوى من الخارجي.

- نضال السعدي: الانغلاق المجتمعي بسبب تحريم الاديان واسلمة المجتع.

- ابراهيم ملا : تشهد هذه الايام تحرش البنت بالولد، وحالما يتم التواصل تستنفر العشائر امكانياتها لتبدأ المشكلة الكبرى حيث يتم التشهير بالبنت مقابل حفنة ملايين.

- حسين راشد الجبوري: اصبح ظاهرة وسببها زيادة في المعروض الانثوي الذي قلل من شموخ المراة حتى اضحى بعض الرجال لا يقيمون لها وزنا من الاحترام بعد ان كانت سورا منيعا.

- انس الغزي: اضطراب السياسة ادى الى غياب القانون مع توافر مصادر تشجيع الرغبات وغياب الواعز الديني وضعف المؤسسة التعليمية .

تحليل واستنتاجات

اختلفت الآراء ما اذا كان التحرش الجنسي في العراق اصبح ظاهرة ام لا، وهذا يعود الى اختلاف مناطق المستجيبين، ففي الناصرية، مثلا، لا يعد ظاهرة فيما يعذ ظاهرة في العاصمة بغداد بحسب المستجيبين. واتفق المستجيبون على وجود الاسباب التقليدية للتحرش في المجتمع العراقي، مضيفين لها بطالة الشباب، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وعلميا، يعدّ التحرش حالة معقدة يتداخل في دراستها الطب النفسي، علم النفس، علم الأجتماع، العلوم الجنائية، وعلوم الدين. وهو حالة موجودة في كل المجتمعات بما فيها المجتمعات الأوربية، لكن نسبتها تختلف اذ تبلغ بحدود 5% في المجتمعات الأوربية، فيما تزيد على 80% في المجتمع المصري، وتشكل ظاهرة مقلقة اجتماعيا ومتعبة انضباطيا للأجهزة الأمنية في دول عربية واسلامية.. وللأسف فاننا لا نمتلك مؤشرات احصائية عن حجم وجوده في العراق.

وعراقيا، كانت اول (حملة) للحد منه حصلت في سبعينيات القرن الماضي يوم قامت شرطة الآداب بصبغ سيقان من تلبس (تنورة) قصيرة من طالبات اعدادية الحريري بـ(البويه).

وفي الثمانينيات عملت خبيرا بمركز البحوث التابع لوزارة الداخلية، وكانت وقتها قد زادت حالات التحرش، فعمدنا الى التحقق من الأسباب ميدانيا بينها ان لون الملابس التي ترتديها الفتاة يشكل سببا. فتم تكليف فتاتين تعملان بالوزراة ارتداء الوان مختلفة وكانت احداهما تقف بمدخل جسر الصرافية (محمية من مفرزة شرطة بمكان خفي).. فتبين ان اللون الأصفر جذب سائقي السيارات الخصوصي الى التوقف عند (فتاة الأختبار) يليه اللون الأحمر. وتبين لنا ان الفتيات اللائي يمشين في الشارع ويتناولن الآيس كريم (الموطه) يتعرضن للتحرش، وكانت أحدى اجابات الشباب :

-(دكتور اذا هي تمص موطه وتمشي تتمايل اشلون ما اتحرش بيها!)

وقد نوقشت الدراسة في ندوة علمية دعوت لحضورها الصديق الراحل الدكتور علي الوردي وكانت احدى تعليقاته الجريئة قوله باننا اذا منعنا الاختلاط بين الجنسين فان الذكور سيلجأون الى اللواط والاناث الى السحاق.

وعلميا، ليس صحيحا تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، فكل الأطراف مسؤولة بدءا من الفرد، شابا كان ام فتاة، مرورا بالأسرة، والمؤسسات التربوية وصولا الى السلطة.. غير ان نسب هذه المسؤولية تتباين من طرف الى آخر.

واللافت ان التحرش الجنسي بنسخته العراقية!أفرز ثلاث مفارقات:

الأولى: ان كثيرين اشاروا الى غياب الوازع الديني.. والمفارقة.. أن الدولة تحكمها احزاب الاسلام الساسي وهنالك اكثر من خمسين فضائية عراقية بينها من يملكها قادة احزاب اسلامية واخرى يملكها معممون!

والثانية: ان التحرش الجنسي اصبح قضية عشائرية، اذ يطلب من المتحرش دفع ملايين الدنانير لعشيرة البنت التي تحرش بها، او اجباره على الزواج منها.

والثالثة: ان كثيرين يدعون الى الحجاب بوصفه وسيلة ضامنة ضد التحرش الجنسي، فيما افادت محجبات عراقيات بأنهن تعرضن الى التحرش.

والاستنتاج (العراقي الجديد) هو ان التحرش الجنسي.. ازمة قيم ناجمة عن ازمة سياسة، تتعلق بالضمير الاخلاقي تحديدا. فما لا يدركه كثيرون ان افدح كوارثنا الاخلاقية والاجتماعية هو ما حصل (للضمير العراقي) في السنوات الأربعين الأخيرة، بوصفه (القاضي) الذي يحاسبنا على اخطائنا، او(الحارس) او (الرادع) الذي يردعنا حين نهم في القيام بعمل غير اخلاقي.

وتشير الدراسات الاجتماعية عبر التاريخ الى ان ألد ثلاثة أعداء للضمير هي: الحروب والظلم والكراهية، وأن افدح الاضرار الاجتماعية للحرب الطويلة انها تحدث تخلخلا في المنظومات القيمية للأفراد، وتضعف الضمير عند كثيرين، وتهرؤه عند آخرين، وتدخله في غيبوبة عند اغلبية مطلقة.. فكيف بالعراقيين الذين خبروا اربعة حروب كارثية في الأربعين سنة الأخيرة. فضلا عن اننا نفتقد الحاكم القدوة، بل ان البرلمان الذي ينبغي ان يكون ممثلا للشعب في الأخلاق ايضا، صار مضرب الأمثال في الفساد المالي والأخلاقي.

ومع ان بعض الدول اتخذت اجراءات صارمة بحق المتحرش جنسيا في العمل الوظيفي، فان دولا اخرى بينها العراق ما تزال اجراءاتها دون مستوى الحد منه. فالمشرّع العراقي، وفقا للدكتور رياض السندي( لم يورد تعريفا محددا لـ (التحرش) في قانون العقوبات العراقي رقم 111لسنة 1969 المعدل النافذ، بل اورده ضمن الجرائم المخلة بالاخلاق والاداب العامة حيث نصت المادة 402 منه على ان:

1- يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين دينارا او باحدى هاتين العقوبتين :

أ- من طلب امورا مخالفة للاداب من آخر ذكرا كان ام انثى،

ب. من تعرض لانثى في محل عام باقوال او افعال او اشارات على وجه يخدش حياءها).

ويضيف بأن تعريف التحرش الجنسي ورد (في قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 النافذ بأنه اي سلوك جسدي او شفهي ذو طبيعة جنسية، او اي سلوك اخر يستند الى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال ويكون غير مرغوبا وغير معقولا ومهينا لمن يتلقاه ويؤدي الى رفض اي شخص او عدم خضوعه لهذا الوضع صراحة او ضمنا لاتخاذ قرار يؤثر على وظيفته، ونصت في المادة 11 منه بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر وبغرامة لا تزيد على مليون دينارا او باحداهن). ومع ان هذه العقوبة تبدو مقبولة لكنها تتعرض لأنتهاكات في التطبيق فضلا عن عدم وجود ثقافة اعلامية تشيعها بين الشباب بشكل خاص.

ولأن اصلاح العملية السياسية في العراق امر صعب ما يعني انها ستبقى منتجة للأزمات فان هنالك أربعة مصادر قوية يمكنها ان تحول دون تحول التحرش الجنسي الى ظاهرة تتمثل بالأسرة لاسيما متابعة الفتاة من حيث نوعية ملابسها، مساحيق الزينة، وطريقة مشيها في الأماكن العامة، والحركات ونظرات العيون وكل ما يجذب المتحرش او يفهمه بانها دعوة ليتقدم، والمؤسسات التربوية، ووسائل الأعلام، ورابعها خطباء الجوامع والحسينيات.

ولتحقيق ذلك، فأن الأمر يتطلب عقد ندوة علمية تخرج بتوصيات ملزمة، يشارك فيها ممثلون عن الحكومة(وزارة الداخلية)، ومجلس النواب، واكاديميون ورجال دين.. ونقترح على وزارة الثقا فة او وزارة التعليم العالي ممثلة بمركز البحوث النفسية.. القيام بهذه المهمة الأخلاقية النبيلة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

رئيس المجلس الاستشاري للثقافة والاعلام بالعراق

الأتحاد الدولي للصحافة العربية

 

عدنان عويد(رداً على  مبدأ الجبرية عند الشاعرة)

لقد كان للفيلسوف العربي العقلاني ابن رشد، موقفا كلامياً وفقهياً من مسألة القضاء والقدر، أو ما يسمى عند علماء الكلام بالتجوز، كما يقول المتكلمون الأشاعرة. أي القول بأن كل شيء في هذا الكون مخلوق لله، وبالتالي كل حركات الإنسان وسكناته مسجلة في لوح محفوظ. مع إنكار طبائع الأشياء وأسباب قيامها، فالله في مسألة التجويز والقدرة، قادر على أن يخلق (من الفأرة جملاً أو العكس) على سبيل المثال هنا لا الحصر. وهذا هو مبدأ التجويز الذي لا يؤمن كما قلنا بثبات سمات وخصائص الأشياء، حيث أثبت العلم أن للجينات تأثير على المورثات، ولقانون الجاذبية دور في سقوط الأشياء من اعلِى، وغير ذلك من قوانين في الطبيعة والمجتمع أثبتتها الخبرة والتجربة الإنسانيتين.

لقد انطلق ابن رشد في بناء موقفه العقلاني هذا الرافض أو الناكر للموقف الجبري التجويزي في عصره على مسألتين أساسيتين، وجد فيهما إنكاراً لدور العقل الإنساني وحرية الإرادة الإنسانية، وهما:

الأولى قوله بالحكمة الإلهية في الخلق:

حيث يؤكد هنا : بأن الله هو خالق هذا الكون بنظامه وبطبيعة الأسباب المتحكمة في هذا النظام. وبالتالي فإن مسألة نظام هذا الكون القائم على (السببية) عنده، يؤكد وجود الله وقدرته وحكمته في خلق الكون على سنة ثابته، (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.). الفتح- 23.

إن الله عز وجل وفق هذه الرؤية كما يقول ابن رشد له سنة ثابته في خلقه لهذا الكون، قائمة على النظام وليس على الفوضى في الخلق من جهة، ومن جهة أخرى إن كل ما يقوم بخلقه له أسبابه، وهناك آلية عمل أو ميكانزيم  تتحكم في حركة الظواهر أي مخلوقاته وتطورها وتبدلها، ولم يكن الله بخلقه عبثياً أو مزاجياً. وهذا ما أكده العلم وتطوره المستمر برأينا في عصرنا الحالي من حيث سمات وخصائص وطبائع المخلوقات، فعلم الجينات استطاع أن يبين لنا الكثير من السمات والخصائص والطباع البيولوجية للإنسان والنبات والحيوان على سبيل المثال لا الحصر.

الثانية  المصالح والغايات من وراء الخلق:

يقول ابن رشد: إن الله جل جلاله لا يخلق من أجل التسلية وإثبات الذات وإدهاش الآخرين وتبيان قدرته في الخلق حتى يقنع الاخرين به وقبول عبادته والانصياع لأوامره. (إن الله غني عن العالمين). وإنما الخلق عنده يأتي وراءه مصالح الناس وحاجاتهم من أجل البقاء وإعمار هذه الحياة، فالإنسان خليفة الله على هذه الأرض وهو الذي سخر له هذا الكون بكل ما فيه لمصلحته ورعايته.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

صادق السامرائيالإنتحار ظاهرة سلوكية رافقت البشر مثلما رافقه القتل منذ الأزل وقد تشترك معه العديد من المخلوقات الأخرى، بل أن الكواكب والنجوم وغيرها من الأجرام في تفاعلات إنتحارية متواصلة.

ومنذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين والمختصون بالعلوم النفسية والسلوكية يحسبون الإنتحار عَرضا ولا يخطر على بالهم أنه مرض، ولهذا تجدهم يوعزونه إلى الكآبة وما يتسبب بها من سلوكيات كتناول العقاقير والمخدرات والإدمان بأنواعه ومشاربه.

وحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية فأن أكثر من مليون شخص ينتحر سنويا، وهذا المعدل لم تطرأ عليه تغيرات واضحة بعد إكتشاف الأدوية المعالجة للكآبة، وكلما إزداد عدد البشر إزداد عدد المنتخرين، وهذا يعني أن الجهود المبذولة للقضاء على الإنتحار لم تتكلل بنجاحات باهرة.

فالإنتحار ثاني سبب لموت البنات ما بين عمر (15-19)، وهو السبب العاشر للوفاة، وفي أمريكا ينتحر أكثر من (44000) شخص سنويا، وكل إنتحار يترافق مع (25) محاولة إنتحار، والإنتحار يكلف الخزينة أكثر من (51) بليون سنويا.

وينتحر (13.26) من (100000) شخص سنويا، أي بمعدل (121) شخص يوميا، وإستخدام الأسلحة النارية يكون في (50%) من الإنتحار، والرجال ينتحرون أكثر من النساء بمعدل مضاعف (3.5)، وتكون أعلى نسبة له في متوسطي الأعمار.

والعديد من دول العالم لا تحتفظ بإحصاءات دقيقة يمكن بها دراسة نسب الإنتحار فيها، لكن ما يقارب (800000) شخص ينتحر في العالم كل عام، فالإنتحار هو السبب الثاني للوفاة للأعمار مابين (15-29) و ويبدو أن أكثر من (78%) من المنتحرين في المجتمعات الفقيرة وذات الدخل المحدود.

ومعظم العوامل المؤدية للإنتحار هي الإقتصادية والإعتقادية والعلاقات بين الناس والأمراض المزمنة والآلام المرافقة لها وكذلك الأمراض الخبيثة، كما أنها أكثر في المجتمعات التي تعاني من الطائفية والتميز العنصري وفي المهجرين واللاجئين وغيرهم، وما يقرب من (30%) من المنتحرين يستخدمون المبيدات الحشرية، والمعروف أن كل شيئ قاتل يكون في المتناول يُستخدم للإنتحار.

وتسعى الأمم المتحدة والمنظمات العالمية لوضع مناهج توعية لكي يكون الناس على دراية بمخاطر الإنتحار وما يؤدي إليه وهل يمكن التفاعل للحد منه، وهناك خطة عالمية لتقليل الإنتحار بنسبة (10%) في عام 2020، وهذا قد يكون بعيد المنال، لأن نسبة الإنتحار تتخذ منحى تصاعدي، ولا تقل إلا في زمن الحروب والتحديات المصيرية الشاملة، عندما يقف الناس جميعا في مواجهة مصيرهم ويستشعرون بأن الحياة قد تضيع منهم.

لكن الإنتحار كسلوك قد يتخذ توجهات جماعية وإجتماعية، كأن تقرر جماعة من الناس الإنتحار، أو مجتمعات عن وعي أو لا وعي تخوض غمار الإنتحار، وكم من المجتمعات والشعوب قد إنتحرت عبر العصور، وحتى بعض الحيوانات لديها مسيرات إنتحار جماعية، وكم من الحيوانات تعبر المياه المحتشدة بالتماسيح في قفزات إنتحارية ينجو فيها مَن ينجو ويموت مَن يموت.

ومن الواضح أن العرب قد إنتحروا في الأندلس، فسلوكهم على مدى قرون كان إنتحاري الطباع حتى أدى بهم إلى الفناء، واليوم تحصل في المجتمعات العربية ذات السلوكيات الإنتحارية التي مارسوها في الأندلس، وهذا يعني أن الضعف سيدب والصراعات ستتواصل حتى تحقيق غايتها الفنائية.

فهل من قدرات وعي لما تتسبب به السلوكيات الإنتحارية الفاعلة في مجتمعاتنا؟!!

إنها تساؤلات قد تبدو غريبة لكن الواقع يتكلم بلغة يمكن حل رموزها ومعرفة عباراتها ومدلولاتها.

وهي تقول إنكم يا عرب تنتحرون!!

 

د. صادق السامرائي

.......................

* الإحصاءات قد تتباين وتتغير وفقا لمصادرها.

 

حسين سرمك حسنمؤامرة: البدء بتأسيس الجماعات الاسلامية المسلحة في أفغانستان قبل الغزو السوفيتي لها بستة أشهر:

أمريكا بدأت بتأسيس تنظيم القاعدة في افغانستان قبل الغزو السوفيتي لأفغانستان بستة أشهر .

مَنْ الذي اعترف بذلك؟

إنه مستشار الأمن القومي الشهير: زينغيو بيرجنسكي

كان الكثيرون يعتقدون أن بدء المخطط الأمريكي في تشكيل جماعات الحركات الإسلامية في أفغانستان والتحشيد لها عالميا بين الشباب المسلم الذين بلغ عددهم 35000 شخصاً آنذاك جاء بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان، في حين ثبت الآن – وباوثائق - أنّ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وقّع في 3 تموز/يوليو 1979 - ولاحظ التاريخ سيّدي القارىء - أمراً بتقديم المساعدات السرّية للمعارضين المجاهدين ضد النظام الموالي للسوفيت في كابول (لاحظ أن التدخل الأمريكي قبل الغزو السوفيتي لأفغانستان، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تُدرّب المجاهدين منذ عام 1978) . وفي كانون الأول / ديسمبر 1979 غزا الجيش السوفيتي أفغانستان، وبعده بدأت وكالة المخابرات المركزية بتقديم المساعدات للمجاهدين علناً. وكانت الغاية اصطياد السوفيت في حرب طويلة ومُكلفة مُصمَّمة لاستنزاف مواردهم مثلما حصل للولايات المتحدة في حرب فيتنام. وهذا ما اعترف به نصّاً زبينغيو بيرجنسكي في مقابلة مع صحيفة لونوفيل أوبزرفاتور الفرنسية - 12/تشرين الأول/  1998 حين قال بكل وضوح:

(حسب الرواية الرسمية للتاريخ، فإن مساعدة الـ CIA للمجاهدين بدأت في عام 1980، أي بعد غزو الجيش السوفيتي لأفغانستان في 24 كانون الأول 1979 . ولكن الواقع الذي حُفظ سرّاً لحد الآن، مغاير لذلك تماماً: في الحقيقة، في 3 تموز 1979 وقّع الرئيس كارتر الأمر الإداري الأول للمساعدة السرّية للمعارضين للنظام المناصر للسوفيت في كابول. وفي ذلك اليوم تحديداً، كتبتُ ملاحظة للرئيس شرحتُ فيها له أنّ هذه المساعدة سوف تسبّب التدخل السوفيتي العسكري في أفغانستان. ونحن لدينا الفرصة الآن لأعطاء الروس فيتنام الخاصّة بهم).

973 سرمك 1

(صورة: قال زبينغيو بيرجنسكي في مقابلته مع صحيفة لونوفيل أوبزرفاتيور الفرنسية 15 جانون الثاتي 1998: "أدوات الإرهاب الإسلامي خُلقت من قبل مخابرات الولايات المتحدة كسلاح جيوبولوتيكي"

973 سرمك 2

(صور من عام 1979: مستشار الأمن الأمريكي بيرجنسكي ويُزعم أن مَنْ يقف بقربه هو أسامة بن لادن أيام كان يتدرب في باكستان)

 مؤامرة: بيرجنسكي لا يندم على ما فعله من إنشاء الإرهاب "الإسلامي" ونشره في العالم:

سؤال: بالرغم من الخطر، انت تتبنّى هذا العمل السرّي . ولكن ربما أنت نفسك كنتَ ترغب بدخول السوفيت في الحرب وسعيتَ لإثارته ؟

بريجنسكي: ليس الأمر بالضبط كذلك. نحن لم ندفع الروس للتدخل، ولكننا رفعنا احتمالية أنّهم سوف يتدخّلون.

سؤال: عندما برّر الروس تدخّلهم بأنّهم كانوا يقصدون مواجهة تدخّل سرّي للولايات المتحدة في أفغانستان، الشعب لم يصدّقهم . ومع ذلك كان هناك أساس للحقيقة . ألست نادماً على أي شيء اليوم ؟

بريجنسكي: ندم على ماذا ؟ تلك العملية السرّية كانت فكرة ممتازة . كان لها تأثير في استدراج السوفيت إلى فخ أفغاني، وتريد منّي الندم عليها ؟!! في اليوم الذي عبر فيه السوفيت الحدود كتبت للرئيس كارتر: نحن لدينا الفرصة الآن لأعطاء الروس فيتنام الخاصّة بهم . وفعلاً، ولأكثر من عشر سنوات، كان على موسكو أن تشن حرباً غير محتملة من قبل الحكومة، صراع حطّم معنويات السوفيت ثم أهار امبراطوريتهم . 

سؤال: ولست نادماً حتى على مساندة الإسلأميين المعادين للحداثة، مقدّماً السلاح والنصيحة للإرهابيين مستقبلاً ؟

بريجنسكي: ما هو الأهم بالنسبة لتاريخ العالم ؟ الطالبان أم انهيار الامبراطورية السوفيتية ؟ بعض التعزيز للمسلمين أو تحرير وسط أوروبا ونهاية الحرب الباردة ؟

سؤال: بعض التعزيز للمسلمين ؟! ولكن قيل ويُعاد القول: الأصولية الإسلامية تمثل رعب العالم اليوم .

بريجنسكي: هُراء . لقد قيل إن الغرب لديه سياسة عالمية تجاه الإسلام . هذا سخف . لا يوجد إسلام عالمي . انظر إلى الإسلام بطريقة منطقية وبلا غوغائية أو انفعالية . إنّه الدين الرئيسي في العالم وله 1,5 مليار من التابعين . ولكن ما هو الشيء المشترك بين الإصوليين السعوديين، والمعتدلين المغاربة، والعسكرية الباكستانية، وحلفاء الغرب من المصريين، أو العلمانيين في وسط آسيا ؟ ليس أكثر من الشيء المشترك الذي يوحّد البلدان المسيحية".

مؤامرة: حتى في توصيل طبعة كاملة من عدد مجلة لونوفيل أوبزرفاتيور إلى أمريكا

هناك على الأقل طبعتان من عدد هذه المجلة ؛ ومع استثناء مكتبة الكونغرس، فقد كانت الطبعة التي أرسلت إلى الولايات المتحدة أقصر من الطبعة الفرنسية، ولم تكن فيها مقابلة بريجنسكي !!) .

مؤامرة طالبان: حكاية هذه الصورة: وفد طالبان في البيت الأبيض بضيافة الرئيس رونالد ريغان الذين قال عنهم "إنهم مقاتلون من أجل الحرية يحملون قيم آبائنا الأمريكان المؤسسين الأوائل !!!"

973 سرمك 3

عندما أصبح رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة في 1981 قيّم المجاهدين بدرجة أكبر ووصفهم بـ "مقاتلين من أجل الحرّية" و "إنهم يحملون قيم آبائنا المؤسسين الأوائل !!!!"، وضاعف المساعدات لأمراء الحرب الأفغان . وقد تعاونت باكستان مع الولايات المتحدة لتـوصيل تلك المساعدات إلى المجاهدين .

في 21 آذار/مارس 1985 أعلن الرئيس ريغان "يوم أفغانستان" لدعم قضية المجاهدين، وأصدر الأمر المرقم 166 المتعلق بالأمن القومي الذي ينص على زيادة المساعدات العسكرية السرّية للمجاهدين وبضمنها التكنولوجيا والتدريب العسكري . بدأت وكالة المخابرات بتزويد المجاهدين بمعلومات الأقمار الصناعية الاستطلاعية عن الأهداف السوفيتية ومواجهة الإتصالات السوفيتية . درّبت الوكالة المجاهدين على أعمال التخريب، والقنص، وتكتيكات حرب العصابات، ومتفجرات الـ C-4، وزوّدتهم أيضاً بالـ C-4، والقذائف المضادة للدبابات، وصواريخ ستنجر المضادة للطائرات (وهذه حققت انقلابا في جسامة خسائر القوات الجوية السوفيتية)، وتجهيزات أخرى وتدريب سرّي .

مع عام 1987 حصل ارتفاع دراماتيكي في المساعدات العسكرية حيث بلغت 65,000 طن سنوياً، مع سيل لا ينقطع من اختصاصيي البنتاغون والسي آي إيه، الذين كانوا يسافرون إلى موقع سرّي للمخابرات الباكستانية على الطريق الرئيسي قرب روالبندي في باكستان (واشنطن بوست – 19/تموز/1992) .

وبين عامي 1978 و 1992، وهي فترة حكم الحزب الديمقراطي الأفغاني، قامت واشنطن بإيصال نحو أربعة ملايين دولار لجماعات المجاهدين . وكانت خطة بريجنسكي هي العمل على تكوين حركة دولية يمكن أن تتولى نشر الأصولية الإسلامية في وسط آسيا، وزعزعة الاتحاد السوفيتي على نحو ما كتب في مذكراته.

مؤامرة: أسقطت أمريكا الحكومة العلمانية في أفغانستان .. وجاءت بحكومات التطرّف "الإسلامي" .. هكذا:

وضعت الحكومة العلمانية في أفغانستان إطارا لبرنامج إصلاحي تضمّن إلغاء النفوذ الإقطاعي في أقاليم الدولة، وحرّية العبادة، والحقوق المتساوية للنساء، ومنح الحقوق التي كانت منكورة حتى ذلك الوقت لمختلف الأقليات الإثنية . وتم إطلاق سراح ثلاثة عشر ألفا من المسجونين . كما أُحرقت علنا ملفات الشرطة.

وفي ظل النظام القبلي والإقطاعي كان متوسط العمر لا يتجاوز خمسة وثلاثين عاما، وكان واحدا تقريبا من بين كل ثلاثة أطفال يموت خلال مرحلة الطفولة . كان تسعون بالمائة من السكان يعانون من سوء التغذية، ووفرت الحكومة الجديدة الرعاية الطبية المجانية في أكثر المناطق فقراً . وأُلغى نظام العمل بالسخرة، وبدأ تنفيذ حملة جماعية شاملة لمحو الأمية. وحصلت النساء على مكاسب لم يُسمع بها من قبل، "فمع نهاية الثمانينات كان نصف طلبة الجامعة من النساء، وكان النساء يشكلن نسبة أربعين في المائة من عدد الأطباء في أفغانستان، وسبعين في المائة من المعلمين، وثلاثين في المائة من موظفي الخدمة المدنية .

مؤامرة مع سبق الإصرار والترصّد: اقرأ بيان السفارة الأمريكية في أفغانستان عام 1979 عن الخسائر "الجانبية" المتوقعة من إسقاط أمريكا للحكومة العلمانية !!!!!

في صيف 1979، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية مذكرة عرضت فيها موقف الحكومة الأميركية من الوضع بوضوح شديد لا علاقة له بِكَمْ هي حديثة عقلية حكومة تاراقي ولا كمْ هم إقطاعيون خصومها المجاهدين. إنّه مقطع آخر سوف يخجل منه الأحفاد الأميركان:

ففي أغسطس عام 1979، ذكرت السفارة الأمريكية في كابول في تقرير لها: "إن مصالح واسعة النطاق للولايات المتحدة يمكن خدمتها في حال سقوط (حكومة حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني) على الرغم مما يمكن أن يعنيه ذلك من انتكاسات بالنسبة للإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية في افغانستان.. إن إسقاط حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني سيظهر لباقي دول العالم، خصوصاً دول العالم الثالث أن وجهة نظر السوفييت حول حتمية المسار الإشتراكي للتاريخ غير صحيحة" (!!)

وعلى ذلك فإن واشنطن قد بدأت علاقة فاوستية مع البعض من أكثر المتعصبين وحشية على وجه الأرض، رجال مثل قلب الدين حكمتيار تلقوا من وكالة المخابرات المركزية (سي . آي . إيه) عشرات الملايين من الدولارات . وكان ما يميّز حكمتيار هو التجارة بالأفيون والقذف بالمواد الكاوية على وجوه النساء اللاتي يرفضن ارتداء النقاب . ولدى دعوته لزيارة لندن عام 1986، كان الترحيب من جانب رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر باعتباره "مقاتلا من أجل الحرية" 

973 سرمك 4

(صورة: رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر استقبلت حكمتيار في لندن باعتباره "مقاتلا من أجل الحرية")

973 سرمك 5

1- هذا حال المرأة الأفغانية قبل إسقاط أمريكا للحكومة العلمانية

973 سرمك 6

(2). وهذا حال المرأة الأفغانية بعد نجاح أمريكا في إسقاط الحكومة الأفغانية وتنصيب حكومة "المقاتلين من أجل الحرية والذين يحملون قيم الآباء الأمريكان المؤسسين الأوائل" حسب وصف الرئيس رونالد ريغان:

973 سرمك 7

(صورة: إعدام امرأة أفغانية بالبندقية في ملعب رياضي في ظل حكومة المقاتلين من أجل الحرية الذين يحملون قيم الآباء الأمريكيين المؤسسين الأوائل كما وصفهم الرئيس رونالد ريغان)

973 سرمك 8

(صورة لمقاتل أفغاني من أجل الحرية يجلد امرأة أفغانية وهو يحمل قيم الآباء الأمريكان المؤسسين الأوائل حسب وصف الرئيس رونالد ريغان)

الدكتور حسين سرمك حسن

16- حزيران – 2019

 

 

محمود محمد عليمن الأمور العسيرة أن يحاول المرء أن يكتب عن إنجازات إنسان قريب إلي عقله وقلبه، فالموضوعية والحياد قد لا يتوافران بالقدر الكافي، لكني سأحاول قدر الإمكان أن أكون موضوعياً في حديثنا عن مفكرنا الكبير . ينتمي الدكتور صلاح إسماعيل عبد الحق أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعه القاهرة، روحاً ومكانة، إلي الجيل الموسوعي من المفكرين الذين يصعب أن تحدد ميداناً بعينه لإسهاماتهم، فعلي الرغم من أن التخصص الدقيق للدكتور هو فلسفة واللغة والعقل، إلا أن كتاباته تعدت هذه المجالات إلي ميادين وموضوعات أكثر رحابة وتنوعاً . أما عن ترجمات الدكتور صلاح إسماعيل فقد تعددت وتنوعت أيضاً لتشمل العديد من الكتب المهمة في مجال فلسفة العقل والفلسفة المعاصرة .

لقد كان الأستاذ الدكتور "صلاح إسماعيل" أحد أعلام الفلسفة الحديثة والمعاصرة المصريين الأفذاذ،  حيث قدم إلي الفلسفة العربية فرعين هما فلسفة اللغة، وفلسفة العقل، إلى جانب إسهامه فى الإبستمولوجيا المعاصرة. ومن خلال علاقتي به وقراءتي لكتاباته وأبحاثه، اكتشفت أنه مفكر جدير، إذ يُعدّ أحد القامات الفكرية المصرية في عالم الفلسفة والفكر، فعندما تستمع إليه في حلقات البحث والنقاش، وفي الندوات أو المساجلات الفكرية تجد نفسك أمام عالم كبير يصعب أن يصمد أمامه أي منافس أو محاور أو مجادل؛ فعندما يكتب عن فلسفة اللغة أشعر بأن أنفاسه تترد بين الكلمات، وأن روحه المترددة القلقة تبعث بداخلي حيرة جميلة، وتثير في أعماقي السؤال تلو السؤال . وصلاح إسماعيل علي الأوراق هو صلاح إسماعيل في الحياة .. لا فرق بين الإنسان المبدع .. كلماته عندما يحادثك هي نفسها كلماته التي يكتبها . وعندما أقرأ عبارة واحدة أو سطراً له في كتاب أو بحث ما لست بحاجة إلي أن أبحث عن الاسم، فاسمه منقوش بثنايا كلماته وتراكيب عباراته .

وقد ولد الدكتور صلاح إسماعيل في الثاني من مارس لعام 1960م في قرية الرياض بمركز ناصر بمحافظة بني سويف (بجمهورية مصر العربية)، وقد حصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1983 وعين معيدا في العام نفسه، ثم حصل على الماجستير فى الفلسفة المعاصرة من آداب القاهرة بتقدير ممتاز عام 1988، وعين مدرساً مساعداً في العام نفسه، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من آداب القاهرة بمرتبة الشرف الأولى، وعين مدرسا عام 1995، وفي عام 2001م عين أستاذاً مساعداً، ثم حصل على الأستاذية بأعلى درجات يحصل عليها أستاذ في الجامعة، وعين أستاذاً للفلسفة المعاصرة عام 2008. وقد عمل مدرساً بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الإمارات العربية المتحدة في الفترة ما بين عام 1997 وعام 2001. وكان يحصل على أعلى التقديرات في استبانة رأى الطلاب في الأستاذ.

وقد ترك لنا صلاح  إسماعيل العديد من الكتب والأبحاث التي تكشف عن عمق أفكاره وغزارة اطلاعه علي الفلسفة الغربية قديمها وحديثها، ومن بين كتبه وأبحاثه علي سبيل المثال لا الحصر: التحليل اللغوي عند مدرسة أكسفورد، وفلسفة اللغة والمنطق: دراسة فى فلسفة كواين، قضايا إشكالية فى الفكر الإسلامي المعاصر (بالاشتراك)، وبناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية (بالاشتراك) فى مجلدين، والإبستمولوجيا الطبيعية، ونظرية المعرفة المعاصرة، والنظرية القصدية فى المعنى عند جرايس، ونظرية جون سيرل في القصدية: دراسة فى فلسفة العقل، وفلسفة العقل: دراسة فى فلسفة جون سيرل، والبراجماتية الجديدة: فلسفة ريتشارد رورتى، وفلسفة اللغة، واللغة والعقل والعلم في الفلسفة المعاصرة، ومفهوم الصدق عند ديفيدسون، وفلسفة العقل عند ڤتجنشتين، ودراسة المفاهيم من زاوية فلسفية، إسلامية المعرفة، ومفهوم المعرفة في الفلسفة المعاصرة، ونظريات التسويغ المعرفى، وجون سيرل ومشكلة الوعى.

كما ترجم العديد من الكتب الأجنبية مثل كتاب العقل واللغة والمجتمع: الفلسفة في العالم الواقعي لجون سيرل، وكتاب ڤتجنشتين لهانس سلوجا، وكتاب المنطق: مقدمة موجزة لجراهام بريست، وكتاب ڤتجنشتين: مقدمة موجزة، وكتاب المادة والعقل: بحث فلسفى لماريو بونجى، وبحث عن التحول اللغوي في الفلسفة التحليلية، المخاطبات لبيتر هاكر، وكتاب ممارسة العلم فى ضوء الفلسفة لماريو بونجى.

وكان الدكتور صلاح إسماعيل من المهتمين بدراسة المفاهيم وعلاقتها بالمعني من زاوية فلسفية، حيث يسأل الدكتور سؤالاً مهما وهو : ما العلة في حياتنا الفكرية؟ يقول : وفي كل مرة يأتيني الجواب: العلة هي غموض الأفكار أو المفاهيم تارة، أو تحريفها تارة أخري . ثم يسأل وكيف السبيل لحل ذلك ؟ فيجيب أنه لا بد للنظر إلي المفاهيم من زوايا متنوعة، إذ يمكن دراستها من منظور لغوي أو نفسي أو فلسفي، وهلم جرا، إلا أنه لا يفعل ذلك، بل يلجأ إلي النظر إلي المفاهيم من زوايا فلسفية، وبخاصة من الناحيتين الدلالية والمعرفية، فيؤكد صلاح إسماعيل أنه لا بد من ضرورة توضيح المفاهيم أولاً، ثم تحليل بنية المفاهيم لنميز بين العناصر الأساسية والعناصر الإضافية في هذه البنية ثانياً، ثم يأتي الجزء الثالث ليربط توضيح المفاهيم بنظرية المعني علي أساس أن المفهوم الواضح هو الذي يحتوي علي معان واضحة يمكن إدراكها بسهولة ويسر.

أما بالنسبة لتوضيح المفاهيم فهي في نظر صلاح إسماعيل تمثل ضرورة معرفية، حيث يقول: عندما ننظر إلي أي نسق معرفي لأية حضارة من الحضارات، نجد أنه يتألف علي وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي لأية حضارة يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول صلاح إسماعيل هو: "ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى . فمفهوم " الإنسان" بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، و(ماصدقاته) هي محمد وأحمد وسائر أفراد الناس. ولكننا سننظر إلي المفهوم كما يقول صلاح إسماعيل نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفاً جامعاً مانعاً بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. والمفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته . وعلي هذا النحو فإنني أعني بالمفاهيم المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم الحرية، والعدالة، والمساواة، والحق، والخير، والجمال".

ثم يؤكد صلاح إسماعيل أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل علي شئ، وقيل للمسافر هذه خريطة –علي معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلي تقدم المعرفة عند ربطه بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلي سواء السبيل عندما يسلك المرء علي أساسه . أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطاً غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكاً لشخص أضله لأنه لا يهدي إلي شئ ولا يدل علي شئ.

علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده صلاح إسماعيل لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديداً يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضارياً وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة، مثال ذلك ما حدث لمفهوم "العلم". فمفهوم العلم في خصوصيته المعرفية الإسلامية واسع الدلالة، ولكن جرت محاولة لطمس بعض هذه الدلالات أو وصفها باللغو واللاعلم، وتم قصر دلالة المفهوم علي دلالة محددة هي العلم الطبيعي. ليس هذا فحسب، بل تم إدخال دلالات غربية عليه مثل اعتبار العلم مناقضاً للدين. وهذه الظاهرة التي يسميها صلاح إسماعيل "الاحتلال المفهومي" جديرة بالدراسة والتحليل.

وهناك ظاهرة أخري تكشف عنها عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده صلاح إسماعيل، وهي ما يسميه " الحراك المفهومي"، ومؤداه أن بعض المفاهيم تتبادل المراكز فيما بينها، بحيث يصبح المفهوم الفرعي مفهوماً أصلياً يحتل مركز الاهتمام، ويحدث ذلك بقصد في أحيان كثيرة، ويكون نتيجة من النتائج المترتبة علي الغزو الثقافي، أو بغير قصد في أحيان قليلة ويكون نتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية غير المناسبة التي تمر بها الحضارة في حالة ضعفها . مثال ذلك أن هناك تدرجاً في دوائر الانتماء، فالدائرة الأولي تبدأ بالفرد نفسه، ثم تتسع الدائرة الثانية لتشمل العائلة، ثم الثالثة لتشمل الوطن، ثم الرابعة لتشمل الأمة حيث العقيدة هي الرابط الأساسي بغض النظر عن الوطن واللغة، ثم الخامسة لتشمل الإنسانية جمعاء" كلكم لآدام وآدم من تراب" .

ثم يتحدث صلاح إسماعيل بعد ذلك عن تحليل بنية المفاهيم، حيث يقول : تتألف بنية أي مفهوم من مجموعة من العناصر المكونة له، وهذه العناصر لا تأتي بدرجة واحدة من حيث البناء والأهمية، بل هناك عناصر أساسية وأخري مكملة لها وقد تشتق نها أحيانا، والعناصر الأساسية تتمتع بأسبقية منطقية في بنية المفهوم، إذ أنها لا تشتق من غيرها وإنما يمكن لغيرها أن يشتق منها، وتشبه هذه العناصر الأساسية من هذه الزاوية المصادرات أو البديهيات في الأنساق الرياضية والمنطقية، وهي تتمتع بدرجة أكبر من التجريد إذا ما قورنت بغيرها من عناصر المفهوم .

وتبعاً لذلك يقول صلاح إسماعيل : إذا شئنا فهما أفضل لبنية أي مفهوم، فيجب أن نحلل هذه البنية ونحدد عناصرها الأساسية وعناصرها الفرعية.  ولكي يوضح صلاح إسماعيل مدي أهمية هذه العملية التحليلية في الإدراك الدقيق والصحيح للمفاهيم واجتناب اللبس وتفادي الخلاف، يمكن أن نتأمل قليلاً " مفهوم العقل" . يقول صلاح إسماعيل :" إذا طرحنا هذا المفهوم للمناقشة طرحاً أوليا دون تحليل بنيته، فسرعان ما يظهر النزاع بين مؤيد وجود العقل ومن ينكر وجوده، ولكن إذا حللنا بنية هذا المفهوم نجد أنه ينقسم علي وجه التقريب إلي ثلاث عائلات من المفاهيم هي : المفاهيم المعرفية مثل العلم والفهم والتفكر والإدراك، ومفاهيم الإرادة مثل العزم والاختيار والقصد، ومفاهيم الاحساس مثل الغضب والخوف واللذة والألم، يقول صلاح إسماعيل :" إذا حللنا بنية مفهوم العقل علي هذا النحو فإن الحوار الذي سوف يدور حوله سوف تتغير طبيعته وطريقته والنتائج التي يمكن أن ينتهي إليها... وبالتالي يتضح مما أسلفنا أن تحليل بنية المفهوم يكشف عن أن بعض المفاهيم تتألف من عناصر محورية أساسية وعناصر أخري تطرأ علي المفهوم من خلال سيرورته الفكرية التاريخية، الأمر الذي يفرض علي القائم بعملية تحليل المفاهيم أن يضع نصب عينيه دائما بعض الدلالات التي تكتسبها المفاهيم في مراحل تاريخية معينة، مما قد يحرك الدلالة الأساسية إلي الهامش ويدفع بالدلالة الإضافية إلي المركز".

أما إذا انتقلنا إلي معالجة صلاح إسماعيل للأمراض الدلالية التي تصيب المفاهيم، ألا وهو تحريف المعني، وفي هذا الصدد نجده يميز بين ظاهرتين دلالتين هما " تغيير المعني " و" تحريف المعني". ولقد حاول صلاح إسماعيل أن يرصد لنا الأسباب التي تؤدي إلي تغيير المعني ومنها : ظهور الحاجات الجديدة، حيث يلجأ أصحاب اللغة إلي الكلمات القديمة التي توارت معانيها فيحيون بعضها ويطلقونها علي المخترعات الحديثة، وفي هذه الحالة نستعمل كلمات قديمة لمعان جديدة فيحدث تغيير في المعني، ومن أبرز الأمثلة علي ذلك كلمات المدفع والدبابة والسيارة والقاطرة والثلاثة والسخان والمذياع والصحف وهلم جرا. ثم العوامل النفسية والاجتماعية؛ حيث نجد ان هناك سبب آخر لتغيير المعني هو الحظر أو التحريم، إذ تمنع اللغات استعمال بعض الكلمات ذات الدلالات البغيضة أو التي توحي بشئ مكروه، ولذلك تستبعدها بدلا منها كلمات أخري، وتدخل الكلمة المستبعدة في إطار كلمات " اللامِساس " علي حين توصف الكلمة المفضلة بأنها من كلمات التلطف . وإذا كان " اللامساس" يؤدي إلي التلطف في التعبير، فإن التلطف يؤدي هو الآخر إلي تغيير المعني . ومن أمثلة ذلك أننا لا نكاد نسمع كلمة " مرحاض" أو " كنيف"، وإنما نسمع بدلاً منها كلمة دورة المياه" أو " التواليت"، وكذلك لا نكاد نسمع كلمة " حبلي" وإنما نسمع كلمة " حامل".

ويترتب علي تغيير المعني في نظر صلاح إسماعيل تغيير المفاهيم نظراً لأن المفاهيم التي نعبر عنها بألفاظ أو مصطلحات هي في جوهرها معان مجردة . ولكن عملية تغيير المعني علي هذا النحو تعد عملية طبيعية ولا غبار عليها، وإنما الشئ الذي يتعين علينا الانتباه إليه هو "تحريف المعني"، وهو أمر مغاير " لتغيير المعني "، ذلك أن تغيير المعني يتم بصورة طبيعية إلي حد كبير ويحظي بقبول عند الجماعات اللغوية والهيئات العلمية. أما تحريف المعني فيحدث تحقيقاً لمقاصد معينة ولأغراض فكرية   ومعرفية عند من يمارسه.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور صلاح إسماعيل لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

منى زيتونفي أي انتخابات رئاسية أو نيابية تُجرى في البلاد العربية، تظهر جماعات وأفراد يلعبون لعبة السياسة متدثرين برداء الدين، لأجل اكتساب ثقة الناخبين، وغالبًا يحصدون نسبة لا بأس بها من أصوات الناخبين، حتى وإن كانوا عديمي القيمة تافهي القدر، لا شيء يؤهلهم لأن نأمل صلاحًا يعود على المجتمع من ارتقائهم السياسي.

فلماذا ينتخب العرب الإسلاميين رغم وجود سابق خيبات لهم فيهم في انتخابات سابقة؟! فلم يتحقق على أيديهم رخاء منشود، ولا خف الفساد الإداري والمالي في أي بلد أعطاهم أبناؤه أصواتهم يومًا ما.

أحاول في هذه المقالة تفسير سر هذه الثقة التي يضعها فيهم الناخبون من منظور علم النفس مع التبسيط الشديد، وعدم الخوض في مصطلحات، وآمل أن تصل الفكرة لغير المتخصصين.

- يوجد في علم النفس ما يُسمى بالاشتراط (الإشراط) الكلاسيكي البسيط، والذي كشف عنه العالم الروسي ايفان بافلوف في مطلع القرن العشرين.

- وهناك ما يُسمى بالفعل المنعكس الطبيعي، مثل سيلان اللعاب عند تناول الطعام، أو طرفة العين عند لفحة الهواء.

- في المثال السابق: إذا اعتبرنا أن تناول الطعام هو المثير، فهو بالتأكيد يؤدي إلى استجابة سيلان اللعاب.

الطعام ← سيلان اللعاب (استجابة طبيعية)

- ومعنى الاشتراط الكلاسيكي أن مثيرًا آخر يكتـــسب خصـــائص المثـــــير الطبيعي، ويصبح هذا المثير الجديد قادرًا على إحداث الاستجابة.

- فمثلًا: إذا كان يُدق جرس قبل تقديم الطعام مباشرة، فسيحدث ارتباط بين المثير الطبيعي (الطعام) والمثير غير الطبيعي (الجرس)، وستحدث الاستجابة وهي نزول كمية من اللعاب.

الجرس + الطعام ←  سيلان اللعاب

- بعد تكرار هذا الاقتران، يكون دق الجرس (مثير غير طبيعي) وحده، دون وجود الطعام، كافيًا لاستثارة استجابة نزول اللعاب، أي أن الاستجابة تحدث لوجود مثير غير مثيرها الأصلي الطبيعي!

الجرس ← سيلان اللعاب (استجابة غير طبيعية)

والآن ما علاقة كل هذا بالانتخابات ومرشحي الانتخابات؟

- من المفترض أن يعطي المواطن صوته لمن يثق به من المرشحين؛ أي أن المرشح الكفء الذي أعرف شخصيته وبرنامجه القوي هو (المثير)، والذي أعطيه ثقتي وصوتي (الاستجابة).

شخص كفء أعرفه وله تاريخه المشرف لدى الناس ← الثقة (استجابة طبيعية) (1)

 

- وهناك مثير آخر يمكن أن يولد استجابة الثقة عند المسلمين، وهو الدين، فإذا اعتبرنا الدين (المثير)، تكون الثقة (الاستجابة).

الدين ← الثقة (استجابة طبيعية)

-  ولكن، لأنه من المفترض أن أعطي صوتي لشخص وليس لدين في الانتخابات، لذا فأنا أبحث عن شخص يكون موضع ثقتي، فإذا كان هذا الشخص الموثوق به لذاته ولمعرفتي به وبصدقه وبكفاءته غير موجود، هنا يلعب الإشراط الكلاسيكي دوره.

- يمكن أن آتي بشخص عادي مغمور غير معروف للناس، وليس له تاريخ لديهم كاف ليولد تلك الثقة كاستجابة في صناديق الانتخابات، بعد أن أقرن هذا الشخص بمثير يستطيع توليد استجابة الثقة، وليس هناك مثير يستطيع توليد الثقة لدى المسلمين أكثر من الدين.

شخص مجهول التاريخ عديم الكفاءة + التدين ← الثقة

- من ثم، يصبح هذا الشخص غير المعروف عديم الكفاءة والخبرات، بعد اقترانه بالدين، وتكرار وتعزيز هذا الاقتران في أذهان الجماهير، قادرًا على توليد استجابة الثقة كاستجابة شرطية غير طبيعية!

شخص مجهول التاريخ عديم الكفاءة ← الثقة (استجابة غير طبيعية) (2)

ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فللاستجابة غير الطبيعية المتكونة خصائص أهمها:

- أنها قابلة للتغير، وتتأثر بالعوامل المختلفة التي تحيط بالكائن الحي وقت اكتسابه لها؛ أي أنه بمنتهى السهولة مثلما تكونت الاستجابة غير الطبيعية (استجابة الثقة) لشخص من المفترض أن لا تتكون تلك الاستجابة له أصلًا، فإنه من الممكن أن تفقد هذه العلاقة قوتها التي تستمدها من اقتران هذا الشخص بالدين (المثير الطبيعي)، إذا ما اهتز هذا الاقتران.

- والأهم من ذلك أنه لا تتساوى الاستجابة الطبيعية مع الاستجابة غير الطبيعية، فالطبيعية أقوى؛ بمعنى أنه في حال وُجد شخص كفء تعرفه وله تاريخه المشرف، قادر على توليد استجابة الثقة بشكل طبيعي، فإن ذلك سيكون أفضل للناخبين من اختيار شخص لأنه اقترن لديهم بالدين، وهم لا يعرفونه ولا يثقون به لذاته.

أي أنه بمقارنة المعادلة (1) والمعادلة (2)، فإن الناخب سيفضل أن يختار الشخص بالمعادلة (1) مقارنة بالشخص في المعادلة (2)، في حال وجود كليهما.

شخص كفء أعرفه وله تاريخه لدى الناس =  الثقة (استجابة طبيعية) (1)

شخص غير كفء مجهول التاريخ يظهر التدين= الثقة (استجابة غير طبيعية) (2)

ولأجل ذلك، فالإسلاميون لا يلعبون وحسب على لعبة بناء الثقة الزائفة فيهم بربط أنفسهم بالدين، وإنما يلعبون لعبة الإشراط الكلاسيكي العكسية مع منافسيهم –في حال وُجد منافس كفء-  سعيًا إلى زعزعة الثقة في هؤلاء الأكفاء، بربطهم بالفساد أو الانحلال وغيرهما مما تأنف منه الجماهير. ولا تتعجب أخي القارئ، حيث يمكن للإسلاميين أن يكونوا ميكيافيليين أكثر من ميكيافيلي، والغاية لديهم تبرر أقذر وأحط الوسائل، مما يجعل أي عاقل يفهم كم يبعدون عن تعاليم الدين، الذي يضحكون على العوام بأنهم أنصاره!

في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية 2012، وخوفًا من شعبية وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، ارتكزت دعاية الإسلاميين المضادة له على أنه يعاقر الخمر، والله وحده أعلم بصحة الأمر، فلم نسمع به إلا في أيام الانتخابات، فلا سمعنا به قبلها ولا بعدها!

وفي الجولة الثانية من الانتخابات، أعيدت الانتخابات بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين، د. محمد مرسي، والذي لم يكن أكثر من مرشح الجماعة، ويفتقد أي خبرة سياسية تؤهله للمنصب الذي ترشح له، والفريق أحمد شفيق، والذي عمل وزيرًا للطيران المدني حوالي عقد من الزمان في عهد مبارك، وكان آخر رئيس وزراء في عهده، ولديه من المؤهلات والخبرات ما يضمن له النجاح الكاسح أمام غريم لا يملك شيئًا ينافسه به، لو كانت الانتخابات أُجريت في بلد متحضر، يعرف أهله على أي أساس يعطون المرشحين أصواتهم. كان برنامج مرسي تمكين الجماعة، بينما كان برنامج شفيق تنمية مصر وإقامتها من كبوتها.

ولكن لأن الثقة تنبني لدى كثيرين منا على الدين، ولأن من يربطون أنفسهم بالدين لا يرون بأسًا في استحلال تشويه سمعة المنافس باتهامات لا أساس لها، لزعزعة الثقة فيه، فقد كيلت لشفيق اتهامات الفساد، وكأنه ليس هو الوزير ذاته الذي لم يكن الإخوان يقدمون طلبات إحاطة واستجواب له في مجلس الشعب لمحاسبته على تقصير أو فساد لأنهم لا يجدون له تقصيرًا ولا فسادًا! كما تم اللعب على فك الارتباط بينه وبين الدين الإسلامي، فكأنه مرشح الأقباط، بينما مرسي هو مرشح المسلمين، فعليك أن تنتخب مرسي –ذلك المجهول عديم الكفاءة-  لتثبت انتماءك لدينك!

ولعل من أطرف الحوادث في التاريخ المعاصر التي تذكرنا بكيف يمكن زعزعة الثقة في الناخب المنافس لتحويل نسبة لا بأس بها عن انتخابه لصالح مرشح لا قيمة له، خسارة أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد الانتخابات النيابية في العشرينات من القرن العشرين، لأن منافسه أفهم أبناء الدائرة الانتخابية بأن وصف لطفي السيد نفسه بالديمقراطي يعني أنه يشجع على الانحلال والفسق! فصدقوه، وما أتفه العوام، وخسر واحد من أكبر مثقفي العرب الانتخابات أمام جاهل!

لكن مع استمرار استشراء الفساد، وقلة المرشحين محل الثقة من الناخبين، سينتخب الناخب العربي الإسلاميين مرات ومرات؛ لأنهم الخيار الأكثر موثوقية بالنسبة له.

صحيح أنه كانت هناك وقائع عديدة عملت على اهتزاز ثقة قطاعات عريضة من الشعوب العربية في بعض رموز التيار الإسلامي، حتى كثرت النكات ورسوم الكاريكاتير التي يطلقونها عليهم، ولكن في كثير من الأحيان لن يجد الناخب عنهم بديلًا.

وكملحوظة هامة على الهامش، فلقد أدى اهتزاز ثقة قطاعات من الشعوب العربية في بعض رموز المتدينين ليس فقط إلى انطفاء استجابة الثقة فيهم، لكونها استجابة شرطية غير طبيعية، سببها اقترانهم بالدين، ولم تكن الثقة يومًا بشخوصهم، بل للأسف كان لذلك أثره على ضعف أو انطفاء استجابة الثقة تجاه الدين، والمفترض أنها استجابة طبيعية! مما أدى لزيادة أعداد من يتطرق إليهم الإلحاد والشك في مجتمعاتنا.

 

د/ منى زيتون

 

كريمة سماعليجاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن الأرض كانت لسانا واحدًا- ويرجح كما تقول الأسطورة - أنها العبرانية، وهي اللغة الأولى التي تكلم بها سكان الارض كما جاء في نفس الاصحاح ان الله لحكمة ما بلبل لسان الأرض أي جعله متعددًا، و لأن حكمته تفوقت على حكمة البشر فالغاية هي دعوة الناس للتعايش على الأرض على اختلاف الألسنة، لكن كيف يتعايشون؟ من المؤكد أن غايته من وراء بلبلة اللسان هو ترجمة ما يقوله الآخرون الذين لا نلتقي معهم في اللغة، اذن فالترجمة كفكرة موجودة بوجود الإنسان على الأرض والاكيد أن من سبقونا اهتدوا للترجمة إيمانًا منهم أن التقدم يستدعي الانفتاح على الآخر والتقارب معه .

ليس موضوع الترجمة ما يعنينا في هذه الأسطر فالترجمة علم قائم له منظروه الذين بإمكانهم الحديث عن نظرياته، وآفاقه، ومعوقاته، وإسهاماته في تأسيس حضارة الشعوب، ما يهمنا هنا هو الحديث عن إشكال أخر ما يكاد يخبو تحت يطفو مجددًا غلى السطح ليصنع سجالًا نخبويا بين مدافع عن فكرة الإقبال على ترجمة الأدب العبري إلى العربية متخلصين من أحكام مسبقة جهزت لنسف أي مجهود بإمكانه أن يخدم الفكر العربي ورافض لهذه الفكرة من منطلق رفض كل تطبيع ثقافي مع الكيان الصهيوني على الأراضي العربية.

ارتفاع الأصوات الداعمة لمطلب تشجيع كل إرادة عربية لترجمة كل ماله علاقة بما ينتجه الفكر الإسرائيلي يضعنا كل مرة أمام التساؤل عن مشروعية الفكرة و غايتها، آلا يعتبر ذلك تطبيعًا وانفتاحًا على الاخر بما يخدم مصالحه وقد سجلت تجارب عديده تذهب في هذا الاتجاه أم أن ترجمة الأعمال العبرية إلى العربية آلية من آليات فهم سيكولوجية الآخر وتفكيك آهداف الآخر "العدو"؟

كيف نميز تلك الشعرة الرفيعة بين التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني و الترجمة بوصفها حركة ادبية مساهمة في معرفة الآخر وتفكيكه؟

علينا أن نتفق بداية أن الترجمة في الوطن العربي منذ قيام الدولة الحديثة تمر بركود أثّر على الإنتاج الادبي،، ومن هذا المنطلق لا يمكننا بأي شكل من الاشكال أن نقيم حركة ترجمة الأعمال العبرية إلى العربية بعيدا عن حالة الترجمة في الوطن العربي بشكل عام، غير أنه يمكننا لاحقًا و بكل موضوعية أن نتساءل عن ندرة لأعمال العبرية المترجمة للعربية إن كان ذلك يتعلق بعمل ثقافي ارتبط بقرار سياسي رافض للتطبيع، أو لا يعدو الأمر أن يكون تكاسلا وغياب استراتيجية تتعلق بالترجمة في الوطن العربي؟

شهد منتصف ستينيات القرن الماضي ترجمة أعمال عربية إلى العبرية – غير أنه يمكن التأريخ لعميلة الترجمة من العربية إلى العبرية منذ ثلاثينات القرن الماضي والعكس - ذاك أن الإسرائيليين يعلمون جيدا أنهم بحاجة لنشر أفكارهم وقراءتهم للصراع وطبيعته، وبحاجة ماسة لتطبيع ثقافي مع المحيط العربي ضمن استراتيجيتها في ترسيخ تواجدها في المنطقة، ومحاولة حسم الصراع العربي الاسرائيلي وفق رؤيتهم .

وقد ترجم الإسرائيليون أعمالا لنجيب محفوظ، وطه حسين، والياس خوري، والطيب صالح، وعلاء الأسواني الذي رفض بيع حقوق ترجمة رواية -عمارة يعقوبيان- إلى العبريّة، معتبرا ذلك تطبيعا مع الكيان الصهيوني، كما تشير احصائيات أن حركة الترجمة للعبرية بعد ستينات القرن الماضي تأخذ منحنى تصاعديا بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، ثم اخذت بالتراجع جراء الرفض الشعبي العربي للوجود الاسرائيلي باعتباره احتلال للأراضي العربية قبل أن تعاود النشاط بعد موجة الربيع العربي، مما جعل الكثير من الادباء العرب يتهافتون لترجمة اعمالهم للعبرية بالموازاة مع ذلك توسع السجال حول مشروعية هذا الفكرة والغرض منها.

في الحقيقة نرصد على الساحة العربية موقفان متناقضان حول مشروعية الترجمة إلى العبرية، فالموقف الشعبي غالبا مسكون بالعاطفة والهواجس وخصوصية الصراع مع العدو، وثمّة موقف آخر نخبوي يذهب يرى أن الترجمة تبقي بسياقها الادبي ولا يجب ان نصبغ علىها أي موقف سياسي، نحن أمام عملية دحض شبهة التطبيع مع العدو وحصر الترجمة للعبرية أو العكس في كونها حركة ادبية تهدف لتقارب مع الأخر والانفتاح غلى فكره , غير أننا لا يمكننا بكل حال أن نعتبر الموقف الرافض للترجمة رد شعبوي كما مثلما تروج بعض الدوائر لذلك، فرفض علاء الاسواني ترجمة عمله عمارة يعقوبيان للعبرية هو موقف رافض للاحتلال وللصهيونية ومقاوما له.

زاوي وشبهة التطبيع

قرات منذ أيام مقال للروائي الجزائري -آمين زاوي- بصفحة الانديبندت عربي الإلكترونية حول ترجمة الأدب العبري للعربية، في الحقيقة لم يفاجئن ما جاء في أسطر زاوي فهو كعادته أحذ علي عاتقه طرح القضايا التي تصنع الإشكالية وتسيل الكثير من الحبر كيما اتفق خاصة التي تتعلق باليهود . ولم يعد ذلك خافيا على كل المهمتين بشأن الثقافي، حتى أنه خصص أكثر من عمل لتحدث عن اليهود على سبيل المثال لا الحصر روايته الأخيرة الخلان.

لن اناقش موقف زاوي فمن الواضح أن خياره محسوم شأنه في ذلك شأن الكثير من النخب التي تدعو لدعم ترجمة الاعمال العبرية والانفتاح على الأعمال الإسرائيلية دون توضيح آليات ذلك ولا شروطه حتى نتجنب السقوط في فخ التطبيع، و حتى نتمكن من معرفة العدو الذي يقاسمنا جورًا أرضا عربية بدون وجه حق ربما تفهمنا دوافع زاوي ومن يتبنى هذا الطرح؟ ولأنني علي النقيض من هذا الموقف أي أنني لا أحبذ واستهجن فكرة أن ننخرط في ترجمة الأعمال العبرية وتقديمها للمجتمع العربي في جامعاته ومراكزه الثقافية دون الاكتراث لأليات وشروط الترجمة

سأكتفي هنا بتفنيد بعض المغالطات التي جاءت مجانبة للصواب بهذا المقال والحقيقة أن الأمر لم  يدهشن فقد تعودت كلما قرأت مقالا لزاوي وقفت على الكثير من المغالطات التاريخية وتحريفها عن سياقاتها بما يخدم فكرته وأيديولوجيته .

نعود لطرح السؤال هل دعوة الزاوي لترجمة الأدب العبري تندرج ضمن اكتشاف  الآخر والاطلاع على ما ينتجه او دعوة مبطنة لتطبيع؟

يكتب آمين زاوي في مقاله أن جلّ الدول العربية تربطها مع اسرائيل اتفاقيات تعاون اقتصادي وسياسي وبحري... ويستغرب أن ترفض الشعوب تعاونًا فكريًا و أدبيًا واصفا هذا الرفض بأنه تكريس للازدواجية، نحن هنا أمام موقف سياسي صريح وليس أدبي كما يريد أن يقنعنا في هذا المقال فالدعوة صريحة للتطبيع مع العدو الاسرائيلي وان تجاوزنا تلك الدعوة الصريحة وسلمنا بوجوب انفتاح فكري وأدبي على الإسرائيليين آليس علينا أن نطرح السؤال ما هي الغاية الحقيقة من الترجمة وما الذي يجب أن يترجم ويدرس للطلبة في الجامعات وما هي حدود الأفكار التي علينا تقبلها، ستقولون أن الفكرة حرّة ولا يجب سجنها وليس علينا قتلها، لكن إن كانت هذه الفكرة مشوبة بالتزييف وتسطو على حقائق التاريخ قادمة من مغتصب كيف يمكننا التعامل معها؟ خاصة إن علمنا أن إسرائيل ذاتها لا تترجم من العربية ما يدينها و إن حدث أن ترجمت أعمال مناهضة لها فهي تسعى لمنعها من التدريس، كما حدث مع قصائد درويش المناهضة للاحتلال.

روج الزاوي كما هو حال الكثيرين لأكذوبة أن الروائي والصحفي الصهيوني عاموس عوز كاتب معتدل مقر لحق الفلسطينيين في قيام دولتهم داعيًّا لضرورة الاطلاع على أدبه، مستنكرًا أن لا يطلع العرب على أعمال هذا العظيم المناهض للتطرف مستشهدا أن اليمن الصهيوني المتطرف لا يروقه ما يكتبه حول فلسطين، لا اعلم إن كان زاوي يعي ما يكتب أو لا، ولا أعلم بالضبط من أين يستقي معلوماته. فعاموس عوز المقر بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على أرض في الأصل من حقهم وتم نهبها منهم، كما يدافع عن حق الشعبين في إقامة دولتين، هذا الموقف الذي لا يعني إلا ترسيخ لأحقية قيام دولة عنصرية تقصي الآخر على أساس عرقي وديني على الأراضي فهو يؤمن بحق الفلسطينيين في حدود ما يخدم قضية بلده. هل تناسى زاوي سيرة الكاتب و مساره العسكري بالجيش الإسرائيلي فعوز كان جنديا حين شن الجيش الإسرائيلي عدوانه على الأراضي العربية سنة 1957، ثم سنة 1967، 1973.

كما لا يمكن لعل الانساني أن يتغاضى عن كون عاموس اليساري " المعتدل" أيدى الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان سنة 2006 .

هل لنا أن نلفت انتباه آمين زاوي أن الروائي الصهيوني الذي دافع عنه كان من المقربين من شمعون بيريز أحد مهندسي مذبحة قانا، كما أن بيرز سمم صحراء النقب بمفاعل نووي دون أن يكون لعوز موقفا مناهضا لتلك الافعال والممارسات .

ربما فات زاوي أن عاموس عوز بارك العدوان المتكرر على غزة باعتبارها بؤرة للإرهاب ويجب تلقين الفلسطينيين درسا لثنيهم على مقاومة الاحتلال الذي يحاصرهم ويخنقهم فعن أي اعتدال وعمق وانسانية يحدثنا زاوي؟ وهل على القارئ أن يقبل الوقائع المزيفة التي تنقلها نخب لا تبدي موقفا صريحا من الانتهاكات التي تحدث على الأراضي الفلسطينية .

رغم ذلك اطمئن زاوي وهو اكيد على علم أن الروائي العميق ترجمت له عدد من الأعمال للعربية -مدعومة ونضع الف سطر تحت كلمه مدعومة - من بين 18 عمل منها قصة الحب والظلام وهي عبارة عن مذكرات من 760 صفحة ورواية حنا ومخائيل كما أن الروائي الاردني الراحل غالب هلسا قدم دراسة في نقد الادب الصهيوني وهي دراسة عن أعمال الروائي عاموس عوز فقد وضعها تحت الضوء ونفى أن عوز تطرق للوجع والمعاناة الفلسطينية بالمقابل فقد عاب عوز على درويش غياب الوجع العاموسي في قصائده، وكأن على درويش أن يتحدث في قصائده عن وجع الإسرائيليين الذين انتهكوا ارضه وسجنوه وضيقوا عليه وطردوه من ارضه فلم تسعه كل بلدان العالم لأن وطنه محتل وتتوج كل تلك المواقف بموقفه الاخير في مقابلة أجراها مع التلفزيون الألماني عام 2017، قال عوز "غير المتدين"، أنه يؤيد نقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وكل ما تحمله القدس من رمزية لدى العرب مسلمين كانوا أو مسحيين كما أن عاموز لم يكتف بترحيبه بفكرة نقل السفارة انما تعداها ليدعو الجميع أن يسير على نفس خطوات ترامب. هل علينا أن نذكر زاوي بتلك المواقف أم نتجاوزها بحكم أننا نتعامل مع الادب كوسيلة لفهم الاخر.

في الفقرة الأخيرة من المقال عمد زاوي على التزييف مبالغًا في حماسته فلم يجد حرجًا فيوصف أدباء فلسطينيين من سكان المناطق الواقعة داخل الخط الأخضر التي احتلتها اسرائيل عام

1948 بأنهم كتاب عرب اسرائيليين فبأي حق اسقط عنهم فلسطينيتهم؟ متبنيا وجهة النظر الرسميه   للإسرائيلي؟ هل يجهل زاوي معنى أن تكون محتلًا، و كأنه لا ينتمي لبلد عانى من ويلات الاستعمار والتجنيس وغيرها من مظاهر الإبادة الممنهجة التي لا تحتاج الى أعمال عسكريه فقط، إنه طمس الهوية الذي يرصد له الكيان الصهيوني ميزانيات ضخمة لتغييب حقيقة الفاجعة الفلسطينية.

كيف انكر زاوي على إميل حبيبي و وسميح القاسم وميشيل حداد وسهام داود فلسطينيتهم متجاوزا رؤيتهم العميقة والموجوعة لقضيتهم وكيف وجد في الأدب العبري أكثر عمقا وانسانية مما كتبته هؤلاء، كيف تمكن وهو ابن البلد الذي لم يشف من ذاكرته الاستعمارية أن يقف على مسافة واحدة من الضحية والجلاد كيف تناسى نضال سميح القاسم و اميل حبيبي وغيرهم واكتفى بوصفهم اسرائيليين عرب يكتبون بالعبرية والعربية؟

هل يمكنني بعد قراءة المقال أن أفهم أن زاوي حريص على مكتبتنا العربية وحريص علينا من عدو لم تتوقف انتهاكاته يوميا فيدعو بكلّ تسامح لترجمة أعماله من باب معرفة عدوك دون تخوين لموقفه ودون جمركة لإيمانه أما أن القضية أكبر من أن تكون مجرد اهتمام بواقع الترجمة والأدب في هذا الوطن العربي المجروح حتى نسترضي جهات ولوبيات فاعلة فربما حصدوا من وراء تلك المواقف حضورًا دوليًّا وبضع جوائز.

 

سماعلي كريمة .الجزائر

 

 

علي المؤمنتجاوزت الدراسات المستقبلية (Futur Studise) في دول الشمال أو الدول المتقدمة صناعياً مرحلة التنظير لهذا الحقل المعرفي واكتشاف مناهجه والتعريف به والحديث عن أهميته وضرورته، لأنها مارسته ـ منذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي ـ كآلية لاقتحام المجهول القادم، ووقفت عملياً على خطورة إغفاله، ولم تكتف بإقراره مادة تعليمية في الثانويات والجامعات، وبتخصيص مئات المؤسسات البحثية لاستخدامه في التحكم والسيطرة المستقبلية، بل حوّلته إلى رأي عام وثقافة اجتماعية يتشبّع بها الفرد والأسرة، ويتشبّع بها المجتمع بكل ألوانه واختصاصاته، سياسية كانت أم اقتصادية أم فكرية أم مدنية، فضلاً عن الدولة وأجهزتها.

وباتت معظم الدراسات الستراتيجية والخطط الحكومية في البلدان الغربية تضع دعائمها على النتائج التي تخلص إليها الدراسات المستقبلية، حتى باتوا يحسون أنه يعيشون المستقبل.

ولا نبغي هنا عقد مقارنة بين الحقائق التي ميّزت عالم الشمال بتبنّيه خيار المستقبل، وبين واقع الدراسات المستقبلية في بلداننا العالم ثالثية أو الجنوبية أو الإسلامية أو العربية، بالنظر للتباين الشديد في نوعية المراحل التي يعيشها العالمان، ولا سيما بعد أن تنبّه جزء من عالمنا إلى حقائق واقعه الصعب، وضرورة الإنتقال الى خيار العصر، وأهمية اقتحامه والعيش في صميمه. وهي خطوة متقدمة بحد ذاتها، وفيها الكثير من الواقعية التي تُحتم الإنتقال من الماضي أو التاريخ، إلى الحاضر أو العصر، ثم إلى المستقبل، دون حرق لمراحل التقدم والنماء والتطور التراكمي، وهي أيضاً المعادلة التي سبق أن أذعن إليها الغرب في العقود الأولى من القرن العشرين، إذ كان العالم المتقدم ينفض يديه حينها من خيار العصر، بعد أن عاش في صميمه عقوداً طويلة، وبات يفكر بالخروج من قمقم العصر ليتّجه نحو المستقبل اتجاهاً علمياً يضمن من خلاله المحافظة على إنجازات العصر، وتحويلها إلى مولدات لإنتاج طاقة اقتحام المستقبل، بهدف ضمان التحكم به عن بعد.

وهذا لا يعني أن تبني عالم الشمال لخيار المستقبل ضمن له تجاوز الأزمات التي تعصف به، وحل مشكلات إنسانه ومجتمعه، بل أن الخطأ القاتل الذي وقع فيه الشمال والمتمثل في إغفال البعد المعنوي في التطور والاندفاع نحو المستقبل، ثم استحضار آلهة جديدة تحمل عناوين المادة والعلم والتكنولوجيا، أدى إلى هذه الأزمات الحادة في الأخلاق والسلوك الفردي والاجتماعي، وفي الثقافة والفكر.

أما عالمنا النامي، فإنه يعيش مرحلة أخرى، هي مرحلة التشبث بالعصر وخياراته، وهي مرحلة لا يمكن تجاوزها إلى مرحلة المستقبل التي يعيشها العالم المتقدم، إلاّ بعد التسلح بمتطلبات المعركة الجديدة، ونقصد بها معركة الإمساك بالعصر، كمدخل لمعركة المستقبل.

ونرى أن السلاح الأهم في هذه المعركة، على المستوى المعرفي والمنهجي، هو سلاح الدراسات المستقبلية، وذلك يتطلب ـ في مرحلتنا ـ التعرف على هذا الحقل والتنبه لضرورته وأهميته، ثم ممارسته نظرياً، وصولاً إلى هدف ثماره العملية، التي تأخذ فيها الأصول والمبادئ المقدسة موقعها الحقيقي في رسم معالم المستقبل وتحديد شكله ومضمونه.

رهان التحكّم بالمستقبل

ظلّ المستقبل بالنسبة للبشرية هاجساً يرافقها في رحلة الحياة. منذ عصور بعيدة، لما ينطوي عليه من رهان مصيري على البقاء والاستمرار، وظلّ هذا الرهان يستبطن مشاعر متناقضة من الأمل والطموح والخوف والتشاؤم. ومن أجل مواجهة هذه المشاعر، عمد الإنسان إلى محاولة اكتشاف المستقبل بمناهج ابتكرها، بدءاً بالتأمّل والتنجيم، وانتهاءً بالعرافة والتنبّؤ.

و سعت الأديان السماوية الى صرف أنظار الإنسان عن المناهج الخرافية في معرفة المستقبل، و وضعت له منهجاً يربط المستقبل بالغيب والرؤيا. وجاء الإسلام.. الدين الخاتم؛ ليفيض على البشرية بنعمة التكامل في النظرية والعمل، وليمنح الإنسان رؤية صادقة في استشراف المستقبل، ويدفعه نحوها، في إطار بناء المستقبل الإسلامي المشرق، الذي يحقّق للإنسان هدفه في الاستخلاف وإعمار الأرض، وبناء الدنيا للآخرة، والكدح لملاقاة الربّ الرحيم.

إلاّ أنّ المسلمين في عصور التراجع انساقوا بعيداً عن هذا المنهج، وعاشوا حالة الانفعال والاستسلام الكامل، التي أدّت بهم إلى ألوان بشعة من التنكّر للحاضر والمستقبل.

أمّا النهضة الغربية ، فإنّها حولّت الحديث عن المستقبل من حديث نظري ورؤيوي  إلى أنساق ومناهج علمية، نظرت إلى سنن التاريخ وفلسفة التقدّم ومعايير التطوّر العلمي نظرة إستراتيجية تهدف إلى اكتشاف المستقبل وتحديد خياراته وبدائله، وصولاً إلى التحكّم به وبنائه، وفقاً لتصوّرها الكوني الوضعي وغاياتها المادية في الحياة.

لذلك لا يمكن لبلداننا النامية النهوض واللحاق بالتطور العلمي والتكنولوجي والحضاري، إلّا عبر تحويل النظرة المستقبلية نحو المعرفة المنهجية والوسائل والأساليب العلمية، التي تضمن مستقبلنا بالشكل والمضمون اللذين أرادهما الله (تعالى).

المستقبل الذي نريد..

بناء المستقبل، ليست عبارة عائمة أو مجرد صفة نؤطر بها كتاباتنا، بل  هو الغاية التي نطمح للمساهمة في بلوغها ـ نظرياً على أقل تقدير ـ بمنهج يعتمد وسائل علمية تستبعد حالات التمني والتنظير المجردين، أو التعويمات التي تقف خارج دائرة الزمان والمكان. وبالتالي فالمستقبل الذي نطمح إليه يحمل عدة مداليل مفهومية وتطبيقية، أهمها:

1 ـ من الناحية المفهومية، هو مستقبل مقيد بالتصور الإسلامي على مستوى المصادر والمعتقد والفكر.

2 ـ من الناحية المصداقية، إنه محدود بالدائرة الإسلامية، سواء الدائرة الإسلامية العامة التي تشتمل على الدين ومعارفه وفكره، والتابعين له أفراداً وجماعات، داخل الوطن الإسلامي وخارجه، أو الدائرة الخاصة بكل جماعة أو بلد.

3 ـ من الناحية المنهجية، فإنه يعبّر عن الحقل العلمي الذي نمارس في عملية التخطيط لبناء المستقبل، وهو حقل الدراسات المستقبلية (Future Studies) أو المستقبلية (Futurism)، ومن خلال منهج جديد في هذا الحقل، عنوان «المستقبلية الإسلامية ـ Islamic Futurism»، وهو ما تحدثنا عنه تفصيلاً في دراسة سابقة حول منهجية المستقبلية الإسلامية.

إن المستقبل ليس مجرداً في مفاهيمه وتطبيقاته، وليس منعزلاً عن معادلات التأثير والتأثر مع الدوائر الأخرى، إذ تصدق هذه التجريدات على معتقد يعيش أتباعه في جزيرة نائية، فمن البديهي أن تؤخذ كل عوامل التأثير والتأثر بنظر الاعتبار، بمحدداتها المكانية، فضلاً عن النواميس العامة والسنن الإلهية التي لا تختص بدائرة دون أخرى.

وهنا يكمن أحد أبرز مؤشرات واقعية المنهج العلمي في عملية الاستشراف، فبناء المستقبل بصيغة علمية يتم وفقاً لمساحات زمنية واضحة، تشكل بمجموعها خططاً قصيرة أو متوسطة أو بعيدة المدى.

حوار المستقبَلات

ليس بناء مستقبلنا الوطني والعربي والإسلامي المنشود؛ رهين سقوط المستقبَلات الأخرى، فنحن لا نشيد دعائم مستقبلنا على حساب الآخرين، ولو كانوا الأضداد النوعيين، من غربيين وشرقيين وطائفيين، كما فعل ويفعل هؤلاء الأضداد، حين بنوا مدنياتهم وكياناتهم على حساب الشعوب الأخرى التي قدِّر لها أن تتراجع عن ركب الحضارة في ظروف معقدة يطول شرحها، فاستعمروها واستغلوها ونهبوا خيراتها وثرواتها، واستدرجوها باتجاه التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية لهم، ثم قننوا علمياً هذه الفجوة الحضارية من خلال العلوم الاجتماعية والسلوكية الغربية، كالانثروبولوجيا والاثنولوجيا، وأظهروا شعوب الجنوب أو العالم الثالث أو المسلمين أجناساً من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة، و هوامش وأطراف وعبيد، تبعاً لمعايير التطور المادي وأساليب التفكير والعيش والجنس واللون والموقع الجغرافي.

في حين ينظر الإسلام للناس كافة.. نظرةً واحدةً متكاملةً، فيساوي بينهم كأسنان المشط، ويقرر أنهم أما أخوة في الدين أو نظراء في الخلق، وفقاً لمعاييره الإنسانية التي أثبتتها العقيدة الإسلامية (ولقد كرّمنا بني آدم...).

من هنا، فإن بناء حضارتنا المستقبلية يكون على أرضها وقيمها وتراثها وفكرها، وليس على أنقاض الحضارات الأخرى وقيمها وأفكارها ومدنياتها. قد تكون بعض الحضارات والمدنيات الأخرى في طريقها الى التصدّع أو التراجع، وهي المآلات الطبيعية للحراك الإنساني منذ بدء الخليقة وحتى الآن، حيث تسود حضارات ومدنيات، ثم تنهار وتستبدل بأخرى، و فق معادلات السنن الإلهية، و هو ما تبحثه  فلسفة التاريخ وعلم اجتماع الحضارات. لكن الحضارة الإسلامية المستقبلية لن تنتظر هذا الانهيار لتبني صروحها على أشلائهم كما سبق لهم أن فعلوا.

قد يضطر المسلمون للتدافع مع الحضارات والمدنيات الأخرى ومواجهتها قسراً، خلال دفاعهم عن أنفسهم، أزاء هجمات الغرب ـ مثلاُ ـ  (ولولا دفع اللَّه الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض...)، لكن الأصل هو التحاور مع هذه الحضارات والمدنيات؛ لأننا لا يمكن أن ننكفئ على أنفسنا في بناء مستقبلنا، ولا يمكن أن نكون بمعزل عن دائرة التأثير والتأثر، فضلاً عن أن الخطاب الإسلامي هو خطاب إنساني عالمي للناس كافة، وأن المسلمين يعملون في إطار حمل الأمانة والتكليف والمسؤولية الشرعية والأخلاقية تجاه الآخرين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

وعلى هذا الأساس يسعى الإسلام لبناء المستقبل الأفضل للإنسانية جمعاء (وما أرسلناك إلّا كافة للناس بشيراً ونذيراً»، الأمر الذي يجعل مستقبَلات الآخرين رهن المستقبل الذي ينشده الإسلام.

إن مستقبلنا الوطني والإسلامي والإنساني المنشود.. يبشر العالم بحياة العدل والحق والخير والجمال والحرية، وهو رسالة اللَّه (تعالى) التي أمر نبيه الكريم (ص) بتبليغها للناس كافة، ليحقق الإنسان من خلالها أهداف الاستخلاف والاعمار.

الوعي بالمستقبل وأهداف المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية

من أهم الأهداف الأساسية التي وضعناها لمشروع "المركز الإسلامي للدراسات المستقبلية" عند تأسيسه في العام 1998: (نشر الوعي بالمستقبل وقضاياه ومعارفه وعلومه، في الوسط الفكري والأكاديمي والثقافي والديني والسياسي والمالي والإقتصادي، والسعي لتحويل هذا الوعي إلى رأي عام يجد له صدى في وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والبحثية والتخطيطية).

ويعني هذا أننا كنا نخاطب أصحاب الإختصاص والإهتمام بشرائحهم كافة، ولاسيما النخب، ليسهم الجميع في تركيز حالة الوعي بالمستقبل، والتعبير عن الاهتمام به بالوسائل العملية الفاعلة التي تجعله التزاماً فردياً وجماعياً ورسمياً يدفع بالهدف نحو التحقق، ويعمل على تثبيت دعائم كمطلب استراتيجي لا يمكن تجاوزه.

والواقع أن تحقيق هدف خلق وعي إيجابي بالمستقبل، يتوقف على تعاضد جهود من مختلف الألوان والمجالات، وتتمثل في الشرائح التي يخاطبها المشروع أساساً، ابتداء بالمرجعيات الدينية وفقهاء الشريعة، والمفكرون والكتّاب والباحثون والمثقفون والخبراء، والمؤسسات العلمية والأكاديمية والدينية والفكرية والثقافية والإعلامية، وانتهاء بأصحاب الأموال والعطاء، وأجهزة الدولة.

وبكلمة أخرى فإن دعائم تحقيق الهدف وتطبيق الفكرة ونجاح واستمراره تتمثل في:

1 ـ الجهد الفكري والعلمي الذي يمارسه المفكرون والخبراء والباحثون.

2 ـ التأصيل والتوجيه الشرعي من قبل العلماء.

3 ـ دعم الخيرين وبذلهم.

4 ـ تعاون المؤسسات والمراكز البحثية والفكرية.

5 ـ التشجيع والاهتمام الذي تبديه وسائل الإعلام.

6 ـ حماية المسؤولين والمؤسسات الرسمية.

إن توافر هذه الدعائم مجتمعة كفيل بخلق وعي نوعي بالمستقبل وقضاياه، يتمظهر في رأي عام ضاغط، وتوجه نخبوي مسؤول، ومؤسسات بحثية رصينة، إذ لابد من مظاهر عملية مؤسساتية لهذا الوعي، تأخذ على عاتقها بلورة النظرية الإسلامية الوطنية المستقبلية وتأصيل منهجها، والتنبيه على قضايا المستقبل، وتستشرف صوره وتخطط لبدائله، وتحدد الوسائل اللازمة لذلك، لتدفع بالأمة نحو بناء مستقبلها الحضاري.

ولا شك أن بذور هذا اللون من الوعي لابد أن تنمو ـ أولاً ـ في الدعائم التي تمسك بالواقع الإسلامي الوطني برمته، ثم ينطلق منها إلى رحاب الأمة.

 

د. علي المؤمن

 

حسين سرمك حسنتمهيد: مؤامرة عدم وجود نظرية مؤامرة

في مساء يوم 11 – حزيران – 2019 عرضت قناة فرانس 24 برنامجا عن نظرية المؤامرة conspiracy theory، المذيعة في باريس متحضرة بطبيعة الحال ومهيئة نفسيا لرفض هذا المصطلح. ومَنْ استضافتهم (وكلهم عرب تركتهم المؤامرات الغربية بملابسهم الداخلية دون أن يشعروا) من دول عربية وأجنبية مختلفة (أحدهم "صبي" لديه برنامج كامل ضد نظرية المؤامرة) اسمح لنفسي أن اسمي بعضهم بتسمية "غوغاء الثقافة" من كتاب ومتلقين سواء أكانوا مشاهدين أم قراء هم الذين وصفهم مفكر الإسلام العظيم علي ابن ابي طالب بانهم يميلون مع كل ريح وينعقون مع كل ناعق. وكانوا يلهجون كالببغاوات:

لا توجد نظرية مؤامرة

لا توجد نظرية مؤامرة

لا توجد نظرية مؤامرة

في حين أن وقائع الحياة السياسية والوثائق السرية المتسربة أو المكشوف عنها بفعل جهود أناس غربيين مخلصين لشرف الحقيقة أو بفعل التقادم أو قوانين حرية الحصول على المعلومات أولا، وشهادات كبار القادة السياسيين الغربيين والشرقيين ثانيا، وتحليلات خيرة الكتاب والمحللين السياسيين والصحفيين الاستقصائيين خصوصا من الأمريكان البريطانيين الجسورين الذين كلفت بعضهم كشفهم لنظريات المؤامرة حياتهم ثالثا، تشير وبقوة إلى أنه:

توجد نظرية مؤامرة

توجد نظرية مؤامرة

توجد نظرية مؤامرة

كيف تقرأ أيها القارىء الذكي هذه المقالة؟

أيها القارىء الذكي. هذه المقالة لا يمكن أن تقرأها وأنت ممدد في سريرك أو تستمع لنتف منها من صديفك عبر الواتس أو الفايبر أو الفيسبوك . تقرأها وفق شروط: أولا ان تقوم وتشمّر عن ساعدي عقلك وتجهده في البحث والتقصي في عناوين المؤامرات التي سوف أذكرها. وعليك قراءتها – ثانيا – وفق منهج جدلي تاريخي تحليلي ولكل من هذه الصفات الثلاثة شروطها .

ولا تقرأ هذه المقالة إذا لم تكن تستطيع القراءة باللغة الانكليزية:

صنّاع المؤامرت الغربيون وببغاوات نفي وجود نظرية المؤامرة يكتبون لك بالعربية ما يريدونك "هم" أن تعرفه، في حين يتداولون بالانكليزية ما لا يريدونك "أنت" أن تعرفه. وكل مصادري على وجود الأدلة المؤكدة على نظرية المؤامرة هي مصادر أمريكية وبريطانية ياللغة الانكليزية. فإذا لم تكن تستطيع القراءة باللغة الانكليزية أنصحك بترك هذه المقالة والعودة لتردد مع الجوقة :

لا توجد نظرية مؤامرة

لا توجد نظرية مؤامرة

لا توجد نظرية مؤامرة

ولأن الحياة قصيرة والفكرة بصيرة سوف أقدم إليك خدمة كبرى – لكن مختصرة وسريعة ولمّاحة - لم يقدمها كاتب عربي أو عراقي سابقا وإن أشار إلى بعض جوانبها المهمة كتاب عرب وعراقيون سابقا، ولكن بصورة موجزة وغير مدعومة بما أقدمه إليك من صور وأفلام ووثائق وشهادات وروابط وعناوين مقالات وكتب. ويهمني هنا وفي هذه العجالة أن أحيلك أيضا إلى مقالة الكاتب الاستاذ عبد الرضا حمد جاسم المهمة "المؤامرة وعدم الايمان بنظرية المؤامرة".

أريد أن أفهمك كيف بدأت نظرية المؤامرة في الحياة السياسية والفكرية العالمية وكيف غرستها الدوائر الغربية السياسية والاستخباراتية في سلوكها السياسي ثم محاولتها منذ عقود تنفيذ مخطط ماكر جديد يلهج به الببغاوات ويقضي بإنكار وجود نظرية مؤامرة لكي يتم تمرير المؤامرات الغربية على الشعوب النائمة مثلنا والتي تمارس جلد ذاتها نيابة عن المستغلين الغربيين الاستكباريين ويساهم "مثقفوها" في تمديد غفلة شعوبهم عن طريق الترويج السخيف لأطروحة أن من ينكر نظرية المؤامرة ويحمّل شعبه المسؤولية هو شخص متحظر وحداثوي ومَنْ يؤيد وجود نظرية مؤامرة هو شخص متخلف ومريض نفسيا بالبارانويا الشكوكية الاضطهادية الجنونية.

فائدة جديدة خطيرة:

سوف أفيدك ايضا بحقيقة مغيبة عنك وهي أن نظرية المؤامرة ليست موجودة في الحياة السياسية فقط بل هي تمتد إلى الحياة الفكرية (وكالة المخابرات المركزية – مثلا - وراء المناهج الحداثوية في الأدب والوكالة والبنتاغون يستغلان هوليود لتشويه الحقائق وتبرير مخططاتهما كما سترى ) وفي العلم (مؤامرة السرطان التي تم قتل أغلب العلماء الذين اكتشفوا علاجاً له أو مطاردتهم وسجنهم وسحب شهاداتهم.. ومؤامرة اللقاحات التي اعتبرها بعض الباحثين الذين تم اغتيالهم سببا لمرض التوحد وإضعاف المناعة وليس تقويتها). سوف أقدم إليك فوائد كثيرة فتهيّأ للاستفادة منها.

لكن كيف ستستثمر الفوائد التي سوف أقدمها لك؟

تستثمرها – كما قلت لك وأكرّر الآن - حين تنهض وتشمر عن ساعدي عقلك وتبحث وتعرق وتسهر وقد تصرف مالا في شراء مجموعة من الكتب والمقالات الغربية غير المجانية. هذا أولا . وثانيا لا تسألني ما هو المصدر ومن أين هذه الوثيقة. العناوين موجودة وعليك أن تنهض وتشمر عن ساعدي عقلك وتسهر وتبحث وتعرق ولا تنتظر من يضع أمامك طبقاً بالمصادر والبحوث والصور والوثائق. إنّها موجودة ولكن لا يستطيع العثور عليها إلا من أمضى ساعات وأياما وأحياناً شهورا في البحث مثلنا نحن الذين نتمتع – وبكل ثقة وبلا غرور – بالعقل الجدلي التاريخي التحليلي الذي لا يسمح بأن تمر عليه أي مؤامرة – مثل مخطط عدم وجود مؤامرة - دون أن يمحصها ويفككها ويدقق فيها ليكشف أبعادها وجذورها.

وإليك أيها القارىء الفوائد التي أهديها إليك :

- وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA هي أول من استخدم مصطلح "منظري المؤامرة "conspiracy theorist وذلك في عام 1967

وذلك في وثيقة تتعلق بعملية التستر على مؤامرة اغتيال الرئيس جون كينيدي التي – أي عملية التستّر - تكفلت بها "لجنة وارين":

تم إصدار "وثيقة رقم 1035-960 CIA" رداً على طلب قانون حرية المعلومات الصادر عام 1976 من قبل صحيفة النيويورك تايمز. التوجيه مهم بشكل خاص لأنه يبرز قلق وكالة المخابرات المركزية فيما يتعلق "بسمعة الحكومة الأمريكية بأكملها" في مقابل تقرير لجنة وارين. كانت الوكالة مهتمة بشكل خاص بالحفاظ على صورتها ودورها لأنها "ساهمت بمعلومات في تحقيق وارين".

تضع المذكرة سلسلة مفصلة من الإجراءات والتقنيات "لمقاومة ونقض مزاعم منظري المؤامرة conspiracy theorists، وذلك لمنع تداول مثل هذه الادعاءات في دول أخرى".

وهذه الوثيقة أمامك:

966 المؤامرة 1

- مؤامرة اغيتال الرئيس جون كينيدي مؤامرة داخلية من عمل الدولة المتهم الرئيسي فيها جورج بوش الأب والقاتل ليس هارفي أوزوالد. أثبت فيلم "إبراهام زابرودر" أن أوزوالد لم يكن القاتل الوحيد وأن طلقتين أخريين واحدة فجرت رأس الرئيس كينيدي جاءتا من الأمام . شاهد هذه الصورة واذهب لمشاهدة الفيلم كاملا :

966 المؤامرة 2

هذه الطلقة الأولى من الخلف

966 المؤامرة 3

والآن لاحظ كيف ستأتي الإطلاقة المميتة التي سوف تهشّم الجهة اليمنى من رأس الرئيس ومن موضع ليس الذي أطلق منه القاتل المزعوم أوزوالد الإطلاقة الأولى.

966 المؤامرة 4

(الإطلاقة تصيب رأس الرئيس والدم يتدفق منه)

وهناك 13 وثيقة سرية كشفت مؤخرا تثبت – بعد أكثر من خمسين عاما - أن اغتيال كينيدي مؤامرة داخلية

13 documents you should read about the JFK assassination  - By Randolph Benson- indy week- November 14, 2012

(؟) رسالة من جورج بريسكوت بوش إلى زوجة ألين دالاس تؤكد دوره

"إنه (يقصد الرئيس جون كنيدي بعد إقالته لمدير وكالة المخابرات ألين دولس) يحاول أن يقضي أمسية ممتعة بذلك، لكنني مريضٌ من القلب، وغاضب جدًا، لأن كينيدي هو الذي أحدث الإخفاق. وهنا جعلوا ألين كبش فداء، وهو لم يكن ولم يستحق ذلك. لن أغفر لهم أبدا"

جورج بوش الأب دالاس تكساس 22 نوفمبر 1963

لقد اقال الرئيس كينيدي مدير وكالة المخابرات ألين دالاس بعد فشل مؤامرة عملية خليج الخنازير ضد كوبا وتعهّد بتمزيق وكالة المخابرات المركزية. تمّ اغتيال الرئيس كينيدي وتعيين إلين دالاس عضوا في لجنة وارين للتحقيق في اغتيال الرئيس .. فتصوّر !!

966 المؤامرة 5

BUSH ARRESTED IN DALLAS OVER JFK ASSASSINATION!

STEW WEBB & TOM HENEGHAN  - ADMIN - 9 JANUARI

مؤامرة اغتيال روبرت كينيدي بعد أخيه الرئيس جون كينيدي

وكان مرشحا للرئاسة وذا شعبية كبيرة جدا وعرف من اغتال أخاه الرئيس جون كينيدي. لم يقتله سرحان بشارة سرحان الذي يصرّ حتى الآن على أنه لم يطلق النار على كينيدي وأنه كان "مغيّبا" وليس في وعيه. الرصاصة التي قتلت روبرت كينيدي جاءت من الخلف واخترقت قاعدة جمجحمته وسرحان كان أمامه. كان مسدس سرحان يحتوي على 8 طلقات والطلقات التي أطلقت 13 .. إلخ من الأدلة

966 المؤامرة 6

(كان سرحان بشارة سرحان يصيح ويؤكد دائما أنه لم يطلق النار على روبرت كنيدي!!)

966 المؤامرة 7

(وسرحان الآن بعد أن رُفض التماسه الخامس عشر للإفراج عنه وقد تجاوز السبعين عاما في عام 2016)

(المحامي بول شراد قدّم الأدلة الدامغة على براءة سرحان)

يمكنك أن تقرأ بيان بول شراد على هذا الرابط:

http: //www.informationclearinghouse.info/article44184.htm

وكون سرحان كان مغيب الوعي يتفق مع مؤامرة "المرشح المنشوري manchaurian candidate" التي صدرت أولا في رواية أمريكية (وليس من دار نشر عربية) وصارت فيلمين الأول صدر في الستينات والثاني في الأليفينات من بطولة الممثل القدير دينزل واشنطن.

مؤامرة اغتيال جون كينيدي الإبن وزوجته وشقيقة زوجته

بانفجار طائرته هو الطيار القدير والذي كان يقودها بنفسه. السبب الرسمي شدة الضباب. الأجهزة أثبتت أن الجو كان صافيا. المتهم الرئيس جورج بوش الأب.

966 المؤامرة 8

(جون الإبن في سنته الثالثة يؤدي التحية لنعش والده جون كينيدي وهو يمر أمام المشيعين)

قُتل جون كنيدي الإبن عندما حاول التحقيق في عملية اغتيال والده المرتبطة ببوش .. وأصدر مجلة اسمها "جورج" ضمت مقالات عن مؤامرة اغتيال أبيه وعنوانها له دلالة رمزية.

John F Kennedy, Jr., his Wife, and Sister-in-Law Die in Mysterious Plane Crash Near Martha’s Vineyard

By Lee Floyd

Truth megasite

July 16th, 1999

فيديو خطير موجود على هذا الرابط:

https://truthmegasite.com/john-f-kennedy-jr-his-wife-and-sister-in-law-die-in-mysterious-plane-crash-near-marthas-vineyard/

 

الدكتور حسين سرمك حسن

13- حزيران – 2019

 

محمود محمد علينعود ونستأنف الحديث عن منهجية المبرد في كتابه المقتضب فنقول: إنَّ الناظر في تراث المبرِّد النحوي يلمس شغفَهُ واهتمامه بالتعليل وعنايته الفائقة به، فقلّما يترك حكماً دون تعليل حتى المصطلحات النحوية علّل لها، فعلى سبيل المثال علّل تسمية المضارع بهذا الاسم قال: "واعلم أنَّ الأفعال إنما دخلها الإعراب لمضارعتها الأسماء ولولا ذلك لم يجب أن يعرب منها شئ ".

ويظهر في تعليلاته بداية تأثير الفلسفة التي أدّت إلى تعقيد المسائل النحوية وقد اتضحت جلياً عنايته بالعلّة الثانية التي سمّاها الزجاجي (العلّة القياسية) أو العلّة الثالثة التي سمّاها (العلّة الجدلية النظرية) .

ومع هذا فالغالب على تعليلات المبرِّد أنَّها لم تخرج عن علل البصريين، فعلله شبيهه إلى حدٍّ كبير بعلل الخليل وسيبويه.

ويتضح لنا أنَّ تعليلاته تساق لأجل التعليم فهي تعليمية على الأغلب، ولهذا أصبحت العلة النحوية رديفاً للحكم النحوي عند المبرِّد لا تفارقهُ.

وكان سر تفوق المبرِّد في بغداد على أقرانه من الكوفيين هو شدّة اهتمامه بالتعليل، إذ اتخذ منه سلاحاً للمناقشة والبحث وكانت له يد طولى وحظ في التعليل، لأنَّهُ كان من المجتهدين فيه فكثيراً ما نراهُ يطالب الخصم بالعلة، وهذا يتضح في حديثه مع الزجاج ومنْ معهُ من تلامذة ثعلب، وكان الزجاجُ أوَّل من أحسَّ بهذا المنهج الذي كان يتَّبعُهُ المبرِّد، وقد أولع به هو بعده قال: " لما قدم المبرِّد بغداد جئتُ لأناظرهُ وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب فعزمتُ على إعناتهِ، فلما فاتحتُهُ ألجمني بالحجة، وطالبني بالعلّة وألزمني إلزامات لم أهتدِ إليها، فتيقّنتُ فضلَهُ، واسترجحت عقلهُ، وأخذتُ ملازمتهُ" .

وما من شك في أن شيوع النظريات الفلسفية كان من أثره أن انساح المبرد في طريق الفلسفة، ففلسف النحو بإمعانه في التعليل وإسرافه فيه، ويجدر بي أن أثبت تأثر المبرد بالفلسفة بذكر أمثلة من تعليلاته هي من وحي الفلسفة، ونذكر يعضاً من تعليلاته مثل :-

1- حد الأفعال أن لا تعرب : قال المبرد:" كان حدها أن لا يعرف منها شئ لأن الإعراب لا يكون إلا بعامل فإذا جعلت لها عوامل تعمل فيها لزمك أن تجعل لعواملها عوامل وكذلك لعوامل عواملها إلي ما لا نهاية .

2- تصغير جمع الكثرة : قال المبرد:" اعلم أنك إذا صغرت بناء من العدد يقع ذلك البناء أدني العدد فإنك ترده إلي أدني العدد فتصغره وذلك أنك إذا صغرت كلابا قلت أكليب لأنك تخبر أن العدد قليل فإنما ترده إلي ما هو للقليل، فلو صغرت ما هو للعدد الأكثر كنت قد أخبرت أنه قليل كثير في حال وهذا هو المحال .

3- لا يرخم حبلوي علي لغة من لا ينتظر : قال المبرد: "النحويون لا يجيزون ترخيم رجل في النداء يسمي حبلوي في قول من قال يا حار لا يعتد بما ذهب ويجعله اسما علي حياله فإذا رخم حبلوي لزمه أن يقول يا حبلي أقبل لأن الواو تنقلب ألفا لفتحة ما قبلها ومثال فعلي لا يكون إلا للتأنيث ومحال أن تكون ألف التأنيث منقلبة فقد صار مؤنثاً مذكراً في حال فلهذا ذكرت لك أنه محال .

4- ومنها علي سبيل المثال ما دار بين المبرد وثعلب الكوفي (ت: 291هـ) في مجلس محمد بن عبد الله بن طاهر، فقد سأل المبرد ثعلياً عن همزة بين بين أساكنة هي أم متحركة ؟ فقال ثعلب : لا ساكنة ولا متحركة، يريد أن حركتها روم، فقال المبرد : قوله لا ساكنة أقر أنها متحركة، وقوله لا متحركة قد أقر أنها ساكنة، فهي ساكنة لا ساكنة ومتحركة لا متحركة .

5- ومن مظاهر النزعة المنطقية عند المبرد رده علي ما ذهب إليه الكوفيون من جواز جمع ما ختم بالتاء من أسماء المذكرين كطلحة بالواو والنون، فيقال طلحتون بأن ذلك لو جاز " للزمك أن تكون أنثته وذكرته في حال وهذا هو المحال .  والجدل الفلسفي واضح في قول المبرد مما يذكرنا بقول أرسطو "لا يعرض أن يكون الشيء الواحد موجوداً وغير موجود معاً وذلك محال" .

6- ومن تعليلاته عدم إلحاق الهاء في مثل (طامث وحائض ومُتئِم) لأنَّ هذه الألفاظ تدل على النسب لا على الوصف باسم الفاعل، لأن المراد: لها حيض ومعها طلاق، ويرد قول بعض النحويين: إنَّما تنتزع الهاء من كُلّ مؤنث لا يكون له مذكر فيحتاج إلى الفصل، وينعته بقوله: ليس بشيء، لأن هناك ألفاظاً مشتركة ولا تدخلها تاء التأنيث كقولهم: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وناقة ضامر، وبكْر ضامر.

وكذلك ظهر فى مقتضب المبرد الذى مهر مصنفه فى فلسفة المسائل وتصريف الكلام وتشقيقه واستكناه ما فيه من الاحتمالات العقلية، والذى انطبع أسلوبه بسمات أساليب المتكلمين على النحو الذى بدا بوضوح من خلال تمسكه بالقياس، فقد اعتمد المبرد القياس وأخذ به ورأى أن المصير إليه ضرورة تمليها علينا أبنية اللغة المتجددة، وتدلُّ أقوالُهُ فيه على أنَّه أوجب في المقيس عليه أن يكون كثيراً، وأنَّهُ لا يؤخذ بالقليل ولا يقاس على الشاذ، وهذا ظاهر في قوله: " القياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الضعيفة" . وهذا يُردُّ به على رأي الدكتور " محمود حسني محمود" الذي ذهب (في دراسته عن المبرد)  إلى أنَّ المبرِّد اقترب من الكوفيين بقياسه على الشاذ في بعض الأحيان . ويؤكد بطلان هذا القول أيضاً قول المبرِّد: " إذا جعلت النوادر والشواذ غرضك واعتمدت عليها في مقاييسك كثرت زلاتك" .

ويمكننا القول أنَّ المبرِّد قد عمّق اتجاه القياس، وأنَّ المغالاة فيه قد تُعزى إليه، فقد اهتم به اهتماماً بالغاً، وكان لبصريتِهِ دورٌ بارزٌ في أقيسته في مواضع كثيرة، فهو يقيس على الكثير من كلام العرب، قال: " واعلم أن القياس وأكثر كلام العرب أن تقول: هذه أربعة عشرَكَ، وخمسة عشرَكَ، فتدعه مفتوحاً على قولك: هذه أربعة عشَرَ وخمسة عشَرَ" . ومنه كلامُهُ على ما جاء من ذوات الياء والواو التي ياءاتِهنَّ، وواواتهنَّ لامات وذلك قولهم "في رمية: رميات، وفي غزوة: غَزَوات وفي قَشْوة: قَشَوات، كما تقول في (فَعلة) نحو: حَصاة وقَناة: حصيات وقنوات، لأنَّك لو حذفت لالتقاء الساكنين لالتبس بفعال من غير المعتل فجرى ههنا مجرى غَزَوا ورَمَيا، لأنَّك لو ألحقت ألف (غَزا) وألف (رمى) ألف التثنية – للزمك الحذف لالتقاء الساكنين فالتبس الاثنان بالواحد، فكنت تقول للاثنين: غزا، ورمى فلما كان هذا على ما ذكرت لك لم تحذف" . وكثيراً ما نرى المبرِّد يردد لفظة (الأقيس) كقولِهِ: "أمَّا الأقيس والأكثر في لغات العرب فأن تقول في بيضة: بيضات، وجوزة: جوزات، ولوزة: لوزات" .

وهكذا كان نحو البصرة منذ عهد المبرد متأثراً بالمنطق، وأصبح نحاتها شيئاً فشيئا أهل فلسفة وجدل، وأصبحت أساليبهم فى النهاية متسمة بقدر من الغموض والتعقيد، وكل ذلك كان انعكاساً لتأثرهم بالمعارف العقلية التى سادت مدينتهم منذ عصر مبكر بسبب ما تم فيها من التقاء العرب بالعناصر الأخرى التى اعتنقت الإسلام وأثرت فى علومه وفى علوم اللغة العربية تأثيراً فكرياً عميقاً، وقد ساعد على هذا موقع المدينة الجغرافى على تخوم فارس كما ساعد عليه انتشار أفكار الاعتزال الفلسفية بين نحاتها ومزجهم هذه الأفكار بالثقافة العربية وبالنحو مزجاً دعا إليه شعورهم بالحاجة إلى هذا الخليط الثقافى لمقارعة خصومهم بالبيان الرفيع المتسلح بالمنطق والفلسفة بعد أن أتموا فى الوقت نفسه آلته وأحكموا صناعته النحوية .

وقد حملهم هذا الذى ذكرناه فى نهاية المطاف على الإفراط فى التقنين والحماس فى التقعيد، فانشغلوا بهما عن البحث فى المادة اللغوية نفسها، كما آل بهم الأمر إلى إخضاع هذه المادة لقواعدهم وقوانينهم النحوية التى وضعوها على أسس وطيدة من المنطق ووفق أصول فلسفية محضة وبناء على علل نظرية، فأصبح نحوهم منذ عهد المبرد ميداناً واسعاً ومعرضاً فسيحاً للمناهج الكلامية والاتجاهات المنطقية والمصطلحات الفلسفية لما أمتلأ به من الأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج والعلل والمعلولات والتقسيم والتبويب والحد والمحدود والشروط والقيود والداخل والخارج ونحو ذلك، ولما خضعت له أحكامه من ضروب التقدير والتأويل الذى يقصد به إلى التوفيق بين النصوص اللغوية وبين ما يخالفها من أصولهم التى وضعوها ليثبتوا أن كل ما نطق به العرب إنما كان على طرق ثابتة لها أسبابها ونتائجها المنطقية وأصولها الفلسفية، معتبرين أصول اللغة كأصول المنطق لتلك ما لهذه من عموم وشمول، ولما توسعوا فيه من القياس يطبقون على قواعدهم حتى أصبح عاما ومسيطرا عليها بحيث صار  ما يخرج على هذه القواعد شاذاً، ولإكثارهم من قياس ما لم يسمع عن العرب وحمله على القواعد المبينة على المسموع بشكل متعسف متكلف أحياناً من جهة ابتناء هذا القياس فى إجرائهم، ليس على العلة الأولى التى هى مدار الحكم ابتداء، بل على علل وراءها اعتبرت من العلل الثوانى والثوالث مما خرج بالنحو عن فطرة اللغة إلى غموض الفلسفة وتعقيد المنطق فى كثير من مسائله إلي البصرية .

وبعد فإن السبب الحقيقي كما أزعم وراء انصراف الكثير من النحاة علي قراءة المقتضب والأخذ به، إنما يتمثل فى أن المبرد حاول اقتصار النحو على دراسة الإعراب والبناء فى الألفاظ  وتبين أثر العامل بها، وانصرافه عن العناية بالمعنى وأساليب الكلام والموازنة بينها، مما أدى إلى انقطاعه عن مباحث البيان والبلاغة نتيجة اعتماده المنهج المنطقى وتمكينه من أصول النحو وقواعده. وما كنت أظن أحداً من الباحثين المعاصرين يرضى بهذا الانقطاع، إلى أن وجدت الدكتور "شوقى ضيف" يرضاه ويباركه بقوله " والحق أن اللغويين بعد القرن الثالث أخذوا يتوسعون فى المباحث اللغوية الخالصة، منحازين عن مباحث البيان والبلاغة، وكأنهم رأوا – محقين – أنها ميدان آخر غير ميدانهم " .

فلقد رأينا أن هذه المباحث كانت ميدانهم، وكانوا أول الفرسان فيها، وكيف أنها قد خالطت فكرهم وكتابتهم، وكانت السبب في جعل النحو عندهم دراسة حية وهم يتتبعون أساليب العرب في كلامهم وطرائقهم في التعبير في سبيل الاقتدار علي فهمها والتعبير بمثلها . علماً بأن الدكتور شوقي ضيف نفسه يري أن انفراد كتاب سيبويه بالقدرة علي تعليم قارئه دقة الحس اللغوي وتلقينه سليقة العربية والحس بها حساً دقيقاً مرهفاً . والشعور بها شعوراً رقيقا حاداً، إنما كان بسبب كونه لا يقف عند الإحاطة بالخصائص اللغوية والنحوية، بل يمتد أيضاً إلي الإحاطة بالخصائص البيانية والأدبية .

علي أية حال بصرف النظر عن مدي نجاح أو فشل ما قام به المبرد، فإنه لا شك يعد أول نحاة البصرة الذين أدخلوا الروح المنطقية رويداً رويداً في الدرس النحوي، وإن مثله كمثل إمام الحرمين أبا المعالي الجويني الأشعري حين " عُد أول عالم من علماء أصول الفقه الأشعرين الذي أدخلوا المنطق إلي حظيرة علم أصول الفقه ".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

محمد عرفات حجازيتنتشر في الوطن العربي خصوصًا، وفي أرجاء المعمورة عمومًا ـ دور رعاية المسنين وملاجئ الأيتام، وأمام هذا الانتشار الملحوظ نتساءل: ما هي أسباب اللجوء إلى تلك المؤسسات؟، وما هي أبرز حاجات تلك الشريحة الاجتماعية؟، ثمّ كيف السبيل لنشر الوعي الصحيح تجاههم؟، والسؤال الأبرز هنا: إلى أيّ مدى نحن مسئولون تجاههم؟، ثمّ لماذا تجدر علينا مساندتهم؟!

يلجأ كبار السنّ لدور الرعاية لعدّة أسباب، من أهمّها: إهمال الأبناء لآبائهم نتيجة تسلّط الزوجات، أو الضغوطات الاقتصادية وغلاء المعيشة ونفقات العلاج في مقابل الدخل المحدود؛ ما يدفع الأبناء لإيداع ذويهم في تلك المؤسسات للحصول على الرعاية المطلوبة.. وقد يكون السبب فقدان الذاكرة، وانقطاع سُبل التواصل مع الأهل، وصعوبة التعرّف عليهم.. كذلك فإنّ الوحدة قد تكون سببًا في ذلك ـ بمعنى أنّ الشخص لا يملك من الأهل أحدًا.. أضف لما سبق، فقد يلجأ كبار السنّ لتلك الدور هربًا من سوء المُعاملة الأسرية، وبحثًا عن الهدوء والراحة النفسية، وطلبًا للعناية والاهتمام.

ويلجأ الأطفال لدور الرعاية بسبب إهمال الأهل لأبناء الأخ أو الخت بعد وفاتهم؛ نظرًا لضغوطات الحياة، مما يضطرّهم للزجّ بهم في تلك المؤسسات.. أو قد يكون السبب أنهم جاءوا للحياة بطريقة غير شرعية، فتخلّصت منهم الأمّ.. وأحيانًا يكون السبب زيادة عدد أفراد الأسرة في مُقابل الدخل المحدود، ما يدفع الأسرة للتخلّص من أحد الأبناء أو بعضهم بوضعهم في تلك المؤسسات.

هذا وقد تمتنع دور المسنّين وملاجئ الأيتام عن استقبال العديد من الحالات؛ لعدّة أسباب من بينها الأمراض المُزمنة، أو المُعدية، أو نتيجة إدمانهم المُخدرات...

إنّ التعامل مع تلك الشريحة الاجتماعية يتطلّب إخصائيين على درجة وقدرة فائقة للتعامل معهم واحتوائهم، وتوفير الرعاية النفسية لهم، والرعاية الصحية والاجتماعية، والمُسامرات الدينية، والبرامج الرياضية، والفقرات الترفيهية والثقافية والندوات الفكرية، كما يجب عدم التعامل معهم بعنف من قِبل العاملين بتلك المؤسسات.

واليتامى بحاجة إلى التربية والاحتواء؛ لمنحهم الاستقرار النفسيّ والشعور بالأمان دون الاقتصار على الطعام والملابس فقط.. بل يجب منح اليتيم حقّه للعيش بأمان، وفي استقرار يرفع من جودة حياته ويُسهم في بناء مجتمع حيوي، إلى جانب ضرورة إعادة تأهيلهم علميًّا ودينيًّا وحرفيًّا... ومن جهة أخرى، فإنّ التعامل مع المُسنّين فنٌّ يحتاج إلى مزيد من الصبر والحلم والحكمة، كما أنّ الاستفادة من خبراتهم وتلمّس احتياجاتهم مطلب تنمويّ، وهنا نقترح دمج دور رعاية المُسنين مع ملاجئ الأيتام؛ إذ قد يساعدنا ذلك على تكوين أسر جديدة، ناهيك عن استفادة الأحفاد من خبرة الأجداد... وغيرها من فوائد.

إنّ تنامي وجود تلك الشريحة، والتزايد المُستمرّ للمؤسسات الراعية لهم، يصبّ الزيت على ضرورة نشر الوعي تجاههم، بل ومُساندتهم من خلال عدّة محاور، مثلًا: إقامة حفلات خيرية لصالح نُزلاء تلك المؤسسات.. والدعوة لإقامة زيارات ميدانية من مؤسسات المجتمع المدني والمدارس والجامعات؛ للتوعية حول الاهتمام بالوالدين، وتوضيح الجوانب السلبية لإهمالهم، وغرس مبدأ العمل التطوعيّ.. إلى جانب ضرورة وجود زيارات فنيّة يمكن أن نستلهم منها مواضيع درامية، وبرامج توعية لكافة شرائح المجتمع.

والسؤال الأهم هنا هو: إلى أيّ مدى نحن مسئولون تجاههم؟، ثمّ لماذا تجب علينا المساهمة ومساعدة تلك الشريحة، بل ونشر الوعي تجاههم؟!

لم يكن رأي الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844ـ 1900م) ببعيد في هذا الصدد، وإن جاء في سياق مُخالف قليلًا؛ حيث مضى في كشْف النقاب عن خداع قيم الضعفاء (العبيد)، فيقول: إنّ العطف على القريب من خلال تزويق الكلام، ما هو إلا أنانية مُضلّلة؛ لأنّكم تلجئون للقريب هربًا من أنفسكم، وتُريدون أنْ تعدّوا هذا العمل فضيلة.. وأنّ من الناس مَن يهرع إلى جاره لِيُفتِّش عن نفسه، ومنهم مَن يذهب إليه لِيَنْسَاها، وذلك خوفًا مِن العُزلة والانفراد، الذي يُمثّل سجنًا للإنسان.

ولكي نتجنّب صدور قيمنا الأخلاقية من موقف الضعف والأنانية؛ فإنّنا نؤكّد على جملة من الأسباب تدفعنا لمساعدة الآخر، والتي ـ فيما نعتقد ـ يجب أن نعمل جاهدين على غرسها في نفوسنا وأجيالنا الشابة من قبل.. فمن منظور ديني: تجدر علينا المساعدة لأنّنا وُكلاء على خيرات ونِعَمِ الله في الدنيا، ولكي ندفع عن أنفسنا البلاء، ولتحقيق فلاحنا؛ استنادًا لقول الله تعالى: "وافعلوا الخير لعلّكم تُفلحون" ()، ما يعني أنّ الرحمة والتعاون والتكافل قيم ومبادئ إنسانية يغرسها فينا ديننا. ومن منظور اجتماعي: فإنّ تحقيق التكافل الاجتماعي مسئوليتنا، والخير لا يمكن أن يتحقّق دون تعاون مجتمعي وجهود مُشتركة، كما أنّ التعايش مع مختلف فئات المجتمع وحمل أفكارهم ومشاعرهم وقضاياهم يجعل منّا أشخاصًا فاعلين اجتماعيًّا وإنسانيًّا، أيضًا فإنّ العطاء باب مفتوح بلا شروط ولا حدود، وهو علاقة تكامليّة تمنح المُتلقّي مُبتغاه وتعود على المُعطي بالنفع في دنياه وآخرته، ناهيك من أنّ الإنسان يسمو في الحياة بقدر ما يُنفق لا بقدر ما يجمع، وهو ما يمنح حياتنا معنى أعمق.

ومن منظور حضاري: فإنّ نهضة المجتمعات ورقيّها يكون بترابطها وسعيها لقضاء حاجات أفرادها، وهو ما يجعلنا نخلق مجتمعًا تكافليًّا يقوم على التراحم والبِرّ والترابط الإنساني، ويسوده العدل والتكامل. ومن منظور أخلاقي: فإنّ سعادة العطاء تفوق لذّة الأخذ، وكان البذل والعطاء تهذيبًا لنفوسنا، والإنسان يرتقي وتسمو نفسه بقدر إنفاقه ممّا يُحبّ، ناهيك عن أنّ سخاء الروح وكرم النفس يُضفي راحة وطُمأنينة على المرء تلمسها في أفعاله، وأخيرًا: فإنّ جملة ما عدّدناه من أسباب ستساعدنا أن نصنع للأجيال القادمة نماذج خيّرة يُقتدى بها..

 

محمد عرفات حجازي/ باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

قصي الصافيتعرض اوسكار وايلد لانتقادات شديدة لقوله أن أسوأ السادة اولئك الذين يعاملون عبيدهم باشفاق، لأنهم يحجبون عن رؤيتنا جوهر النظام العبودي. بالطبع لم يكن وايلد بقصد ادانة طيبة وعطف السادة من منظور أخلاقي إنساني، انما يشير الى ما قد ينشأ عن تلك الظاهرة من فخ ثقافي يسهم في تجميل نظام العبودية وحرف الانظار عن جوهره الوحشي القائم على ملكية الانسان لأخيه الانسان، كسلعة تباع وتشترى، وكثيراً ما نعثر في الادب الكلاسيكي على صورة مالك العبيد المحسن، في مقابل العبد ناكر الجميل، حتى ان تولستوي العظيم رائد المذهب الأنساني قد انزلق بهذا الفخ في مجموعته القصصية (الملاك). واليوم في ظل العولمة وهيمنة النيوليبرالية والسوق المتحررة من اي ضوابط أو قيود نشهد ظاهرة مماثلة تتمثل بالاعمال الخيرية لمؤسسات تمولها بسخاء كبريات الشركات متعددة الجنسية وأثرياء العالم، يعقدون عشرات المؤتمرات سنويا في دافوس وغيرها، لمكافحة الفقر وكوارث التسخين الحراري ودعم التعليم والقضاء على الامراض وخاصة في الدول الفقيرة.

تضفي تلك الاعمال الخيرية على النيوليبرالية بعداً أخلاقياً نقابله باعجاب ساذج، فهي تستثير  مشاعرنا الانسانية وتوقنا الطبيعي للعدالة الاجتماعية، الا انها تعالج الأعراض لا المرض، كما ان المعالجة تتم ضمن منطق السوق، دون المساس بآلياته  المنتجة للفقر والمسؤولة عن الاتساع الخطير في الفجوة بين فاحشي الثراء وعامة الناس، فحسب جداول اوكسفام العام الماضي بلغ مجموع ثروات 26 فرداً من أغنى الاغنياء ما يعادل مجموع ثروات النصف الأفقر من سكان العالم أي 3.8 مليار نسمة، و في الهند  يمثل مجموع  ثروات 9   أفراد فقط ما يمتلكه نصف الشعب في أسفل السلم، بينما يمتلك ثلاثة أفراد فقط (بيل غيتز، وارن بوفيت، بيزوس) ما يعادل مجموع ثروات النصف  الأفقر  من الشعب الامريكي مجتمعين، أي ما يقارب 163 مليون نسمة، كما تشير التقارير أن أغنى رجل في العالم (بيزوس ومثله 60 شركة كبرى) لم يدفعوا دولاراً واحداً للضرائب الفدرالية، وهذا ما يفسر تجاهل أثرياء العالم ومنظماتهم الخيرية معالجة جذر المشكلة اي نظام النيوليبرالية، الذي يتيح لهم الاثراء الفاحش وتمركز رأس المال كما تنبأ بذلك ماركس مصيبا.

مع التقدم المتسارع في التكنولوجيا، والمرونة المفرطة في الضوابط المفروضة على السوق الحرة، ينتج الاقتصاد المعولم ثروات هائلة ترافقها درجة خطيرة من اللامساواة. و كي تحمي الرأسمالية نفسها من نفسها، و لخلق حالة من الاستقرار الاجتماعي، يتعين على الدولة المبنية مؤسساتها على اسس الديمقراطية الحقيقية إعادة توزيع الثروة عبر فرض نظام ضريبي تصاعدي واطلاق مشاريع وبرامج دعم للطبقات الدنيا وتوفير التأمين الصحي والتعليم والخدمات الاجتماعية وغيرها، إلا ان العقود الاربعة الاخيرة قد شهدت تراجعاً كبيراً في دور الدولة، مما ترك فراغاً شغلته مئات المؤسسات الخيرية العائدة للشركات والمصارف الكبرى، وشاع مصطلح الرأسمالية الخيرية في الصحافة والاعلام. أي ان من يلقي بحمم النار قد آثر ان يرتدي بزة رجل الاطفاء.

تبنت تلك المؤسسات مجابهة مشاكل العالم وهي قيادات غير منتخبة، وتلك على ما يبدو احدى مؤشرات تجاوز مرحلة الدولة القومية التي كانت الحجر الاساس للرأسمالية في طور نشأتها وصعودها كطبقة حاكمة، وقد ولجنا طوراً جديداً للرأسمالية أصبحت فيه الشركات متعددة الجنسية عابرة للقومية. المؤسسات الخيرية الممولة من قبل الشركات لا تتمتع باي درجة من الشفافية، وبما ان العمل الخيري عمل تطوعي إنساني فهي لا تخضع لاي مسائله أو تقييم لخططها و ممارساتها، بل تحاسب نفسها بنفسها، غير ان الصحافة الاستقصائية الجادة قد كشفت عن تناقضات فضائحية بين اهدافها المعلنة وممارساتها في الواقع.

- المساعدات لتلميع صورة الاوليغارك:

يصف الاعلام بيل غيتز (صاحب احتكار مايكروسوفت سابقاً) بانه المحسن ذو القلب الكبير، الذي لم يتوقف عن التصريح بانه سيتبرع بكامل ثروته لعمل الخير، إلا أن ثروته تتزايد عاماً بعد عام حتى بلغت 90 مليار دولار هذا العام. حوصر في التسعينات بعشرات الدعاوى في المحاكم الاوربية والامريكية بتهم الاحتكار ومخالفة قوانين المنافسة والتهرب من الضرائب، تنبه حينها فقط ان هناك فقراء جياعاً ومرضى في العالم، فقدحت في ذهنه فكرة تنتشل صورته من الوحل وتجعل منه بطلاً منقذاً لفقراء الارض، وذلك بتأسيس مؤسسة بيل و ميليندا الخيرية، وقد صح ما وصفه به الصحفي ليونيل آرتك: إنه يغادر المطعم دون ان يدفع وجبته لكنه يترك اكرامية كبيرة للنادل.

- مساعدات ام توسع استثماري؟

إعفاء أموال التبرعات من الضرائب يكلف دافعي الضرائب في أميركا 60 مليار دولار، فهل تصل تلك الأموال الى المنتفعين أصحاب الحاجة فعلاً؟.لمعرفة ذلك ربما تكون مؤسسة بيل وميليندا نموذجاً مثالياً للدراسة لما تمتعت به من تمجيد و إطراء في وسائل الاعلام.

للمؤسسة صندوق استثماري على شكل أسهم في كبريات الشركات المثيرة للجدل (صناعة السلاح، البترول، مونسانتا، كوكا كولا، جي بي مورغان، ماكدونالد ... الخ)، ارباح تلك الاسهم -كما تدعي المؤسسة -تنفق في برامج لمكافحة الامراض والفقر وتطوير التعليم وخاصة في البلدان الفقيرة، إلا ان حسابات المؤسسة تشير الى ان 1.4 % من الاموال فقط تنفق على المرافق العامة التي تقدم خدماتها مباشرة للمحتاجين كالمدارس والمستشفيات، فكيف تصرف باقي الاموال؟ تذهب منحاً (وليس قروضاً) لكبريات الشركات تحت يافطة: الاستثمار سيرفع من مستوى معيشة الجميع بما فيهم الفقراء. المنحة الأكبر من نصيب مونسانتو وهي اكبر شركة في العالم تحتكر البذور المطورة جينياً وتسوقها بأسعار غالية جداً وتمنع استعمالها من قبل الفلاحين بعد انتهاء الموسم فعليهم شراءها ثانية، مشروع مضمون لسحق الفلاحين الصغار الذين يشكلون الغالبية العظمى في افريقيا خاصة، و التي يعتمد 80 % من مزارعيها على البذور المحلية، ومن الجدير بالذكر ان مونسانتو تواجه حالياً عدداً كبيراً من القضايا في محاكم اميركا لاستخدامها مواداً مسرطنة في صناعاتها. يقدم بيل غيتز أيضاً منحة وصلت الى 11 مليون دولار لشركة ماستر كارد كي تصدر بطاقات تامين (كردت كارد) في نيروبي وكينيا لتمكين المواطنين من استدانة ما يحتاجونه من أموال، يبدو ان الفقراء لا يعوزهم سوى بطاقة تأمين مصرفي!!، توزع المؤسسة الخيرية جداً منحها المليونية أيضاً على شركات الاعلام العملاقة ( Univisio، ABC، NBC ) على اعتبارها تساهم في " توعية المواطنين"، علماً ان ايرادات تلك المحطات تبلغ عدة مليارات من الدولارات سنوياً، ولا تشغلها التوعية بقدر ما تشغلها دعايات البيتزا و الكوكا كولا. القائمة تطول والخلاصة ان المساعدات الخيرية ليست سوى واجهة أخلاقية زائفة لتمدد السوق الحرة وتعاظم نفوذها.

 - الاحسان كسبيل للنفوذ والسلطة:

حقق اوليغارك الرأسمال العالمي نفوذاً واسعاً عبر ما يسمى بالعمل اللاربحي المعفى من الضرائب، وكان بيل غيتز هو الاكثر نفوذاً على اعتباره أكرم المحسنين. تبرع عام 2012 بمبلغ 300 مليون دولارا لمنظمة الصحة العالمية، لا كمنحة بل عبر مشاريع تستثمر فيها شركات صناعة الادوية واللقاحات مثلما وضحت الفقرة السابقة، تلك العطايا ونشاطاتها الاخرى قد حققت له نفوذاً وعلاقات مؤثرة مع رؤساء ووزراء العالم، وطالما شكا المسؤولون من هيمنته على خطط وقرارات منظمة الصحة العالمية، وقد تعرض للكثير من الانتقادات والتساؤلات:

- لم يستثمر نفوذه في حث اي حكومة على اطلاق برامج تأمين صحي مجاني شامل، بل لتوسيع الخصخصة و الاستثمارات في هذا المجال.

- في حين يجمع خبراء منظمة الصحة العالمية على ان العقبة الرئيسية لوصول الفقراء الى الادوية الغلاء الفاحش بسبب نظام احتكار الماركة المسجلة غير العادل، ويدعون الى السماح للشركات انتاج ادوية بديلة باسعار رخيصة، يواجه هو تلك الاقتراحات بمعارضة شديدة، ويعود ذلك كما يرى البعض الى انه جمع ثروته من احتكار مايكروسوفت وهو يسعى الى دعم استمرار الاحتكارات لشركات له فيها الكثير من الاستثمارات (باير، مونسانتو... الخ).

- يصر على صرف المساعدات على لقاحات الشلل الذي لا يصيب سوى المئات سنوياً، بينما يتجاهل الامراض المنتشرة بالسمنة والقلب والسكري، ويعزو البعض ذلك الى تجنب فرض ضوابط صحية وبيئية على شركات الغذاء والبترول والغاز التي تدر عليه استثماراته فيها أموالاً طائلة.

- فعل الخير كنشاط لوبي:

كشفت دراسة صادرة عن (المكتب القومي للدراسات الاقتصادية) في واشنطن أن التبرعات التي تقدمها الشركات باسم العمل الخيري لمؤسسة اجتماعية تزداد بشكل كبير اذا ما كان مدير تلك المؤسسة عضو برلمان أو مسؤولا يمتلك صلاحيات يمكن ان تنتفع منها الشركة المتبرعة، وما ان يترك السياسي المسؤول تلك المؤسسة تنقطع أو تنخفض مبالغ التبرعات بشكل ملحوظ، وقد قدرت الدراسة أن الأموال الخيرية التي تهدف الى التأثير على السياسيين تمثل 40 % من مجموع الاموال المدفوعة للنشاط اللوبي. على سبيل المثال لا الحصر تبرعات شركة بوينغ لمؤسسة كلينتون الخيرية قد درت عليها عقوداً مربحة مع دول عربية بوساطة هيلاري كوزيرة خارجية آنذاك.

- المساعدات للتغطية على نهب الثروات:

تتسابق الشركات الغربية ومصارفها على اطلاق المشاريع الخيرية لاعانة فقراء الدول النامية وخاصة في افريقيا للتغطية على ما يصفه توم بيرجز بماكنة النهب الممنهج (في كتاب يحمل نفس العنوان)، يوثق فيه بالتفصيل دعم الشركات الغربية للحكام الفاسدين وتمويل حملاتهم الانتخابية و تقديم العمولات والرشاوى، و تمويل مليشيات قبلية تؤمن احتكارهم للتعدين و البترول وتهريب الثروة خارج القارة، وقد أصدرت الحكومة الامريكية عام 2010 تحذيراً لعدد من الشركات من بينها آبل و لوكهيد مارتن لوقف تمويل المليشيات التي تستمر في الاقتتال فيما بينها  للسيطرة على مناجم التعدين.  اظهرت الاحصائيات ان مجموع الاستثمارات الاجنبيه ومداخيلها بما فيها المساعدات الانسانية المقدمة من قبل الشركات والدول الغربية الى البلدان الفقيرة قد بلغ عام 2012 ما يقارب 1.3 تريليون دولار، بينما غادرت الى الدول الصناعية عن طريق الشركات متعددة الجنسية من تلك البلدان الفقيرة 3.3 ترليون دولار في نفس العام، فمن يساعد من؟ هذا اذا ما تجاهلنا ما تتركه تلك الشركات من تلوث للبيئة و اختلال في توازن الطبيعة، مما يؤدي الى مناخات غير صحية وزيادة الكوارث الطبيعية والتصحر.

ما يسمى بالمؤسسات الخيرية ليست سوى واجهة أخلاقية لنظام عولمة غير عادل، يجري وفقه انتقال الثروة من القاعدة إلى القمة، ومن البلدان الفقيرة الى البلدان الغنية.

 

قصي الصافي

....................

المراجع:

1- The National Bureau of Economic Research

Tax- Exempt Lobbying: Corporate Philanthropy as a Tool for Political Influence.

2- Winners Take All: The Elite Charade Changing The World, by Anand Giridharadas.

3- Why philanthropy Is Failing Democracy By Rob Reich.

4- The Looting Machine: By Tom Burgis.

5- We're ripping off Africa for decades, by Gerald Caplan, The Globe And MajI, Apr 14 2017.

 

بشار الزبيديبقلم: إبراهيم بوخاردت

ترجمة عن الألمانية: بشار الزبيدي

***

الخيمياء في المسيحية والإسلام

[...] يتساءل المرء كيف كان من الممكن إدراج الخيمياء وخلفيتها الأسطورية في الديانات التوحيدية، المسيحية واليهودية والإسلام. يُمكن للمرء ايجاد تفسير لذلك في حقيقة أن وجهات النظر الكونية التي تخص الخيمياء وتتصل بالطبيعة المعدنية الخارجية و الطبيعة الداخلية أو الروحية, كانت مُرتبطة عضوياً بالمعادن القديمة بحيث تم تملك هذه الخلفية الروحية ببساطة باعتبارها معرفة بالطبيعة ومتصلة بالعمل الحرفي بالمعنى الواسع للكلمة، كما اعتمدت المسيحية والإسلام تقليد فيثاغورس في الموسيقى والهندسة المعمارية ودمجته في عالمهما الروحي.

من وجهة النظر المسيحية كانت الخيمياء بمثابة مرآة طبيعية للحقائق المكشوفة: وهي حجر الفلاسفة القادر على تحويل المعادن الخسيسة إلى فضة وذهب وهي صورة للمسيح وولادته من "النار غير المحترقة". للكبريت و"الماء الدائم" للزئبق مثل صورة ولادة المسيح عمانوئيل.

تلاقحت الخيمياء من الناحية الروحية من خلال تقريبها من الدين المسيحي في حين اكتسبت المسيحية طريقًاً يمكن أن يؤدي إلى غنوصية حقيقية من خلال التأمل في الطبيعة.

كان من السهل بالنسبة للفن الهرمسي أن يتناسب مع العالم الروحي للإسلام. كان هذا دائمًا مُمكناً للاعتراف بأي "فن" لما قبل الإسلام الذي يبرز نفسه تحت رؤية الحكمة باعتباره وريثًاً للأنبياء السابقين. وهكذا كان هرمس الهرامسة في العالم الإسلامي غالبًا ما يُماثل أنس الله (إدريس).

لقد كانت عقيدة "وحدة الوجود" هي التفسير الباطني لعهد الوحدة الإسلامية التي استطاعت منح الهرمسية محورًا روحيًا جديدًا أو وضعتها بطريقة أخرى في أفقها الروحي الأصلي بكامل اتساعها واستعادتها وحررتها من عوائق العصور الهلنستية المتأخرة. [...]

أن الاختلاف بين الخيمياء وأي فن مقدس آخر يكمن في حقيقة أن الإتقان فيها ليس كما في الهندسة المعمارية أو في الرسم, إذ لا يُصبح مرئيًا على المستوى الخارجي "الحرفي" ولكن له تأثير داخلي فقط، لأن تحول الرصاص إلى الذهب  الذي يتألف من رُسابة خيميائية يتجاوز إمكانيات الحرف اليدوية. أن روعة هذه العملية التي تمثل قفزة طبيعية التي لا يمكن أن تحدث وفقًاً للخبراء الخيميائيين إلا في فترة طويلة بعيدة، وهي تشير إلى الفرق بين الإمكانيات المادية والروحية: في حين أن المادة المعدنية ومحلولها وتبلورها وذوبانها واحتراقها بطريقة معينة قادرة أحياناً على عكس تغيرات الروح وتبقى مرتبطة بقوة الاستمرار، فيما يمكن أن تتغلب الروح على حتمية نفسية مُماثلة بفضل مواجهتها للروح غير المرتبطة بأي شكل.

يُمثل الرصاص الحالة الفوضوية الغامضة للمعادن أو للإنسان الداخلي، في حين أن الذهب باعتباره "النور الثابت" و "الشمس الدنيوية" يُعبر عن كمال الوجود المعدني والإنساني. الذهب وفقاً للخيمياء هو الهدف النهائي للطبيعة المعدنية. جميع المعادن الأخرى هي تقريباً مراحل تمهيدية أو محاولات لذلك ؛ فالذهب وحده لديه توازن قائم بذاته لجميع الخصائص المعدنية وأيضاً لديه صفة الاستمرارية. يقول ميستر إكهرت: "النحاس لا يستريح ولا يستقر حتى يتحول إلى ذهب"، ويعني بذلك الروح التي تتوق إلى طبيعتها الأبدية.

لذلك لم يرغب الخيميائيون صناعة الذهب من المعادن العادية، كما يقولون ببعض الوصفات السرية التي آمنوا بها. ومن أراد ذلك هم فقط أولئك الذي يُطلق عليهم حارقي الفحم والذين لا تربطهم أي صلة بالتقاليد الخيميائية الحية وهم يسعون لانجاز هذا العمل العظيم فقط من خلال دراستهم للكتابات التي فهموها بشكل سطحي. [...]

استعادة النبالة الأصلية للطبيعة البشرية

[...] كطريقة تقود الإنسان إلى معرفة كيانه الخالد، يُمكن للمرء أن يُقارن الخيمياء بالتصوف. إذ تم اعتماد التعبيرات الخيميائية في المسيحية. كما يُشير التصوف الإسلامي إلى ذلك أيضاً. تشير الرموز الخيميائية للتكامل إلى التمكن الروحي للحالة البشرية والعودة إلى الوسط، الذي يصفه التصوف الخاص بالديانات التوحيدية الثلاثة بأنه استرداد الجنة الأرضية. كتب نيكولاس فلاميل (1330-1417)، الذي عمل كخيميائي للغة إيمانه المسيحي، عن كمال العمل الذي يجعل الإنسان صالحاً، ويقضي على جذور جميع الخطايا  والجشع الذي في داخله، بحيث يكون كريمًا، رقيقًا وتقياً ومؤمنًا ويخاف الله، مهما كان سيئًا قبل ذلك. ليُصبح من هذه اللحظة فصاعدًا مُمتلئًا بالنعمة والرحمة العظيمة التي يتلقاها من الله والتي تكتمل بعمق أعماله الرائعة.

إبادة جذور جميع الخطايا هو العودة إلى الكمال الآدمي

جوهر وهدف التصوف هو الاتحاد مع الله. الخيمياء لا تتحدث عن ذلك. ومع ذلك فإن طريقة التصوف هي استعادة "النجابة" الأصلية للطبيعة البشرية ورمزيتها لأن الاتحاد مع الله ممكن فقط بوجودها على الرغم من المسافة الغير قابلة للقياس التي تفصل بين المخلوق والخالق وهذه هي صورة آدم التي تم تشويهها أو جعلها غير فعالة من خلال هبوط الإنسان من السماء. ولذا يجب أولاً استعادة نقاء الصورة البشرية قبل أن تنغمر معالمها في النموذج الإلهي غير المحدود.

إذن تحول الرصاص إلى الذهب لا يُفهم روحيًا سوى استعادة النبالة الأصلية للطبيعة البشرية. مثلما لا يمكن إنتاج الجودة الفائقة للذهب من خلال التكوين الخارجي للميزات المعدنية مثل الكتلة والصلابة  واللون، وهكذا فإن الكمال في الآدمية ليس مجرد تراكم للفضائل ؛ فهو لا يُعد مثل الذهب والإنسان الذي أنجز هذا الأمر لا يُقاس بالآخرين. كل شيء عنه يأتي مباشرة وبهذا المعنى تكون طبيعته مستقلة.

نظرًا لأن إدراك هذه الحالة ينتمي بالضرورة إلى مسار التصوف، فيمكن أيضًا اعتبار الخيمياء فرعًا من التصوف. [...]

الخيمياء: تصوف بدون إله؟

إن "النمط" الروحي للخيمياء يختلف اختلافًا كبيرًا عن التصوف الذي يقوم على تعاليم إيمانية بحيث ليس من الواقعية أن يتحدث المرء عن "التصوف بدون الله". ومع ذلك  فإن التعبير غير مناسب ولا يعني القول أنه خاطئ تمامًا لأن (الخيمياء) تتطلب الإيمان بالله وكل أسيادها تقريبًا يولون أهمية كبيرة لإقامة الصلاة. هناك شيء ما يصح في هذا التعبير, عندما لا تمتلك الخيمياء إطارًا لاهوتيًا من بداية الأمر بحيث أن التوصيف اللاهوتي للتصوف لا يحصر بالضرورة الأفق الروحي للخيمياء.

التصوف اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي هو بطريقته انعكاس لحقيقة مكشوفة أو رؤية إلهية أو فكرة بالمعنى الأعمق للكلمة. هو التصور الذهني والامتثال الطوعي لهذه الفكرة. والخيمياء من ناحية أخرى لا يمكن توظيفها في المقام الأول لاهوتياً (أو ميتافيزيقياً) ولا أخلاقياً. إنها تنظر إلى لعبة القوى النفسية من وجهة نظر كونية بحتة وتتعامل مع الروح باعتبارها "مادة" يتم تطهيرها وحلها وإعادة بلورتها. تتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها العلم أو فن الطبيعة فكل حالات الوعي الداخلي ليست سوى طرق "للطبيعة" الوحيدة التي تشمل كل من الأشكال الخارجية والمرئية والمادية وكذلك الداخلية والعاطفية. [...]

السر الحقيقي للخيمياء

يقول الخيميائيون أن المعادن الخسيسة لا يُمكن تحويلها إلى فضة وذهب حتى يتم إرجاعها إلى موادها الأصلية. وإذا نظر المرء إلى المعادن الخسيسة من جانب واحد باعتبارها حالات سائلة غير نقية للروح فإن المواد الأولية التي ترجع إليها ليست سوى"جوهرها الأساس" وأن الروح في حالتها الأصلية غير مشروطة بالانطباعات ولا العواطف أو حالة  شكلية معينة.

فقط عندما تكون الروح خالية من كل جمودها وتناقضاتها الداخلية تصبح المادة القابلة للتشكيل التي يمكن أن تفرض عليها الروح القادمة من الأعلى شكلاً جديدًا وهو شكل لا يحد ويرتبط ولكن على العكس يُحرر لأنه يأتي من جوهره الخالد. إذا كان شكل المعدن الأساسي عبارة عن نوع متصلب وبالتالي كان مُقيد فإن شكل "المعدن" النفيس يُمثل رمزًا وبالتالي يمثل ارتباطاً مباشرًا بالنموذج الأصلي الخاص بالله.

أن الروح في قيامها المستمر بالنسبة للخيميائيين مُتحدة أساساً مع المادة الأولية لمجمل العالم. وهذا هو مجرد افتراض نظري للعمل الخيميائي الناتج عن التكافؤ المُتبادل بين العالم الكبير والعالم المصغر وبذلك يمكن التعبير عن هدف العمل الخيميائي: بأن وحدة الروح والعالم تُصبح مكشوفة ومفهومة مع اقتراب الفعل الخيميائي من الانتهاء. نحن نتطرق هنا إلى السر الحقيقي للخيمياء ولهذا السبب يجب أن يظل كل ما يمكن قوله حول هذه النقطة تلميحًا وتشبيهًا.

إن المادة الأولية التي تشكل أساس الروح هي في المقام الأول المادة البدائية لمركزية الذات ثم المادة البدائية لجميع الأشكال العقلية بشكل عام دون تمييز بين الكائنات الفردية وأخيراً المادة البدائية للعالم كله. كل هذه التفسيرات مُمكنة لأن "أنسجة" العالم إذا لم تكن لها طبيعة مثل نسيج الروح فسيكون من غير المنطقي تضمين كل كائن في رؤياه.

إذا كان العالم أيضًا رؤيا مقارنة للروح الثابتة فإن الرؤيا ثابتة بطبيعتها. يقول شكسبير في مسرحيته العاصفة: "العالم مصنوع من أشياء مثل الأحلام." إذ أن نقيض هذا العالم "الداخلي" و "الخارجي" أو النفسي والجسدي منسوج في هذا الحلم. [...]

 

مجمل الطبيعة والجانب الأنثوي الأمومي لفعل الخليقة

"الفن"، كما اعتاد الخيميائيون القول،هو تقليد الطبيعة في مؤثراتها. نموذج العمل الخيميائي هو الطبيعة التي تصنع الخيميائي والذي بدوره يُدرك طريقة عمله ويستكمل بسهولة ما بدأه بصعوبة بالغة. مصطلح "الطبيعة" له معنى محدد هنا. فهي لا تعني مجرد التحول اللاإرادي للأشياء وإنما أيضاً قوة مُتجانسة أو سبب يتم التعرف على طبيعته الحقيقية من خلال إدراك إيقاعه الشامل الذي يحكم العالم الخارجي والداخلي على حد سواء.

ونظرًا لأن الخيمياء الغربية تستخدم عمومًا اللغة الميتافيزيقية الأفلاطونية, فيجب على المرء أن يشير إليها لمعرفة ما يعنيه تعبير الطبيعة. ربما أكثر العلامات ذات مغزى للطبيعة نجدها في تاسوعات الفيلسوف أفلوطين , إذ جاء في كتابه:

لو قُدر للمرء أن يسأل الطبيعة لماذا تُظهر مؤثراتها، فسوف تكون إجابة الطبيعة كالتالي إن كان هناك إجابة أصلاً: "الأفضل لا تطرح أي سؤال ولا تتحرى ذهنياً حيال ذلك وإنما تعلم بصمت كما أنا صامتة ؛ لأنني لا أهتم بالتحدث [على عكس الروح التي تكشف عن نفسها بالكلمات].

يجب عليك أن تتعلم أن كل ما يُصبح موضوعاً لرؤيتي الصامتة، رؤيتة كانت ملكًا لي في الأصل، لأني أنا شخصياً نتاج رؤية ؛ أحب النظر، وما يبدو لي يخلق في نفس الوقت موضوع رؤيته. يستخلص علماء الرياضيات الأرقام من رؤيتهم الروحية. لكنني لا أرسم أي شيء ؛ أنا أنظر فقط، وتظهر أشكال العالم المادي وكأنها خرجت مني.

وفقًا لما مذكور فإن الطبيعة ترتبط في جوهرها بالمادة الأولية التي تكمن في النظريات الثلاثة البارزة في الكون الأفلاطوني (الهيولى): ثم فوقها روح العالم (النفس) وفوق النفس الإدارك (النوص), الذي يسعى بمفرده إلى فهم (الواحد) المتعذر وصفه ؛ الذي تكمن فيه المادة البدائية وهي الأساس لجميع المظاهر، والتي بدورها لا تشارك في عملية التكوين، وبالتالي تظل إلى الأبد "عذرية". يُمكن للمرء أن يطلق على الطبيعة الرؤية "الأمومية" للمادة البدائية لأنها "تلد" ؛ وهي مؤثرة ومتحركة، في حين أن المادة البدائية، وهي المادة الأولية، غير قادرة على الحركة في حد ذاتها.

مُحي الدين بن عربي (الشيخ الأكبر) للتصوف الإسلامي، الذي ندين له بأوسع التفسيرات للمبادئ الهرمسية، يتصور بأن الطبيعة هي الجانب الأنثوي الأموي لفعل الخليقة, وهي (نفس الرحمن)، التي تعطي وجودًا متنوعاً لإمكانيات ترقبية غير مُتمايزة في "اللاوجود". وأن الرحمن يمثل هذه النفس،  لأن هذه الإمكانيات لا بد لها أن تتجلى وتتوق لذلك؛ إلا أن هذه القوة ذاتها لها مظهر مظلم ومربك، فالتعددية على هذا النحو هي تضليل وتناء عن الله.

إن تفسير ابن عربى لمجمل الطبيعة باعتبارها قوة أمومية وفي نفس الوقت قوة مربكة من أصل إلهي له أهمية خاصة هنا لأنه يربط بين الفكرة الهندية لشاكتي، القوة الإبداعية الأنثوية للإله. لكن فكرة شاكتي تشير إلى كل تلك الأساليب (التنترية) الأكثر ارتباطًاً بالخيمياء من بين جميع الفنون الروحية والتي يعتمد عليها الهنود أيضًا في الخيمياء. [...]

الهدف من "التناسل الخيميائي"

يعتبر تزاوج الكبريت والزئبق والشمس والقمر والملك والملكة رمزا رئيسياً للخيمياء، ولا يمكن تمييز أهميتها عن التصوف من ناحية وعلم النفس من ناحية أخرى.

في حين أن التصوف بشكل عام وبصورة تقريبية، يفترض أن الروح قد انعزلت عن الله بالانتقال إلى العالم ويجب أن تتحد معه وتعترف بوجوده الفوري والشامل داخلها. تستند الخيمياء على نظرة مُفصلة بأن الإنسان مُنقسم داخل نفسه بفقدان حالته "الآدمية" الأصلية ويستعيد وجوده الكامل فقط عندما يتم التصالح بين القوتين اللتين سبب خصامهما أضعافه.

إن التقسيم الداخلي والعضوي للطبيعة البشرية هو نتيجة ارتدادها عن الله، تمامًا كما أدركا آدم وحواء خلال سقوطهما للأرض (خصامهما) الذي دفعهما لدائرة الإنجاب والموت. وعلى العكس من ذلك، فإن استعادة الطبيعة الكُلية للإنسان والتي تعبر عن الخيمياء في صورة (الزنمردة) الجامعة لخواص الذكورية والأنثوية، هي شرط أساسي وهي من وجهة نظر أخرى ثمرة الاتحاد مع الله.

 

....................

* المقال يُقدم مُقتطفات مختارة من كتاب إبراهيم بوخاردت: الخيمياء – المعنى والنظرة العالمية.

* تمت ترجمة النص عن موقع: Chalice verlag

 

 

يعد الإرهاب الرقمي أحدى الوسائل الفعالة لتحقيق الأهداف السياسية في الساحة الدولية، فتتعامل البشرية مع تأثير معقد "على ومع" العدو وبمختلف أدوات المعلومات في وقت واحد مما يجعل من الممكن وصفه بأنه حرب مختلطة، ونظرًا لأن المجتمع الحديث غارق أكثر فأكثر في فضاء المعلومات فمن الضروري بشكل متزايد مواجهة مظاهر مختلفة لأنواع جديدة من الأعمال الإرهابية المرتكبة في الفضاء الإلكتروني، ونتيجة للعولمة واختراق التقنيات الرقمية لمجمل الحياة اليومية للناس مما أدى لظهور فضاء اجتماعي جديد سمي بالواقع الافتراضي. وان المحاكاة الافتراضية في العلم الحديث هي بديل للواقع بطريقة أوجدت ما يسمى بالفضاء الإلكتروني الذي غيّر فهم الواقع الحياتي، وعبره تم تقسيم الواقع في العقل البشري إلى موضوعي وافتراضي وقد أدى التوزيع الواسع لتقنيات المعلومات إلى خلق مشاكل وتهديدات جديدة استخدمت بنشاط في الآونة الأخيرة من قبل أنواع مختلفة من المحتالين الذين كانوا مهتمين حصريًا بالربح المالي غير إن إمكانيات الفضاء الافتراضي تدفقت في أيدي لاعبين أكثر خطورة يسعون إلى تحقيق أهداف سياسية في المقام الأول ولذا  يمكن وضع الإرهاب الرقمي الحديث من حيث حجمه وقدراته ونتائجه الفنية على قدم المساواة مع الإرهاب التقليدي والجريمة المنظمة. وعند الحديث عنه ينبغي أن يُفهم أنه ظاهرة متعددة الأوجه يتم التعبير عنه في هجوم ذي دوافع سياسية على الفضاء الافتراضي مما يخلق خطرًا على حياة الإنسان أو صحته أو بداية لعواقب وخيمة أخرى وغالبًا ما ترتبط هذه الأعمال بانتهاك الأمن العام أو تخويف السكان وتقويض البنية التحتية وتلجأ حتى إلى بعض الاستفزازات العسكرية.

من سمات الإرهاب الرقمي المميزة هي تأثيره المباشر على المجتمع وتخويفه وشل إرادة أفراده ونشر الذعر ومشاعر عدم الأمان عبر تكرار المعلومات حول تهديدات العنف والحفاظ على حالة من الخوف المستمر لأجل تحقيق أهداف سياسية أو أهداف أخرى والإكراه على أعمال معينة وجذب الانتباه إلى المنظمات الإرهابية، وان الهدف النهائي للهجوم الإرهابي الرقمي ليس فقط إظهار قدراته الفنية وإنما محاولة التأثير على السلطة السياسية في البلاد بمساعدتهم، وعند مقارنته بالجرائم الافتراضية الأخرى نجد أن المعلومات التي يستخدمها الإرهابيين تستخدم نفس الوسائل التقنية المتوافقة مع عمل قراصنة الإنترنت غير إن لديه أهداف مميزة وهذه هي الميزة الرئيسة له، وبحكم طبيعة تأثيره على المجتمع فإنه عالمي بطبيعته إذ أنه يغطي جميع مجالات المجتمع تقريبًا ويؤدي أحيانًا دورًا أكبر من الواقع الحقيقي فلذا يتلقى مروحة هائلة من الفرص والتهديد الناشئ بسببه كبير وقد يكون لا رجعة فيه.  وإن عمل الأنظمة اللوجستية الحديثة وسبل عيش المدن الكبيرة والبنية التحتية والاتصالات أمر لا يمكن تصوره من دون الإنترنيت فمن دونه فإن العالم المتحضر الحديث ببساطة لا يمكن تصوره في الحياة اليومية وان إدخال التقنيات الرقمية بنشاط انتج للعالم الحديث مشاكل جديدة، فبينما يسعى قراصنة الإنترنت بالفعل إلى اعتراض عملية التحكم عبر استخدام الأسلحة الصغيرة والمتفجرات لتحقيق أهدافهم، نجد إن إرهابيو المجال الرقمي يستخدموا تقنيات المعلومات الحديثة وأنظمة الشبكات والبرامج الخاصة المصممة للدخول غير المصرح به إلى أنظمة الكمبيوترات وتنظيم هجمات عن بعد على أنظمة المعلومات لتحقيق أهدافهم.

 عند الحديث عن تهديدات الإرهاب الرقمي فمن الضروري أن نفهم أن الإمكانات القوية للتكنولوجيات الرقمية لا تستخدم بنشاط من قبل الجماعات المتطرفة المنتمية إلى قائمة المنظمات الإرهابية الدولية المحظورة فحسب بل أيضا من قِبل خبراء الحكومات الشرعية ولا يفوتنا بيان إن إمكانية الاستيلاء على أنظمة التحكم في الأقمار الصناعية العسكرية واستهداف وإطلاق الصواريخ أو مجمعات الدفاع الجوي، وعند الحديث عن الهجمات الإعلامية على المنشآت المدنية أو الحكومية أو العسكرية فمن الضروري أن نفهم أنه تحت ستار الإرهاب الرقمي فمنطقيا يبدو أنه لا يمكن التنبؤ بالأعمال القادمة لكنه من الممكن تحقيق الأهداف التي لا يمكن تصورها ببساطة عن طريق الأساليب القانونية للسياسة والدبلوماسية وقد يكون ذلك للضعف الاقتصادي أو لتخفيف الاستقرار السياسي أو للتحريض على النزاعات داخل الدول ذات السيادة أو لانهيار الاتفاقات الدولية الهامة عن طريق حشو المعلومات المضللة، وهذا التأثير المعقد يوجه على العدو بوسائل مختلفة وهو ما يسمى في العلوم الحديثة بالحرب الهجينة. والتأثير النفسي للإرهاب الرقمي على الحالة المعنوية والنفسية لا يقل خطورة عن جميع المنظمات الإرهابية الحديثة التي لديها عشرات ومئات من المواقع الإلكترونية وصفحات الإنترنت وحسابات بوسائل التواصل الاجتماعي والتي تعد ذات طبيعة تهديدية، ويتمثل تكتيك الإرهابيين الرقميين في التأكد من أن لهذه الجريمة عواقب وخيمة ومعروفة على نطاق واسع وكبير فينتج إرهاب المعلومات جوًا من تهديد تكرار الفعل دون تحديد كائن محدد وإن الفرصة لإحداث تأثير أخلاقي ونفسي جاد على المجتمع تدفع الإرهابيين إلى استخدام قدرات الرقمية بشكل متزايد أكثر من الأساليب التقليدية للتعامل مع استخدام الأسلحة الفتاكة.

وان التأثير النفسي على الأشخاص من خلال الهجمات الضخمة للبرامج الضارة على أجهزة الكمبيوتر الشخصية للمستخدمين ليس أقل فعالية من مجمل العمليات الإرهابية، ومن حيث أهدافه لا يختلف الإرهاب الرقمي عن المظاهر الكلاسيكية للإرهاب لأن مهمته الرئيسة هي غرس الخوف والفوضى بين السكان عبر شعور بعدم الأمان في كل لحظة من حياتهم وإضعاف سلطة الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها في الوقت المناسب من التهديد. وهناك طرق مختلفة لتحقيق أهداف الإرهابيين عندما يتم نقل النشاط الإجرامي من العالم الواقعي إلى الواقع الافتراضي ويتم تمويله أكثر وأكثر بمساعدة العملات المشفرة واتجاه آخر للإرهاب الرقمي هو توفير الآثار النفسية الفسيولوجية على بعض الفئات الاجتماعية، ومما لا يقل أهمية عن اتجاه عمل الإرهابيين عبر الإنترنت هو توفير معلومات استفزازية بهدف تعطيل توازن القوى في الساحة الدولية وإذكاء النزاعات بين الأعراق، وإن مثل تلك الأعمال لا تقوض المكانة الدولية للدول فحسب بل تعيق بشكل كبير إقامة علاقات دبلوماسية مستقرة على الساحة الدولية وسرقة معلومات خاطئة عالية الجودة فيتمكن الإرهابيين الرقميين من تعطيل الاتفاقيات الدولية تمامًا فأصبحت الانطباعات السياسية يتم تعقبها أكثر فأكثر وأصبح الفضاء الرقمي ساحة معركة مهمة للتعاطف السياسي للمواطنين داخل البلاد ، وفي الساحة الدولية أصبحت الشبكة العالمية وسيلة فعالة للتأثير على العمليات الجيوسياسية كما أصبحت المعلومات الرقمية سلاحًا قويًا للمتطرفين السياسيين الذين يعملون عن كثب تنسيقيا مع الخدمات الخاصة للبلدان الأجنبية.

ومن المجالات الأخرى التي يظهر فيها الإرهاب الرقمي نفسه بنشاط هو تنظيم ونشر معلومات جذرية وتجنيد أعضاء جدد لكل المنظمات الإرهابية المعروفة التي لديها مواقعها الخاصة على شبكة الإنترنت وتحاول بنشاط اختراق الشبكات الاجتماعية، ويملي العالم الحديث قواعد وقوانين جديدة مع ظهور التكنولوجيا الرقمية والتكامل الوثيق بين الإنسانية ونظم المعلومات والاتصالات التي أصبحت جزءًا من الحياة البشرية اليومية فظهرت أنواع جديدة من المخاطر والتهديدات نظرًا للقدرات التقنية الهائلة التي يمتلكها الإرهاب الرقمي، وأصبحت هذه الظاهرة الجديدة واحدة من أهم التهديدات العالمية وفي ظروف تفاقم العلاقات الدولية أصبحت الأسلحة الرقمية وسيلة فعالة لمواجهة النزاعات العالمية فلذا يعتمد الأمن القومي للنظام العالمي بأسره على من يمكنه إتقان هذه التقنيات وتطويرها وتوظيفها لتحقيق مأربه بسرعة أكبر وإنشاء نظام قوي للحماية الدفاعية والهجومية من وتجاه مسرحية الإرهاب الرقمي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي