علجية عيشكيف يمكن إخراج  الرواية الإسلامية من الصراعات السنية الشيعية؟

كتب أحد المهتمين بعالم الرواية عن الرواية الماسونية، ولأول مرة أقرأ عن الرواية الماسونية، حينما قرأت مقالا قصيرا عن رواية كتبها باسم الخشن بعنوان: " ظل بابليون"، يتحدث فيه صاحبها عن الرواية الماسونية كما تعرض فيها إلى ديانة "أليستر كراولي" "الثيلما"، وثيلما كلمة يونانية معناها "مشيئة" أو "نيّة"، وهي اسم السبيل الديني الذي أسسها آليستر كراولي سنة 1904 في كتابه "القانون"، يقال أن هذا الأخير سبق له وأن زار الصحراء الجزائرية لنشر طقوسه السحرية، ولا شك أن كل من يقف على هذا النوع من الروايات يتبادر إلى ذهنه تساؤلات عدّة حول تطور "الرواية" وتنوعها من حيث الطابع والأسلوب واللغة التي تكتب بها الرواية وموقعها من الإعراب، هي طبعا تساؤلات يتوجب على الروائيين العرب الإجابة عنها، وتحديد جنسيتها وماذا قدمت الرواية للإنسانية؟ وهل خدمتها؟ في ظل ما نشهده من صراعات عقائدية ومذهبية وسياسية أيضا، وهل تعرف الرواية بكاتبها أم باللغة التي كتبت بها، كما نقرأه عند بعض الروائيين العرب المحسوبين على التيار الفرانكفوني على غرار بعض الروايات الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية.​

رواية باسم الخشن تتحدث عن طالب في الطب أراد أن يصل إلى المعرفة الحقيقية مخاطرا بحياته إلى درجة أنه قبل الإحتراق كما في أسطورة "إيكاروس"الذي دفع حياته ثمنا للمعرفة، المسألة هنا تتعلق بالشخصية الروائية وعقيدتها، فهل وجب عليها ان تلتزم حدودها الجغرافية والعقائدية في كتابة الرواية، أم أن لها الحق في القفز على الخطوط الحمراء، بمعنى انها تكتب في كل شيئ، وتخرج من دائرة الإنغلاق، أي عولمتها، ثم ماذا نفهم من الرواية الماسونية، وهل حان الوقت للدفاع عن الرواية العربية وحمايتها، وهل بإمكان الحديث عن الرواية الإسلامية، التي تخوض في التراث الإسلامي وتتحدث عن السلف الصالح وإخراجها من دائرة الصراعات السنية الشيعية، والسؤال الذي يفرض نفسه هو : ماذا تسعى الماسونية إلى تحقيقه عن طريق الرواية في وضع البشرية تحت جناحها والعمل بقوانينها، أم هي واحدة من بروتوكلات حكماء صهيون، من أجل السيطرة على النخبة المثقفة، لاسيما والماسونية في كل مرة تطلقت أجنحتها لتغطي الفضاء البشري كله من أجل تحقيق الشمولية.​

وللوقوف على الرواية الماسونية اضطررت البحث في محركات قوقل، ووجدت أن لدى الماسون روايات مختلفة جلها ارتكزت على مدح الماسونية والحديث عن المدينة الماسونية، أي ان لها رسالة تؤديها لخدمة إيديولوجية معينة، عكس ما نقرأه في بعض الروايات العربية التي تفتقد إلى هذا النوع من المهام لخدمة عقيدتها ونصرتها، لا يمكن طبعا مواجهة هذا التنظيم العالمي لأن الماسون متعددي الجنسيات ومنتشرون في كل بقاع العالم، حيث حصلت الماسونية على موطئ قدم في العالمين الغربي والعربي وتوسعت حتى حطت أقدامها في دول افريقية ، وهناك رؤساء وزعماء عرب وأفارقة ينتمون إلى الماسونية، أقاموا في بلادهم محافل الماسونية، وتحصلوا على وسام "الأستاذية"، وبالتالي يمكن الحديث أولا عن الماسونية العربية والماسونية الإفريقية ومن هم أبرز قادتها وزعمائها، ثم الماسونية الإسلامية.​ 

كما وجب ان نعرف ماذا يُقْصَدُ بالمدينة الماسونية؟ هل هي مدينة يسكنها أناس أحرار، معتدلون يربطهم عقد اجتماعي ويقومون بنشاطات اجتماعية ويقدمون خدمات اجتماعية؟ وهل المدينة الماسونية تشبه المدن الأخرى التي تحدثت عنها الروايات كمدينة "مورول" التي يعيش فيها أناس مسالمون لا يعرفون طريقا للجريمة ولا للقتل ، أناس فضلاء لا يمارسون العنف والتطرف؟ ، وقد خاض بعض الكتاب العرب في هذه المسألة بالذات ، وذهبوا إلى أبعد الحدود ، مثلما ذهب في ذلك الكاتب والمترجم مدني قصري وهو جزائري مقيم بالأردن، الذي تحدث في مقال له عن قبول المسلمون الدخول في النظام الماسوني حينما قام بترجمة كتاب تييري زاركون (Thierry Zarcone) وهو عبارة عن قصة أضيفت لقصة "مناهضة الماسونية الإسلامية" في محاولة منه تكييف الماسونية مع البيئة الإسلامية، من خلال أوجه الشبه مع الأخوية الصوفية وهذا يقود إلى التشكيك والبحث إن كان الطرقيين ماسون أم لا؟ خاصة وأن للطرقيين طقوص خاصة بهم، ما جعل جمعية العلماء المسلمين برئاسة العلامة عبد الحميد ابن باديس تقف في وجه الطرقيين ومحاربة كل البدع، المسالة تحتاج إلى إعادة نظر ودراسة معمقة من قبل المختصين في مقارنة الأديان، للكشف عن المجموعات السرية الموجودة في العالم والتي تستهدف كل الأديان وتعمل على إزالتها من جذورها وضمها في دين واحد؟​

*** 

علجية عيش​

 

اسماء غريبفي عرفانيّات عبدالجبّار الرّفاعي

حينما انشغلتُ لأزيد من خمس وعشرين سنة بـ "الفلسفة"، لمْ أَكُ في الحقيقة أبحثُ فيها عن طريقة لأفهَم بها الكونَ والوجود، ولا عن وسيلة تُمكّنُني من الغوصِ عميقاً في غيابات جُبّي، أو مِنَ الولوج في دهاليز نفسي وإنّما كنتُ أحاولُ فقط أن أجيبَ عن أسئلة بسيطة جدّاً من قبيل؛ ما الفلسفة، ولماذا مرافقة الفلاسفة؟ وما سرّ هذا الاهتمام الّذي أوليه لهُم؟! أنا لا أنكرُ أنّ الفلاسفة أصدقائي الأحقّاء، ولنْ أقول إنّني لمْ أقرأ للعديد منهم، بلى لقد تعرّفتُ على المئات منهم سواء بين جدران فصول التعليم الثانويّ، أو حول موائد المكتبات ورفوفها، أو من خلال قراءاتي المنزليّة العدنيّة داخل المغرب الحبيب أو خارجه، ووحدها فقط هذه القراءات العصاميّة منْ فتحتْ لي أبواب الفلسفة الحقّة على مصراعيها، لا سيما وأنّ دروس الفصول المدرسيّة والجامعيّة الأولى لم تكن أبداً كافية لتطفأ لهيب عطشي للمعرفة، والنتيجة كانت أنّني فهمتُ باكراً أنّه ثمّة فرقٌ كبير بين الفلسفة التي تدرّسها المؤسساتُ التعليميّة، وبين الفلسفة التي تلقّنها إيّاكَ الحياة خارج الأسوار الرّسميّة، وفهمتُ أيضاً أنّ الفيلسوف الحقّ ليس بالضرورة هو منْ يُدَرّسُ الفلسفة، فالأوّلُ حكيم والثاني غالباً ما يكون متفلسفاً لا غير، والحكيم هو من يعلمُ أنّ الفلسفة هي حبّ الحكمة، بينما التّفلسفُ ماهو سوى طريقةٍ روتينيّة جدّاً لجمع المعلومات وتكديسها داخل العقل والتنظير من خلالها للعديد من القضايا دون تحقيق الوعي السّليم بها. وبناء على هذا تعلّمتُ أنّ الحكمة هي مرادفة لإزهار الوعي وانتشار عطر العقل الأعلى عبر التحليق في الماورائيات حتّى إدراك مستوى اللّاتفكير، أو اللّاعقل، ولك أن تسمّيه ما تريد، ولتعلم أنّني هنا أقصد الوصول إلى ما يسمّى بالإيمان الأعلى، أيْ بلوغ سدرة المنتهى، هذه هي الفلسفة يا صديقي، وليستْ تلك التي أصبحت مجرّد حرفة لتنظير، وتحديد التقنيات والأفكار التي لا تحلّ ولا تغيّرُ أيّ شيء بداخلكَ، وإنّما أنت تبقى كما أنتَ دون أن تعلمَ أنّ الرّجل المتفلسفَ هو أكثر النّاس وهماً في العالم لأنّه يعتقد أنّه يعرفُ كلّ شيئ في حين هو لا يعرف شيئاً على الإطلاق لأنّ فلسفته لم توصله إلى المقامِ المحمود. وأنتَ دون أن تعلمَ أيضاً أنّك حينما تُراكمُ المعرفة، فإنّها تصبح جزءاً من ذاكرتِكَ، فلا تتفاعلُ بها مع أيّ شيء. ولا شيء من المعلومات التي راكمتها يلامسُ قلبكَ أو ذاتكَ، وعليه فإنّ المعرفة التي لا تفعل فعل الكيمياء بداخلك هي أكثر خطورة من الجهل نفسه. عليك أن تدرك هذا جيّداً، وعليكَ أيضاً أن تعلم أنّ المعرفة الحقّة تتجلّى عبر الوصول إلى مستويات الكينونة العالية، فالأمر لا يتعلّقُ بمعرفة قصوى بقدر ما هو مرتبط بجوهر أعلى، والطريقة الحقّة هي أن تكونَ أكثرَ، لا أن تعرفَ أكثر. أقول هذا وقد حضر الآن بين عينيّ طيفُ الشّاعرة الأمريكية جيرترود شتاين، فتذكّرتُها حينما سألت الحاضرين حولها وهي في لحظات احتضارها الأخيرة فوق فراش الموت قائلة: "ما الجوابُ إذن؟"، قال أحد الأصدقاء مستغرباً الأمر: "إذا كنّا لا نعرفُ السّؤال، فكيف بوسعنا أن نُعطيكِ الجواب؟"، فتحت جيرترود عينيها للمرّة الأخيرة وعقّبت: "جيّد جدّاً، في هذه الحالة ماهو السّؤال إذن؟" ثمّ ماتت!

نهاية عجيبة، أليسَ كذلك أيّها القارئ العزيز؟ من يدري لربّما تكون أنتَ أيضاً مثل جيرترود ومثل العديد من النّاس في عجلةٍ من أمركَ وتُريد أن تعرف ما الجواب قبل أن تعرفَ ما السّؤال، وأنا أقول لكَ إنّه لا يوجد سؤال ولا جوابٌ حقّاً وحقيقةً، ولم أكُ لأقرأ كتب الفلسفة وأصَاحبَ الفلاسفة لأجد جواباً عن سؤال ما، لأنّه لا يوجد أحدٌ يعرفُ السؤال ولا الجواب، والكونُ الّذي هو مدرستي الإلهيّة علّمني أنّ ما يوجد حالياً هو فقط طريقة للعيش في فوضى العقل الّذي يضجُّ بالأسئلة وعشرات الملايين من الأجوبة التي تتناسل باستمرار أبديّ، أقول هذا وقد سطع في سمائي الفكريّة اسم جديد لعارف لم أكن أعرف عنه شيئاً مسبقاً، وأعني به د. عبد الجبّار الرّفاعي، قرأتُ حديثاً بعض كتبه سواء تلك ذات الطّابع الحوزويّ أو تلك التي انفتحت على الفكر والفلسفة الغربيّيْن، واطّلعتُ على بعض الأعداد من مجلّة "قضايا إسلاميّة معاصرة"، فخلصتُ إلى أنّ هذا الرّجل قد مرّ في حياته الفكريّة بمخاضات عدّة، وتحوّلات ذات قيمة معرفيّة هائلة من حيثُ أنّهُ استطاع من خلال دراسته للمعارف والعلوم الإسلامية أن يلاحظ أنّ بعض هذه العلوم لا سيما الحوزويّة منها بحاجة إلى غربلة عميقة مع إعادة لبنائها وتحديثها ثمّ تخريجها بأسلوب ولغة جديدين ينسجمان مع تحوّلات العصر سائراً في هذا على خطى المجدّدين الأوائل من قبيل الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا المظفّر، وكذا السّيد هبة الدين الشهرستاني، والإمام الشهيد محمد باقر الصدر. ولعلّه من باب التّجديد هذا وُلدت مجلّة: " قضايا إسلامية"، ثم "قضايا إسلامية معاصرة"، والتي بها وبما طرحته من مواضيع تجديديّة وقضايا رائدة تعمّقت أكثر فأكثر تجربتُه ومسيرته الفكريّة، إلى أن بلغت الذّروة في كتابيْه (إنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين)،  و(الدّين والظّمأ الأنطلوجي)، وهما الإصداران اللّذان وجدتُ فيهما عبد الجبّار الرّفاعي وقد تجاوز مرحلة الفلسفة إلى ما بعد الفلسفة، أو ما أسمّيها بالمرحلة العرفانيّة التي لا تتحقّقُ إلّا بعد أن يتخلّص "الفيلسوف" من فوضى العقل، ليدخل إلى نظام الوعي الأعلى، أو إلى ما رمز إليه ابن عربيّ في ديوانه (ترجمان الأشواق) بوجه المحبوبة الأنثى المتألّهة "نظام". وهو النّظام الجديد الّذي به تغيّرت كتابات د. عبد الجبّار الرّفاعي لتصبح مغموسة في مدادِ المحبّة، ولا أقول الحُبّ، إذ أنّ هناك فرق كبير بينهما، لأنّ الحبّ يقتضي الوقوع، والمحبّة تقتضي الصعود، وهذا ما يفسّرُ كيف أنّ معظم النّاس حينما يرغبون في التعبير عن حالة الحبّ التي يمرّون بها يقولون: "وقعتُ في الحبّ"، أمّا محبّ الحكمة أو العارف فيقول: "صعدتُ بالمحبّة"، وعليه فإنّ من يقع في الحبّ نائم حالم، ومن يصعد بالمحبّة عاشق مستيقظ بقلب واعٍ وعيون متّقدة. ولهذا فإنّي أعتقدُ أنّه لو كان د. عبد الجبّار حاضراً لحظات احتضار الشّاعرة جيرترود لقال لها وقد بلغ هذا المستوى العظيم من الحكمة التي بها حلّق إلى مرحلة ما بعد الفلسفة: "هذا ليس بالوقت المناسب لتشغلي بالك بالسّؤال والجواب، فلا وجود لهما أصلاً، ولتتذكّري أنّ الوجود صامتٌ كاملٌ مطلقٌ كما خلقه الوعي الأكبر، والحياة ليست فصلاً للفلسفة، أغمضي فقط عينيكِ بدون سؤال ولا جواب، تحوّلي الآن وموتي بصمتٍ، برحمة، بسلام ومحبّة، وعشق ووعي كبيريْن"!

وحده من اكتوى بأوار استبداد المعارف الرّسميّة وترويض المؤسسات التربوية للفكر على الطّاعة العمياء، يستطيع أن يُشَكّلَ ويخلقَ هذا النّوع الجديد من الفكر وهو يعلم بأنّه بقدر ما يكون الفردُ واعياً يكون حيّاً، لأنّ الوعيَ هو الفرق بين الحياة والموت، والإنسان ليس حيّاً لأنّه يتنفّس، وإنّما أنتَ حيّ أيها القارئ العزيز حينما تكون يقظاً، ولا أحد في هذا الوجود باستثناء اليقظين حيّ، الباقون هُم جثث تمشي، تتكلّمُ وتصنع الأشياء وتعيش، إنّهم الإنسانُ الآليُّ الجديد، وعبد الجبّار الرّفاعي بكتاباته الجديدة يدعوكَ إلى التحوّل من الإنسان الآليّ إلى الإنسان العاليّ بوعيه ويقظته، أقول هذا وقد اكتشفتُ أنّنا لسنا بعدُ إنساناً، نحن آلة وإن كانت هذه الحقيقة تزعج الكثيرين، لكن راقب نفسك ولو لبضع دقائق وستدرك للعمق أنّكَ تتصرّفُ كالآلة، إنّك آلة رائعة حقّاً كما قال العالمان؛ الروسي بافلوف، والأمريكي سكينر، وإني لأغفر لهما قولهما هذا لأنّهما لم يصادفا لليوم إنساناً كمحمّد، أو عيسى، أو حكيماً متصوّفاً عارفاً بالله  كجلال الدين الرّومي، وابن عربيّ والحلّاج، ولكنّهما صادفا الملايين من النّاس الّذين يشبهونك. لقد درس سكينر الإنسان والجرذان وخلص إلى أنّه لا يوجد فرق بينهما، الجرذان مخلوقات بسيطة والإنسان كائن أكثر تعقيداً، وعليه فالجرذان آلة بسيطة، في حين الإنسان آلة معقّدة لكنها رائعة جدّاً، ولهذا السّبب يدرس علماء النّفس الجرذان ويعمّمون نتائج دراساتهم على الإنسان، وهم على حقٍّ فيما يذهبون إليه إلى حدٍّ ما، فأين لسكينر أن يجد رجلاً متيقّظا واحداً، أيْ حكيما وعارفاً بالله في أمريكا كلّها، وكلّ ما يراه في الإنسان هو صورة مكبّرة عن الجرذان، مادام هذا الإنسان في حالة نوم عميقٍ. وهي الفكرة التي ذهب إليها أيضا سيغموند فرويد حينما قال إنّ الإنسان محكوم بحالة اللّاوعي التي تسيطر عليه بشكل كامل، وإنّ العقل الواعي عند الإنسان لا يمثّل سوى 10 % من مجمل العقل، وقد بلغ تلميذه يونغ شأناً عظيماً حينما اكتشف اللّاوعي الجماعيّ، وإني لأنتظرُ أن يظهر عالم آخر يكتشف شيئاً اسمه اللّاوعي الكونيّ، وما دام موجوداً فهذا يعني أنّ هناك أيضا شيء اسمه الوعي الكونيّ وهو الّذي تحدّث عنه مراراً وتكراراً العرفاء والأنبياء، ألم تسمع الحلّاج حينما قال: أنا الحقّ؟ إنه لم يكن يقصد أنّه هو الله بالمفهوم الغوغائيّ لدى عامة النّاس، وإنما كان يقصد إنه هو العقل الواعي الأعلى الكونيّ، وهو نوع الوعي الذي تحدّث عنه سري أوروبيندو بحيث جعلنا ندركُ أنّ الإنسان على الصّعيد الفكريّ هو أكبر حجماً بكثير من الصّورة السّلبية التي ترسّخت عنه طيلة عمره الوجودي فوق هذا الكوكب. وعبد الجبار الرّفاعي بكتاباته الجديدة يسعى هو أيضاً إلى إحياء هذا الوعي الأبديّ الّذي لا يموت، حتّى يصبح الإنسان قادراً على أن يراقب كلّ ما يقوم به، فيخرج من الحالة الآليّة إلى الوعي العاليّ، لأنّ من يراقبُ يستيقظُ، ومن يستيقظُ يحيا، ومن يحيا يُحبُّ، ومن يُحبّ يجد الله، أو سمّه إذا شئتَ الوعي الكونيّ الأعلى، هذه هي القمّة التي تستحقُّ أيّها الإنسان، فإذا لم تبلغها فأنت المسؤول، ولا أحد سواك، وتذكّر أنّه كما قال الرّفاعيّ في إحدى مقالاته الحديثة، وهو يتحدّث عن الحبّ بمعنى المحبّة: "عندما أنظر لأعماقِ النفس البشرية بمجهرِ علماء النفس، لا أرى في هذا الكائن ما يغويني بمحبته، وعندما أنظر لروح الإنسان ببصيرة العرفاء والمتصوفة أرى شيئًا من النور يغويني بمحبته. أدركتُ أن الطبيعة البشرية ملتقى الأضداد، فعملتُ منذ سنواتٍ طويلةٍ على ترويضِ نفسي على الحُبّ، كان هذا الترويضُ شديدًا شاقًا منهِكًا، ولم يكن سهلًا أبدًا. الترويضُ على الحُبّ هو الأشق، إلا أنه كان ومازال يطهرني من سموم الكراهية، وينجيني من أكثر شرور الأعداء... من يعجز عن إنتاجِ الحُبّ يعجزُ عن إنتاجِ معنىً للحياةِ، الحُبُّ أهمُّ منبعٍ لإنتاج المعنى في الحياة، مادام هناك إنسانٌ فإن حاجتَه لمعنىً لحياته تفوق كلَّ حاجة، الإنسانُ لا يستطيع العيشَ بسلامة نفسية من دون معنى لحياته، ولا معنى في الحياة أثرى وأجمل من الحبّ"!

 

د. أسماء غريب

 أكاديميّة وروائية وناقدة ومترجمة مغربية مقيمة في إيطاليا.

 

قاسم حسين صالحالحدث: في الأحد (18 /10 /2020)، قامت امرأة عراقية برمي طفليها بنهر دجلة من على جسر الأئمة في بغداد، وصفته الفضائيات ووسائل التواصل الأجتماعي بأنه جريمة هزّت الرأي العام العراقي!، ووصفه اكاديمي يحمل شهادة دكتوراه بعلم النفس (بأنه لم تشهده الأنسانية من قبل!).. وكأن هذا الحدث يقع للمرة الأولى في العراق، مع ان امرأتين قبلها رمت كلاهما اطفالهما في دجلة ومن نفس الجسر (الأئمة)، وان احد الآباء في كربلاء قتل اولاده الأربعة دفعة واحدة، فيما عزا السبب دكتور في علم النفس عبر فضائية معروفة الى البطالة!.وطالب كثيرون بحرق هذه المرأة او رميها في دجلة، ليثبت هذا الحدث أن العلم يتراجع حين يصاب الناس بالهوس السياسي، فتستغله فضائيات لتقديم نفسها كم هي انسانية! فيما هي تشيع الكراهية والتحريض على قتل الآخر.

تعريف

قتل الآباء والأمهات لأطفالهم.. ظاهرة عالمية.. ففي مدينة الأسكندرية بمصر قامت أحدى الأمهات بشنق طفلتها، ورمت أمّ اخرى بطفليها في بحر يوسف بالمنيا، وألقى احد الآباء بطفليه في نيل الدقهلية.وتذكر الصحافة المصرية ان احدى الأمهات قامت بقتل طفلتها (13 سنة) لأنخفاض مستواها الدراسي، وقتل أحد الآباء طفلته (9 سنوات) لكثرة لهوها، واعترف أب آخر بقتل ابنته (9 سنوات) دون مشاعر ندم معلا ذلك بانها (ارتاحت من الفقر).

وفي اميركا اجريت دراسات على مدى ثلاثة عقود (1976 – 2007)، افادت أن هذه الحوادث تكررت 500 مرة في العام الواحد؛وان ثلاثة ارباع الضحايا كانوا أقل من ست سنوات، وربعهم بعمر أقل من عام. وتبيّن أيضاً أن نسبة 57.4% قُتلوا على يد الآباء، و42.6% قُتلوا على يد الأمهات.وفي دراسة شملت انكلترا وويلز (2013) افادت بأن 40% من القتلة كانت لديهم مشاكل في الصحة النفسية .وفي استراليا افادت دراسة لمعهد الجريمة الأسترالي بانه يتم قتل طفل واحد كل أسبوعين، مضيفة بان 27% من الآباء القتلة قتلوا أنفسهم بعد فعلتهم هذه.. والحال يشبه ما ذكرنا في معظم المجتمعات البشرية، ليطرح تساؤلا مشتركا: أن الأبوة والأمومة هما انبل غريزتين فطريتين، فمن أين تأتي هذه القسوة بارتكاب ابشع جريمة انسانية.. لاسيما اذا كان القاتل هي الأم؟!

التحليل

لنبدأ من حقيقتين الأولى: لا يمكن لأبّ أو امّ ان يقتل اطفاله ما لم يكن مصابا باضطراب نفسي او خلل عقلي، بما فيها عدم القدرة على التحّكم بالغضب.

والثانية:تتحدد باشكالية اختلافنا في تعدد الأسباب وتحديد نسب او اهمية دور كل صنف منها.

ان اية ظاهرة اجتماعية (الأنتحار، الطلاق، جرائم القتل..) تكون ناجمة عن اسباب متعددة، تتمثل مصادرها الأساسية في أربعة:شخصية القاتل، المجتمع، الأسرة،

والنظام السياسي.غير انها تختلف في حجم او دور كل مصدر، فهي في ظاهرة قتل الآباء والأمهات لأطفالهم يعود المصدر الرئيس الى الشخص القائم بالجريمة.ففي مراجعتنا لدراسات اجنبية (اميركية وبريطانية واسترالية) تبين ان الغالبية المطلقة من هؤلاء القتلة كانوا مصابين باضطرابات نفسية وعقلية يتصدرها الأكتئاب الحاد، وأخرى ارتكبت جريمة القتل دون وعي. ففي استراليا قامت (رينا ميرسنا) بقتل اطفالها الستة تبين انها كانت مصابة بشيزوفرينيا لم تكن مشخصة. وفي هيوستن باميركا وجدت المحكمة (2001) ان اندريا التي قتلت اطفالها الخمسة، لم تكن مذنبة لأنها تعاني من ذهان ما بعد الصدمة وهي حالة نادرة تتصف بالهلوسة والأوهام، فيما كانت هناك حالات لآباء وأمهات بررت قتل اطفالهم بأن العالم قاسي ، وان قتلهم هو (رحمة بهم) كي لا يواجهوا وحشية هذا العالم لوحدهم بعد موتهم!

ولقد وجدنا من دراسات كنا اجريناها على مجرمين في سجن (ابو غريب) ان القتلة يتصفون باربع صفات:الغباء .. لا يفكر بنتائج جريمته، ضعف او انعدام الضمير الأخلاقي، ضعف الوازع الديني ، وتدني المستوى الدراسي او انعدامه.وتبين ايضا ان نسبة كبيرة منهم ليس لديهم تقدير للذات، بل بينهم من يرى انه تافه ومضطهد.

وهذه الصفات تنطبق ايضا على الآباء والأمهات الذين يقتلون اطفالهم.. يضاف لها صفة:ان القائم بالجريمة يستهدف الانتقام من شريكه بقتل اعز ما لديه، او (ليحرق قلبه) بالتعبير العراقي.. كما هو حال الأم التي اعترفت بانها رمت طفليها بدجلة لخلاف مع طليقها.. ما يعني انها ارادت ان تأخذ حيفها منه بقتل اطفاله.

والأم ، هذه او غيرها، لا تقدم على قتل اطفالها الا اذا كانت قد تعرضت الى اضطهاد او عنف (جسدي، جنسي، نفسي، اهمال، نبذ، تحقير.. ) وحين لا يكون هناك قانون يحميها او جهة رادعة للزوج، فانها تصل الى حالة العجز التام فتنتقم من مضطهدها بقتل اطفاله.

وبمنطق العلم فان حالات الجريمة (والانتحار والطلاق..) تكون ناجمة عن تفاعل كل الأسباب.والذي حصل ان العراقيين ينفردون عن كل الشعوب المعاصرة بأنهم عاشوا اربعين سنة (1980-2020) حروبا وكوارث نجم عنها انتهاك قدسية الحياة باستسهال قتل الآخر، وتوالي خيبات نجم عنها تضاعف حالات الطلاق لتصل بعد 2010 الى مليون حالة طلاق مقابل مليوني حالة زواج. وتضاعفت حالات جرائم (الشرف) ايضا، ففي البصرة وحدها تم قتل 47 فتاة وأمراة في سنة واحدة تحت بند جرائم الشرف التي غض عنها الطرف قانون مناهضة العنف الأسري.وازداد الفقر ليصل الى 11 مليون عراقي دون مستوى خط الفقر وفقا لوزارة التخطيط الحالية.. ما يعني ان تدني ثقافة المجتمع واستفراد احزاب السطة بالثروة تسهم ايضا في دفع الآباء والأمهات المصابين باضطربات نفسية وعقلية وخلل في تركيبتهم الشخصية الى ارتكاب جريمة قتل اطفالهم.

ما العمل؟

ذلك ما سنتناوله في مقالة أخرى.. راجين من وزارة الداخلية ان تستفيد من خبرتنا بتوفير الفرصة لنا لمقابلة هذه المرأة لتقديم دراسة علمية تكشف الحقيقة للرأي العام والأعلام، ولفضائيات اظهرت نفسها كم هي انسانية فيما هي تشيع الكراهية والتحريض على قتل الآخر.

وتبقى ثمة مفارقة..

ان هناك حالات ابشع ، بينها زوجة حرقت زوجها بالبنزين في حي الجامعة ببغداد، واخرى هشمت رأس زوجها ب (البلوكة)، واخرى تعاونت مع عشيقها فقتلا زوجها والقيا بجثته في المجاري!.. وما اهتز الرأي العام لبشاعتها!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

20/10/2020

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"إن مسألة السياسة هي أولاً أن "الفعل الذي به يكون الشعب شعباً"، كما يقول روسو، بعبارة أخرى ما الذي يجعله شعبًا. يمكن أن تكون كلمة معينة فقط، والتي سيشكلها الناس كموضوع سياسي للاعتراف بصحتها عندما لا تكون مناسبة لأي شيء. إذن فالكلام الحق الذي يؤسس هو ضد الكلام الحق الذي يبرر التأسيس. نحن نسمي "المؤلف" موضوع الخطاب الحقيقي، وبالتالي "السلطة" هو المجال الذي يفتح عليه، وهو في هذه الحالة السياسة. السياسة والحقيقة: يتم استدعاؤنا بشكل دوري للقيام "بواجبنا كمواطنين". يمارس معظمنا وظائفنا الخاصة والمهنية وفقًا لضروريات الحياة العديدة معًا؛ البعض مثل الفنانين أو المفكرين يكرسون حياتهم لقضية لم يختاروها (الرسم، الفلسفة، إلخ) ولإنتاج عمل منها، إذا كانت واحدة، المعنى سوف يهرب منها دائما. يمكننا القول عنهم، الذين يعرفون المشاعات أو الممزقون الذين لا يعرفون، إنهم لا "يمارسون" السياسة: إنها موجودة في مكان آخر (خارج الاهتمامات الخاصة، خارج ضرورة العمل) أنهم يعترفون بمسؤوليات المواطنين. هذا يعني أنه بالنسبة لهم، فإن مسألة السياسة ومسألة ما يهم في الحياة منفصلان: إنهما يجتمعان فقط من خلال الأهمية الأكبر أو الأقل للتوجهات الجماعية في حياة كل منهما. هذا ليس رأي النشطاء من جميع المعتقدات: بالنسبة لهم، السياسة مهمة، لأنهم يأخذون واقعهم الذاتي منها (أفكار، مشاريع، تضامن، حصرية، إلخ)؛ يمكننا القول إنهم "يمارسون" السياسة. على سبيل المثال، هم جزء من الحزب الذي تكون توجهاته أقرب إلى توجهاتهم، والذي يتوافق برنامجه بشكل أفضل مع فكرتهم حول ما هو مرغوب فيه للمجتمع. وبهذه الطريقة يثبتوا حقيقة السياسة على أنها احتمال (نعم، السياسة موجودة: يمكننا أن نجعلها الجزء الأساسي من حياتنا) التي هي نفسها فتح لإمكانيات أخرى (يمكننا أن نكون يمينًا أو يسارًا).

ومع ذلك، فإن هذا الدليل ليس حقيقة: فهو لا يُغْنِي عن القول إن السياسة موجودة، لأن مفهومها يتعارض مع مفهوم الإدارة وأن جميع صعوبات الحياة يمكن اختزالها في مشاكل إدارية - المشاكل التي يمكن التعرف على طابعها البدائي في نهاية المطاف، ولكن سيتم فهم واقعها دائمًا وفقًا لاحتياجات ما يمكن أن يُطلق عليه عمومًا خدمة الخيرات. في الواقع، يمكننا دائمًا القول إنه لا يوجد شيء سياسي: هناك ضرورات فردية وجماعية، والحاجة إلى تحديد والتوفيق مع المعرفة التي نطلق عليها، على سبيل المثال، الإدارة الاجتماعية. وبالمثل، فإن مفهوم السياسة يتعارض مع مفهوم الأيديولوجيا حيث يتم تقديم جميع الإجابات حتى قبل طرح الأسئلة: لا يتعين علينا أبدًا أن نتداول في تفرد الحالات ولا لذلك نقرر، ولكن فقط لتطبيق عقيدة غريبة عن السياسة باعتبارها نظامًا للقرارات، وبالتالي فهي حداثة لأنها تنظم الفكرة وتشبع بها. وبالتالي، فإن الإدارة والأيديولوجيا هما نقيضان بعضهما البعض بوصفهما متشابهين: الأول هو واقع السياسة بدون سياسة والثاني هو فكرة السياسة بدون سياسة. إذن، هناك فئة رابعة من الناس يجب أخذها في الاعتبار: أولئك الذين يتحملون، بوعي أو بغير وعي، هذه المفارقة: لم يعودوا نشطاء بل قادة سياسيين. إن سؤالهم لا يتعلق بالسياسة بقدر ما يتعلق بجعلها مسؤولة عن وجود سياسة لأنه ليس من الطبيعي أن تكون هناك - إذا كان الأمر كذلك. صحيح أن السياسة نفسها هي التي نقررها. لأن ما لا يوجد بشكل طبيعي والذي لا يمكن بهذا المعنى أن يتم اكتساب الواقع مرة واحدة وإلى الأبد، من الضروري أن نقرر أنه موجود، كما في مثال المساح الذي يقرر التعامل مع المثالية فقط (على سبيل المثال الدائرة التي سنطور خصائصها) على الرغم من أنه لا يوجد شيء آخر غير الحقائق (في الواقع، لا يوجد سوى أكثر أو أقل من الأشياء المستديرة في العالم). بما أن الهندسة تحدث بشكل مثالي لنفسها من خلال رفضها أن تكون عقلانية للمسح، فإن السياسة تفعل ذلك برفضها أن تكون خاضعة للضروريات الحقيقية للإدارة والضرورات المثالية للعقيدة، وبالتالي تقع تحت خدمة الخيرات الحقيقية أو المثالية التي نتخيل عادة أنها منطقية. وهذا الرفض هو القرار السياسي، بقدر ما هو قرار السياسة في الوقت نفسه ضد تلك الضرورات الإنسانية للإدارة (الواقع) والأيديولوجيا (المثالية). السياسة هي السياسة من كونها ليست إدارة تافهة ولا أيديولوجية سامية. إن القول المأثور "دعونا نضع كل الحقائق جانبًا" (المدير، الأيديولوجي) يجعل من الممكن طرح مسألة السياسة: التمييز الذي يكون موضوعًا معينًا مسؤولاً عنه على وجه التحديد، من قبل نفس فاعل السياسة. هذا الموضوع، بجعل السياسة تقف ضد ضرورات الإدارة والأيديولوجيا، يخرجها في نفس الوقت من الحاجة إلى الخيرات ومن الحاجة إلى الأفكار. هذا يعني أنه يمنحها حصة يمكننا القول في البداية إنها السياسة نفسها: بالنسبة لأي سؤال سيتم طرحه للتعامل معه، يجب أن تكون الإجابة سياسية - مهما كانت الحالة في مكان آخر. طبيعة هذه القضية. هذا يعني أيضًا أن مصلحة السياسة لا يمكن أن تكون متعلقة بالإدارة أكثر مما يمكن أن تكون مصلحة الأيديولوجيا، والمفارقة التي تكمن في أنها هي نفسها - تلك التي حددناها منذ أن حددنا أفلاطون تحت اسم بيان. في الواقع، هناك إدارة فقط كخدمة للخيرات، وبعبارة أخرى تعزيز الخير في الأحداث المختلفة للحياة (الصحة جيدة للجسم، إلخ)، والأيديولوجيا فقط مثل نحن نفهمه كمؤشر لما يجب أن يتم في نهاية المطاف وبالتالي يجب القيام به في نهاية المطاف.

من خلال السياسة، فإن القطيعة مع الخير هي التي يجب على المرء أن يفهمها بالضرورة، على الرغم من أن المرء يتخيل عكس ذلك بجعله عقدة الإدارة والأيديولوجيا، أي بتجاهل الحاجة الى ألا تكون حقيقة خاصة بها (حقيقة السياسة هي إدارة أو هي أيديولوجية) ولكن قرارها الخاص (لا يوجد قرار سياسي باستثناء قرار سياسي). ما هو إذن الراديكالي الآخر للخير، المصطلح الثاني للبديل الذي يجب أن يقال إنه أصلي والذي يتحمل السياسي، بصفته هذه، المسؤولية؟ من الواضح أن هناك شيئًا يكون فكره في نفس الوقت هو هذه المسؤولية ...

1- حصرية السياسة والحياة:

يقبل الجميع التمييز بين السياسة والحياة، وبعبارة أخرى عدم قابليتها للاختزال في خدمة الخيرات: من يرى فقط مصالحه المصيرية عند وضع ورقة انتخابه في صندوق الاقتراع سيتصرف بطريقة لا يكون بها "مواطنًا" تمامًا. " في الواقع، كان سيتصرف بطريقة غير مسؤولة سياسياً، خاصةً إذا كانت نتيجة الانتخابات مفيدة له. وهذا ينطبق أيضًا على الصالح العام، مع الاعتراف بوجود وحدة كافية في الجماعة حتى يكون لمفهومها معنى: نفس الشيء أن يكون لها الاهتمام الحصري بها وأن ترفض القيام بذلك سياسيًا، كما نرى في الكوميونات الصغيرة حيث لا يُعهد بالشؤون البلدية إلى مبعوث الحزب الذي سيحدد أيديولوجيًا الخيارات التي سيُجبر الجميع على اتباعها، ولكن إلى المألوف الذي يتميز بالجدية والاستقامة، أي لمن يتأكد من أنه سيتصرف بشكل أفضل. لا يمكن توقع أي شيء من هذا القبيل من السياسة (وهو ما لا يعني بوضوح أننا نتوقع العكس)، لأنه نفس الشيء أن نقول إن السياسة تقرر الحياة والقول إن مسألة السياسة لا تفعل ذلك. ليست حياة الحياة بل السياسة على وجه التحديد. في الواقع، على مستوى المجتمعات الكبيرة وبالأحرى الدول، فإن إدارة ضرورات الحياة ليست سوى لحظة مستخدمة إلى حد ما لتنفيذ سياسة معينة - على سبيل المثال الليبرالية أو الماركسية، للإشارة إلى معاني ملائمة. لا يزال بإمكاننا التحديد. إن التمييز التأسيسي الأساسي للسياسة هو ذلك الذي كان دائمًا قائمًا بين السكان والشعب. السياسة هي أن الناس مهمون وأن السكان مهمون بأكثر أو أقل (مهما كانت الأهمية التي تحبها، فإن السؤال ليس موجودًا). لكن أين الناس؟ حسنًا، سنجيب، في السيادة كقرار يتخذه المجتمع من نفسه، بمعنى آخر في البعد السياسي للعالم الاجتماعي. بعبارة أخرى، لا مكان! بعد كل شيء، المجتمع على هذا النحو هو نوع من الأشياء (ليس شيئًا بل ظاهرة، تمييز ضئيل هنا) ونحن لا نرى كيف يمكن لشيء أن يتخذ قرارًا، بالأحرى عن نفسه. سنجيب بأن سلطة هذا القرار موجودة: إنها الدولة. لكن لا، فهي غير موجودة لأن الدولة ليست أكثر من فكرة! بالطبع ستكون الإجابة: الدولة مجرد فكرة، لكن هذا لا يهم - وهي في هذا، وفي هذا فقط، إنها الدولة!

هذه الحاجة لا تحسب للواقع، ولا بالتالي خدمة الخيرات التي تبنيها عندما لا يوجد شيء آخر بالتعريف، ما هي طبيعتها؟ الجواب واضح: إنها قرار. أي قرار؟ القرار أن هناك سياسة. لقد شكك التقليد الفلسفي في هذا القرار مطولاً، من خلال السؤال عما يمكن أن يكون صحيحًا في المجتمع. إن مسألة الشرعية هي الانفصال عن الواقع الطبيعي للمجتمعات بلا شك - ليس فقط بالمعنى الواقعي الذي نقول فيه اليوم أن المجتمعات البشرية تنطلق من المجتمعات الحيوانية التي كانت في الأصل، ولكن أيضًا بالمعنى الأرسطي حيث المدينة هي المكان الوحيد حيث يمكن للبشر تحقيق إمكاناتهم الخاصة وبالتالي إعادة الانضمام إلى طبيعتهم.

إن طرح سؤال الشرعية يعني التخلي عن الضرورة الطبيعية والنهاية الميتافيزيقية: الهروب من الأول بطرح سؤال الأمن، والثاني من خلال افتراض كل واحد مسؤولاً عن الغايات التي يستطيع أن يعطيها، وبالتالي من خلال افتراض أنه مجاني على الرغم من كل أدلة التجربة والتفكير. نحن نعلم أن حل مشكلة الشرعية في المجتمعات بطريقة تجعل الأمن هو شرط كائن تظل حريته فريدة من نوعها هو مشروع روسو الخاص بالعقد الاجتماعي. والكتاب لا يعطي نظرية الدولة المثالية بل الشرعية، فهي لا تختلف عن حسم الوجود السياسي. الحاسم هنا له معنيان: من ناحية، نصنع نظرية من الذي يقرر الإنسانية من خلال وصف الدخول في النظام السياسي بأنه "اللحظة السعيدة (...) التي صنع، من حيوان غبي ومحدود، كائنًا ذكيًا وإنسانًا "1، ومن ناحية أخرى، يتخذ المرء نظرية قرار معين يجب على الناس، والذي يجب أن يقوله مسبقًا أنه طبيعي، يجب أن يتخذه لتشكيل مجتمع يكون واقعه عشوائيًا. ليتعهد بأمنهم وحريتهم. يكفي أن نجمع بين هاتين الحالتين معًا لنفهم أن السؤال ليس أكثر من حدث كان سيحدث في مثل هذه اللحظة الدقيقة أكثر من سؤال الناس الذين لم تكن حياتهم دائمًا اجتماعيًا، ولكنه أصل الأصل - أصل السياسة، مع ما تتضمنه هذه الفكرة يكون معياريًا بشكل أساسي. بالنسبة لمسألة أصل السياسة، فإن الإشارة إلى العقد الاجتماعي لها بالتالي قيمة النموذج، بمعنى أنه لدينا مع هذا الكتاب مادة تجريبية بطريقة ما: الانحرافات الواعية أو اللاّواعية التي يقودها أو ضدها هناك العديد من الدلائل على حصرية السياسة والحياة مثل روسو، ونحن معتادون على الإنكار منذ أن نقشت الميتافيزيقيا الأفلاطونية السياسة في أفق الخير. ومع ذلك، فإن هذا التفرد موجود منذ البداية في النص، ويدافع بقوة عن روسو. يصف المؤسسة السياسية بأنها استجابة للضرورة الحيوية: الميثاق هو ما كان يجب على البشر الذين يعيشون في حالة الطبيعة صنعه فيما بينهم لضمان إمكانية الحياة التي يتغير بعض الشيء (التجلد، البراكين، وما إلى ذلك) من شأنه أن يتفق عليه 2. لكن هذا الدافع يواجه تحديًا صريحًا من قبل الميثاق الاجتماعي، بقدر ما ينطوي على معنى تحويل هؤلاء الأفراد المعنيين بمصلحتهم إلى مواطنين لم يعد سؤالهم عن مصلحتهم. هذا في الواقع يبقى خيرًا، بل على العكس من ذلك الموت الذي سيحبطه المجتمع عند أولئك الذين سيرفضون نسيان سبب إبرامهم لهذه المعاهدة. في الفصل الخاص بالدين المدني، يستشهد روسو بمثال "أعظم الجرائم" التي "كذبت أمام القانون" والتي تم تحديدها مسبقًا أنه يجب أن "يُعاقب بالإعدام3"! وبالتالي، فإن العقد الاجتماعي، وهو "الفعل الذي يكون به الشعب هو شعب"4 هو أيضًا الفعل الذي تختفي به أسباب الدخول في العقد (أن يكون المرء آمنًا مع الاحتفاظ بحريته) في حقيقة القيام بذلك. تمرير: إن الأفراد الذين يريدون إبرام العقد هم الذين يرون فيه وسيلة لمصلحتهم، لكن المواطنين الذين ولدوا من هذه الاتفاقية هم مواطنون فقط لأن سؤالهم لم يعد عن مصلحتهم. لا تتشكل الغاية من سعادة الفرد الذي يجني بطريقة ما ثمار تنازله البدائي عن الاستقلال، ولكن من خلال إنجاز السياسة: القوانين الجيدة ليست تلك التي تجعل الناس سعداء ولكن تلك التي تقودهم إلى أن يكونوا مواطنين صالحين بشكل تلقائي أكثر، أي أفراد قادرون على التضحية بأنفسهم من أجل المجتمع إذا اتضح أنه يحتاج إليهم. لكي يُفهم "الاغتراب" عن العقد على أنه لحظة لخدمة الخيرات، يجب ألا يكون كليًا، بمعنى آخر أن الحق الطبيعي في الحفاظ عليه يمكن أن يتعارض مع متطلبات صاحب السيادة عندما يتعارض بشكل واضح مع مصلحة الفرد، أي على أساس أنه كان عليه الدخول في العقد الاجتماعي. لكن هذا مستحيل: لا حق إلا من قبل الدولة، والاغتراب هو أساس الحرية المدنية فقط بشرط صريح أن يكون كليًا5. باختصار، الحجة المرفوضة ضمنيًا هي كما يلي: الدخول في العقد يعني التوقف عن كون الشخص الذي لديه أسباب للدخول فيه 6، وبعبارة أخرى، هو التوقف عن تحديد سؤال المرء مع سؤال الخير الذي كان يتخيل أنه يتعافى. لقد وُلِدَت السياسة من إثبات أن الحياة لا تهم وهي حقيقة نحاول عادة إخفاءها - لأنه من المهم أن يتم الوثوق بالسياسي (بعبارة أخرى: إنها ليست كذلك لعرض الطبيعة المروعة للسياسة).

الطريقة الأكثر ملاءمة هي الجدال حول معارضة الحقيقة والحق. خذ واحدًا، واضحًا جدًا، نقوم به بين الجميع. يمكن استخدامه لتعريف السياسة: السياسة هي أنه لا يهم الكل عندما يتعلق الأمر بالكل. لكن هذا "الكل" الذي نعارضه مع كل منا، أليس هذا تجريدًا بقدر ما هو في "الكل" هو في كل مرة وفي كل مرة فقط يكون سؤالاً؟ إن الاعتقاد بأن هناك "الكل" بشكل إيجابي يجب أن يتميز بمصالحه على حساب كل واحد هو وهم، لأنه تحقيق الكيانات التي ينتجها فقط تفكيرنا والتي سيكون من الضروري أن الأفراد، بصرف النظر عما من الواضح أنه لا يوجد شيء، التضحية بخيراتهم وأحيانًا شخصهم! يجب أن يصبح كاهن مولوخ- على العكس من ذلك، دعونا نتمسك بالواقع الواقعي الوحيد الذي هو واقع الفرد، معتبرين قاعدة أن الكل يحسب عندما يكون الأمر سؤالًا للكل، ونحن لا نخرج صراحةً في الباطل بل في نقيض- سياسة.

التحدي ينطبق أيضا على الناس كشعب. يمكننا بالفعل أن نعتبر أنه ليس من الجيد بشكل خاص أن يكون الناس شعباً، لأن الأمر متروك لهم في الأساس ليكونوا قادرين على اتخاذ قرار بشأن إبادتهم أو، ببساطة، أن يكونوا قادرين على الانخراط في المغامرات التي من المحتمل أن تكون هذه الإبادة نتيجة لها. إنه بإمكان شعب أن يعلن الحروب، وليس من الواضح أنها تخدم مصلحة الفرد لأنها لا تعنيه إلا على أساس علاقته بالدولة 7.

إن الدليل على الصالح العام ليس أفضل من ذلك. علاوة على ذلك، يشهد التاريخ على هذا: معظم الحروب مدفوعة فقط بالاختلافات الأيديولوجية أو ما يمكن أن نسميه المشاعر الثقافية أو القومية: كما في كثير من الأحيان، محنة للشعوب المعنية، ليكونوا شعوبا. أما بالنسبة لفرضية الخير التي تكون مشتركة والتي من شأنها أن تشكل الهدف المناسب للوصية العامة (خير الشعب كشعب)، فهي لقيط ولا تناسب، لأنها تفترض:

1) أن يمكن التوفيق بين مصالح المجتمع المختلفة في النهاية في شيء مثل النتيجة (ولكن نتيجة قوتين متعارضتين تمامًا، فهي صفر!)، و

2) أنها تنكر أنها تنتمي إلى الإرادة بنفس القدر لتكون قادرة على تكريس نفسها لشره مما لخيره.

هذا هو بالفعل المصطلح الأساسي. عندما يقول روسو إنه "لا يعتمد على أي إرادة للموافقة على أي شيء يتعارض مع مصلحة الكائن الذي يشاء"8، فهو مخطئ لأنه يخلط بين اتخاذ القرار والاختيار: الاختيار هو بالضرورة اختيار الأفضل بعبارة أخرى من الأفضل، لا يمكننا بالتأكيد اختيار شرنا، ولا بالتالي نريده إذا كان الرغبة تتمثل في إخضاع خيار؛ لكن يمكننا أن نقررها وبالتالي نريدها إذا كانت الرغبة تتمثل في إخضاع القرار! لكن من سينكر أن السياسة ليست مجال القرارات؟

إذا كنا حريصين على عدم الخلط بين الاختيار الذي يشير إلى خدمة الخيرات وتحديد أيهما يشير إلى السياسة- وبعبارة أخرى إذا أدركنا أن فصل الأنظمة هو أيضًا انفصال ذاتي - إذن يجب علينا أن نطرح مسألة السياسة على أنها قرار القرار الأصلي: قرار الخروج عن الأوامر حيث يكون السؤال هو الاختيار، بمعنى آخر القيام بالأفضل. هذا هو السبب في أننا يجب أن ننكر أخيرًا إمكانية حدوث مصالحة بين السياسة والحياة، لأنه يمكن دائمًا أن تكون سياسيًا أن تريد شَرِّكَ بل وحتى إلغاء حياتك (لإنقاذ مدينتك، جر أعدائك إلى الموت ...)

فكما أن الأمر متروك للفرد الحر ليكون قادرًا على تقرير شره وموته (على سبيل المثال من خلال كونه متهورًا: على الأقل الرغبة في ذلك)، فإن الأمر متروك لصاحب السيادة أن يكون مشروطًا بالنسبة لخيره. لأنه ليس الصالح العام هو الذي يلزم صاحب السيادة، بل هو سيادته! دعونا نعطي الحجة في راديكاليتها: إذا كانت السيادة التي تجعل الشعب موضوع السياسة غير قابلة للتصرف، فلا يمكن عزلها عن معرفة مصلحتها أكثر من حرية الفرد في المعرفة به. واستبعاد هذا الشخص من "المنعزل" عن معرفة خيره هو، بشكل شخصي، استبعاد ذلك الشخص المنفر من ذلك الخير. وبالتالي، فإن الأمر متروك أيضًا لصاحب السيادة ليكون قادرًا على الرغبة في شره - على سبيل المثال إعلان الحروب التي يكون فيها إبادة جميع المتحاربين هو النتيجة الأكثر احتمالية (يتم تحقيق السلاح الذري و"توازن الرعب" من أجل لنا هذه الفرضية). تستند الحجة إلى مفهوم السيادة، وقد أظهر عصرنا أنه لا يوجد شيء مجرّد حول هذا الموضوع: إن الركض إلى الخراب هو امتياز أساسي للموضوع السياسي بقدر ما هو للسياسي9.

وهذا لا يعني أن المسؤولية السياسية تظل غريبة على ضرورات الحياة والضمير، ولكنها لا تنظر إليها إلا في بُعدها السياسي. إذا كان هناك وباء، على سبيل المثال، فإن المسؤولية السياسية لن تتمثل في العمل كطبيب ولكن في تحمل مسؤولية الوضع الصحي الذي لا يزال سياسيًا دائمًا. نحن نرى الشيء نفسه مع الأخلاق: المسؤولية السياسية لا تتمثل في التصرف وجعل الآخرين يتصرفون وفقًا لمقتضيات الضمير ولكن وفقًا لمقتضيات السياسة. لذلك قد يكون من السياسي أن نساعد شعبًا مضطهدًا من قبل حكومته في حالة واحدة، وألا يكون (وبالتالي السماح له بالذبح) في حالة أخرى - فالضرورة الأخلاقية هي نفسها في كل مرة. هنا، لن يتهم أحد السياسيين بالسخرية: قد يكون موت الروح أن يرفض رئيس الدولة إنقاذ شعوب بأكملها. وهذا يرقى إلى القول إنه إذا تدخل وهو يستمع فقط إلى ضميره كإنسان يأمره صراحة بذلك، فإنه سيتصرف كرئيس دولة بطريقة غير مسؤولة وبالتالي، للمفارقة، لا يستحق!

وبالتالي، فإن السياسة لا تصلح للفرد الذي يمكن أن يؤمن بمصلحة التعاقد، ولا للأشخاص الذين يمكنهم تخيل أنفسهم موضوعًا لمصلحتهم تحت أنواع الارادة العامة: إنها تنطبق فقط على السياسي.

باختصار، السياسة هي السياسة فقط التي تهم - والباقي (الأخلاق، المصلحة الفردية أو الجماعية) يخدم فقط لاستيراد التصميم إلى هذه الضرورة اللاإنسانية حقًا ونهائيًا. ومن هنا هذا الدليل: المسؤولية السياسية هي مسؤولية عدم الاستسلام لاستحالة أن يكون الشيء المهم أي شيء آخر غير السياسة نفسها. في الواقع، إذا كانت الحياة هي الأهم، فلا يمكننا أبدًا أن نقرر لأن هذا دائمًا ما يرقى إلى رفض الحياة جزئيًا.

ما هو القائد، على سبيل المثال، إن لم يكن الشخص الذي سيقرر نسبة الخسارة المقبولة لتحقيق هدف ما؟ استعادة تلة من العدو، على سبيل المثال، سيكلف حياة مائة انسان. إذن ماذا نفعل؟ حسنًا، يجيب الطاهي على هذا السؤال (ربما مع الامتناع) - وهذا بالتحديد لأنه لن يكون طاهياً من وجهة نظر الحياة.

لا يوجد أي شيء سوى الحياة، وانعكاس الحياة بمعنى آخر، الوعي. نحن نعلم ذلك، لكننا قررنا أن هذه المعرفة لن تكون ذات أهمية، ثم نعرّف السياسي على أنه الشخص الذي يتحمل مسؤولية تحملها على عاتقه لجعلها جيدة.

2- فاعل السياسة

السياسة هي نظام قرار، ولكن من ناحية أخرى كان من الضروري اتخاذ قرار بشأن السياسة. إن مفهوم السياسة هو أولاً وقبل كل شيء مفهوم هذا العقد. بشكل ملموس، هذا يرقى إلى القول بأنه لا يوجد أبدًا قرار سياسي ليس قرارًا سياسيًا بالفعل: السياسة ليست فلسفة محققة ولكنها دائمًا سياسة بالفعل ودائمًا. لذلك لن تكون الذات التي سنتعرف عليها هي الذات الفلسفية (الإنسان، بكل الأسباب أو كل المشاعر التي نريد أن ننسبها إليه) بل ذاتًا سياسية بالكامل. عندئذ يكون من المستحيل اتباع التقليد (وعلى وجه الخصوص روسو) في فكرة تأسيس الفضاء السياسي كما لو كان، بدءًا من فكرة غير سياسية لدولة سابقة نفسها غير سياسية ("الطبيعة")، يمكن للمرء أن يتخيل سببًا غير سياسي (حي) لتأسيس السياسة. إذا كانت السياسة قرارًا، فيجب أن تكون قرارًا سياسيًا وليس قرارًا فلسفيًا أو قرارًا حيويًا. ولكن من الذي يتخذ هذا القرار، لأنه لا يمكن أن تكون ذاتًا قد ترى فيها وسيلة مباشرة إلى حد ما لخدمة صالحها؟ من الواضح أنها ذات سياسية. ما هي إذن ذات السياسة هذه؟ المواطن أم الشعب أم أي شخص آخر قرر شعبه بشكل سيادي أن يكون متخصصًا، حتى محترفًا، في السياسة؟ يجب أن نكون حذرين من هذه الحقائق الواضحة، لأنها تلقي بظلالها على اللحظة الأولى للسياسة، أي مؤسسة الشعب كشعب. إذا استطاع شعب أن يثبت نفسه بطريقة ليست خروجًا من الطبيعة بل مؤسسة سياسية بالفعل ومرة أخرى، فعندئذ تكون الذات السياسية كذات في حد ذاتها. لكن إذا لم يستطع وعلى شخص آخر أن يضمن له أنه بالفعل شعب، فإن مسألة أصل السياسة تصبح مسألة هذا الآخر ...

ضرورة حزبية بالفعل

أنه كان يجب أن يتم اتخاذ قرار سياسي بشأن السياسة ضد الحاجة الواضحة للجميع للبقاء مع مسألة الخيرات، وهذا يعني أن السياسة حقيقية فقط في التنفيذ لسياسة معينة. لأنه أخيرًا، هذا القرار الأصلي القائل بأن السياسة فقط هي المهمة على الرغم من أن كل شيء هو مسألة حياة، فكيف لا يريد المرء ألا يكون سياسيًا بالفعل، حيث يمكننا فقط أن نقرر بشكل ملموس أن هناك سياسة اعتمادا على فكرة لدينا؟ هذه الفكرة مميزة سياسيا بالفعل. من الواضح، على سبيل المثال، أن الليبرالي أو الماركسي ليس لديه على الإطلاق نفس الفكرة حول ماهية السياسة، وبالتالي، بدءًا من السكان وقواعد الحياة الاجتماعية، مما يجب الاعتراف به كشعب أو قانون. ليس فقط تعريف الشعب والقانون والمجتمع مشروطًا بهذا التحديد الضروري، ولكن هذا أيضًا هو المقصود بكلمة "سياسي". على سبيل المثال، يفهم الماركسي هذا المصطلح على أنه حرب اجتماعية، مع كل ما يمكن أن يوحي به كاستراتيجيات وتكتيكات، بينما يفهمه الليبرالي على أنه ترتيب للضروريات التي تظل فردية في نهاية المطاف. من المستحيل التراجع عن هذا التحديد (لإيجاد مفهوم للسياسة مناسب لكلٍ من الليبرالية والماركسية) لأن ذلك قد يرقى إلى استعادة الطبيعة الفلسفية وبالتالي السياسية للسياسة كمثال أخير. لذلك دعونا لا نلعب بالكلمات: ضد التقليد الميتافيزيقي الذي يجعل السياسة، وبالتالي المسؤولية الموجودة للسياسة، ذات الامتياز الفلسفي، يجب الاعتراف بأن مؤسسة السياسة ليست مؤسسة ممكنة فقط سياسيا، بعبارة أخرى حزبية. وبالتالي، فإن الأمر متروك للسياسة في أن تأتي في إطار الذات التي تكون هي نفسها تحديدها (على سبيل المثال ذات ليبرالية أو ماركسية) وليس، كما هو الحال في التقليد الميتافيزيقي، للفيلسوف الذي يُفهم على أنه الشخص الذي يلاحظ الضرورات الموضوعية والأخلاقي لاستنتاج "البنود العادلة من ميثاق" 10.

ما يصلح للمبدأ لا يقل صحة للواقعة. لأننا نسأل: كيف تم تشكيلها بالفعل، هذا النوع الاجتماعي الذي لدينا فكرة أنه يجب تنحيته جانبًا بحيث يمكن التعامل مع أي سؤال (الأخلاق، الاقتصاد، الطب، إلخ) وفقًا لجانبه السياسي؟ عليك فقط أن تفتح عينيك لترى ذلك: لقد تم تشكيله سياسيا بالفعل. بعبارة أخرى: تأتي السياسة بالضرورة من منطقة اجتماعية سياسية بالفعل. ولكن ما هي السياسة الملموسة (الحزبية) التي يمكن أن تكون هذه في هذه المؤسسة، والتي ستكون سياسة الشعب على هذا النحو وبالتالي السياسة والقانون أيضًا؟ هناك إجابة واحدة فقط على هذا السؤال: أية سياسة! في الواقع، يكفي أن تكون السياسة واحدة لكي تحدد سياسيًا مفهوم السياسة ذاته، وبالتالي أيضًا تلك الخاصة بالشعب، والحق، والمجتمع - بشكل غير قابل للاختزال للأفكار التي ستنتمي إلى فيلسوف أعطته.

لا الشعب ولا المواطن

إذن ما هي هذه الذات السياسية دائمًا التي يجب أن تثيرها السياسة؟ من وجهة نظر الأفكار البسيطة، هي الشعب. وهكذا تظهر الصعوبة المنطقية مرة أخرى بسبب استحالة وجود لغة ما وراء نهاية المطاف، وبعبارة أخرى لضرورة أن تنشأ السياسة بالفعل من نفسها: الشعب هو ذات السياسة، بالطبع، ولكن مفهوم الشعب هو الفكرة بامتياز سياسي! باختصار، كان يجب أن يكون هناك الشعب كذات للسياسة لتأسيس هذه الذات السياسية التي هي الشعب. كان روسو قد طرح الحجة: سيكون من الضروري "أن يكون الناس أمام القوانين ما يجب أن يصبحوا من خلالها" 11. لقد رأينا للتو أنه كان علينا القفز فوق هذه الصعوبة: نظرًا لأن المجتمع على أي حال هو سياسي بالفعل، يمكننا أن نترك جانباً مسألة كيفية تأسيس الناس سياسياً. باسكال محق في استنكار "نصف المهرة": دعونا لا نفحص بدقة ما هو أساس السلطة، لأن السلطة مطلوبة. هنا، ستكون سلطة الشعب، التي يمكننا الاعتراف بوجودها على هذا النحو، لأنها موجودة على أي حال (الاجتماعي هو سياسي). لا يوجد ما يمنع من اعتباره موضوعًا لفعل سياسي، وبالتالي أيضًا في نهاية المطاف كموضوع (سياسي) لمؤسسته. والأكثر من ذلك أنه إذا كان بإمكان الناس أن يقرروا حلهم بأنفسهم، لأن الأمر متروك للعقد ليكون إمكانية القيام بذلك، فإننا لا نرى لماذا لم يتمكنوا، على العكس من ذلك، من اتخاذ قرار بشأن مؤسستهم الخاصة، لأنهم هو هنا! من الناحية النظرية لا يستطيع (لا يوجد أشخاص يؤسسوا الشعب)، لكن في الحقيقة لا يوجد ما يعارضه (هناك شعب يؤسس الشعب). إنه بالتأكيد لا يقتصر على عدد السكان كما هو الحال في أي مكان آخر؛ ولكن بعد ذلك نجد أن عدم الاختزال هذا ليس من اختصاصه. لكنها حقيقة السياسة، إذا تم منحنا أنه لا توجد سياسة إلا في القرار أن هناك ...فهل مع المواطن أن يكون العمل؟

للسبب نفسه كما في السابق (نحن بالفعل في الفضاء السياسي على أي حال)، سوف نرفض الحجة الأساسية القائلة بأنه لا يوجد مواطن ما لم يكن الشعب قائمًا بالفعل. لذلك دعونا نفترض الواقع الواقعي للمواطن الذي سيخضع عندئذ لمؤسسة السياسية. نرى على الفور أننا بقولنا هذا نعود إلى الموقف الميتافيزيقي الذي يتألف من تخيل، على غرار روسو، مواطنًا يعارض الإنسان تمامًا كما يعارض السياسي عمومًا طبيعي صفة. بعبارة أخرى، ليس لفكرة المواطن معنى ملموسًا: فهي تنطبق فقط على فكرة السياسة، على عكس الفكرة التي يمكن للمرء أن يحصل عليها من وجهة نظر كذا وكذا. في الواقع، نحن ننتقل من فكرة إلى مفهوم، وكل شيء يتغير: من وجهة نظر ماركسية، يمكننا، على سبيل المثال، أن نجعل فكرة المواطنة معادلة لمفهوم الغموض! باختصار، إما أن نتمسك بفكرة مجردة، ومثل روسو، نفكر في المواطن من قرار غير سياسي لتأسيس السياسة (ستكون الفلسفة إذن نظرية أن تصبح مواطنًا للإنسان)، أو نفهم الفكرة الملموسة عنها من خلال ملاحظة أننا مواطنون دائمًا، ولكن بعد ذلك يجب أن نحدد ونقول على سبيل المثال ما إذا كان من نظام ليبرالي أو نظام ماركسي أننا مواطن سواء كانت ضرورة أو خدعة. من هذا يجب أن نستنتج أنه لا يمكن للشعب ولا المواطن أن يكون في الواقع رعايا للسياسة، على الرغم من أننا نتخيل ذلك بالضرورة.

النتيجة مدهشة: سواء فيما يتعلق بالناس أو المواطنين، يجب أن ندرك أنهم مجرد رعايا للسياسة بشرط أن تكون هذه السياسة نفسها قد تم تحديدها مسبقًا - قررنا أن هناك السياسة وأيها سياسة. دعونا إذن نصوغ البيان الحقيقي للمشكلة بالقول إن الناس هم بالفعل موضوع السياسة، لكنهم لا يخضعون بأي حال لكونهم هذا الموضوع: كيانهم، الذي يجب فهمه في هذه الحالة على أنه مسؤوليتهم، هو قرار آخر. هناك شخص آخر تعتبر سياسته من شؤونه الخاصة - فكرة هذه "الأعمال" ثم كونها إطلاقًا لحقيقتها.

المنتخب

من سيكون هذا الاخر؟ ما هو موضوع القرار السياسي اذ ليس الشعب او المواطن؟ أي مغامر؟ بالتأكيد لا، لأن مسألة السياسة هي مسألة السلطة لتقرير ما إذا كانت هناك سياسة. ليس كل شخص في وضع يمكنه من اتخاذ القرار، ناهيك عن تقرير أن هناك سياسة. لذلك يجب أن يكون مسؤولاً - وزعيماً سياسياً بالفعل، لأن مسألة السياسة في حد ذاتها سياسية وليست فلسفية كما يتصور المرء. هناك أشخاص قرر الشعب أن يعهد إليهم بهذه السياسة، والتي تصبح من شأنهم. هؤلاء هم المختارون. كانت السياسة وقت التصويت هي سياسة المواطن، لكنه عاد على الفور إلى عمله التجاري الخاص، ولم يعد مواطناً إلا بالاسم أو بالأحرى الخيال. سواء كان الناس شعبًا وليس حشدًا من المستهلكين أو المطالبين النهمين، فإن السياسة في بعدها الأصلي - والسياسة، بمجرد أن يتم تمرير الاقتراع في صندوق الاقتراع، هي اختصاص المسؤولين المنتخبين.

المفارقة التي تنكرها ديمقراطياتنا على الرغم من وضوحه هو أن المسؤول المنتخب يصبح الذات الحقيقية للسيادة، ومع ذلك فإن تعريفه هو أنه لا يمكن التصرف فيه مثل حرية الإنسان، وإلا يتم اختزاله إلى العبودية: "يعتقد الإنجليزي أنه حرا، وهو مخطئ للغاية؛ إنه كذلك فقط أثناء انتخاب أعضاء البرلمان: بمجرد انتخابهم، يكون عبداً، ولا شيء"12. هذا صحيح بالطبع بالنسبة للسلطة التشريعية التي هي السيادة بمعناها الضيق، لكنها لا تنطبق بشكل أقل على الوجود السياسي البسيط، ليس بالطبع كحقيقة خاملة يمكن لمراقب خارجي ملاحظتها ولكن باعتبارها يجب أن يتقرر. لأن قرار السيادة هو السيادة بحد ذاتها! ومن يمتلك سلطة تشريعية يمتلك بالتالي قرار السيادة، لأن هذه السلطة هي أولاً وقبل كل شيء مؤسسة دستورية للنظام السياسي. وبالتالي، فإن الاعتراف بسيادة المسؤول المنتخب كسلطة تشريعية يرقى إلى حد الاعتراف به كموضوع للوجود السياسي - من حقيقة أن الشعب هو الشعب ... ثم يتم تناول مسألة المسؤولية برمتها في مسألة الانتخابات، التي يجب توضيح مفهومها. نحن نتحدث عن أولئك المنتخبين: المنتخبين وغير المختارين. لأننا إذا اخترناهم، فيجب علينا أولاً تحديد القدرة التي يجب عليهم إظهارها، وأي اختيار بالضرورة هو الخيار الأفضل وفقًا لمعيار معين، يجب بالضرورة اختيار أحد المرشحين الذي سيكون الأكثر وضوحًا في حمله. باختصار، إذا أردنا اختيار السياسيين، فسيتعين علينا منحهم امتحانًا أو اختبارات مثل اختيار قائد الأعمال أفضل مرشح لوظائف محددة مسبقًا. وبالتالي، من المتوقع أن يتمتع المرشحون الناجحون بأفضل المهارات في تمثيل السكان وأن كفاءتهم تتوافق مع الحاجة المزدوجة للأمن الخارجي والانسجام الداخلي، وهو الشاغل المحدد للهيئة الاجتماعية. ما هو وضع المرشحين الناجحين إذن؟ أن نكون وكلاء. عند اختيارهم، سيكونون هم أنفسهم خاضعين للاختيارات: في كل حالة ستكون مهمتهم هي بذل قصارى جهدهم من خلال القيام بما سيفعله أي شخص لديه المهارة المطلوبة في مكانه. ومع ذلك، هؤلاء هم المسؤولون الذين تم انتخابهم ...

الوكيل هو في الواقع غير مسؤول على نحو مضاعف: فمن ناحية، فإن موكله هو الذي يتحمل مبدأ المسؤولية، لأن الوكيل يقوم بما يطلبه العميل منه؛ ومن ناحية أخرى في ممارسة مهنتها، فإن المعرفة المجهولة هي التي تتحمل كل المسؤولية لأنها إذا نجحت، فإن معرفتها (كفاءتها) كانت كافية، وإذا فشلت في ذلك هو أن المعرفة سوف تفتقر. إنه ليس بلا شيء أبدًا: فالمسؤولية دائمًا خارجية: مسؤولية العميل كطرف يأمر، ومسؤولية المعرفة على أنها فعالة أو ناقصة. على العكس من ذلك، فإن القادة السياسيين هم صانعو القرار: الأشخاص الذين يجب أن يأخذوا على عاتقهم الأمر ليس فقط أن هناك سياسة عندما كان يمكن للمرء أن يتخيل أن هناك إدارة أو أيديولوجية فقط، ولكن لا تزال هذه السياسة هي هذه السياسة وليس الأخرى. السياسي مسؤول عن السياسة التي يقودها - بما في ذلك توجهها العام: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتجاهل الناس بتذكيرهم بالتوجهات التي فضلوها، على الرغم من ذلك. على حد قولهم انتخب. لن يكون هناك شيء غير مسؤول أكثر من الخطاب التالي: "بالتصويت لي كنت تريد سياسة من هذا النوع، قمت بتطبيقها، ما عليك سوى أن تلوم نفسك إذا كانت العواقب وخيمة". على العكس من ذلك، سيقوم الوكيل بالضرورة بإلقاء هذا الخطاب: "لقد أردت استثمارات محفوفة بالمخاطر للحصول على ربحية أعلى، لقد تبنت هذه السياسة لاستثماراتك، لا تلومني لأنني أتلفك! أما بالنسبة للمعرفة التي تتحكم في الاختيارات، يتخيل المرء أن رئيس حكومة يظهر أمام البلاد وهو يقول:" لم أعرف، لم أستطع أن أعرف. أعتقد أنني لو كنت أعرف، لكنت تصرفت بطريقة أخرى"؟ لن يكون هناك شيء لا يستحق قائدًا أكثر من خطاب مثل هذا، لكنه طبيعي ولا يمكن تعويضه من شخص عادي. المسؤول لا يلومها على علمه بأن كل شخص سيعترف مع ذلك بعدم براءته، لأن ذلك من شأنه إثبات عدم مسؤوليته. بعبارة أخرى: لا يشرح الخيارات ولكنه يتخذ القرارات، ويأخذ على عاتقه القيام بما فعله، وبالتالي، في الحالات السلبية، لا يعتذر بالقول إنه من المستحيل معرفة. وكيل يشرح سبب فشل المهمة التي كلف بها. مسؤول منتخب متبرأ منه يستقيل في صمت. لذلك لا يمكن اختيار زعيم سياسي، ومسؤوليته، بدورها، لن تكون سوى الاختيار. في الانتخابات، يقرر المواطنون من سيمارس المسؤوليات التي، كمسؤوليات لاتخاذ القرار - وبعبارة أخرى لتحمل مسؤولياتهم - لن يتم اختزالها إلى ممارسة التفويض.

بهذا المعنى، فإن فعل الشخص المختار يفلت من إمكانية توقعه. لذلك، فهو، بالمعنى الحرفي، مستحيل: لا يتألف من تحقيق الاحتمالات التي كانت بالفعل تلك الخاصة بالذات. تعبر الاختيارات عن الموضوع وبالتالي يمكن التنبؤ بها تمامًا (إذا كنت بالضبط في موقف كذا وكذا الشخص، فسأفعل بالضبط ما سيفعله)، في حين أن القرارات في كل مرة تتعارض مع المعرفة التي موضوعها التي تم تحديدها، تتعارض مع الاحتمال الذاتي. لذلك من نفس الشيء أن نقول إننا نختار دائمًا ما كان ممكنًا عندما لا يكون هناك قرار أبدًا ولكن هناك شيء جديد، وأن نقول إننا دائمًا نختار وفقًا لأنفسنا ولكننا لا نقرر أبدًا بدونه. الذات. علاوة على ذلك، يعرف الجميع ذلك: أن تقرر، بشكل ملموس، يعني أن تدرك فجأة أن القرار قد تم اتخاذه بالفعل في العمق (أحيانًا لمدة نصف ثانية، وأحيانًا لمدة خمسة عقود). ان الحديث عن المستحيل عن توقعاتنا السياسية لا يعني بالتالي أن تكون غير متكافئة وساذجة: أن المرشح الذي انتخبناه يقضي على البطالة ويصحح الظلم، بكلمة واحدة يساهم بشكل كبير في إسعاد الجميع. العالم وبالتالي الجميع. هذا، ولأنه مرتبط بضيق مساحة المناورة، يمكننا بالتأكيد أن نأمل به، لكن لا يمكننا انتظاره. يشير الأمل إلى حقيقة واقعية، مثل عندما نأمل أن ينتج عن دواء ما تأثير مفيد، بينما يشير الانتظار إلى ضرورة قانونية: يمكننا أن نأمل ولكن لدينا الحق في الانتظار. لذلك يمكننا أن نأمل أن ينفذ الممثل المنتخب البرنامج الذي قدموه، لكن المفارقة أنه لا يحق لنا توقعه. تقول، إلا إذا وعد بالالتزام بها؟ حسنًا، لا، لأن هذا يعني أن الانتخابات ليست فعلًا يتم من خلاله تحديد المسؤولية عن السياسة. لأنه إذا كان هو صانع القرار الذي يختاره المرء من خلال تكليفه بالمسؤولية الموجودة في السياسة (وليس فقط تلك المتعلقة بالإجراءات التي سيتخذها في إطار سياسي من المفترض أن يذهب دون أن يقول)، إذن يجادل بأنه قد يقرر أنه سيكون من السياسي عدم الوفاء بوعوده. لا يوجد سبب لإلقاء اللوم عليه - لأنه على وجه التحديد تقرير السياسة التي سيتم انتخابه بها. هناك مثال جيد للغاية تقدمه نقطة التحول عام 1983: بعد انتخابه لتنفيذ سياسة يسارية، قرر ميتران (تحت اسم "الصرامة") أن يمارس من الآن سياسة يمينية. قد يندم ناخبيه على هذا القرار، لكن لم يخطر ببال أحد أن ينظر إليه على أنه انتهاك. إن إخضاع الكلمة لواقعية السياسة ليس فسادًا للسياسة، بل على العكس من ذلك جوهرها، بقدر ما هو قرار وليس اختيار: المسؤولية السياسية هي فقط الوعود التي يجب الوفاء بها سياسية. إن عدم الالتزام بكلمة المرء، عندما يتعلق الأمر بالأفراد، يعني حذف الموضوع: لم يعد بإمكاننا الوثوق في الشخص الذي جعل كل شخص يرى أن كلمته لم تُحسب، وأنه لم يكن مثل أي شيء كموضوع. استنكار. فيما يتعلق بالسياسات، على العكس من ذلك، فإن ما لا يعد خيانة للوعود (على الرغم من أنه ليس شيئًا آخر في الواقع) يثبت أننا متناقضون في ترتيب المسؤولية: أي تقرير السياسة، أي ما هو سياسي وما هو ليس كذلك. ما كان يمكن أن يكون عارًا للفرد هو افتراض للسياسي: لا يقدم الوعود إلا، على حد تعبير ممارس السياسة، أنهم "يشركون فقط أولئك الذين يصنعونها. تسلم ". والنتيجة مدهشة، وتجعل من الممكن الخروج من معضلة الذي شكله استحالة أن تكون مؤسسة السياسة أي شيء آخر غير السعي وراء تحقيق سابق. كنا بالفعل): القادة السياسيون، نتوقع منهم أولاً أن يتحملوا مسؤولياتهم وبالتالي يأخذوا على عاتقهم ألا يكونوا على النحو الذي نأمل أن يكونوا عليه - ليس فقط ممثلينا، ولكن ممثلي المسار الذي نعتقد أنه الأفضل للمجتمع. نحن لا نتجاوز هذه الحقيقة الواضحة: نحن ننتخبهم ليقرروا وليس هناك سوى قرارات جديدة. بهذا المعنى، أي عندما نفهم أننا ننتخب مسؤولين وأننا لا نختار ممثلين، نتوقع منهم ... المستحيل، بما في ذلك الممكن (أن يطبقوا البرنامج) المتوقع) سيكون عندئذ فقط متغيرًا عرضيًا ومتناقضًا في النهاية (في الواقع، لا يمكننا إنكار حدوث ذلك في بعض الأحيان). وبالتالي، فإن سمة الممثل المنتخب هي إعادة الشرعية إلى الشرعية التي هو وحده القادر عليها وعليه أن يقرر التوقعات التي تتجه نحوه. لذلك، فإن فكرة الانتخاب، عندما تتعارض مع الاختيار، هي دائمًا فكرة التنصيب السياسي من داخل السياسة نفسها، بحيث يرقى إلى نفس الشيء عندما نقول إن السياسة موجودة. من عمل المسؤولين المنتخبين والقول إنه ترتيب القرار السياسي للسياسة. لذلك يبدو أن شخصية الممثل المنتخب تجعل من الممكن تجاوز أبورات الموضوع السياسي: لا المواطن الذي يحظر طابعه السياسي الفكرة جعل الموضوع العام للسياسة (في العصور القديمة، المواطن هو سيد ماركسي ما نسميه المواطنة هو لغز، وما إلى ذلك)، ولا يمكن للأشخاص الذين يمكن أن يكونوا مجرد تكرار لأنفسهم، أن يكونوا موضوعات جديدة، وبالتالي للسياسة. يمكن اختيار الشخص المختار فقط، كممثل وليس كوكيل، شخص يقرر وليس شخصًا يختار ... ومع ذلك، تبقى إحدى الصعوبات: يمكن للمسؤول المنتخب أن يقرر سياسة معينة للشعب، لكنه لا يستطيع اتخاذ قرار بشأن الناس بأنفسهم. لكي يكون هذا هو الحال، يجب أن يكون خارجيًا، مثل الحاكم المطلق لعقيدة هوبز الذي يجعل الناس بحكم حقيقتهم الوحيدة ذات السيادة - ولكنه أيضًا سيدهم المطلق 13. كما أن الإشارة إلى مؤلف كتاب التنين لا تفيدنا لأن السؤال يظل مسألة الشعب كموضوع سياسي غير قابل للتصرف، والصعوبة أن هذا هو شأن السياسة المناسب. 'انتخب. من ناحية أخرى، من الضروري أن تكون مسؤولية الناس خارجية عنهم، حيث لا توجد مسؤولية سوى تحمل المسؤولية ولا يمكن للناس إلا إعادة تأكيد هوية سياسية مؤكدة بالفعل. باختصار، يجب أن نفهم كيف يمكن لشخص آخر أن يتحمل مسؤولية الناس ليكونوا ويظلوا موضوع السياسة: شخص آخر يمكن أن تحمل هذه المسؤولية دون أن يشكل ذلك قهرًا. ان هذه المشكلة تتعلق بالسلطة التي يجب أن تكون للشعب من أجل أن يكون هو الشعب - الذي تتمثل فكرته في أن يكون مصدر كل سلطة ...

لغز "المشرع"

عندما نسأل أنفسنا ما الذي يشكل السلطة التي يجب على أي سلطة أن تأذن لنفسها بأن تكون سلطة، فإننا نجيب أن هذه هي السيادة التي يرتبط واقعها بالمعنى الضيق بالقدرة التشريعية. لذلك إذا اعتبرنا سلطة يكون تأثيرها استحالة تحديد الناس بواقعها (السكان أو الأشخاص الذين تم تأسيسهم بالفعل) بحيث يحدث ذلك على أنه قرار لنفسه، فسنضطر إلى الاقتراض لتعيينه المصطلح من المشرع. ومع ذلك، هذا هو المصطلح الذي استخدمه روسو على وجه التحديد لعدم التفكير في المواطن الذي يقرر القانون داخل الدولة كما يبدو أن الفصول السابقة من العقد الاجتماعي تعني ضمنيًا، ولكن جسم خارجي يتميز بالسلطة، ومن المفارقة أن الناس يؤمنون بأنهم الشعب ... في الفصل المخصص لها، لا يتعلق سؤال المشرع أولاً وقبل كل شيء بالوظيفة التي تشير إليها المراجع التاريخية (اقتراح الدساتير)، أو مسألة الكفاءة (معرفة البشر، الحكمة)، ولكنها جريئة: جرأة الوظيفة، التي لا يمكن للمرء أن يتخيلها مع ذلك أنه موضوع لأنه "وظيفة خاصة ومتفوقة لا علاقة لها بأي شيء مع "إمبراطورية بشرية" 14. وبالطبع، لا يمكن للمرء أن يتخيل أن الإنسان ينتج تأثيرًا مثل تأثير "تغيير، إذا جاز التعبير، الطبيعة البشرية، لتحويل كل فرد، الذي هو بحد ذاته كليًا مثاليًا ومنفردًا، جزء من واحد. أعظم ينال منها هذا الفرد حياته وكينونته بطريقة ما؛ لتغيير دستور الإنسان لتقويته؛ لاستبدال الوجود الجزئي والأخلاقي بالوجود المادي والمستقل الذي تلقيناه من الطبيعة ". باختصار، المشرع انسان وبهذا المعنى يشبهنا، إلا أن هذا الواقع ليس حقيقته بوضوح. ومن هنا تأتي السمة الأساسية للمشرع التي يمكننا من خلالها تخمين أن مسألة المؤسسة السياسية ستكون النتيجة: إنه ذات لا تتداخل واقعها مع الحقيقة، وهو ذات باختصار مصنوعة من تمييزهما عن سلطة مثل هذه الذات أن الشعب يريد حينئذٍ أن يكونوا شعباً ...

فالمشرع ليس ذاتاً سياسياً، بمعنى أن مؤسسة الشعب على هذا النحو ستنجم عن اختصاصها، لأن عملها محدد باستحالتها. هذا ليس أمرًا واقعيًا فقط ("يتطلب الأمر الآلهة لإعطاء القوانين للبشر")، ولكنه أمر قانوني ("ليس هذا هو القضاء، وليس السيادة"). وهكذا نجد في عمل التشريع في نفس الوقت شيئين يبدو أنهما غير متوافقين: مشروع فوق القوة البشرية، ولتنفيذها، سلطة لا شيء. باختصار، فإن الذات التي يخبرنا بها هذا الفصل يتم تقديمها فورًا على أنها في نفس الوقت غير ذاتية، ومسؤوليتها هو أن شخصًا آخر يقرر بنفسه.

لتصور هذه الصعوبة بطريقة عملية، من الضروري تقديم فكرة الفاعل، والتي تشكل السمات التي تم الإشارة إليها للتو مفارقة. الفاعل هو نفس الذات باستثناء أنه لا يمكن تمثيله كذات. نرى هذا بشكل خاص عندما نتحدث عن الأعمال 15 التي هي داخل نفسها (كل عمل هو اختراع من مجاله الخاص) على الرغم من أن شخصًا ما وقع عليها ونحن على حق في نسبها إليه. هو أن العمل حقيقي بمعنى أنه لم يكن ممكنًا أبدًا لأي شخص. لذلك فالفاعل هو الشخص الذي ينسب إليه شيئًا لم يكن أبدًا هو احتماله - كما هو الحال هنا حيث يكون السؤال عن الطابع غير القابل للتصرف للسيادة. لذلك، يقبل الجميع الاقتراب، لكن من المستحيل تمثيله: يدرك الجميع أنه من خلال مؤلفيهم تكون الأعمال أعمالًا، ويدرك الجميع أيضًا أن العمل واحد فقط. شرط ألا يكون تعبيرًا عن مؤلفه. يتم التعبير عن الذات، ومن ثم يتم استبعاد التعبير القائل بأن الفاعل واحد. وبالتالي، فإن المرء هو فاعل فقط ليكون موضوعًا للغياب، وتوقيعه هو إثبات وتتبع في نفس الوقت. فيما يتعلق بالشعب، سنقول إنه لا بد أن يكون قد أسس من قبل شخص آخر لأن واقعه هو الجهل والعمى، ولكن هذا الشعب هو واحد فقط بشرط ألا يكون نتيجة نشاط "المعلم"، تتكون سيادته بحكم التعريف من كونه داخل نفسه فقط. وبالتالي فإن شخصية روسو "المشرع" هي بالمعنى الدقيق للكلمة هي شخصية مؤلف السياسة، في مقابل الأشخاص الذين هم موضوعها. حسب العبارة التي سنقتبسها من هوبز في نفس الوقت مع المعارضة التي تم تقديمها للتو، "حيث الممثل ممثلا". فيما عدا ذلك "التمثيل" يجب أن يؤخذ هنا بمعنى الفعل: ما يتألف من تحمل مسؤولية كونك صانع القرار - وبالتالي جعل الناس موجودين. إذن فواقع الشعب ليس حياة، وجودًا دائمًا في حد ذاته، بل فعل - فعل آخر، شكله فريد: القرار. موضوع القرار هو المؤلف. من أين هذا الاستنتاج الذي يفتح في نفس الوقت المشكلة التي يتعين علينا حلها: واقع الشعب ليس سوى حقيقة، بالنسبة للشخص المسؤول، عدم التنازل عن مسؤوليته كفاعل. ولأننا لا نستطيع تخيل المشرع الذي تتمثل فكرته في أنه فاعل الشعب، فإن روسو يتجنب ذلك بجعله موضوع نشاط تحايل. نحن نعرف "الحل" الذي يقترحه: حيلة المشرع ستكون أن يضع "في أفواه الخالدين" الشيء نفسه الذي لا يستطيع الناس إدراك أنه ذو صلة. بطريقة ما، إنها مسألة خداع الشعب من أجل مصلحته باستخدام ميله الطبيعي للخرافات والخضوع (لأنه بعد كل شيء، يتم استدعاء الأسياد بالاسم) من أجل قيادتهم إلى "الحرية المدنية". إذا نجحت الحيلة، فستكون النتيجة مؤسسة الشعب كشعب ليس كحقيقة ولكن، إذا جاز التعبير، كميل: القوانين الجيدة (أسيء فهمها ولكن أيا كان) ستنتج تدريجياً أخلاق جيدة، والتي ستكون عادات المواطنين، أي الرعايا السياسيين الذين سيتم الإعلان عن إرادتهم في شكل قوانين جيدة. وهكذا ينتهي دهاء المشرع بجعله حقًا كاتب الشعب، أي ذات السياسة: إنه من ذاته سيظل هذا الأخير شعبًا كما هو. إنه منها وليس من إنسان (لم تكن هناك إمكانية له) أن يكون العمل واحدًا.

ولأنها فرضية كاتب وليس ذاتًا للسياسة، فإن فكرة المشرع ليست مؤشرًا على الكفاءة. من المستحيل بهذا المعنى إخضاع الناس إلى معرفة من شأنها أن تكون معرفة المشرع، والتي ليست مظهرًا للموضوع كما هو الحال، على سبيل المثال، خبير في القانون الدستوري، أو وسيلة مجهولة للمعرفة المتاحة عالميًا، أو سيظل حكيمًا، مخولًا أيضًا بالمعرفة16 . لا: إن المشرع الذي يعرف أن المعرفة لا تهم لأن سؤاله ليس إخضاع الناس لمصلحتهم، لا يمكنه إلا أن يأذن لنفسه! هذا هو السبب في أنه لا ينبغي التفكير في فكرته على أساس مهارة من شأنها أن تجعله نوعًا من مزود الخدمة، ولكن فقط من الجرأة. روسو واضح: إنه "من يجرؤ على القيام بتأسيس شعب" (الذي أكدنا عليه). وبالتأكيد يمتلك الفاعل في جميع مجالات الفضيلة الأخرى (بمعنى الكلمة اليونانية التي تعني في نفس الوقت التميز) من جرأته 17... بدون جرأة الذات التي سيترك غيابها أخيرًا الشعب ضد واقعه الخاص بالسكان أو الأشخاص المنغلقين في خصوصياتهم السياسية، فإن السيادة ستكون الخيال الميتافيزيقي للعدم المطبق على المجتمعات أو، إذا كان المرء يفضل، "هذيان استقلالية العصابي" (لاكان) أقيمت كمبدأ سياسي. إن قضية الشعوب، لأن مؤسستها مستحيلة في الواقع كما هو الحال في القانون، لا يمكن أن تكون إلا نوعًا من الجرأة ... من الواضح أن السؤال برمته هو معرفة ما هي الجرأة.

سيجد القارئ المستعجل أن السؤال غير ملائم، لذا تبدو الإجابة واضحة. بالنسبة له، يبدو أن السلطة ليس لها أصل آخر غير ارتباط خدمة الخيرات والرغبة في الخضوع لمن نتوجه إليهم: الناس غير قادرين على فهم أهمية المقترحات المقدمة لهم، الشخص الذي يغش من أجل مصلحته يلوح بسلطات وهمية، مثل الآباء الذين أبلغوا الطفل أن سانتا كلوز يريده بشكل عاجل أن يكون مطيعًا ومهذبًا إذا كان يريد العثور على ألعاب عند سفح الشجرة. ومع ذلك، فإن هذه القراءة يعترض عليها النص صراحةً، والذي يوجد هنا مقتطف منه: "لكن ليس لكل إنسان أن يجعل الآلهة تتكلم، ولا يُصدق عندما يعلن أنه مترجمهم. " يبدو الإعلان جنونيًا، عندما تأخذه بشكل صحيح، أي حرفيًا: هل تصدقنا الآلهة الذين يتظاهرون بأنهم المترجمون لإثارة إعجاب الجهلة؟ انها لا تعني شيئا. لذلك فإننا نميل إلى طمأنة أنفسنا من خلال ربط الضمير "en" بموضوع الجمع المذكور في الجملة السابقة: "أولئك الذين لا يستطيع العقل البشري أن يهزهم". إلى جانب افتراض أن روسو كاتب سيء، فإن القراءة تافهة: الفكرة، إذا كان بإمكان المرء استخدام مثل هذه الكلمة الكبيرة، ستكون أنه يتعين على المرء إظهار مهارة معينة لخداع الناس. مهما كانت مملة، الادعاء ليس أقل خطأ: ليس عليك أن تكون ماهرا جدا! من يخاطب المشرع، في الواقع؟ إليكم الجواب: "إلى جمهور أعمى لا يعرف غالبًا ما يريد، لأنه نادرًا ما يعرف ما هو صالحه" 18. حتى مؤسسة الشعب كشعب لن تكون كافية لجعل خداعه أمرًا صعبًا: "نحن لا نفسد الناس أبدًا، لكننا غالبًا ما نخدعهم"19. باختصار، خداع الناس في متناول أي شخص. لكن من المشرع، يواصل روسو القول إنه ليس مجرد أحد20 ...

كل من يريد الخير، يمكن لأي شخص أن يكون ماكرًا، ويمكن لأي شخص أن يكون جيدًا في أي شيء، وبالتالي يكون على حق فيما يقول. إذن هذا ما يجب إزالته إذا أردنا أن نفهم هذا المؤلف الذي سيجعل السياسة لها ذات، الشعب. ما يجب على المرء أن يفكر فيه، بمجرد استبعاد أن "السلطة" (حقيقة كونك فاعلا) هي نوع من الكفاءة وأن حقيقتها يمكن أن تندرج تحت البيان، فمن ثم أن تقولها لشخص ما. "شخص من سماته الرائعة ... ألا يكون مجرد أحد. لغتنا مصطلح يشير إلى هذه الخاصية المتناقضة: التمييز، الذي يعتبر مفهومه بالتالي عكس مفهوم السلطة. أن نقول إن شخصًا ما مميزًا يعني أنه ليس مجرد شخص - على الرغم من أنه بخلاف ذلك لا يختلف عن أقرانه. والقول بأنه ليس مجرد أحد يعني القول بأنه صاحب سلطة، لأنه يلهم الاحترام الخاص بالحقائق التي تتعلق بها المعرفة (أي أن المفهوم المفاهيمي يحمل ذلك يمكن للمرء أن يمارس عليها) لا تعول. لذلك، فإن ما يعلّمه روسو هو أن مؤسسة الشعب كشعب يجب أن تُفهم وفقًا لكلمة تعتمد جرأتها على تمييز من ينطق بها. ان هذا التمييز، ما هو تأثيره؟ تأثير يعكس السلطة. نعطي هذا اللغز الكلمة التي يفتقر إليها بالقول إنه تأثير للحقيقة. على أي حال، هذا ما يقترحه النص: كيف يمكنك أن تتوقع من شخص يتكلم ويمكن أن يخدع الجهل بسهولة أن تصدقه الآلهة إذا كانت كلمته ليست كلمة حق، أو كلمة صحيحة؟ ككلمة، كلمة باختصار هي في الحقيقة كلمة؟

3- النفوذ والحقيقة

إن الفرضية المدهشة الواردة في المقطع المقتبس هي أن الآلهة ليست غاضبة من أن المشرع وصفهم بأنهم هم. لذا فإن السؤال المتعلق بفعله هو ما إذا كان الأمر كذلك بحيث يمكن للآلهة أن تتعرف فيه على عملهم.

يُطلق على فعل الآلهة اسم الآلهة numen: وهي إيماءة للذراع تحدد قرارهم بشأن حياة البشر. بحركة غير محسوسة تقريبًا، يعطي الله لمن ميز المصير الذي كرس له من الآن فصاعدًا على أنه حقيقته. هذه الحركة الموجهة إلى ذات مميزة، بالنسبة له، لا تزال بادرة تمييز، لأنه من خلال إعطاء حياة فانية يجب أن تكون حقًا له، فإنه يرفض بالتالي كل ما كان يمكن أن يكون ذا قيمة لأي شخص، كل ذلك كان شائعًا فقط. لقد حددنا المشترك، الذي يتعارض مفهومه مع مفهوم المتميز: إنه خدمة الخيرات. لا تستحم الآلهة من التمييز بالأشياء الطيبة - إلا أن تفقدها بالطبع. باختصار، فإن الالهة numen هي إيماءة البديل الأصلي للخير والحقيقة، والتي بدونها، كان الجميع يعتقد أنها متوافقة. لذلك إذا جعلنا هذه الحركة نموذجًا لإيماءة السلطة، فسنقول هذا: تنبع السلطة من حقيقة أن المعرفة، وبالتالي موضوع الخيرات، يتم تجاهلها لصالح شخص آخر يختلف عنها فقط. بهذه اللفتة - وإلا فلن تختلف عنها بل سيتم تمييزها عنها. الأمر متروك لنا لمعرفة من هو هذا الآخر.

إن لفتة الإله تلد ذاتًا محددة باستحالة حساب المعرفة. هذا لأن السلطة تستبعد أولاً وقبل كل شيء أهمية المعرفة؛ وبالعكس فهو ينشأ من حقيقة أن المعرفة لا تحسب (تنشأ على سبيل المثال من الجمال). أسباب السلطة ليست كافية أبدًا لإنتاج السلطة (يمكن للمرء على سبيل المثال الوصول إلى المركز الأول مع استمرار الاستهزاء به من قبل الكل)، وعلى العكس من ذلك، هناك سلطات يسعى المرء وراء سببها عبثًا. (هناك أشخاص ليس لهم أهمية اجتماعية ومع ذلك يظل الجميع مميزين21). نظرًا لوجود تعريف لمعرفة الحقيقة فقط (وإلا فإننا نعتقد أننا نعرف ولكننا لا نعرف، ومن ناحية أخرى، فإن الواقع هو مجموعة ما يمكن معرفته)، فإن السلطة ستكون أولاً انحراف عن الواقع. ولذلك فإن مقولته "دعونا نضع كل الحقائق جانبًا" هي مقولته: غريبة عن المعرفة التي يمكن أن تتعارض معه، ولكن أيضًا إلى ما يمكن أن يجادل به "الفاعل" بشأن نفسه. لا يجب على صاحب السلطة أن يبرر نفسه - لدرجة أنه هو نفسه أن يكون ذا سلطة وليس عليه أن يبرر نفسه بما في عينيه. لذلك ليس عليه أن يفهم نفسه أيضًا، على الرغم من أننا يمكن أن ندرك في مكان آخر أن الوضوح موثوق به، لأنه يثبت في حكم الفرد أن تأثيرات الواقع (التي يشارك فيها نفسها) لا يعول عليها 22.

تشكل حصرية السلطة والمعرفة عملية صنع القرار التي تتجاوز المعرفة التي عادة ما يكون الشخص أعمى عنها، وأن فصلها عن طريق لفتة السلطة يحررها: إنه مكان الذات، الذي يجب أن تتولى زمام الأمور. تركها كما تفترض المعرفة أنها كذلك. عند اتخاذ القرار بشأن المعرفة، يمكننا أن نقول إنها الحقيقة: ما ينشأ من قرار الذات أن تأخذ على عاتقها أنه كما نعلم أنها كذلك. وهكذا تنشأ الحقيقة من انهيار المعرفة بفعل فعل النفوذ.

علاوة على ذلك، يدرك الجميع ذلك: لا يمكن أن نقدم المعرفة (على سبيل المثال إثبات النظرية) دون انتظار منا لإعطاء موافقتنا، أي أننا نأخذها على عاتقنا مهما كان. حسنًا، دعونا نقرر ("آه، حسنًا!" يقول المستمع في نهاية الشرح). كيف تثبت كل ذات، في لحظة الحقيقة، أن ما يهم ليس المعرفة بل قرارها - فعل الذات. لذلك لا يمكننا أبدًا أن نقول إن المعرفة هي سبب كافٍ للاعتراف بالحقيقة، على الرغم من أنه غالبًا ما يحدث ذلك (كما هو الحال عندما يكون العرض لا تشوبه شائبة): هذا السبب الذي سيكون كافياً 23هو المسؤولية التي نتحملها لنكون هذه السلطة التي ستجعل أن هناك حقيقة حيث كانت المعرفة فقط. ان المستمع هو سلطة وتأثير هذه السلطة هو ما يسمى الحقيقة، على سبيل المثال عندما ينجح المعلم في نقل الحقائق (إنها حقيقة أن مجموع زوايا المثلث متساوي حقان) بينما يتخيل الكل أن مهمتهم كانت نقل المعرفة (هنا درس الهندسة). يمكننا أن نرى هذا الاختلاف بوضوح من خلال أمثلة فشل هذه المهمة، كما في حالة الطالب اللامبالي والمستقيل الذي يلاحظ كل ما يقوله الأستاذ (يعلم الجميع أنه من الضروري "أخذ الدروس")، ولكن لمن لن تنشأ فكرة أبدًا عن التساؤل عما إذا كان ما كتبه للتو صحيحًا أم خطأ: سيعرف في النهاية الدورة التدريبية لتلاوته في وقت الاختبار، لكنه سيكون دائمًا أعمى عن العالم. انه من خلال استبعاد حقيقة أن المعرفة مهمة، وبالتالي أيضًا الحقائق والقوى التي هي انعكاس لها، فإننا نجعل الحقيقة مسؤولية الذات فيما يتعلق بالذات.

هذا يعني أن السؤال لم يعد متعلقًا بترتيب ما هو معروف، أي ما هو مذكور، بل بالأخلاق التي تُفهم على أنها ترتيب المسؤولية التي يتحملها الفرد بنفسه من حيث الذات. على العكس من ذلك، من خلال جعل الحقيقة صفة أو حالة من العبارات، فإننا بذلك نقرر ألا نعتبر أبدًا موضوعًا غير مسؤول، أي مظهر من مظاهر الفاعل: لقد تحمل المسؤولية بالتأكيد. الاعتراف كحقيقة (على سبيل المثال حقيقة أن مجموع زوايا المثلث يساوي حقين) ما كان سيشكل لولا ذلك معرفة (فقرة من دليل الهندسة)، ولكن لما تحتويه علمًا أن موضوع المعرفة بريء تمامًا: فهل هذا خطأي، إذا كان مجموع زوايا المثلث يساوي حقين؟ من ناحية أخرى، عندما نضعه على مستوى النطق من خلال معارضة خطاب حقيقي لخطاب حقيقي، فإننا نذكر موضوعًا لن يتم دعم مسؤوليته المنطوقة بأي عذر: بمجرد ألا يتم احتساب المعرفة، لا يأتي أي دعم. المسؤولية التي يتحملها الموضوع ليكون موضوع ما يقوله! هذا هو الفاعل 24، ذات أن يكون ذاتا، على عكس الذات التي تتحدث بشكل صحيح، والتي تجعله مسؤوليتها، المطعمة بالمعرفة، بريئة من كونها ذاتا: شخصية أي ذات معرفية (الشخص الذي الكلمة مدعومة بالأسباب، وبالتالي فإن إثبات أنها بلا سلطة) هي عدم مسؤولية أن تكون مسؤولاً، وهو ما يعارضه صراحة كلمة "المشرع". ان سؤال هذا "المُشرّع" هو عن السلطة التي تكون السياسة تأثيرها - أي تأثير هو التمييز بواقع يمكننا دائمًا إدراكه (أن السياسة ليست إدارة ولا أيديولوجية). في مصطلح السلطة هذه، يتم تضمين العنصرين المذكورين للتو - وهما فقط: من ناحية حقيقة كونك مؤلفًا، ومن ناحية أخرى الجرأة التي تشكلها. خارج ذلك، قد يشير مفهومنا إلى قانون وقائعي بسيط يتعارض معه صراحةً، كما هو الحال عندما نتحدث عن مدير هذا أو المتخصص في ذلك: أماكن للأفراد المؤقتين والقابلين للتبادل، وبعبارة أخرى وظائف لا أهمية لها. السلطة هي بالضبط عكس هذه التفاهة، وجهاهما المعرفة والمكان. كما قلنا: هذا لإثبات أنه فيما يتعلق بالموضوع كذات، وبالتالي أيضًا فيما يتعلق بما يمكن أن يُنسب إليه (نظرًا لأن مفهوم الذات هو أيضًا مفهوم المسؤولية)، العلم لا يهم. ان النفوذ، لكونه ما يجعل المعرفة لا تُحسب، فإن ذلك يميز ذاتًا متحررًة من عذر المعرفة (أو عذر التجاهل): نسمي الفاعل الذات الذي أخذها على عاتقه فاعل. ما يطرحه الفاعل كفاعل، أي ما "يأذن به" دون أن يكون لديه عذر لمعرفته مسبقًا، فسيتم تسميته بالتالي بالمؤلف الحقيقي. ما هو "مصرح به" (الذي تسبب فيه المؤلف كمؤلف) يكون صحيحًا دون عذر (بسبب المعرفة، حاضرًا أو غائبًا). لذلك سوف نصف الحقيقة على أنها موثوقة دون الحاجة إلى تبريرها. وبالتالي يكون التوزيع ذاتيًا واضحًا: للموضوع المعرفة وللحقيقة للمؤلف. تتعارض الذات الحقيقية مع مظهر الذات، تمامًا كما يتعارض الكلام الحقيقي مع الخطاب الحقيقي: ليس كذات حقيقية يمكن أن تختبئ وراء ظهور الذات، ولكن كتحمل المسؤولية عن كونها ذاتًا يعارض كونه فاعلا. هذا هو المؤلف بشكل عام: عندما يكون الشخص البريء من نفسه قد عبر عن نفسه من خلال إظهار معرفته، فإن المسؤولية الذاتية التي اتخذها المؤلف تستبعد تلك المعرفة (وبالتالي أيضًا الدحض) - إثبات ومن ثم فإن عدم إمكانية اختزال الحق في الحقيقة بشكل نهائي لأن ما يدور حوله هو أن مسألة أن تكون على حق لا تتعلق بالمعرفة بل تتعلق بكونك مؤلفًا.

ومن هنا فإن معيار الحقيقة المعصوم من الخطأ: أي كلمة تثبت الذات من خلال جعلها صحيحة هي كلمة صحيحة. دعنا نقول نفس الشيء بشكل مختلف: هل الكلمة الحقيقية التي لا يمكن أن يحتفظ بها إلا شخص واحد، والسبب الوحيد هو أنها هي: ما يثبت أنها أخذت على عاتقها أنها ليست موضوعًا تعود فكرته لطبيعة ميتافيزيقية يكون المرء بريئًا منها بالضرورة، ولكن من كونها ذاتًا يتحمل المرء مسؤولية الوجود.

الذات التي تجعل عملها من مسؤوليتها الخاصة كذات، بمعنى آخر الفاعل، هي الشخص الذي لن يعذره شيء على الإطلاق لأن عمله ليس تحقيقًا لأي معرفة (أو أي نقص في المعرفة)؛ إنها أيضًا الشخص الذي لن يغفر له أي شيء لأن عمله، للسبب نفسه، ليس مشروطًا به 25. هناك، وفقط حيث يتم استبعاد العذر والمغفرة على حد سواء، توجد الحقيقة. من الناحية الأخلاقية، تكمن علامة الحقيقة المعصومة في هذا القول المأثور: "بدون عذر أو مغفرة". بالنسبة لسؤالنا، فإن هذا يرقى إلى القول بأن حقيقة السياسة تتشكل من خلال نقطة الاستحالة المزدوجة هذه: "الفعل الذي به يكون الشعب شعباً" 26 لا يغتفر، ولن يكون هناك مغفرة لمن سيكون لديه الجرأة لتشغيل هذه المؤسسة.

4- "الفعل الذي به يكون الشعب شعباً"

من ناحية، فإن الذات المميزة، دون عذر أو مغفرة، من ناحية أخرى، الذات المشتركة معفاة من كل شيء ومسامحته مقدمًا. من جهة، الجهة الرسمية، ومن جهة أخرى، الجهة التي تُمارس السلطة عليها بصفتها سلطة (وليست بالطبع هيمنة، فالمشرع ليس قاضيًا ولا صاحب سيادة).

هذه هي اللحظة الأولى للسلطة: أن تمييز الذات (من الآن فصاعدًا "الفاعل" في نفسه: أن يكون مفاعلا وليس ليقوم بوظيفته) ينعكس في تمييز الذوات - المشرعة" من جهة، والشعب من جهة أخرى27. هذه السلطة، حتى لا يتم اختزالها في فكرته، يجب أن تتحقق فيما يسمى بالتحديد فعل السلطة. وهذا الفعل نعلم منذ البداية أنه لا يختلف عن "الفعل الذي به يكون الشعب شعباً"!. فكيف تفكر في هذا اللغز؟ وهكذا: يأتي الناس إلى أنفسهم ضد واقعهم الخاص، لأن الاعتراف بالسلطة (هنا "المشرع") هو في حد ذاته فعل سلطة! ما هو، في الواقع، الاعتراف بسلطة، إن لم تكن تقرر أنها واحدة، أن تأخذ على عاتق المرء أنها كذلك، ولا يوجد سبب لتكون قادرًا على أن يكون كافياً على الإطلاق ليكون الأمر كذلك؟ ومن ثم، فإن القول نفسه هو أن كلمة "المشرع" موثوقة، وأن نقول إن الناس أنفسهم يتمتعون بالسلطة، وبالتالي أصبحوا من الآن فصاعدًا شعبًا. دعنا نلخص، قبل أن نستكشف هذا الفعل المزدوج ظاهريًا والفعل الفعلي. بما أن "المشرع" هو كاتب للسياسة وليس ذاتًا، فإن عمله هو الحقيقة وليس التعبير. وبما أن مسألة السياسة لا تختلف عن مسألة المشرع، يجب أن ندرك أن السؤال الحقيقي للسياسة، الذي كان يتصور أنه سؤال الحياة بكلمات أخرى عن الخير، كان دائمًا سؤال الحقيقة. هذا يعني أنه لا توجد سياسة، على عكس الإدارة (الحياة) أو الأيديولوجيا (المعرفة)، باستثناء أن الحقيقة موضع تساؤل. وهذا يعني أيضًا أن قول هذا الشخص يسمي دون تمييز المسؤولية التي يتحملها المؤلف عن نفسه و"الفعل الذي يكون الشعب به شعباً" كوظائف للحقيقة. نفس الشيء في الحقيقة. هذه هي المفارقة النهائية لهذا الشكل من "المشرع"، وبعبارة أخرى سر السياسة: أن الفاعل لا يخضع "لسلطته"، وأن هذا يتكون من الحقيقة، وأن هذا "يسبب" الناس. كشعب!

حسن القول: عدم الانصياع لمسؤولية المرء كذات، يتألف هذا من عدم الاختباء وراء التبريرات التي تنطبق بالتساوي على الكل، وبعبارة أخرى، يتألف من عدم اعتبار مسألة السياسة كمسألة أساس في النهاية بالضرورة فلسفية. إن الآلهة التي ذكرها روسو في المقطع المقتبس عليها فقط أن تقدم البراهين والتظاهرات والتوافقات والمراسلات: بالنسبة لها، لا تتعلق الحقيقة مطلقًا بالكلام ولكن دائمًا وفقط بالكلام. فيما يتعلق بالشخص الذي يستطيع التحدث باسمه ("المُشرّع")، بالتالي سنقول بعد ذلك أن الآلهة ستلاحظ بطريقة ما "رفاهيتها" (دعنا نستعير هذا المصطلح من لاكان). هناك أولئك الذين قولهم كلمة حقيقية، وهناك من ثم كل الآخرين الذين يمكن تعلمهم كما يحب المرء، حتى بالحكمة التي يمكن للمرء أن يرغب فيها، ولكن الحقيقة ليست كذلك ولا يمكن أن تكون كذلك. لن يكون الأمر كذلك. وهكذا فإن الشخصية البلاغية للآلهة هي تلك التي تميز بين البشر، الذين يُعذرون مسبقًا للأسباب التي طرحوها، غير قادرين: عدم اختزال الحقيقة في المعرفة. ونعني بذلك أن شخصًا ما يجعل عمله من مسؤوليته خاضعًا، ضد أي احتمال للاعتذار وأي احتمال للمغفرة: لا يخضع لمصلحته على طريقة البشر، ولكن يخضع للحقيقة طريق الخالدين. ما هو الفعل المناسب للسلطة؟ إنه قول مأثور. ولكن ما هو الكلام؟ لقد قيل: كلمة حقيقية، كلمة ذات لم يتنازل عن مسؤوليته ليكون موضوعًا - كلمة شخص فريد. كيف تسمي هذه الكلمة؟ هناك طريقة واحدة فقط للقيام بذلك، والتي تستبعد إعادة تقديم المحتوى خلسة، أي المعرفة: لتسميتها كمثل. إن شهادة ميلاد السياسة التي هي في نفس الوقت قضية الشعب هي إذن "قول جيد"، يجب الآن تحديد معالمها الرئيسية. هذه هي النتيجة وتأثير الحقيقة، في بُعدها الموضوعي والذاتي المزدوج.

حدث الحقيقة

فيما يتعلق بالحق، من الضروري معارضة الكلام (المعرفة، خدمة الخيرات، الحكمة) للكلام (حسن الكلام). الكلام حقيقة، والكلام حدث. يجب ألا نخلط بين الحدث والحقيقة، والحدث والحالة، والحدث والاستثناء - وكلها طرق للمعرفة (على سبيل المثال، نتعلم أكثر في القواعد عندما لا نعرف القواعد فقط ولكن أيضًا الاستثناءات). هذا هو سبب استبعاد أن السياسة يمكن أن تندرج تحت فئة الاستثناء. إن الفصل بين المعرفة والحقيقة لا يُعطى للتمثيل، بل هو على العكس من ذلك أعمى، لأنه يدعو تمثيل الحقيقة على هذا النحو، أي في طريقته الخاصة (الوضوح والتمييز بالنسبة إلى ديكارت: حيث يتم التمثيل على هذا النحو) و / أو في أصله (أفكار مناسبة لسبينوزا: تلك التي نحن موضوعها بشكل شامل). لكي يكون هذا الانفصال فعالاً، وبالتالي من أجل تحدي التمثيل، فإن الحدث ضروري. نستنتج أن الحدث ينتمي إلى طبيعة السلطة (أن يكون دائمًا ما يكون موثوقًا به هو أن يصنع حدثًا) وبالتالي إلى السياسة. يجب أن نربط هذا بخصوصية المعرفة التي تميز السلطة. الحدث لا يتحدى معرفة العالم الذي يحدث فيه: إنه يتركه لنفسه. بعبارة أخرى، نطلق على الحدث ما يجعل المعرفة لا تُحتسب، والتي لا تدرك أنها كانت في البداية معرفة الاحتمال. وبالتالي فإن هذا الحدث مستحيل بمعنى أنه لا يدرك إمكانية تورطت سابقًا في العالم الذي يحدث فيه (كما في مجال آخر، لن يكون العمل أبدًا ممكنًا لفاعله). لذلك كل حدث يثبت أن المعرفة لم تكن الحقيقة. يمكننا تقديم نفس الشيء بالقول إن خاصية حدث ما هي، من خلال رفض المعرفة التي كان المرء يأذن بها دائمًا لنفسه، لوضع الموضوع في أسفل جداره الخاص: هذا التخلص أخيرًا من الأعذار، يأخذ لديه مسؤولية أن يكون فاعلا. لذلك، فإن الحدث هو لحظة حقيقة للجميع. سيقال في نفس الوقت أن كل قرار هو حدث، ولا يوجد أبدًا حدث حاسم. هذه هي "السلطة": يمكن تعريفها بشكل شخصي على أنها تحمل المسؤولية من قبل الذات فيما يتعلق بما إذا كان ذاتًا (حدثًا، بالتالي)، وموضوعيًا باعتبارها حاسمة لكل شيء. لذا، إذا كان هناك شيء حاسم بشأن شيء ما - نحن هنا نتحدث عن الناس: سواء كانوا بالفعل بشرًا - فعندئذ يكون العكس هو بالضرورة القرار الذي يتخذه شخص ما بنفسه. حدث واحد: "الفعل الذي بواسطته يكون الشعب شعباً" هو الفعل، وبالتالي الحدث، ليكون المشرع واحدًا.

تأثير الحقيقة

ومن هنا تأتي هذه المفارقة: حقيقة الذات، التي نعرف الآن أننا نفهمها على أنها جيدة القول وليس كمعرفة يجد فيها العذر لطرح ما تطرحها، هي نفسها. وقت حقيقة الذات! وببساطة: إذا كان السؤال يتعلق بمشرع حقيقي (وليس مشابهًا لما قد يكون عليه أي أستاذ في العلوم السياسية)، فهو في نفس الوقت سؤال شعب "حقيقي". وبالتالي، فإن مؤسسة الشعب على هذا النحو لا تعني أنها حقيقية، كما استبعدنا منذ البداية من خلال التمييز بين السياسة والاستمرار البسيط لكونه الشعب الذي هو عليه، ولكن ذلك 'هذا صحيح. دعنا نضع الحجة في شكل سؤال: من الذي سيرفض تسمية ذلك الذي يعتبر موقفه صحيحًا؟ وبالتالي فإن الكلام السياسي الصحيح هو موقف الشعب الحقيقي. الشيء الرئيسي هناك: سيكون الأشخاص الذين تم تأسيسهم من خلال رفاهية "المشرع" حقيقيين. يُفهم الصواب على أنه تمييز من الحقيقي - وبالتالي عن السكان أو الأشخاص الذين تم تشكيلهم بالفعل والذين يمكن للمرء أن يتخيل أن المشرع يتعهد بتعبئته. حسنًا، لا: جرأته لا تتمثل في إعطائه أسبابًا للتصرف بخلاف ما كان سيفعله بمفرده (الحقيقة كخطاب) ولكن لتوليدها في القول الطيب (الحقيقة كخطاب) - وبالتالي صحيح. لأن التناقض الأسمى للحقيقة هو أن يقول المرء الحقيقة، فالأمر متروك للمؤلف، وأن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال قول ما هو!

وهذا واضح، حتى بالمعنى التمثيلي لمصطلح "الحقيقة". ما يمكن أن "يتوافق" بالفعل مع الافتراضات التي تقول بلا منازع الحقيقة عندما تكون سلبية (الثلج ليس أسودًا)، مشروطًا (إذا لم أنفق كل أموالي على شيء كهذا وكذا، فلن أستطيع شراء أي شيء آخر) أو غريب الأطوار (لم يكن بروتوس على كوكب المريخ في وقت وفاة قيصر)، خاصة وأن تعدادهم غير محدود (الثلج ليس أخضرًا، والثلج ليس أحمر أو أزرق، إلخ. .)؟ لا شيء بالطبع: لا الأشياء ولا حالات الأشياء 28! من باب أولى للحقيقة بمعنى "حسن الكلام". لذلك لن يدعي أحد أن الكلمة الحقيقية لها أقل قدر من التطابق مع الأشياء أو الأوضاع. بالنسبة لسؤالنا، فإن هذا يرقى إلى طرح هذا السؤال: الفاعل، بما أن سؤاله عن الحقيقة، هو بالضرورة الشخص الذي يصور الناس على أنهم حقيقيون، ولا داعي للتساؤل عما إذا كان الأشخاص "الحقيقيون" موجود أو غير موجود.

هذه هو النفوذ وسبب الحقيقة: "لنضع كل الحقائق جانبًا". هذا لا يعني أنها متوهمة، لكن سؤالها ليس مسألة اختلافات: فقط سؤال التمييز. وبالتالي فإن الأشخاص الحقيقيين، الذين تتضمن فكرتهم ضمنيًا في مفهوم الفاعل بمعنى "مشرع" روسو، ليسوا شعبًا مختلفًا عن السكان أو عن الأشخاص الذين نشأوا بالفعل: إنه شعب هو الذي- قل مميز. إن رفاهية الذات التي لا تخضع لمسؤوليتها لتكون ذاتًا لا تفرق، على عكس البيان الذي قد يعتمد على المعرفة، ولكنه يميز - وبهذا المعنى فإنه ينتج الحقيقة. إن تأثير الحقيقة مناسب للكلام الحقيقي، وبهذا المعنى يستحيل ألا يكون الكلام الحقيقي صحيحًا في الواقع الحقيقي 29. ليس من الضروري أن يوجد الأشخاص "الحقيقيون" (ولا، في هذا الصدد، ألا يوجد): ليس الأشخاص الحقيقيين، ولكن ليس شعبًا آخر أيضًا، هو الذي يمتلك الصفة التفاضلية أن يكون حقيقيًا كما يمتلك الثلج أن يكون أبيض. باختصار، ما ندين به للمشرع هو أن الناس على حق، وأهل القرار بأن يكونوا شعبًا وليس حقيقة كونهم شعبًا. ما قلناه للتو له جانب شخصي: لا يمكن أن تكون هناك كلمة حقيقية لا تمثل في نفس الوقت تمييزًا للشخص الذي يتم توجيهها إليه. فالكلمة التي تنتج الانحراف (بمعنى الإزالة) عن الواقع من خلال الحقيقة لا يمكن قبولها إلا من قبل شخص تكون الحقيقة بالنسبة له هي الحقيقة وليس الحقيقة. من خلال هذه الفجوة الذاتية التي هي استقبال الكلمة المذكورة، ثبت أن الكلمة الحقيقية لم تكن موجهة إلى أي شخص فقط. في الواقع، بالنسبة لموضوع التمثيل الذي يحصر سؤال الحقيقة بمسألة الخطاب (من "الافتراض") هناك كلمات صحيحة وكلمات خاطئة، لكن لا توجد كلمة صحيحة. ان الحجة الحاسمة هي: الكلام الحقيقي هو عنوان. لذلك يمكننا عكس الارتباط ونعلن أن الكلمة التي يتم توجيهها إلى الذات الحقيقية، أي أن نقول للشخص الذي هو موضوع قرار الذات (على عكس القديم، الذي هو حقيقي) هو الصحيح. يصرح بمعرفته و / أو مكانه): ما كان المتلقي بالضرورة دون أن يعرفه. هناك كلمات لم يكن أحد يعرفها في ذلك الوقت بأنها صحيحة. الكلمة الحقيقية ليست كلمة جميلة نحتفظ بها لأنفسنا، مثل القصيدة التي كنا سنؤلفها ثم نتلوها على أنفسنا من أجل سعادتنا. على العكس من ذلك: إنه استدعاء موجه إلى الآخر ليكون الموضوع الذي يخاطب المرء نفسه من أجله، الموضوع الذي لم يكن يعلم أنه كان، ولكن يجب أن يدرك أنه من عندما لم يكن يعلم أنه وصلته الكلمة. مثال على مثل هذا القول: "انهض وامش! "إذا تم تناولها - بالتأكيد ليس من قبل أي شخص فقط، وهذا هو بيت القصيد! - مشلول. إن القول بأنه متلقي لكلمة حقيقية يعني أنه لا يعرف أنه يستطيع المشي، وأنه لم يكن ليعرفها أبدًا لو لم يكن بالفعل (ضمن النطاق) الكلام وليس في تخيل الكلام) المتلقي لأمره بذلك. إذا كانت الكلمة صحيحة (تكون صحيحة إذا كانت "مصرحًا بها" بمعنى آخر إذا كانت من فعل المؤلف وليس من أي موضوع)، فإن الواقع يُنحى جانبًا بظهر اليد، وسوف يسير المصابون بالشلل لأن حقيقتهم كانت دائمًا هي المشي دون علمهم بذلك، وليس على الإطلاق لأن بعض العاملين في المعجزات كان من الممكن أن يعالجهم بطريقة سحرية من المرض الذي كانوا يعانون منه. بشكل عام، تُترجم معارضة الحقيقة والمعرفة إلى الحاجة إلى كلمة حقيقية للوصول إلى الشخص المتلقي (الحقيقي) لها حيث لم يكن يعلم أنه موجود. لكن يجب عدم تجاهل عكس الارتباط: إذا لم ينهض المفلوج، فذلك لأن الكلمة لم تكن صحيحة، وبعبارة أخرى أن من نطق بها كان محتالًا (تظاهر بأنه فاعل أو كان مجرد ذات، مثل أي شخص آخر). حسن القول (الفاعل) يعارض قول الخير (الذات). أن نقول إن الكلمة الحقيقية موجهة إلى شخص لم يكن يعرف أنه هو، بالتالي فإن ذلك يعني أنها ترفض ("بظهر يد" - هذا هو الرقم) سؤاله. حسنًا، لأنه حددها بنفسه. لذا فإن الكلام الحقيقي يعيد سؤاله إلى المرسل إليه الذي فقده دائمًا: لم يعد خيره بل خيره! كيف أن السلطة لا علاقة لها بالسيطرة: إنها رد. ان الشعب هو الشعب الذي يخاطبه "المشرع". بهذا المعنى، يضربه بامتياز: يكفّ الخلط بين حقيقته وخيرته؛ يعيد له تميزه. ستظل أكثر الأوامر الزجرية سامية غير فعالة إذا لم يتم توجيهها إلى الشعب ولكن فقط إلى الجمهور. وبالمثل، فإن أسمى الأوامر الموجهة إلى الشعب لن يكون لها أي تأثير، إذا وجهها أي شخص، قل أول حاكم قادم - القديم مفوض من مكانه أو من علمه. يرقى هذا إلى القول بأن المشرع، بصدق كلامه، قام بلفتة عدم وضع الشعب تحت هذا البديل من الواقع والحقيقة التي يجب أن يدركوه، وبالتالي سيكون ذلك المثل الأعلى (والمثل الأعلى لا يصلح إلا لأي شخص)، ولكن على العكس من ذلك، يجب استدعائه ليكون حيث لا يعرف أنه ملك له. هذه هي المؤسسة بالمعنى الشفهي والدقيق. إن التمييز دائمًا هو تمييز الحقيقة بالنسبة للواقع، يتطلب التعرف على الشعب، والمخاطب من "المشرع" ليس في مظهر أعضائه ولكن في شرعية هذا المظهر: أن كل واحد هو في الحقيقة مثل زملائه. على الرغم من أنها قد تختلف في الواقع إلى أقصى حد. لأن السؤال ليس حقيقة: لا تقم بتشكيل شعب بشري كامل يكون جميع أعضائه متشابهين إما بشكل فردي (على سبيل المثال سيكون لديهم نفس لون البشرة) أو جماعيًا (على سبيل المثال، كانوا جميعًا قد مروا بنفس التاريخ). لا: إذا كانت مسألة الشعوب تتعلق بمؤسستهم وإذا كان هذا السؤال يتعلق بالفعل بالسلطة التي تسببها، فإن مسألة المظهر (شعب هو مجتمع مماثل) هي مسألة الحاجة إلى أن يكون لسبب وجيه أن مثل هذا الشخص، على عكس ما يمكن أن يتخيله شخص آخر، يتم إبلاغه بأنه مشابه له (على سبيل المثال: إنهم فرنسيون) وإذا تم تذكيرنا بأن هدف روسو المثالي هو تحديد الدولة مع الأمة بسبب الحاجة إلى قوانين وأعراف مناسبة بشكل متبادل، فسنجيب أن هذا ليس سؤال المؤسسة حيث تكون مسألة التفكير في امكانية الموضوع السياسي للشعب لأن مفهومها مميز: الشعب ليس الأمة، حتى لو وجد المرء أسبابًا في مكان آخر لتعريفها: فهم مخولون بكلمة المشرع وليس من "الطبيعة" أو "ولادة" مشتركة، باختصار، لسلطة وليست لسلطة، كما يمكن أن تكون الجغرافيا أو علم الوراثة أو حتى الثقافة.

أمثلة وتحذير

لنظهر بشكل ملموس ما يمكن أن يكون دستورًا للشعب من قبل الشخص الذي يأخذ على عاتقه أن هناك سياسة، فلنأخذ أفضل الأمثلة. كيف نحدد رجل 18 يونيو؟ وهكذا: هو الذي يأخذ على عاتقه أن فرنسا الحقيقية، فرنسا المهزومة، ليست فرنسا الحقيقية. فهو لا يأخذ على عاتقه فقط أن الفرنسيين ليسوا السكان المعذبين والجبناء الذين يشكلون البلد الحقيقي، بل إنه يأخذ على عاتقه أيضًا أن الشعب الحقيقي ليس الشعب البيتاني؛ (وبالتالي، بالمعنى السياسي الكلمة). إن الأشخاص الحقيقيين ليسوا هم الأشخاص الحقيقيون - وهذا القول الحقيقي المعروف باسم "نداء 18 يونيو" هو الوحيد المهم. سوف نتفاجأ بالمعارضة: البلد الحقيقي، يمكننا رؤيته بوضوح، لكن البلد الذي يشبهه "حقيقي"، أين هو، ما هو مكانه؟ هذا هو السؤال بالفعل. هذا هو الجواب: ما هو حق لا يوجد في أي مكان آخر غير كلام المميز، أي يقرر. ديغول هو الانسان الذي قرر أن فرنسا الحقيقية ليست فرنسا الحقيقية، بافتراض قراره على هذا النحو، أي بصيغة المتكلم ("أنا، الجنرال ديغول، أدعو ...") وبذلك يحدث لنفسه كذات (من هو ديغول؟ رجل 18 يونيو!). لم تكن فرنسا "الحقيقية" في تلك اللحظة في أي مكان آخر غير كلماتها. لقد كان تأثير هذه الكلمة هو جعل الواقع لم يعد له أهمية (هل تخبرني أن البلد منهك، وأن الجيش هُزم؟ السؤال ليس موجودًا!). إذن، كلمة الحق بمعنى أنها تجعل مستمعيها فرنسيين "حقيقيين"! وماذا إذن هو الفرنسي "الحقيقي" في هذه الحالة؟ الجواب بسيط: هو الشخص المرسل إليه للاستئناف الذي تم إطلاقه من لندن - والذي، كدعوة لعدم الخلط بين الواقع والحقيقة، لا يمكن سماعه على وجه التحديد إلا من قبل من يدركه ثم لا أبدا الخلط. يمكننا أن نعطي مثالًا آخر، وهو إلغاء ميتران لعقوبة الإعدام. في ذلك الوقت، كانت جميع استطلاعات الرأي واضحة: أغلبية كبيرة من الشعب الفرنسي كانت تؤيد هذه الفظائع. هنا فرنسا الحقيقية بلا شك. لا يتنازل ميتران عن مسؤوليته، التي لم تكن مجرد سياسة معينة (بعد عامين، سيجد من سياسة إنكار السمات الأساسية) ولكن سياسة الشعب الفرنسي. ثم ولدت فرنسا الحقيقية، فرنسا التي كانت دولة الإلغاء! ومن هنا فإن هذا الطرح صحيح تمامًا، على الرغم من أن لا أحد ينكر عدم دقته: "في عام 1981، ألغى الفرنسيون عقوبة الإعدام" 30. من الآن فصاعدًا، سيكون الشعب الفرنسي هو من يحظر القتل باسم القانون، وسيعني ذلك للعالم. هذا هو مجدنا: ألغينا عقوبة الإعدام عام 1981!

بالطبع، يمكن النظر في أمثلة أخرى، وحصرية السياسة لمسألة السلع (معادتها الدستورية، إذا فضل المرء) تمنعنا من افتراض أنها تتوافق دائمًا مع التمثيل الذي لدينا بالضرورة عنها. الإنسان، وبالتالي لضرورات الأخلاق والقانون. لذلك يجب أن ندرك أن مداعبات هتلر ليست أقل "صدقًا" من النداء الديغولي للشجاعة والشرف: في كل مرة يظهر موضوع الكلام هناك باعتباره الشخص الوحيد، وبالتالي شعبًا مثل الحقيقة. لا يمكن إنكار ذلك: فالشعب الألماني، بصفته نازيًا، هو ذات التاريخ، وبالتالي فهو ذات نفسه خلال هذه السنوات، رغم أنه في الواقع لم يكن جميع الألمان مؤيدين لسياسة الموت هذه. نفس الضرورة التي جعلت من فرنسا الحرة فرنسا الحقيقية جعلت من ألمانيا النازية ألمانيا الحقيقية في تلك الأوقات: جاء الشعب كموضوع لذاته بدلاً من قضيته، كلمة واحدة.

خاتمة

بصرف النظر عن الموقف الميتافيزيقي (ونسخته الكيتش، التفكير الصالح العام) الذي يتألف من الرغبة في أن ما هو حقيقي ليكون جيدًا وأن ما هو جيد أن يكون حقيقيًا 31، الاعتراف بالطابع السياسي وليس الفلسفي تُلزمنا السياسة بالحزن على التوافق الطبيعي للضرورة السياسية مع الأخلاق و / أو القانون. هو أن الحجة ستكون دائرية، مما قد يرقى إلى تعريف السياسة ميتافيزيقيًا بحيث تتوافق بعد ذلك مع الضرورة الميتافيزيقية. الآن، الخضوع للسياسة وليس الفلسفة (على الرغم من أننا نتخيل العكس، وبالتالي نضع أنفسنا باستمرار في موضع الخداع)، فإن السياسة لا تستند إلى ضرورات التفكير: في أصلها إنه لا يتوافق مع الأخلاق ولا يتوافق مع القانون لأنه لا يمكن أن يكون إلا بشرط أن يكون سياسيًا. هذا لأن أصله لا علاقة له بالتفكير الذي يمكننا، بعد التقليد الميتافيزيقي (الذي رأينا تصدعات في روسو)، أن نستخلص ضرورته: لا علاقة له به. عدالة الكلام، لأن حقيقته هي صحة الكلام، حتى لو كان جنائياً. لذلك يجب علينا أن ندرك، مقابل فكرة أننا بالضرورة نفكر فيها كمجال للتعددية الخاضعة للرقابة، أن الشر وازدراء القانون هما الاحتمالات الأساسية للسياسة. ما نريده وما الذي علينا واجب العمل من أجله (أن يكون المحرض على القانون وبالتالي على الكرامة الحقيقية للشعب) هو فقط إمكانياته غير الضرورية وغير المحتملة. بعيدًا عن مسألة كون السياسة، كما نتخيل، هي مسألة الحياة ومن ثم الخير، إنها مسألة الحقيقة، التي لا يُحرم منها سوى التمثيل الذي نصنعه منها - بعبارة أخرى: لا شيء - ليكن مكروها."

 

كاتب فلسفي

..............................

الاحالات:

1- روسو، العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل 8، الحالة المدنية.

2- "أفترض أن البشر قد وصلوا إلى هذه النقطة حيث تفوق العوائق التي تعيق الحفاظ عليهم في حالة الطبيعة، بمقاومتهم، على القوى التي يمكن لكل فرد استخدامها للحفاظ على نفسه في هذه الحالة." المرجع نفسه، الكتاب الأول، الفصل6، من الميثاق الاجتماعي.

3- المرجع نفسه. الكتاب الرابع، الفصل8، الدين المدني. يمكن للمرء أن يتخيل حالات أخرى مثل تلك الخاصة بالهارب، الذي يكون مفهومه هو بالضبط مفهوم الجندي المعني بمصلحته.

4- المرجع نفسه. الكتاب الأول، الفصل5، عد دائمًا إلى الاتفاقية الأولى

5- "هذه البنود، بالطبع، تختزل جميعها إلى بند واحد - أي الاغتراب التام لكل شريك مع جميع حقوقه للمجتمع بأسره: أولاً، كل واحد يعطي نفسه بالكامل، الشرط متساوٍ للجميع؛ وحالة المساواة للجميع، لا أحد لديه مصلحة في جعله مرهقًا للآخرين. علاوة على ذلك، فإن الاغتراب الذي يتم دون تحفظ، فإن الاتحاد مثالي بقدر ما يمكن أن يكون، وليس لدى أي شريك أي شيء آخر يطالب به: لأنه، إذا كانت هناك بعض الحقوق متروكة للأفراد، فلا يوجد لن يكون هناك رئيس مشترك يمكنه النطق بينهم وبين الجمهور، فكل منهم، في مرحلة ما قاضيه الخاص، سيدعي قريبًا أنه كذلك في الكل؛ ستبقى حالة الطبيعة، وسيصبح الارتباط بالضرورة مستبدًا أو عبثًا. أخيرًا، كلٌّ يهب نفسه للجميع لا يعطي نفسه لأحد؛ وبما أنه لا يوجد شريك لا يكتسب المرء عليه نفس الحق الذي يمنحه له على نفسه، يكسب المرء ما يعادل كل ما يخسره، ومزيد من القوة للحفاظ على ما يخسره". المرجع نفسه، الكتاب الأول، الفصل. 6، من الميثاق الاجتماعي.

6- يعرف روسو هذه الحجة التي تحكم دحضه لميثاق العبودية (الكتاب الأول، الفصل 4). في هذه الحالة يمكن تقديمها على النحو التالي: تخيل أنه يمكن للمرء أن يعد بأن يصبح ملكًا للآخر؛ في اللحظة التي تصبح فيها فعالة، لم يتبق أحد للوفاء بالوعد.

7- "الحرب إذن ليست علاقة انسان بإنسان، بل هي علاقة بين دولة ودولة، يكون فيها الأفراد أعداء فقط بالصدفة، ليس كبشر، ولا حتى كمواطنين، ولكن كجنود ؛ ليس كأعضاء في البلاد، ولكن كمدافعين عنها". المرجع نفسه. الكتاب الأول، الفصل. 4 العبودية.

8- الكتاب الثاني، الفصل. 1: أن السيادة غير قابلة للتصرف.

9- نحن نفكر في ألمانيا في نهاية الحرب، التي استخدمت مواردها اللوجستية الأخيرة لنقل اليهود إلى الإبادة حيث أدى تقدم القوات الروسية إلى تفاقم الحاجة إلى القطارات العسكرية. لأخذ مثال مختلف تمامًا عن السياسة، وليس القول هذه المرة، أتذكر أنني قرأت على موقع فلسطيني للقراء الإسرائيليين التحذير التالي: "سنفوز لأننا نحب الموت أكثر منك". حب الحياة ".

10- هذا هو معنى الاقتباس من فيرجيل (لقاء عادل أن نقول إن القوانين عادلة)، الذي أبرزه روسو في عمله.

11- الكتاب الثاني، الفصل. 7: من المشرع.

12- الكتاب الثالث، الفصل. 15 نائبا أو نائبا.

13- "لذلك من المشكوك فيه، وفقًا لغروتيوس، أن يكون الجنس البشري ينتمي إلى مائة انسان، أو أن هذه المائة من الرجال تنتمي إلى الجنس البشري؛ ويبدو أنه يميل في كتابه إلى الرأي الأول: هذا أيضًا هو شعور هوبز". الكتاب الأول، الفصل. 2، الشركات الأولى.

14- الكتاب الثاني، الفصل السابع، من المشرع. جميع الاقتباسات التالية مأخوذة من هذا الفصل.

15- كما نراه في المنكر: فاعل الجرم جريمة. لماذا؟ لأن الشر يستنفد تعريفه في استحالة تخيله. إنه في الواقع ما لا يمكن أن يُنسب إلى ذات التمثيل، والذي دائمًا ما يكون موضوعًا للمعرفة وبالتالي لخدمة الخيرات (على الأقل ملكه - وفي هذه الحالة يُمحى الشر لصالح سوء الحظ كما في مثال اللص الذي لا يسمح له وضعه بأن يصبح ثريًا إلا بالاستيلاء على ممتلكات الآخرين). من بين أسوأ المجرمين، يتطلب الفكر السائد دائمًا إعلان أنهم مجانين.

16- العالم يعرف الأشياء. يعرف الخبير قيم هذه الأشياء؛ الانسان الحكيم لديه قيم كموضوع خاص به، وهو ليس عالِمًا فيها (إذا سأله أحدهم عن القيمة، فلن يتمكن من الإجابة) ولكنه الخبير. هو، على عكس معظم الرجال الذين لا يبالون بهم، فهو يعرف ما يستحقونه. نحن نرى أن الحكمة تتمثل، كما هو الحال مع أي مهارة، في السماح لنفسك بمعرفة مجهولة المصدر. وهكذا يظل ترتيب الحقيقة هو البيان (نجمع جمل الرجل الحكيم، وأقواله). لذلك، من نفس الحركة سوف نرفض اختزال الحقيقة إلى المعرفة وأننا سنترك الحكمة لأولئك الذين قرروا البقاء مغفلين للضرورة التمثيلية، من أجل الاستمرار في التملص من مسألة موضوع قائلين إنهم سيكونون لأنفسهم.

17- على سبيل المثال في الفلسفة: لمواجهة الأسئلة "الكبيرة".

18- الكتاب الثاني، الفصل. 6، من القانون.

19- الكتاب الثاني، الفصل. 3، إذا كانت الإرادة العامة يمكن أن تخطئ

20- "روح المشرع العظيمة هي المعجزة الحقيقية التي يجب أن تثبت رسالتها. يمكن لأي إنسان أن ينحت ألواحاً من الحجر، أو يقدم معجزة، أو يتظاهر بالتجارة السرية مع بعض الآلهة، أو أن يدرب طائراً على الهمس له، أو أن يجد وسائل فجة أخرى لفرضه على الناس. من لا يعرف أن هذا قد يجمع عن طريق الخطأ مجموعة من الحمقى - لكنه لن يؤسس إمبراطورية أبدًا، وسرعان ما يهلك عمله الباهظ." الكتاب الثاني، الفصل. 7، من المشرع.

21- كرّس دوستويفسكي رواية كاملة لهذه الحقيقة: الأبله.

22- من وجهة النظر هذه، فإن المعرفة هي أيضًا موثوقة، لأنها تكشف أن الألم الذي يستلزمه اكتسابها لم يكن له أهمية في موضوع ما. بعبارة أخرى، يقدم الفرد المختص نفسه في الوقت الحالي على أنه شخص لا يهمه سوى المعرفة (لذلك تم استبعاد الواقع)، وبهذا المعنى فإنه يلهم الاحترام. لذلك يجب ألا نخلط بين المستويات: لا توجد سلطة إلا دون أن نعرفها، وهذه الحقيقة لا تقل مصداقية عن معرفتها عن أي شيء آخر.

23- ماعدا بالطبع في نظر انعكاس جديد سيتعلق بهذه الحقيقة ويجعلها معرفة، ثم يكرر الحاجة إلى أن موضوع جديد، أو نفس الشيء مثل آخر، لا يأخذ على عاتقه إلا فيما يتعلق بالحقيقة تسير الأمور على ما يرام كما نعرفها. لذلك يمكننا أن نقول أيضًا أنه "لا توجد حقيقة للحقيقة" (لاكان) كما نقول إنه لا توجد حقيقة إلا في الحقيقة، أي أن نقول ذلك في الحقيقة (دليل: يمكن أن نكون مخطئين في أن نكون على صواب، ومن الصواب أن نكون مخطئين). هنا، يترجم هذا إلى الحاجة إلى أن تكون أسباب السياسة بالفعل ومرة أخرى سياسية وليست فلسفية.

24- من هذا التناقض، يمكننا استنباط فهم جديد للخطاب الفلسفي بشكل عام: أي قارئ لأرسطو يؤمن بالمحرك الرئيسي؟ ما هو قارئ لايبنيز يؤمن بالموناد؟ أي قارئ لكانط يؤمن بذاتية المكان والزمان؟ أي قارئ لشوبنهاور يؤمن بالإرادة كأساس للأشياء؟ أي قارئ برجسون يؤمن بزخم الحياة؟ باختصار، مثل مشرع روسو، ليس المرء فيلسوفًا بحقيقة خطابه بل بخطابه. ولهذا نقول "المؤلفون" عند الحديث عن الفلاسفة، على عكس كل ما يأتي من متخصصين في أي مسألة، حتى الفلسفية. هذه هي السمة الذاتية للفكر: الجرأة التي أشار إليها روسو والتي تتمثل في نقل مسألة الحقيقة (وبالتالي مسألة كونك موضوعًا) من الكلام الشائع بالضرورة إلى الكلام الفردي بالضرورة.

25- أن تسامح هو أن تطرح هذه الصدفة في عمل تمييزي حول الجاني: ما فعلته هو واقعك، لكنني قررت أنه ليس حقيقتك. نرى أن مسألة الحقيقة الشخصية تندمج مع مسألة ما لا يغتفر.

26- الكتاب الأول، الفصل الخامس، يجب أن نعود دائمًا إلى الاتفاقية الأولى

27- وهذا ما يفسر الانحراف الظاهر لـ "المشرع" خارج الشعب عندما يكون التشريع وظيفة اجتماعية: كونه مميزًا (بالنسبة له المعرفة لا تحسب)، فهو مميز (الناس مكونون من أشخاص من يعرف ذلك مهم، بدءًا من مواطنتهم).

28- ومع ذلك فهذه حقائق تم ذكرها للتو بين هذين القوسين. لا شيء، إذن، أكثر عبثية من التعريف المعتاد للحقيقة على أنها "حالة الأمور". لا: يجب أن نسمي "ما ينص عليه الافتراض الحقيقي"، وأي تعريف "واقعي" يكون سخيفًا لأنه يقوم على الخلط بين الحقيقة والوجود (بمعنى آخر: إنه ليس نفس الشيء على الإطلاق أن نكون، وأن نكون حقًا، كما رأينا هنا مع معارضة الموضوع والمؤلف).

29- كل الفن المعاصر يقوم على هذه الحقيقة. خذ أي شيء - أي شيء على الإطلاق - وسيكون لديك عمل إذا قمت بتسجيله في حالة رهيبة، بمعنى آخر في خطاب (عرض، أداء ...) للمؤلف. السؤال الذي كان للميتافيزيقا هو معرفة ما يمكن للمرء أن يتعرف على الأعمال، أصبح إذن معرفة متى تكون الكلمة قولًا جيدًا. أفسح البنزين المجال للحظة.

30- ومع ذلك، قد يتساءل المرء ما هو الأسوأ، ليس في الواقع لأن فكرة التنافس على الفظائع لا معنى لها ولكن في التمثيل الأخلاقي: قتل مجرم باسم القانون هو- أي على الرغم من كل شيء مطلب للعدالة (أن عقاب المحكوم عليه يوازن بطريقة ما الجريمة التي ارتكبها)، أو القتل باسم العادات الغذائية (وليس الطعام، حمية اللحوم أن تكون مجملًا ضارًا بالصحة) كائنات ذات ضمير ومعاناة يتفق الجميع على قول براءتهم وضعفهم؟

31- الفن الهابط: الجدال حول تعريف فرنسا الحرة بفرنسا "الحقيقية" (التي هي جيدة) من أجل الغضب من أن الحقيقة يمكن أن تتطابق مع السيئ، وتريد حينها أن تكون ألمانيا "الحقيقية" مع هذا هناك لحظة مقاومة النازية. للأسف، كانت ألمانيا، بصفتها نازية، من صنع نفسها وصنعت التاريخ في هذه الفترة ..."   جان بيير لالوز: أتقدم بجزيل الشكر لصديقي نيكول دي فرينفيل، التي لولا إصرارها لبقيت هذه الدراسة في شكل مسودة. أستاذ الفلسفة في جامعة ليل الفرنسية، يجعلنا أصدقاء لهذا النص الجميل عن السياسة والحقيقة:

 

الرابط:

https://la-philosophie.com/politique-philosophie

 

 

محمود عبدالمجيد عسافالتعليم عن بعد بين الإمكانيات وأنسنة التربية

في واحدة من محاولاتي للتنقل بين المقالات على الموقع الالكترونية المختلفة، والتي عادة ما تنجح في قطف ما أشتهي من المعرفة والمعلومات التي أريد، قرأت بعض التقارير الدولية التي أجمعت على أن المعرفة اليوم قوة، وأن الحياة في الوقت الراهن لا تعتمد إلا على أربعة أركان مهمة، هي: تعلم لتكون، تعلم لتعرف، تعلم لتعيش، تعلم لتعمل.

وبمقاربة عقلية صامتة، سألت نفسي: هل هذا ما يتم اليوم؟ هل استثمرنا الفرصة التي أصبحت متاحة لنا بعد أن كان ينظر للتعليم من منظور نخبوي ثم أصبح ينظر له من منظور جماهيري كحق؟ هل التعلم أصبح مرهوناً بالشهادة واجتياز الامتحانات؟ هل التعليم ممتع أم أننا مرغمون على الخوض به؟

كلها، وأكثر أسئلة بدأت تقدح الظن في رأسي، خاصة بعد انعكاسات جائحة كورونا وبعد إجراءات الحجر المنزلي، فبعد أن استولى القلق على أعصاب العالم جراء الحتميات التكنولوجية، وسرعة توالي التغيرات الاجتماعية المترتبة عليها، والتي لم تدع للبشرية وقتاً للاستقرار، أو للنفس فرصة للتكيف والتذوق قبل الجائحة، كيف سنراهن على مستقبل التعليم بعدها؟.

لقد تلبستنا العنتريات، وجرفنا تيار التباهي بما لدينا من مؤسسات تعليمية ومعلمين أكفاء، وطلبة مبدعين، وبما لدينا من مقدرة على تسخير البيئة لخدمة الإنسان، وتطويع الطبيعة لصالحنا، وتحقيق مستوى رفيع من الرفاهية والرخاء لدرجة غير مسبوقة أصلها الثورة التكنولوجية، وتطبيقات المعرفة الصناعية، لكن وبعد تجربتي مع التعليم عن بعد ( كمعلم ومتعلم) حيث إني مارست التعليم مع طلابي في المرحلة الثانوية والجامعية كمعلم خلال فترة الحجر المنزلي، وكطالب في كلية القانون اكتشفت أن جائحة كورونا قد شكلت باعثاً كبيراً لتطبيق النداءات الكثيرة التي سبقتها لتطبيق التعليم الالكتروني (عن بعد)، والخروج من بوتقة التعليم الوجاهي إلى التعليم الافتراضي فكان التحول الكبير على مختلف الأصعدة رقمياً، كنتيجة اضطرارية (قهرية) أكثر من كونها قناعات تكنولوجية، تواكب تطورات العصر، وأنه مهما كانت الخطوات والجهود التي اعتمدتها المؤسسات التعليمية لاعتماد الوسيط التكنولوجي بكامل منصاته مناصاً، إلا أنه كان لعنصر (المفاجأة) في التطبيق مجموعة من الانعكاسات السلبية والايجابية، سيبقى أثرها دامغاً على حياة الناس مستقبلاً ما لم تؤخذ على محمل الجد.

وقبل الحديث عن هذه الانعكاسات، يجب ألا ننسى أن هناك أطفالاً كانوا يرتادون المدارس يتفاعلون مع زملاء لهم ويكوّنون صداقات، يتعلمون بالقدوة، يقلدون ويحاكون ويبدعون، ويخفقون في سياق اجتماعي كامل بتعليماته وأنظمته، فما مصيرهم اليوم؟ هل ما يحدث لهم اليوم يؤكد فكرة مفادها: أن المدرسة لم تكن قائمة بدورها، وأن غياب بعدها المكاني والاعتباري لم يؤثر في حياتنا؟ خاصة وأن سر انجذابهم للانترنت كان ولا زال يعود إلى انتشاره الآني، وبساطة استخدامه، وسرعة الوصول للمعلومات من خلاله، بغض النظر عن الكفايات الذاتية حول طرق وأساليب البحث فيه.

لقد فرضت الظروف الحالية تربية من نوع آخر، هي التربية التكنولوجية، والتي لم تكن في سياقها الطبيعي في مجتمعنا، مما جعلها تعاني حتى اللحظة من مشكلة صلاحية المصطلح وتشعبه (التعليم عن بعد، التعليم الالكتروني، التعليم الافتراضي، التعليم أون لاين، التعليم الرقمي،.. وغيرها)، الأمر الذي جعل الاندماج والانخراط الرسمي أو غير الرسمي معها مشوهاً، حيث جاءت الاستجابة لإظهار القدرة على استخدام أنظمة إدارة التعلم  Learning Management systems  في إطار تنافسي ليس له علاقة بالذكاء الصناعي  Artificial Intelligence أو انترنت الأشياء Internet of things ، أو حتى المردود الحقيقي لها، وهنا يبرز السؤال: أي المبررات كانت لهذا الاندماج؟ وما السبب الحقيقي وراء هذه الاستجابة السريعة (غير المحسوبة)؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، نرى أنه من المؤكد أن الأزمة التي واجهت قطاع التعليم بسبب تفشي فيروس كورونا دفعت التعليم الالكتروني (عن بعد) نحو المواجهة، فغدا خياراً لا بديل عنه سواء توفرت البنى التحتية أم لم تتوفر، لتبرز ما لا يحمد عقباه مستقبلاً، إذا ما تعاملنا معها على محمل الجد. فعلى سبيل المثال، لا الحصر:

- أغلب المحتوى التعليمي الذي يقدم إلكترونيا، هو محتوى أصم لا يسمح بمشاركة المتعلمين، يندرج تحت مسمى (رقمنة المحتوى)، لا يغطي أنماط التعليم المختلفة: (السمعي- البصري- الحركي-الوجداني- التعلم بالكتابة...)، ولا يظهر طبيعة العلاقة الإنسانية والاجتماعية بين المعلم والمتعلم، الأمر الذي سيؤثر على إنسانية التربية من خلال الالتزام بحرفية التعليمات والتنفيذ دون نقاش.

- صعوبة تحويل المناهج محدودة التداول في الزمان والمكان من صيغتها الحالية analogue إلى الالكترونية الرقمية digital، في ظل المستوى الحالي من كفاية المهارات للمعلمين والمتعلمين.

- ضعف مستوى الوعي بحقوق الملكية الفكرية، واستسهال انتحال المعلومات على مستوى الطلبة والمعلمين نتيجة للأمية الرقمية.

إن الانطلاق الوحشي نحو الاستجابة للتعليم الالكتروني، والتي تجاهلت كل مستويات الثقافة والقناعة والإمكانيات للفئات المستهدفة من حيث توفر التكنولوجيا وتطبيقاتها ومستويات التعامل معها لن يزيد إلا من تكريس فكرة (التعلم القهري – الاستعراض الفارغ)، حتى وإن تلاشت الأمية الرقمية والتكنولوجية تدريجيا

كنت ولا زلت من المشجعين على أن يكون رديفاً للتعليم الوجاهي ولكن ليس بديلاً عنه، وحيث إن المرحلة تطلبت أن يكون بديلاً، فالتخطيط المناسب يجب أن يخرج من دائرة (الإنجاز المؤسسي) إلى إنسانية التعليم، والموازنة من حيث الكم والنوع لمحتوى التعليم بما يناسب الإمكانات المادية والثقافية والتكنولوجية لأطراف العملية التعليمية، خاصة بعد أن كشفت التجربة عمق أزمة التعليم الالكتروني وضعف جاهزيته على مستوى الموارد المادية والبشرية، فمن حيث تكامل الأدوار، كشفت الأزمة عمق المشكلة لدى العائلات وأولياء الأمور، في الوقت الذي أشارت فيه الدراسات والإحصائيات أن ما نسبته 33% على الأقل من الطلبة لا يملكون مكونات التعليم الافتراضي المادية.

إن الصعوبات التي قد يواجهها الطلبة في التعامل مع التعليم عن بعد، ستفرز تشوهاً في مستوى المواطنة الرقمية، وهو ما لاحظته في التعامل مع طلابي، فالأمر ليس مرتبطاً بمستوى التربية بقدر ما هو مرتبط بالضغط النفسي الناجم عن قلة الإمكانات المادية، وتدني مستوى البنية التحتية للاتصالات والانترنت، ناهيك عن ارتفاع مستوى الأمية الالكترونية في مجال استخدام التطبيقات الالكترونية البسيطة.

ولما كانت المواطنة الرقمية في الظروف العادية تعبر عن معايير السلوك الملتزم باستخدام التكنولوجيا، وتتحدد بمعايير وقائية ضد أخطارها، وسياسات الاستخدام المقبول الذي يحقق الأمان، فإنها تتعاظم في الظروف الاستثنائية التي ترغم الأجيال على استخدام التكنولوجيا والرقمنة لأغراض التعليم والتجارة والعمل وغيرها...، ولا أعتقد أن هناك ظرفاً استثنائياً أكثر من جائحة كورونا دافعاً للتعامل مع التطبيقات التكنولوجية بعد الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي التي اعتمدها العالم لمحاصرة فيروس كورونا.

وفي خضم تضاعف حاجة المتعلمين إلى استخدام التكنولوجيا وتطبيقاتها والأنظمة الالكترونية، يجب ألا نهمل حقيقة مفادها أنهم قد يكونوا معرضين للعديد من المواقف التي تتطلب حسن اتخاذ القرار، والاستخدام القانوني الذي لا يطال حقوق الملكية الفكرية، والحذر من تبني أو اعتماد الأفكار والمعلومات المضللة التي قد تسهم في هدم وتقويض ما تسعى إله الأنظمة التعليمية.

لذا، فقد أكدت نظريات التربية جميعاً على أن التعلم مسألة فردية، لا بد أن يستخدم فيها المتعلم طريقته في التفكير الذاتي وبذلك سيكون التعليم الالكتروني أكثر حاجة من التعليم التقليدي إلى متعلم قادر على توجيه تعلمه ذاتياً، وإدارة مصادر المعرفة والتنظيم والضبط والتحكم والتقويم الذاتي، بحيث يكون مدركاً لدوره من حيث اختيار لإستراتيجيات التي تمكنه من تجاوز التحديات.

وعليه، أصبح التعلم المنظم ذاتياً أمراً حاسماً لتحقيق النجاح الأكاديمي، لأن الطالب أصبح يتحمل مسؤولية تعلمه وإدارة مصادره، وتحديد أهدافه وإنجازها، ففيما سبق كان تحصيل الطلبة يدرس في علاقته بقياسات قدراته أو نوعية التدريس أو البيئة التعليمية والمنزلية، أما في ظل انعكاسات جائحة كورونا، أصبح الأمر مرتبط بكيف ينشط ويعدل ويعزز الطلاب بأنفسهم ممارسات تعلمهم في سياقات تعليمية خاصة، وأطر زمنية مرنة، ومعرفة شخصية واسعة، وهو ما يتطلبه التعليم الالكتروني.

 

بقلم: د. محمود عبد المجيد عساف

 

 

علجية عيشالمسلمون حاولوا منع حرية التفكير العقلاني والعلمي فظلوا منغلقين

ارتكزت أطروحات المفكر الجزاري محمد أركون على معرفة أهل الأديان التوحيدية ومقارنتها من حيث سلوكاتهم اليومية وعلاقتهم بالآخر، ولذا نجد محمد أركون في تساؤلاته يركز على الدوافع والظروف التي انبثقت فيها وتطوّرت الأنسنة العربية والإسلامية في القرنين العاشر والحادي عشر ميلادي؟ وكيف أفُلَت؟ (بضم الفاء وفتح اللام)، ووقف على أن الأنسنة في العالم الإسلامي غائبة، وهذا راجع بدوره إلى تغييب العقل الناقد، العقل المنفتح، المستنير، وقال أن العقل الإسلامي فقد مسؤوليته المعرفية، وأصبح عاطلًا عن التفكير والتجديد والنهضة والإصلاح، وهذا لأن الأمة الإسلامية ممزقة إلى فرق دينية ومذاهب متناحرة (سُنّة وشيعة)

حين أزور المكتبات وأنقِّبُ عن الكتب التي أرغب في اقتنائها و قراءتها أجدها قليلة جدا، بل تكاد أن تكون منعدمة، لاسيما الكتب الفكرية، فباستثناء كتب الفيلسوف مالك بن نبي التي تملأ رفوف المكتبات العمومية، وتشهد مبيعات رغم غلاء سعرها، إلا أن مؤلفات المفكر الجزائري محمد أركون فهي لا تظهر، وكأن الأمر مقصودٌ، رغم أن الإثنان خاضا معا القضايا المتعلقة بعالم الأفكار، كلٌّ وله زاويته الخاصة، وهذا يدعو إلى الشك بأن كتب محمد أركون ممنوع عرضها للبيع، في ظل تناقض آراء النخبة المثقفة في ما يخص "الفكر الأركوني" واختلاف مواقفها بين مؤيد ومعارض، كون الرجل تطرق إلى القضايا التي تدخل ضمن "الطابوهات"، قضايا يراها بعض المتعصبين ثابتة بل مقدسة ولا يجوز الخوض أو الجدل فيها إن صح القول، ومن يخوضها في نظرهم يعدُّ "كافرا"، وهو الجهل بعينه، فمحمد أركون سعى من خلال أطروحاته تنوير الرّأيُ العام، بأفكار تدعو إلى الانفتاح والتحرر من الإنغلاق، والتوحش الفكري، وإعمال العقل في التّعامل مع الموروثات المختلفة، ولذا يقف الكثير من النقاد المختصين في الفكر الإسلامي ضد الرجل لأنه في نظرهم لامس المناطق المحرّمة.

الملاحظ أن الكتابات التي تطرقت للفكر الأركوني بأقلام جزائرية شحيحة جدا، فما نقرأه عن هذا الرجل هو بأقلام عربية أو مغاربية، فهل يعود ذلك لأن محمد أركون مفكر "أمازيغي" وينتمي إلى التيار الفرانكفوني؟ أم لأن قراءته للفكر الإسلامي مختلفة ولا ترضي بعض الأطراف وبخاصة التيار الإسلاموي المتعصب، خاصة وأن محمد أركون انتقد الفكر العربي الإسلامي، ودعاه إلى تأسيس فكر إسلامي حُرّ، مُنْفَتِح، مُجَدِّد، يحترم روحانية الدين، والمعروف عن رؤية محمد أركون للعالم الإسلامي تتقارب مع رؤية من سبقوه، فهو يرى العالم الإسلامي بعقلي التنويري منتهجا في ذلك مذهب ابن مسكويه في الدعوة إلى تهذيب الأخلاق، وتغيير الصورة النمطية للإسلام،، حيث دعا إلى التجديد وإعادة النظر في التراث الإسلامي.

وعلى خطى المفكر مالك بن نبي، فقد تحدث محمد أركون أيضا عن الظاهرة القرآنية، تناول فيها كتب أبي حيّان التوحيدي، ومسكويه، وأبي الحسن العامري، واستخلاص النتائج لتحرير الأمة الإسلامية من التحجر والإنغلاق، ومسائل كثيرة تتعلق بالإنسان،عالج فيها إشكالية "الأنسنة" وكانت محور اهتمامه لتحقيق التواصل بين الجماعات الثقافية والطائفية، وارتكزت أطروحاته على معرفة أهل الأديان التوحيدية ومقارنتها من حيث سلوكاتهم اليومية وعلاقتهم بالآخر، ولذا نجد محمد أركون في تساؤلاته يركز على الدوافع والظروف التي انبثقت فيها وتطوّرت الأنسنة العربية والإسلامية في القرنين العاشر والحادي عشر ميلادي؟ وكيف أفُلَت؟ (بضم الفاء وفتح اللام)، ووقف على أن الأنسنة في العالم الإسلامي غائبة، وهذا راجع بدوره إلى تغييب العقل الناقد، العقل المنفتح، المستنير، وقال أن العقل الإسلامي فقد مسؤوليته المعرفية، وأصبح عاطلًا عن التفكير والتجديد والنهضة والإصلاح، وهذا لأن الأمة الإسلامية ممزقة إلى فرق دينية ومذاهب متناحرة (سُنّة وشيعة).

يرى بعض الكتاب المعاصرين يرون أن ما وصلت  إليه أوروبا من تطور لم يكن من قبيل الطفرة ولا كان هبة أو فتحا نزل عليها من السماء بل كانت قد خرجت من قرونها المظلمة (في عصورها الوسطى) بعد نخاض طويل وعسير وبعد مواجهة شتى أشكال التخلف والتحجر والنزعة الظلامية الملتزمة بحرفية النص الديني، عكس المسلمين الذين حاولوا منع حرية التفكير العقلاني والعلمي وظلوا منغلقين، حيث ألغوا دور العقل في الإسلام، بل اعتقدوا أن الدعوة إلى إعادة النظر في النص الديني (القرآن) ضرب من الكفر، وأن المتنورون كفار وملحدون، بل كل مشاريعهم تغريبية، تدعو إلى تحرر الإنسان من كل القيود، السؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا كيف نقارن بين فكر ملك بن نبي ومحمد أركون وكلاهما عالجا "الظاهرة الإنسانية"، وكيف نقارن فكر الرجلين بمفكرين آخرين على غرار المفكر المغربي مهدي المنجرة، محمد عابد الجابري، محمد جابر الأنصاري ومفكرين آخرين في كل البلاد العربية فرانكفونيين كانوا أم عروبيين، محافظين أم إصلاحيين ومنهم الأستاذ الغرباوي من العراق الذي بدأت أطروحاته حول النص الديني تظهر إلى العيان وحظيت بمناقشات عديدة باعتباره مفكرا مجددا.

فالأنسنة مشكلة تعالج بناء الإنسان ونهوضه من جديد، وهي الأطروحة التي تحدث عنها مالك بن نبي وهي "القابلية للإستعمار" في كل جوانبها الفكرية والدينية، والتمسك بالقديم يُعَدُّ ضربا من الجنون، لأن الزمن يتغير، في ظل التطور التكنولوجي والتحديات التي يشهدها العالم، حيث وجب إعادة النظر في التراث والإنفتاح على العالم، فلو أخذنا على سبيل المثال كتابه "حين يستيقظ الإسلام" (غير متوفر في المكتبات العمومية)، يتبادر إلى ذهن القارئ العادي ان الإسلام كان نائما، والواقع أن محمد أركون يخاطب في هذا الكتاب الأمة الإسلامية لكي تنهض من سباتها وتجدد خطابها الديني، والدعوة إلى الثورة على المناهج التقليدية التي تحجب على المسلم نور القرآن وهدايته، بمعنى الإجتهاد في إعمال العقل قصد الفهم الصحيح للتراث الإسلامي ثم العمل به وتبليغه للأجيال، ومن ثم بناء حضارة إسلامية والإرتقاء بها.

 

علجية عيش

 

 

 

"ولاتقتلوا اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطئا وحوبا كبيرا..". الاسراء.31

قد يبدو العنوان غريبا للوهلة الاولى لكن ما ان نخوض في ضمار هذا الموضوع الشائك سنصل الى حقيقة مفادها ان عقوق الاباء اكثر ايلاما من عقوق الابناء!!

يقصد بالاباء الابوين كلاهما مع الميل لجهة الاب والوالدين الاب والام كلاهما مع الميل لجهة الام لان الام تلد ولايلد الاب.

وما ان نسمع كلمة عقوق حتى يتبادر الى اذهاننا عقوق الابناء وتمردهم وعصيانهم، لكن ماخفي كان اعظم، فقد يفوت الكثير منا ان هناك عقوقا اشد وطأة على النفس وهو عقوق الوالدين للابناء!!

من البديهي وبفطرة الله للانسان ان يكون عطوفا على ابناءه مضحيا في سبيلهم باذلا كل مافي وسعه من اجل ان يترعرع الابن في اجواء صحية مفعمة بالحميمية، ولان الانسان تحكمه الفطرة اولا فاننا لانجد في كتاب الله الا اية واحدة تحث الوالدين على الرافة بابنائهم"ولاتقتلوا اولادكم.."، ذلك لان الامر محسوم وفطري بالدرجة الاساس.

تبدا الحياة الاسرية وتبنى على ركائز اساسية اهمها:

- الاختيار وهو العمود الاساس الذي ترتكز عليه الحياة ومايترتب على ذلك الاختيار من نجاح او فشل.

- التكافؤ الاجتماعي وتلك ركيزة على درجة كبيرة من الاهمية، لانها تجعل الحياة تسير بوتيرة واحدة بعيدا عن التناقضات.

- التكافؤ الثقافي بين الشريكين، اي ان يتمتعان بمستوى واحد او تقريبي من الثقافة، لان تفوق احد الشريكين ثقافيا وعلميا يجعل الهوة كبيرة جدا تنعكس سلبا على الحلقة الاضعف الذي سيدفع ثمن ذلك غاليا، وقد يشعر بالنقص والعجز من ذلك التفوق الذي يصبح كالصخرة الكأداء في الحياة.

- المستوى الاقتصادي، لابد لاي شراكة في الحياة من ديمومة فمابالك اذا كانت هذه الشراكة زواج واسرة، فعلى الاقل يجب ان يتوفر الحد الادنى من الناحية المادية ولاباس ان يتشارك في ذلك الزوجين.

- القبول والقناعة وهذه الخصيصة تجعل الحياة الصعبة ايسر واجمل، بل انها تذلل الصعاب وتقهر المستحيل.

- المودة والرحمة وهذه اعظم الشروط من اجل قيام حياة اسرية سليمة مبنية على اسس الفضيلة.

كل هذه الشروط وغيرها التي تسبق تكوين الاسرة لابد ان تؤخذ بنظر الاعتبارلتكوين الاسرة الامنة..

تكونت الاسرة ودخل الزوجين على حياتهم الجديدة كل واحد منهم يحمل ثقافة معينة وعادات وتقاليد تختلف عن الاخر، او ربما كل واحد يحمل توصيات من اهله بشان حياته الجديدة، الزوجة قادمة من بيت اهلها مدللة ابويها لا تعرف عن الحياة الاسرية غير حفلة الزفاف والفستان الابيض والكثير من المشاعر الجميلة لفارس احلامها الذي طالما حلمت به مع حزمة امنيات لاكمال دراستها العليا او السكن في بيت كبير وحديث ومؤثث من الابرة الى الصاروخ وسيارة فارهة وكمية من المصوغات الذهبية، وووو..الخ، والزوج/الابن قد يكون مهيأً لذلك ميسورا، متعلما، مثقفا، غنيا، وقد يكون انسانا بسيطا، تعليمه متواضع، اجتهد ابويه لتهياة غرفة في بيتهم ليتزوج بها، وربما قد استدانوا ثمن هذه التكاليف ليظهروا بالوجه الابيض كما يقال..

انتهى العرس وذهب المدعوون وتقهقر شهر العسل، وبدا الانبهار يتراجع والعيوب تظهر على السطح!!

الزوجة صغيرة السن وقادمة من بيت كان لها شان فيه وربما كانت كلمتها سائدة وهي الان تعيش مع اهل زوجها تقاسمهم الحياة عاداتها وميولها مختلفة عنهم، تتطلب وقتا وجهدا لكي تتعرف اليهم وتفهم نفسيتهم، كيف تتعامل مع حماتها "ام الزوج "قد تكون هذه الحماة طيبة وقد تكون صعبة، ماذا تفعل وهي محاطة بعدد من الاشخاص تراهم لاول مرة! كيف تتعامل معهم!

كيف تستطيع ان تتغلب على صراع الثقافات! خصوصا ان كانت من مدينة مختلفة اوطائفة مختلفة..

بعيدا عن اي اعتبار ان الزوجة الصالحة التي تربت في بيت صالح لابد لها ان تكون ناجحة مهما كانت الظروف، لانها تمتلك رصيدا غنيا من القيم التي تربت عليها وجعلتها مؤهلة لهذا الدور الذي اناطه الله بها لتكون زوجا واما ومسؤولة عن تربية الاجيال، وبدلا من ان تجعل الحياة امنة فانها تكون حجرة عثر في حياتها الاسرية، تتململ وتصطاد الهنات لزوجها واهله، متطلبة تنظر الى هذه وتلك، تقتدي بهذه الاخت وتلك الصديقة، تبدا بالتململ، تكثر طلباتها التي ربما تكون خارجة عن مقدرة الزوج، تقضي ساعات طويلة على النت تتعلم قشور الثقافة بدلا من لبها، مواقع التواصل جاهزة لكل شئ، بل ان النت برمته عملة ذات وجهين، كل يبحث عن وجهته، تبدا الحياة بالنسبة لها تبدو كابوسا فهي تريد الخروج مثل فلانة وفلانةالى اي مكان لقضاء الوقت، ولم لا ان كان المكان سليم فتخرج برفقة زوجها او اي احد تلك ليست مشكلة، لكن الامر بدا ياخذ مجرى اخروقد وجد دعما من هذه وتلك وبالايحاء والتكرار بدات تتسرب الى عقلها مفاهيم مختلفة وعادت اكثر اختلافا، وما لم تكن تستساغه بالامس بدا سهلا ومباحا اليوم، تركت البيت والزوج والاطفال وصار شغلها الشاغل خلق المشكلة لاجل المشكلة!!

تطورت الاحداث لان الزواج مسؤولية والتزام وعليها ان تراعي كل صغيرة وكبيرة، تقيدت حريتها، ساهمت بعض المنغصات بتاجيج الموقف، كلمة من هنا، موقف من هناك، وبدا الكره يتسرب الى قلبها لحياتها الاسرية لزوجها، لاطفالها، لكل تفصيلة مهما كانت معلنة التمرد!!

متسببة بخلق اجواء البغضاء والشحناء مطالبة بالطلاق لاتفه الاسباب، والضحية بالتاكيد هم الاطفال الذين سيتشردون بين ام تزوجت وزوجها يرفضهم وبين اب تزوج وزوجته ترفضهم..

من الجانب الاخرقد تكون الزوجة صالحة تمتص غضب زوجها واهله وتحيل صعوبة الحياة الى يسر وامان، تساعد زوجها وتسانده، تتنازل عن الكثير وتتغاضى عن الاكثر، تعين زوجها في فقره وعسره وتكون السند والملاذ، تربي اطفالها على الفضيلة التي تربت عليها لتخلق ابناءا نافعين ترفد بهم المجتمع وكم امراءة عظيمة كانت وراء رجال عظام زينوا وجه الحياة، وكم من ام رعناء تسببت في ضياع الاسرة وتشرد الابناء.

وبالمقابل قد يكون الزوج اس المشكلة فربما يكون اتكاليا، فاشلا، عاطلا، مستهترا بالحياة الزوجية والاطفال، لاينفق عليهم، يعاقر الخمر، مدمنا، يعيش عالة على اهله وزوجته، يحيل الحياة الى جحيم مطبق، ينسى او يتناسى ان هذه الانسانة شريكة لحياته وعليه ان يراعي الله بها وبحقوقها عليه كانسانة اولا وكزوجة وام ثانيا، يدفعها دفعا مرغمة تطلب الطلاق او تاخذ اطفالها الى بيت اهلها الذين ربما لم يكن باستطاعتهم ان يعيلوا هؤلاء الاطفال مما يضطرها للعمل لاعالتهم اوانزالهم الى سوق العمل، الى الشارع وماادراك مالشارع!! او قد يقوم هو بطردهم من المنزل ليتملص من مسؤوليتهم لانه شخص اناني وغير جدير بالمسؤولية.

والنتيجة الضياع والتشرد للاطفال الذين يتعرضون للاغواء والانحراف والاستغلال والتسول، والحالات كثيرة ومتنوعة يندى لها الجبين.

ان انهيار المنظومة الاسرية وفشلها يرجع الى عدة اسباب نذكر منها على سبيل المثال لاالحصر:

- الاختيار الخاطئ لشريك الحياة الذي يبنى عليه الاساس لاقامة الاسرة فاذا كان اختيارا خاطئا هشا فان الاسرة ستنهار باول عاصفة.

- صغر عمر الزوجين وعدم ادراكهما للمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقهم، فالزواج شراكة وتدبير وليس فستانا وعرس.

- غياب او انعدام الوازع الاخلاقي الذي يتخذ من القيم الانسانية السليمة عمودا وركيزة له.

- غياب او ضعف الوازع الديني الذي يحث على المودة والرحمة واقامة وشائج المحبة بين افراد الاسرة الواحدة، واعتبار الحياة الزوجية مسؤولية عظيمة والاطفال امانة يجب ان تؤدى على اكمل وجه.

- تدخل الاهل بحياة الزوجين وذلك سرطان ينخر العلاقة الزوجية من النخاع خصوصا اذاكان يحرض على السوء.

- انعدام او ضعف الثقافة المجتمعية لدى الازواج، ولو بالحد الادنى وذلك لايتطلب شهادات عليا، بل معرفة حقوق الله والانسان، وعلى تلك المعرفة تبنى البيوت الامنة.

- الوجه الاخر للنت والدور السئ الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي التي تحرض على الرذيلة، وبدلا من اقتطاع ذلك الوقت بالترهات فالبيت والاسرة اولى به.

- عدم الشعور بالمسؤولية العظيمة الملقاة على الزوجين التي تتطلب صبرا واناة وتحملا لكي تستمر الحياة.

- اعتبار الشريك ندا ومخالفته بكل صغيرة وكبيرة يجعل الحياة تتحول الى حلبة صراع تنتظر الفائز الخاسر بالنزال!

- اعتبار الطلاق حل وليس مشكلة وشماعة تعلق عليها العقد والاخطاء ومحاولة اثبات الذات على حساب الطرف الاخروالنيل منه لاستمالة الطفل بدون ادنى مراعاة لنفسية الطفل وحقه في حب ابويه كلاهما بنفس الكيفية وان كان احدهما مسيئا، والتعامل على اسس انسانية تضمن حقوق الابوين –المطلقين-  في حضانة ابناءهما باسلوب صحي سليم يضمن الاستقرار والامان للابناء.

هذه الاسباب وغيرها ادت الى انهيار المنظومات الاسرية وبتنا نسمع ونرى حالات يندى لها الجبين ترفع راية الكفر بحق الانسانية والحياة، فان اقدام الزوجة على قتل اطفالها بدم بارد ومع سبق الاصرار لالشئ سوى لانها اختلفت مع زوجها او طليقها فتقدم وبمنتهى الجريمة على ازهاق ارواح اطفالها الابرياء، فترميهم في خزان الماء او ترميهم من على الجسر او تقتلهم خنقا او نحرا والعذر اقبح من الذنب لانها اختلفت مع زوجها، وبدلا من ان تكون ابا واما لهما تزهق ارواحهما بطريقة كافرة يندى لها الجبين، وبرايي الشخصي ان الجريمة جريمة خصوصا ان كانت لابرياء وابناء ومع سبق الاصرار والترصد، او ان تقدم بالاتفاق مع احدهم مهما كان لقتل زوجها وابو اولادها بدم بارد غير ابهة للعشرة وغير مكترثة لزهق روحه وتيتم ابناءه وحسرة والديه واهله ناسفة كل قيم السماء، جاعلة الباطل مطية لها، مع ان الله والدين والقانون جعل الطلاق حلا لاستحالة الحياة بدل اللجوء الى الجريمة وعندها سيكون اطيب الحلال!

او ان يقدم الزوج الذي انعدمت انسانيته ورحمته وسولت له نفسه قتل هذه الزوجةباي طريقة او قتل اطفاله او حرقهم لانه اختلف معها او لانه عاقر الخمر واذهب عقله بنفسه وخرج عن جادة الحق، متجاوزا حدوده الانسانية كافرا بقيم السماء ناحرا الانسانية بسكين صدأة..

ان هذه الانواع من الزيجات التي تكون نهايتها ماساوية يجب ان تخضع لاعتبارات وحدود، فالموضوع ليس مزحة ابدا بل هو ناقوس خطر يهز اركان المجتمع خصوصا انه دخيل علينا ولايمت لنا باي صلة فمجتمعنا تربى على قيم الفضيلة والانسانية السمحاء ولايجوز باي حال من الاحوال ان يترك الحبل على الغارب لمزيد من الكوارث، وتتحمل كل الوسائل الاجتماعية والمدنية مسؤولية الحفاظ على المنظومة الاسرية من خلال الدعم والتوعية والارشاد وتقوية الوازع الديني لدى الشباب لان راس الحكمة مخافة الله.

علينا ان نقف بوجه هذه الانحرافات الانسانية ونقومها لا ان نقف مكتوفي الايدي تجاه من انعدمت الانسانية في قلوبهم وسولت لهم انفسهم قتل اجمل مخلوقات الله بلا رحمة، وبدلا من ازهاق الارواح البريئة يجب ان يودعوا في دور الرعاية الاجتماعية التي قد تكون اكثر عطفا من هؤلاء الاشباه الذين لايمثلون سوى انفسهم.

واخيرا اقول:

"يزأر الاسد ولاياكل صغاره"

 

مريم لطفي

 

عبد الخالق الفلاحيقوم الارهاب الحالي على أدوات اجتماعية وتقليدية وإعلامية حديثة، جاءت معظمها من بلاد لا تتمتع بالوعي ولا بالحرية وينتشر فيها الظلم والاستبداد، ولا تتاح لهم فرص التعبير عن أفكارهم دون خوف أو قلق، ولم ينشأ مطلقًا من فراغ " بل نشئ ضمن مجموعات متشرذمة من الحركات المعارضة الدينية المتطرفة والاجتماعية والسياسية المنحرفة  " ويمثل خطرا حقيقيا يواجه الوجود البشري وحضارته وإنجازاته أيضا، لما يتسم به من عنف واستخدام غير مشروع للقوة ويترك آثارا خطيرة في الأوضاع الدولية، لما يتميّز به من استخدام أساليب عنفية واسلحة، ووسائل تقنية متطورة تدعمها خبرة واسعة، وإمكانات هائلة تشكل خطورة تثير القلقوغير مقيد بقانون أو بأخلاق، لا بل إنّه أصبح أداة لتحقيق مآرب وطموحات يعجز البعض عن تحقيقها بالوسائل العادية المشروعة ويهدف إلى فرض سلطة رقابة ذاتية متطرفة تجعل الأفكار حبيسة الدماغ، وتحافظ على الامتيازات الاجتماعية لأصحاب السطوة الاجتماعية الذين يجهدون لاحتكار المجال العام، رافضين أي مزاحمة من غيرهم وتطالعنا وسائل الإعلام بمصطلحات عديدة، وهو يستهدف أولا العقل وعملياته الذهنية، كونه المحرك الإنساني الأساس، فهو وعاء الفكر، وأصل التفكير الذي ينبني عليه الرقي أو الانحطاط بحسب منابعه الأساسية، ويستهدف كل نشاطاته وإبداعاته التي تسهم في النهوض والإصلاح ثانيا، ومن ثم يرفض أي عملية تغييريه . 

وقد وردت مفردة الإرهاب في لسان العرب بالكسرِ ( رَهِبَ،يَرهَبُ ورُهُبا، بالضم، أي خافَ، ورَهِبَ الشيء رَهْباً ورَهَباً ورهبَةً: أي خافه ُ، قِيلَ رَهَبُوت ٌ خير ٌ من رَحَمُوتٍ: أي لأَنْ تُرْهَبَ خَيرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ ؛ بمعنى تُخَافْ والراهِبُ: المتعبدُ في الصومعة، واِسْتَرْهَبَهُ: وأَرْهَبهُ: أَخافَه وفَزَّعهُ).

تكمن خطورة هذه الظاهرة  بلحظة ارتباطها بمجالات حيوية عديدة، ولعلّ من أهمها السياسية والدينية، إذ من شأنها أن تؤسس لاستفحال ظاهرة الإرهاب الفكري. فسياسياً، يتمظهر الإرهاب الفكري من خلال الدفاع الشرس والعنيف عن الإيديولوجيات والأهداف الحزبية، "رافضاً بذلك كل منتقد، نافياً كل مختلف، معتقداً بإطلاقية ونموذجية آرائه مع إجبارية الإيمان والخضوع لها"، الأمر الذي يؤدي إلى نفي الحريات المقنّنة دستورياً كحرية التعبير عن الآراء السياسية، حرية الانتماء للأحزاب السياسية. ونظراً لارتباطه بمعطيات العنف، فإنّ الإرهاب الفكري يمثل كذلك تهديداً صريحاً للحرمة الجسدية المقنّنة والمحمية من قبل مختلف الأنظمة القانونية.

نحن لا نشك بأن الفكر الإرهابي يرفض الفكر الآخر الذي يحاول أن يقوم اعوجاجه وينظم ما تبعثر، ويتدارك ما سُفِل، بان يرقيه، ويبقى الفكر الإصلاحي مرهبا، ويبقى الإصلاحيون مرهبون تحت طائلة العقاب الذي يوقعه أصحاب الفكر الإرهابي، وما هذا إلا بسبب تعارض الأفكار، ومحاولة رفض متبنى فكريا لأحدهما على الآخر قسرا وعدوانا ومنها الإرهاب الجسدي والإرهاب الاقتصادي والإرهاب الفكري والذي نحن بصدد الحديث عنه والحد منه يتطلّب بالأساس حضور وعي يؤمن بالتفكير الموضوعي، بالحوار الخصب، بالإختلاف، بالاحترام المتبادل ومدى ضرورة الفعل التواصليو هو أخطر انواع الإرهاب، بل هو المنبع الحقيقي له، فهو الذي يؤسس للإرهاب السياسي وإرهاب السلطة والإرهاب الديني والإرهاب بالقتل بالسلاح والسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة، كما انه الحاضنة الدافئة للفشل والهزائم والتراجع والتأخر

 يمكن تعريف الارهاب الفكري: فهو كل نشاط يتم من خلاله فرض رأي محدد، أو جبر الآخرين على سلوك يُوهمون أنه الصواب وبأنه إقصاء الآخر وسلبه حقه في التعبير عن ذاته وأفكاره، عن طريق ممارسة الضغط عليه من أجل إسكاته كصوت آخر، والمحافظة على الاتجاه السائد الذي يخدم مصالح فئة معينة في ذلك المجتمع، وهو ليس حصراً على مجتمعات بذاتها، إذ ينشط الإرهاب الفكري في جميع المجتمعات، ولكن يختلف مستواه باختلاف سقف الحريات ومدى سهولة التعبير عن الرأي فيها. ويحاول الفكر المتطرف في الكثير من الاحيان التأثير على صاحب الرأي المخالف وتحويله إلى ببغاء يردد ما يُقال له من أفكار تافهة سخيفة لا تتماشى مع روح  العصر والعقيدةوبالعكس قد يُتهم: إما بعميل لأمريكا أو لأوروبا أو لإسرائيل، وبالتالي فهو ويُهدر دمه. ا

ما عناصره فلهم الحق المطلق في تحديد وقت السب والذم والمديح والتهجم والطعن والتّأليه والصمت والكلام والحب والبغض وهكذا، لانهم يعتقدون ان الحق معهم يدور حيث ما داروا، وان الصالح العام طوع بنانهم لا يحدده غيرهم، اما الآخرون، فلهم الحق في ان ينتقدوا من يشاؤون، ويستفسروا ممن يشاؤون الا الزعيم الأوحد والقائد الضرورة فلا يحق لاحد ان ينظر بوجهه قبل ان يدفع صدقة، ويقدّم له فروض الطاعة والولاء والتسليم المطلق.

هكذا يُفرغ ذلك الانسان من كل مضامينه وقد يضطر إلى التراجع حتى لدفاعاً عن وطنيته وعقائده وإيمانه والانضمام إلى القطيع الفاسد الفاسق، ومن الأساليب المضللة التي ينهجها أصحاب الإرهاب الفكري أنهم يمارسونه تحت عنوان «الاختلاف»، بالتضليل واضح، إذ إن الاختلاف يكون عن طريق مقارعة الحجة بالحجة والرد على الأفكار، بعيداً عن الشخصنة والشحن العاطفي عن طريق اللغة الإنشائية، التي تخاطب العاطفة، ومحرفة مسار النقاش عن أصل الفكرة المُختلف عليها، مما يفضي إلى تعبئة الجماهير عاطفياً، وتحويلها إلى وقود للضغط على صاحب الفكرة.

وللحقيقة فأن الإرهاب الفكري موجود في كل المجتمعات بنسب متفاوتة. وهو ظاهرة عالمية ولكنه ينتشر في المجتمعات المنغلقة وذات الثقافة المؤدلجة والشمولية، ويتجسد في ممارسة الضغط أو العنف أو الاضطهاد ضد أصحاب الرأي المغاير أفراداً كانوا أم جماعات، وذلك بدعم من تنظيمات سياسية أو تنظيمات دينية تحرض عليه وتؤججه، والهدف هو إسكات الأشخاص وإخراسهم ليتسنى لهذه التنظيمات نشر أفكارها دون أي معارضة من اي جهة او حزب او سلطة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

Covid-19 in Dystopian Literature and Literature of Epidemicsحسيب الياس حديد

يمثل أدب الأوبئة انعكاسا للكثير من الأزمات الصحية التي يمر بها العالم منذ القدم؛ حيث كانت تلك الأوبئة هي المحرك لأقلام الكثيرين من الأدباء والروائيين بشكل خاص، وتطرقت الكثير من الالوان الادبية ومنها الروايات إلى الحديث عن تلك الأمراض التي أحدثت هزات عنيفة في العالم بأسره، مخلفة وراءها الكثير من المآسي التي لا تزال عالقة برقعة الذاكرة العالمية والتي خلدتها اعمال ادبية رائعة سواء أكانت في مجال الرواية ام الشعر ام المسرح. وفي هذه الايام عادت قراءة هذا اللون الادبي بصورة ملفة للنظر و إنّ هذه العودة المحمومة لقراءة ما يسمّى "أدب الأوبئة" ليست وليدة اليوم، فهي تتكرَّر تاريخياً كلّما حلَّ وباء جديد في مكان ما من العالم، والإنسان بغريزته ميّال إلى البحث عن وقائع أو حالات مشابهة في التاريخ، ليستلهم منها وسائل عملية للوقاية أو لمواجهة الوباء في حال فشلت حكومته في ذلك. وهذه ظاهرة تدفعنا إلى التساؤل: كيف تناول الأدب موضوع الأوبئة عموماً؟ وهل تنبّأت الرواية من قبل بوباء يُشبه فيروس كورونا الحالي؟

مع ظهور فيروس كورونا قبل أسابيع، عادت بقوّة إلى الواجهة بعض روايات الأوبئة القديمة، لأنّه تبيّن للجميع أنّ هذا النوع المستجدّ من الأنفلونزا ليس أقلّ فتكاً من تلك الأوبئة المتخيّلة. من هذه الروايات، مثلاً، رواية الكاتب الأميركي دين كونتز (The Eyes of Darkness)«عيون الظلام». صدرت هذه الرواية في عام 1981، فضلاً عن كونها رواية من روايات الرعب، فأحداثها تتشابه مع أحداث الواقع الراهن بشكل مثير للدهشة. إذ رغم أنها كُتبت قبل 39 عاماً فإنها تفاجئ كلّ من يطالعها بقدرتها الرهيبة على التنبؤ بالمستقبل، إذ تتحدّث عن فيروس ينطلق من مدينة ووهان الصينية ويتفشّى سريعاً بشكل خارج عن السيطرة، وهو بالضّبط ما حدث منذ عدة اسابيع ، مع ظهور فيروس كورونا في هذه المدينة الصينية تحديداً، قبل أن ينتشر خارج الحدود ويصبح خطراً عالمياً متنامياً. واللافت للنظر أنه توقع تفشي فيروس يشبه فيروس كورونا الحالي تماما ، حيث أسماه "ووهان 400".

وأطلق الكاتب على ذلك المرض "السلاح المثالي"؛ إذ بالرغم من أنه لا يبقى خارج الجسم لأكثر من دقيقتين إلا أنه يمكنه أن يفتك بعدد هائل ممن حوله، بل ويمكنه أن يتسلل من دولة إلى أخرى، ولذلك تدور أحداث الرواية حول مغامرة لاكتشاف أسرار ذلك الفيروس وقد اشتهر الكاتب الأميركي دين كونتز دوماً برواياته التي تحمل طابع التشويق والغموض، وتمزج أحياناً بين الرعب والخيال العلمي، وصنّفت بعض أعماله في قائمة نيويورك تايمز لأعلى الكتب مبيعاً، وهو يبلغ من العمر 74 عاماً، وأصدر حتّى الآن أكثر من 80 رواية. ومن غرائب الصّدف أنّ المختبر الذي تتحدّث عنه روايته، يقع على بعد 22 كيلومتراً فقط من مركز تفشّي فيروس كورونا المستجدّ.

وكما هو معلوم الان ان العالم  يعيش هذه الأيام تحت تهديد الإصابة بعدوى فيروس كورونا المستجدّ، وسط مخاوف من أن يتحوّل إلى "موت أسود" جديد يفتك بالملايين من السكان، إذا فشلت البشرية في محاصرته والقضاء عليه، أو فقدت السيطرة نهائياً أمام انتشاره السريع. إنّ مصطلح "الموت الأسود" يشير عادةً إلى وباء الطاعون الذي اجتاح أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352 وتسبّب في وفاة ما لا يقلّ عن ثلث سكّان القارّة. وكان الرّواة الدنماركيون والسويديون هم أوّل من استخدم هذا المصطلح، وقد تكرّس مع إصدار كتاب "الموت الأسود في القرن الرابع عشر" للطبيب الألماني يوستوس هيكر في عام 1832، والّذي لقي صدى كبيراً، خاصة أنّه تزامن مع انتشار وباء الكوليرا في أوروبا. وقبل صدور هذا الكتاب بسنوات قليلة، كانت ماري شيلي، التي كتبت رائعة "فرانكنشتاين"، قد أصدرت رواية بعنوان "الرجل الأخير" عام 1826، وهي تحكي قصّة رجل يعيش في عالم مستقبلي اختفى منه البشر بسبب الأوبئة، وقد سبق لشاعر فرنسي اسمه جان بابتيست كوزان دي غرانفيل أن أصدر قصيدة نثرية ملحميّة بالعنوان نفسه عام 1805، وهي تعتبر في نظر الكثيرين أوّل عمل حديث في أدب الديستوبيا.

يعد أدب الديستوبيا Dystopia، أو كما يمكن ترجمته بأدب المدينة الفاسدة أو أدب النهايات، أحد الأنواع الأدبية المندرجة تحت أدب الخيال العلمي. فمصطلح الديستوبيا هو الوجه الآخر لمصطلح اليوتوبيا Utopia وهي كلمة ذات أصل إغريقي تعود إلى الفيلسوف أفلاطون، ولكن ما هو مؤكد وثابت أن الكاتب توماس مور هو أول من استخدم مصطلح يوتوبيا عام 1515م في تسمية روايته المتعلقة بالجزيرة الخيالية.

أدب المدينة الفاسدة أو ديستوبيا أو عالم الواقع المرير (بالإنجليزية: Dystopia)‏ هو مجتمع خيالي، فاسد أو مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما. وقد تعني الديستوبيا مجتمع غير فاضل تسوده الفوضىٰ، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشر المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، باختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته يتحوّل فيه المجتمع إلىٰ مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضاً. ومعنى الديستوبيا باللغة اليونانية المكان الخبيث وهي عكس المكان الفاضل يوتوبيا. ولقد ظهرت قصص مثل هذه المجتمعات في العديد من الأعمال الخيالية، خصوصاً في القصص التي تقع في مستقبل تأملي. والديستوبيات تتميز غالباً بالتجرد من الإنسانية، والحكومات الشمولية والكوارث البيئية أو غيرها من الخصائص المرتبطة بانحطاط كارثي في المجتمع.

وتتنوع عناصر الديستوبيا من القضايا السياسية إلى القضايا الإقتصادية أو حتى البيئية. فالمجتمعات الديستوبية قد توجت في سلسلة واسعة من الأنواع الفرعية من الخيال العلمي، وعادة تستخدم هذه القصص والروايات لتسليط الضوء على القضايا الموجودة في العالم الواقعي المتعلقة بالمجتمع والبيئة والسياسة والدين وعلم النفس والقيم الروحية أو التكنولوجيا التي قد تصبح الحاضر في المستقبل. لهذا السبب، اتخذت الديستوبيا شكل العديد من التكهنات، مثل التلوث والفقر والانهيار المجتمعي والقمع السياسي أو الشمولية

وقد استطاعت روايات «الديستوبيا» كنمط أدبي أن تثبت نجاحها في الأدب الغربي، وباتت الكثير من الأعمال المعتمدة على «الديستوبيا» من الكلاسيكيات في المدونة الأدبية الغربية، واستفاد منها الأدباء العرب في معالجاتهم لهذا الموضوع...

وكما هو معروف تعرّض العالم في التاريخ القديم والحديث الى موجات مدمرة من الاوبئة التي اودت بحياة الملايين من البشر دون التوصل الى علاج ناجع لتلك الاوبئة في حينها كما هي الحال الان مع فايروس كورونا 19 المستجد. وهذا بدوره شجع عدد كبير من الادباء في العالم الى تناول الاوبئة في اعمالهم الادبية ولعلّ اشهر ما تعرّض له العالم من اوبئة تتمثل بالطاعون والكوليرا والجدري وغيرها.

ومن الاهمية بمكان ان نذكر بعض الامثلة للأدب الروائي الذي تناول الاوبئة. تعدّ "مجلة الطاعون من الشهادات الحقيقية لدانيال ديفو لتفشي هذا الوباء و"مجلة الطاعون" رواية للكاتب الإنكليزي صاحب "روبنسون كروزو" وهي توثق وتسرد تجارب رجل واحد عام 1665، عندما هاجم الطاعون لندن. يعتبر هذا الطاعون آخر طاعون هاجم لندن بعد سلسلة طويلة من الأوبئة المتقطعة وعرف بوقتها باسم (الموت الاسود). عرضت الرواية تجارب شاهد عيان للأحداث في ذلك الوقت، وقد بذل ديفو جهدا كبيرا لتدقيق المعلومات، وتحديد الأحياء والشوارع والمنازل، التي وقعت فيها الأحداث، بالإضافة إلى نشر جداول أرقام الخسائر ومناقشة مصداقية الحكايات التي تلقاها الراوي من أصحابها. أثار العمل جدلا كبيرا حوله بسبب قراءته في البداية كعمل غير روائي، واعتبار ديفو مجرد محرر للعمل التوثيقي وليس مؤلفه، لكن بحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر تم قبول الرواية ضمن تصنيف الرواية التاريخية.    تحكي الرواية قصصا مرعبة عن أشخاص سجنوا في منازلهم لأن أحد أفراد أسرتهم أصيب بالمرض، حيث تغلق الأبواب تماما ويرسم عليها من الخارج صليب أحمر. كانت هذه الطريقة في عزل المرضى، تجعل الأصحاء محاصرين حتى الموت، لوجودهم مع أشخاص محملين بالمرض.

قضت اللوائح وقتها بوضع حارس أمام كل منزل موبوء حتى لا يغادر أصحابه، لكن بالرغم من ذلك تمكن بعض الأشخاص من الفرار عبر أبواب مختلفة في المنازل أو عن طريق رشوة الحارس ليتركهم يهربون.

اما الرواية لثانية  فهي " قناع الموت الاحمر" التي كتبها الكاتب الأميركي إدغار آلان بو عام 1845 يصيب المرض المعروف باسم الموت الأحمر البلد المتخيل ويتسبب في موت ضحاياه بسرعة وبشاعة. يقررالأمير بروسبيرو إغلاق بوابات قصره لصد المرض متجاهلا ما يعصف بالأرض خارج قصره. بعد عدة أشهر يستضيف في قصره بعض الضيوف في غرف القصر الملونة بألوان فردية. الغرفة في أقصى الشرق ملونة باللون بالأزرق، تليها الغرفة الأرجوانية، ثم الغرفة الخضراء والغرفة البرتقالية والغرفة البيضاء والغرفة البنفسجية والغرفة السابعة والأخيرة سوداء، توجد فيها ساعة من خشب الأبنوس. عندما ترن الساعة يكون صوتها عاليا ومشتتا بحيث يتوقف الجميع عن الحديث، وتتوقف الأوركسترا عن العزف. في منتصف الليل يظهر ضيف جديد يرتدي زيا يشبه الكفن، وقناعا يشبه الجثة ليهاجم الضيوف ويقتلهم واحدا تلو الآخر..

وتعتبر "قناع الموت الأحمر" قصة رمزية تنطوي على مفاهيم فلسفية عن عجز البشر عن الهروب من قبضة الموت، مهما بلغ ثراؤهم أو سرية أماكن احتمائهم، وتؤكد على ذلك عبر معاقبة الأمير بروسبيرو بالموت بسبب اعتقاده أن ثروته قادرة على إنقاذه. تمثل غرف القصر المصطفة سلسلة مراحل الحياة التي تمتد من الولادة إلى الموت والغرفة السوداء تمثل النهاية المشؤومة والساعة تذكر الأحياء بالموت دائما حتى يموت الجميع في نهاية الأمر.

ومن الروايات التي لاقت رواجاً كبيرا جدا رواية " الطاعون" للكاتب الفرنسي البير كامو.        الطاعون (بالفرنسية La peste) ‏ نُشرت عام 1947، وتروي القصة الطاعون الذي يكتسح مدينة وهران الفرنسية الجزائرية. تطرح الرواية عددًا من الأسئلة المتعلقة بطبيعة القدر والحالة البشرية. ونتيجة لتفشي فايروس كورونا المستجد والاقبال الشديد على قراءة ادب الاوبئة قامت فقد سارعت دار «بنغوين» الشهيرة في بريطانيا إلى إعادة طبع رواية «الطاعون» لبيير كامو، التي مر أكثر من 70 عاماً على صدورها عام 1947.

اما غابرييل ماركيز فقد اشتهر بروايته المعروفة "الحب في زمن الكوليرا"

التي ألفها عام 1985، تجسد قصة الحب التي نشأت بين فلورينتيو وفرمينا، التي بدأت منذ سن المراهقة واستمرت حتى بلوغهما عمر السبعين؛ إذ يقرر فلورينيتيو أن يقضي حياته مع معشوقته فرمينا بعدما شاء القدر أن يجمع بينهما ثانية بعد وفاة زوجها .

نشرت رواية "العمى" للكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو عام 1995، وتدور حول مرض غامض ينتشر بسرعة بين البشر، يصفه ساراماغو بالعمى الأبيض، ويصف الأعراض في الصفحات الأولى من الرواية. تقوم الحكومة بعد ذلك بترتيب الحجر الصحي داخل مستشفى مهجور للأمراض العقلية. يتتبع الكاتب الأحداث المروعة لمجموعة من المصابين بقيادة زوجة الطبيب المصاب الأول بالمرض، وهي الشخص الوحيد الذي احتفظ بقدرته على الإبصار. بمجرد أن تزداد الأعداد داخل الحجر الصحي، تنهار الأخلاق والنظم الاجتماعية، ومع ذلك يظل هناك بعض الأشخاص الذين يحاربون من أجل مصلحة الجميع.

يعتبر العمى في الرواية مرادفاً للجهل وعائقا أمام الفهم، خاصة عندما يشعر الأطباء بالحيرة تجاه المرض وسبب انتشاره. ربما تكون الرواية كئيبة لكنها بالرغم من ذلك مثيرة تتخللها قصة حب وقصة أمل، مع حضور كبير لروح الدعابة في طريقة السرد، ليحقق ساراماغو ذلك المزيج النادر من السحر والخيال والواقع، بالإضافة إلى نهاية سعيدة تعيد الأمل إلى القارئ بعد كل تلك الأحداث المرهقة.

ويحضر وباء الكوليرا أيضا في رواية " الموت في البندقية" التي ألفها الكاتب الألمالني توماس مان عام 1922، لتتحول فيما بعد إلى عمل سينيمائي، يجسد بطل الرواية الذي يدعى غوستاف فون، وهو كاتب ألماني، تأخذه قدماه إلى رحلة لمدينة تدعي البندقية، والتي على الرغم من عدم ارتياح فون لها يوما، إلا أنه قد شغفها حبا بعدما وجد بها فتى شديد الجمال.

يتحدث الكاتب الأمريكي ستيفن كينج في روايته " الموقف " عن تفشي نوع خطير من الأوبئة يشبه الإنفلونزا، التي ستقضي على البشر جميعا؛ إذ تحكي الرواية عن كيفية انتهاء العالم، بعدما يقضي ذلك الوباء الفتاك على العالم بأسره، فيما عدا عدد من أولئك الذين يستطيعون البقاء بفضل امتلاكهم قدرات خاصة لمقاومة الطبيعة، ليعمرون الأرض فيما بعد مجسدين الصراع بين الخير والشر.

ولعل الرواية المثيرة للجدل -رواية أصدرها الكاتب الأمريكي دين كونتز منذ عام 1981، واللافت للنظر أنه توقع تفشي فيروس يشبه فيروس كورونا الحالي تماما ويقع في مدينة ووهان الصينية والتي سبق ذكرها.

رواية "إقفال" لجون سكالزي، وهو آخر الكتّاب الكبار في هذا النوع من الأدب، وهي تحكي عن فيروس تظهر أعراضه على شكل إنفلونزا بسيطة، يشبه فيروس كورونا الحالي، إذ يصيب واحداً في المئة فقط من السكان، لكنّه لا يؤدّي إلى الموت وإنّما يشلّ ويجمّد حركة المصاب ويتركه مستيقظاً واعياً، بحيث يصير غير قادر على الاستجابة لأيّ محفّز. من هنا تبدأ رواية بوليسية تجري أحداثها في فضاء مرعب، كما هي الحال اليومَ في مدينة ووهان الصينية.

وكان للادب العربي نصيبه من ادب الاوبئة حيث كتب الروائي المصري نجيب محفوظ روايته المعروفة بـ "الحرافيش" اصدرها عام 1977، متحدثا فيها عن الوباء الذي حل بأهل القرية جميعا، ولم يترك غفيرا أو وزيرا إلا وألم به؛ حتى باتت البلدة خاوية بعدما استفحل المرض وقضى على كل ما فيها، يحكي محفوظ أن هذا الوباء جاء لتدب حياة جديدة في القرافة؛ إذ يسير فيها النعش وراء النعش. 

اما فيما يخص ادب ديستوبيا كيف نشأ الأدب الديستوبي وما هي أفضل روايات أدب الديستوبيا؟ هل سمعت عن الأدب الديستوبي حيث المدينة الفاسدة التي يعيشها عالم وهمي لا مكان للإنسانية فيه؟ سنأخذك إلى هذا العالم لتتعرف على نشأة الأدب الديستوبي، أبرز ملامحه، وأفضل رواياته. ينتمي الأدب الديستوبي Dystopia إلى أدب ما بعد الحداثة، وانتشر بشكل كبير في أعقاب الثورة الصناعية، إلا أن أوج ازدهاره في الأدب المعاصر. يطلق عليه بأدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير كما يصوره كتّابه، أدب خيالي يصور المستقبل بصورة سوداوية ونظرة تشاؤمية البتة، يعمّه الفساد أينما كان وتنتشر به الفوضى والاستبدادية، يحكمه نظام شمولي يسيطر عليه الشر بجميع أشكاله وأنواعه. أبدع كتّاب الأدب الديستوبي بتصوير المستقبل إن كان قريبا أو بعيدا من خلال طرح قضايا متنوعة في المجتمع الديستوبي قد تكون اجتماعية، سياسية أو اقتصادية، وعلى الرغم من كونه من أدب الخيال العلمي إلا أنه يلمس بشكل كبير الواقع الذي يعيشه مجتمعنا بجميع أطيافه، فمن الممكن أن يتحدث الكاتب عن رؤية مستقبلية للمجتمع الذي يحيط به من وجهة نظره، ومن الوارد أن تكون تلك الرؤية واقعا حقيقيا نعيشه أو سنعيشه، وقد يسلط الضوء على قضايا اجتماعية أو سياسية بعينها يسقط مجتمعها إلى الهاوية وينحدر إلى درجة الانحطاط، لما يعانيه من ظلم وقمع وفقر وعدم تكافؤ ما بين الطبقات الاجتماعية. محتويات معني ديستوبيا ملامح الأدب الديستوبي أفضل روايات أدب الديستوبيا خاتمة معني ديستوبيا تُرجمت الديستوبيا باللغة اليونانية بالمكان الخبيث أو المدينة الفاسدة، وهي على النقيض تماما من مصطلح اليوتيوبيا

ويمكننا ان نشير الى بعض الاعمال المهمة التي تناولت هذا الموضوع .   من الأعمال الأدبية في هذا الاتجاه رواية 1984، التي اختارتها مجلة «التايمز» الأمريكية كواحدة من أفضل مئة رواية مكتوبة بالإنكليزية منذ العام 1923 وحتى الآن، وتمت ترجمتها إلى 62 لغة؛ حيث تصور الرواية دولة شمولية غازية عظمى.

من أهم الأعمال الديستوبية وأكثرها تعرضًا للحظر رواية «عالم جديد شجاع Brave New World» لـ«إلدوس هكسلي»، يصور هكسلي مجتمعًا يستخدم هندسة الجينات والاستنساخ للسيطرة على الأفراد، يولد الأطفال كلهم بهذه الطريقة ويصممون لينتموا إلى إحدى الفئات الاجتماعية الخمس المحددة: النخبة، التنفيذيون، الموظفون، وفئتا المخصصون للأعمال الشاقة في المجتمع وسميت هذه الفئات حسب الأبجدية اليونانية ألفا، بيتا، غاما، دلتا، ابسلون.

- وتعد رواية «إيرهون Erewhon» لـ«صموئيل بتلر» 1872 من أصول أدب الديستوبيا وفي أغلب الأحيان يصنفها البعض على أنها تنتمي إلى مناهضة المدينة الفاضلة (anti-utopian) حيث يسخر فيها على المدينة الفاضلة ويهجي المعتقدات الشعبية في إنكلترا في عصره من خلال الأرض الخيالية التي تدعى إيرون وهي أرض بعيدة يحظر فيها الآلات. رواية ايرهون للكاتب صموئيل بتلر، تم نشرها في عام 1872، تم تصنيفها على أنها النقيض لأدب المدينة الفاضلة، ، كما أن الرواية تمنع الأشخاص من المرض وإلا سينال سكانها العقاب وفقا للقانون الذي يفرضه حكام ايرهون، وفي المقابل فإن المجرمين يستطيعون تلقي العلاج.

رواية «النائم يستيقظ Sleeper Awakes» لـ«هربرت جورج ويلز» نشرت في عام 1910 وتتحدث عن رجل ينام لمدة مائتين وثلاثة سنين ليستيقظ في لندن عام 2100 ويجد هذه المدينة قد تغيرت رأسًا على عقب، وأصبح أغنى رجل بالعالم وذلك بسبب الفائدة على حساباته المصرفية ليرى أن كل أحلامه تحققت، لكن يحث معه خلط شديد ويعاني من صدمة ثقافية كبيرة ويكشف كل أهوال المستقبل ورعبه. هذه القصة هي أعادة كتابة رواية سابقة كتبها ويلز في عام 1899 تحمل اسم عندما يستيقظ النائم. 

ومن الروايات التي نالت شهرة واسعة جدا "مزرعة الحيوان» رواية أخرى من روايات الأدب الديستوبي للكاتب والروائي جورج أورويل نشرها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتعد الرواية من أهم روايات الكاتب في التاريخ، حيث أنها تصف النظام الشمولي وكيفية إشعال شرارة الثورات ضد الأنظمة وحكوماتها، من خلال مزرعة خيالية جميع أبطالها من الحيوانات الثائرة. تم منع الرواية من النشر في الكثير من البلدان التي يحكمها النظام الاشتراكي مثل الاتحاد السوفييتي وكوريا الشمالية وكوبا.

ومما تقدم يبدو من الواضح ان فيروس كورونا المستجد ليس إلا أحد تلك الأوبئة التي مثلت محطات قاتمة في تاريخ البشرية، مستوقفة العديد من الكتاب والمؤرخين عندها، بعدما أبادت أعداد هائلة من النفوس البشرية في كل بقعة من بقاع الأرض.

 

الدكتور حسيب الياس حديد

2020

 

صالح الفهديالأحداث التي تعتورنا لا يُمكن أن نتعاطى معها بفكر ساذج لا يستطيعأن يستقرئها، ويتمعَّن في سيرورتها وعواقبها، إننا بهذا نمارس الخبل،ونزهق العمر في عيش لا معنى ولا طعم له. وسائل التواصل الاجتماعيأظهرتْ الكثير من نماذج العطب الفكري، والسخف المعرفي، والسطحيةالمبتذلة في التعاطي مع الأحداث، والوقائع والقضايا والمواقف. وفيالجانب الاقتصادي، يُنبئ واقع الناس في مجتمعاتنا أنهم لا يدركونالمتغيرات الاقتصادية التي تحدث حولهم، والتي تتجه بهم إلى مصائرتضيِّق عليه الوسيلة المعيشية، وتقلص عليهم فرص الرفاه، والسعة، ومعذلك تجدهم يتشبثون بنمطية العيش الذي ألفوه، والوسائل التي اعتادواعليها في الإنفاق على الغذاء وهو إنفاق غير محكم، وفي الترفيه وهوترفيه غير مضبوط، وفي الشراء وهو شراء غير مقنن.

وفي الجانب النفسي، لا تزال أقدامهم ترتجف إن خطرت على العقل مجردفكرة لاجتراح الفضاء الواسع سعيًا وراء فرص مغايرة، مختلفة؛ لأنَّالخوف مُستبد بالنفوس، كاتم على أنفاسها من أن تواجه الفشل الذريع،فتقبع في مكانها عاجزةً، تندب حظها العاثر!

والمتغيرات أشبه بالأعاصير المحدقة حولهم؛ فهم في هذا الوضع أشبهبركاب سفينة يمرحون ويبتهجون دون أن يدركوا اسوداد الأفق حولهموإرهاصات الهياج في الموج، وصفير الرياح الهوجاء القادمة! 

وإذا تركنا هذا المشهد الذي قد يَراه البعضُ مُوغلاً في القتامة، فإننانصدر الدعوة ذاتها -أي التفكير بعمق- في عيش ناعم هانئ رغيد؛ وذلكما سيتيح لنا أن نتدبر في العبر، ونتمعَّن في تقلبات الزمان التي يصفهاأبوالبقاء الرندي بقوله:

"لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد ... ولا يدوم على حال لها شان

فما كانت مثل هذه العصارات الفكرية ومثيلاتها، والحكم الأدبية وقرائنهاإلا حصيلة دروس تاريخية ليتدبرها الفطناء النبهاء. ونفس الإنسانعصية على التدبر، متمردة على اسكتناه الدروس، ما إن تخضع طائعةًلدرس من دروس الحياة حتى تتغافل عنه سريعاً، وما إنْ تظهر التأثربحدث مؤلم، حتى سرعان ما تنساه، ولكن ذلك طبع متأصل فيها ما لميعقلها عقال حكيم، ويطوقها قياد عظيم. وذلك لا يتحقق إلا ببناء الإنسانبالتعليم أو التعلم؛ فالأول يكون عبر مؤسسات تريد حقيقةً أن تبنىإنساناً له عقل وازن، وفكر ثاقب، فترسم له الطريق لذلك البناء عبرمنظومة من المعارف والآداب والفنون التي تصقل شخصه، وتحكمصنيعه. أما الثاني، فهو تعلم الإنسان نفسه حين يبلغ به النضج والرشدمبلغاً يكون فيه قادراً على رسم منهجه، ووضع قراره لما يريد أن يكون فيمستقبل أيامه.

وهنا.. فإنَّني أذكر حاجتنا إلى تعلم الفلسفة، أو قل مفاتيح تعلمها؛ لأنَّالفلسفة هي التي تعيننا على استكناه الأشياء، والمواقف، والغور عميقاًفي الأحداث، واستقراء سيرورة المتغيرات. الفلسفة هي بوابة العقلللتفكير الحصيف، والتدبير الكيس، بيد أن مجتمعاتنا قد ضربتبالفلسفة عرض الحائط لأنها في منظور كثير من صناع المناهجالتعليمية مضيعة للوقت..!! حينما كنت في سن الثانية عشرة تناولتكتاباً من مكتبة المدرسة التي أسستها بالاشتراك مع مدرس اللغة العربية،ما زلت حتى اليوم أجهل الأسباب التي دفعتني لاختيار ذلك الكتابالفلسفي الذي حمل عنوان: "الحب والحرب والحضارة والموت" لسيجموند فرويد..!! لم يغب عني اسم هذا الكتاب حتى اليوم، هل لأنهتناول أربع ركائز من ركائز الوجود الإنساني، أم لأنه فقط كتاب فلسفي؟! لا أجد الجواب المناسب.

السؤالان اللذان علينا مواجهتهما هما: هل علينا أن نعيش الحياة بسطحية تامة، وندع الأحداث تسوقنا كما اتفق؟ أم أنَّ علينا أنْ نحكم قيادأنفسنا، ونتمعن في طرائق معاشنا، ونراجع أفكارنا، ونتأمل صورسلوكاتنا، وننقد أنفسنا؟

لا يُمكننا الإجابة عن واحد من السؤالين إن لم نخلص أنفسنا من معمعةالفوضى التي ألقينا فيها عقولنا، وأقصد بها زخم التواصل الاجتماعي،وحشود الرسائل، ورنين الهواتف، وهيجان الآراء المتصارعة في المنصاتالافتراضية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى الخواء العقلي، والسخفالفكري، والجري وراء الملهيات، والنزوع إلى الملذات!

إنَّنا إنْ لم نمنح الحياة حقها من استكناه المعاني، فلن نسمو لنشعر بها،ولن نعرف معنى أعظم ما فيها من هبات كالحب، والخير، والحق،والجمال، والعدل، والسعادة.. وسنظل نعيش بشراً هامشيين لا يصنعونإنجازاً، ولا يتركون أثراً..! ولأجل أن نكون كائنات مفكرة علينا أن نعيأسباب التفكير، ومعناه، وطرقه، يقول هنري ثورو: "خطوة واحدة لنتعبد طريقا على الأرض، كما أن فكرة واحدة لن تغير شيئاً في العقل،تتابُع الخطوات ستعبد الطريق، كما أن الكثير من التفكير سيصنعالمستحيل الذي سيغير حياتنا".

 

د. صالح الفهدي

 

صلاح حزامهنالك أشكال مختلفة من التلوث ، منها العضوي ومنها الكيميائي والبيولوجي (الجرثومي والبكتيري والفايروسي الخ ....)، ومنها الصوتي (الضوضاء والضجيج) والبصري (المناظر المشوهة والقبيحة).

واليوم وجدتُ نفسي افكّر بنوع آخر من التلوث وهو التلوث الذهني ..

والتلوث ، تعريفاً، هو إضافة أيّ مادة سواءً أكانت صلبة، أم سائلة، أم غازية، أو الصوت، أو الحرارة، أو الإشعاع، إلى البيئة بأسرع من امكانية البيئة على التخلص منها، أو تحليلها، أو تخزينها على شكل غير ضار بتلك البيئة.

والتلوث فيه مستويان:

-التلوث الذي لايتعدى المستويات المسموح بها ( contamination)

-التلوث الضار الذي يتعدى الحدود المسموح بها (pollution).

وبالعودة الى موضوع المقالة والذي هو التلوث الذهني ، فأننا نلاحظ هذا التدفق الهائل من الاخبار والمعلومات والتحليلات والقصص والحوادث التي يتلقاها الفرد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستمر..

انها تصل الى الافراد بغض النظر عن العمر وعن المستوى التعليمي والثقافي وفي اي وقت وفي اي مكان.

العقل الانساني لايخترع المعرفة من الفراغ ولايحصل على المعرفة بالالهام الألهي مثل الانبياء (وهذا موضوع يتعلق بالميتافيزيقيا او الماورائيات).

قدرات العقل الانساني تنمو عن طريق المعارف المكتسبة والمتراكمة بشكل منهجي وتدريجي ، ومختارة بشكل علمي من خلال النظام التعليمي، أضافة الى المصادر الاخرى الرصينة من خارج النظام التعليمي والتي تخضع للتحكيم والتقييم وتكتب من قبل اشخاص معروفين ومسؤولين عما ينشرون..

على ضوء ذلك التراكم المعرفي يمكن ان يُبدع العقل البشري ويبدء بانتاج معرفة جديدة وأضافة للعلوم المعروفة.

بناء على مايقوله الفيلسوف "مانوئيل كانت" في كتابيه المشهورين: نقد العقل العملي ونقد العقل المحض..

فان الله يمنح الانسان العقل المحض كجهاز تحليل ومعالجة (ايمانوئيل كانت، كان مسيحياً مؤمناً)..

ثم يستخدم الانسان هذا الجهاز لتحليل المعلومات التي يستلمها من المحيط لبناء عقل عملي تطبيقي ينمو باستمرار ..

معنى ذلك أن تغذية العقل بمعلومات مشوهة ومبهمة ومتناقضة وغير منطقية، يؤدي الى نوع من التلوث العقلي والمعرفي.

بعض الناس من ذوي التعليم البسيط يستلمون معلومات علمية وطبية خطيرة ويتصرفون بموجبها دون فهم حقيقي لانهم لايملكون القدرة على المقارنة والحُكُم وينشرونها الى محيطهم مقترنة احياناً بتعليق خاطيء او ساذج..

انتشار وسائل التواصل الاجتماعي كان مقترناً، لحسن الحظ، بانتشار الشبكة العنكبوتية التي سهّلت الوصول الى المكتبات العظيمة والكتب والمقالات والابحاث الرصينة .

لكن المشكلة ان وسائل التواصل الاجتماعي تنشر بكثافة وباستمرار سيلاً من المعلومات القصيرة والمبتورة والمتنوعة والتي استحوذت على وقت الفرد ولم تترك له فسحة للقراءة الجادة المنتجة بالاستفادة من شبكة الانترنت كما ينبغي.

النتيجة كانت هذا التلوث العقلي الذي انتشر بين الكثيرين وجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارات سليمة او اتخاذ موقف سليم من قضية هامة.

على مدى التاريخ الانساني كان هناك مستوى معين من التلوث الذهني ولكنه كان بالمستوى المقبول..

اما الآن فأن تفشي هذه الظاهرة تجاوز كل الحدود.

 

د. صلاح حزام

 

 

عصمت نصارلقد شغلت قضية الإيمان والإلحاد، أو إن شئت قلت التدين والعلمانية حيزًا كبيرًا على مآدب المثقفين في مختلف العصور وفي شتى الثقافات. وما أكثر المناظرات والمساجلات التي دارت بين رجالات الدين والمنكرين للربوبية والجاحدين للدين السائد والمرتابين في المقدسات والكافرين للألوهية وغيرهم من الزنادقة والمجدفين واللا أدريين والجانحين وأهل الشطط والغلو والشرك.

وقد تباينت لغة حوار المتناظرين والمتثاقفين تبعاً للقدر المتاح من حرية الفكر والتسامح العقدي من جهة، والتعصب والعنف من جهة ثانية، والسلطات السائدة المهيمنة على العقل الجمعي من جهة ثالثة. ويعني ذلك أن التساجل حول الإيمان والإلحاد يرد في العصور وقد وصل إلى حرية البوح والتمرد على المألوف من الأفكار والمعتقدات.

غير أن الواقع يشهد بأن الحوار والتساجل حول هذه القضية لم يتحول إلى تصارع وتصاول وعراك وتدافع إلا مع ظهور ما نطلق عليه سلطة الاستبداد التي اتخذت من العنف والقهر سبيلاً لفرض الرأي عوضاً عن الحجة والبرهان أو النصح والإرشاد.

ويعد إخفاق معظم الأنبياء والمرسلين والمصلحين في إقناع مخالفيهم عن طريق الحوار والنقاش الهادئ، خير دليل على ما تقدّم.

وأعتقد أن مطالبة أفلاطون - في الكتاب العاشر من محاورة القوانين - الرأي العام القائد بقمع الملحدين ونفيهم دفاعًا عن الدين السائد وحماية لأمن وسلام المدينة يرجع إلى قناعته بأن سلطة الدين السائد -بغض النظر عن سلامته وصلاحه- لا يمكن للعقل مجابهتها بالعلم أو بالفلسفة، وتأكيده أيضاً بأن ديكتاتورية معتقد الكثرة لم تفلح دوماً حكمة النبهاء والأدباء في تغييره دفعة واحدة، وتسليمه بأن الجدل حول الإيمان والإلحاد مغامرة غير مأمونة العواقب لأن العنف يحيط بالمتناظرين من كل جانب في ظل سجن الحرية بأمر الأقوى القابض على سيف الاعتقاد، (فقد اعتبر أفلاطون الإلحاد جريمة ومن ثم ينبغي على القانون معاقبة مرتكبها اقتناعها منه بأن العقيدة الدينية شديدة الصلة بالسلوك الفاضل ومن ثم فأي مساس بها أو إضعافها أو التشكيك في مصداقيتها يصبح خروجاً عن القانون الأخلاقي.

وعليه؛ يجب على المشرعين سن قانون رادع لمعاقبة المارقين الذين يكفرون بوجود الإله وقدرته على معاقبة الأشقياء ومجازاة الفضلاء الأتقياء، فالعدالة والأمن والاستقرار والانتماء سوف تمسي ألفاظًا غير فاعلة وقيمًا بائدة في غياب التدّين، وأن الظلم والشقاق والاغتراب والتطرف والعنف وغير ذلك من الرذائل لا تتفشى في مجتمع إلا بتحريض من الإلحاد والمروق، فالقانون  الحقيقي والدستور الأمثل هو الناطق بصوت الإله).

وعلى الرغم من ذيوع حديث أفلاطون عن ضرورة احترام الدين وتقديس تعاليمه بين المثقفين والحكماء والفضلاء، فإن المساجلات والمناظرات لن تتوقف حول هذه القضية. ولعل أعنف المصاولات التي دارت بين أرباب الديانات ومنتقديها هي تلك التي سادت العصر الوسيط بعد الحملة التي شنها آباء الكنيسة على الفلسفة والفلاسفة والعلماء –بداية من القرن التاسع الميلادي- وقد عقب هذا العنف مئات السنين من الاضطهاد في معظم الثقافات بدرجات متفاوتة حتى عصر النهضة –في القرن السادس عشر- ثم حركة التنوير –في القرن الثامن عشر- التي كفرت بدين الكنيسة وأعلت من شأن العقل والعلم دون اللاهوت وظهرت عشرات المؤلفات التي تسخر من الكتب المقدسة وتتهكم على مضامينها ومعارفها وتعاليمها.

أمّا الثقافة العربية الإسلامية فلم تكن بمنأى عن هذه السنة أيضًا، أعني أن استقرار الإيمان لم يكن وليد التحاور الهادئ والجدل المحمود فحسب في معظم الأحايين، فمع تسامح الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مع الأغيار في أمور العقيدة والقدر الموفور من حرية الإيمان والاعتقاد إلا أن السلطات القائمة في حقب متباينة من تاريخ الدولة الإسلامية قد جنحت إلى التعصب والتشدد والعنف مع المخالفين في أمور الدين، الأمر الذي دفع الجانحين من المتشككين والرافضين لغياب العقل في حضرة النصوص المقدّسة إلى اتهام بنية العقيدة الإسلامية بما ليس فيها مثل الجمود ومناهضة العلم والاعتداء على الحريات وتطرقوا كذلك للشك في النبوة والنصوص المقدسة وما حوته من غيبيات، وتشهد بذلك الكتابات التي حقرت من فرقة المعتزلة واتهام العقليين منهم بالكفر والمتفلسفة بالزندقة وتحريض الفقهاء للخلفاء والأمراء على الفلاسفة ودفع العوام لإحراق مصنفاتهم والترويج للمؤلفات الناقضة لأفكارهم.

وتشهد الواقعات التاريخية أن عصور الاضطهاد في الثقافة الإسلامية كانت محدودة إذا ما قورنت بعصور الظلام في الثقافة الغربية وأن سجن التسامح وتقييد الحريات لم يكن سوى مظهراً من مظاهر التخلف الحضاري والجمود الفكري الذي تولد من خلط أمور الدين برغبات السّاسة حيث المطامع والمطامح والسلطان والحفاظ على المكانة والكيان، وظل الأمر على هذا النحو في الثقافتين الغربية والإسلامية حتى أخريات القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، أقصد تلك الحقبة التي كانت بمثابة مرحلة الإعداد للمواجهة بين دعاة التدين والإيمان بالكتب المقدسة والتعاليم الربانية وأنصار الإلحاد واللا أدرية والعلم والعلمانية وفصل الدين بالكلية عن الأمور الدنيوية.

تلك كانت الصورة التي قد استقرت في أذهان المجددين في الثقافة العربية الحديثة ومنهم محمد فريد وجدي، وقد أوجزناها في السطور السابقة ليشاركنا القارئ في الحكم على محاولة فريد وجدي المشاركة في تلك المساجلات التي دارت في منتصف القرن العشرين بين المحافظين والتغريبين حيال نفس القضية التي للأسف لم نجد فيها سوى ترديد لطعون المستشرقين والجمعيات الإلحادية الغربية على لسان دعاة الإلحاد.

وقد صرّح وجدي بذلك قبل تصديه لهذه القضية ومناقشته إسماعيل أدهم وما تضمّنته رسالته لماذا أنا ملحد عام 1937م، فقد كتب محمد فريد وجدي في مقدمة مثاقفته (لماذا هو ملحد؟) ما يؤكد أنه لم يشارك في هذه المعركة الفكرية إلا لتبيان الحقيقة والدفاع بالحجة والبرهان عما يؤمن به ويثبت في الوقت نفسه تهافت معتقد مناظره وفساد رأيه، وأن كل ما دفع به خصمه لا يرقى لمستوى اليقين أو المعرفة العلمية الدقيقة، ويقول وجدي: "إن انتشار العلوم الطبيعية وما تواضعت عليه الأمم المتمدنة من إطلاق حرية الكتابة والخطابة للمفكرين في كل مجال من مجالات النشاط العقلي استدعت أن يتناول بعضهم البحث في العقائد، فنشأت معارك قلمية بين المثبتين والنافين تمحصت بسببها حقائق، وتبينت طرائق وآمن من آمن عن بينة، وألحد من ألحد على عهدته.

ونحن الآن في مصر وفي بحبوحة الحكم الدستوري، نسلك من عالم الكتابة والتفكير هذا المنهاج نفسه فلا نضيقن به ذرعاً ما دمنا نعتقد أننا على الحق المبين وأن الدليل معنا في كل مجال نجول فيه، وإن هذا التسامح الذي يدّعى أنه من ثمرات العصر الحاضر هو في الحقيقة من نفحات الإسلام نفسه ظهر به آباؤنا الأولون أيام كان لهم السلطان على العالم كله فقد كان يجتمع المتباحثون في مجلس واحد بين سنيّ ومعتزلي ومُشبّه ودهري إلخ فيتجاذبون أطراف المسائل المعضلة، فلم يزدد الدين حيال هذه الحرية العقلية إلا هيبة في النفوس وعظمة في القلوب وكرامة في التاريخ".

فقد ذهب وجدي إلى أن الكاتب - يقصد إسماعيل أدهم - لم يدفعه إلى ما ذهب إليه من تجديف وتطرف إلا أمرين، أولهما : فقدانه اهتمام الأبوين بتقويم مداركه ومشاعره وإهمال تربيته وجدانيا وعقليا، الأمر الذي جعله يشعر بأنه مجبر على قبول أشياء لم يتربى عليها في صغره وتعاليم لم يفهمها ويعي مقاصدها في صباه، في حين أن الأغيار من أقاربه لم يكلَفوا بما فُرض عليه من حفظ لكلمات لم يفطن إلى معناها وآيات لم يعي مغزاها.

وثانيهما: انجذابه للكتب الفلسفية الوضعية والنظريات العلمية المنافية لما كان يكره والموافقة لما رغب فيه. ومقصود وجدي من ذلك هو توضيح أهمية التنشئة الإسلامية على أذهان الأطفال وتنبيه التربويين على ضرورة تفهيم الصبية معاني ما يحفظونه من القرآن ومقاصد التعاليم التي يدفعونهم إليها دفعًا حتى يتضح لهم علة الترغيب والترهيب فيما يلقى عليهم من دروس ويؤمرون به من سلوك.

(٢)

حريُّ بي قبل أن أستأنف الحديث عن ما تضمّنته مثاقفة محمد فريد وجدي مع إسماعيل أدهم، أن أقوم بتحليل الواقعات المحيطة وتصريح أدهم بإلحاده وموقف رصفائه (رفقائه) محافظين كانوا أو محدثين من آرائه الصادمة وتصريحاته المجترئة. وذلك للكشف عن القدر الموفور من الحرية آنذاك لعقد مثل هذه المثاقفات، فعلى الرغم من حملة معظم المشاركين في هذه المثاقفة على الإلحاد والاجتراء على المعارف المقدّسة، إلا أن كل منهم قد التزم بأخلاقيات التناظر واحترام حرية المخالف والحرص على تطبيق الأصول الفلسفية والقواعد المنطقية للجدل، ولم يتعرّض أحد منهم للإيذاء المادي أو المعنوي إلا المتعصّبون، الأمر الذي نفتقده في جل مناظرتنا ومثاقفتنا حول أبسط المسائل التي تمس الموروث بوجه عام والمسائل الخلافية في الفقه والسياسة الشرعية والتربية الإسلامية على وجه الخصوص.

فقد وجّه إسماعيل أدهم حديثه على صفحات مجلة الإمام إلى أحرار الفكر الذين ضاقوا بالعقائد الموروثة والمعتقدات البالية والكتب المقدّسة التي حالت بين عقولهم والعلم والاستنارة والتفكير الحر والنقد والإبداع، شأنه في ذلك شأن الكتاب الغربيين الذين صاروا على نهج ديدرو (1713-1784م) وهولباخ (1723-1789م) وغيرهم من المجدفين الغربيين في جحد الدين، وشبلي شميل (1850-1917)م وعبد الحميد الزهراوي (1855-1916)م وجميل صدقي الزهاوي (1863-1936)م وفرح أنطون (1874-1922م) وسلامة موسى (1887-1958)م ومحمود عزمي (1889-1954)م وكامل الكيلاني (1897-1959)م وحسين فوزي السندباد (1900-1988)م وأضرابهم من الكتّاب العرب المجترئين، ذلك فضلا عن المفكرين الماسونيين من أمثال: أحمد زكي أبو شادي (1892-1955م)، علكسان الأرمني (؟)، فرانسيس مراش (1836-1873م)، عمر عنايت (؟)، وشاهين ماكريوس (1853-1910م)، وأمين الريحاني (1876-1940م)، الجانحين.

وها هي كلماته التي صدّر بها أول مؤلفاته (من مصادر التاريخ الإسلامي) الذي صدر عام 1936م (إلى أحرار الفكر إلى الذين حرروا الفكر من قيوده .. وجاهدوا في سبيل تحرير العقل الإنساني والمزاعم الوطنية، والذين أخذوا بيد الجماعات الإنسانية الى الحياة الصحيحة، أهدى هذا الكتاب لعلهم يجدوا فيه نظرة حرة).

ويعني ذلك أن أدهم قد أعلن انضواءه تحت مظلة العلمانيين والهراطقة والمرتابين في الدين، أي أن إعلان إلحاده لم يكن عارضاً أو وليد اضطراب وشك عقدي قد دفعته إليه بعض الكتابات الرجعية أو المفاهيم الجامدة والمعارف المكذوبة، والجدير بالإشارة في هذا السياق أن أدهم قد تدرّب على يد بعض المستشرقين الروس في إحدى الجمعيات الإلحادية السرية التي انتشرت في الغرب في الفترة من (1776 إلى 1789) تلك التي تخرج فيها معظم المروجين للفلسفات المادية في تركيا والشرق الأوسط على وجه الخصوص ولاسيما عقب ذيوع الشيوعية في روسيا عام 1917م وقبيل سقوط الخلافة العثمانية. وحسبنا ألا نستفيض في الحديث عن الملابسات والبواعث التي أحاطت بإلحاد إسماعيل أحمد أدهم، وقد تحدثنا بتوسع عن ذلك في كتابنا ثقافتنا العربية بين الإيمان والإلحاد الذي ظهرت طبعته الثالثة عام 2006.

والذي يعنينا في هذا المقام هو أن محمد فريد وجدي لم يشارك في النقود والردود التي وُجهت لرسالة إسماعيل أدهم (لماذا أنا ملحد) التي ظهرت عام 1937م للطعن فيما جاء فيها من أغاليط أو النيل من شخص كاتبها الذي تعمّد التشكيك في الثوابت العقدية، بل شرح وتوضيح علة ظاهرة الإلحاد التي تسللت إلى مصر عقب ظهور الكتابات التوراتية التركية ولاسيما كتاب قابيل آدم عن كمال أتاتورك وثورته المادية، ثم توالى ظهور الجمعيات السريّة الإلحادية بين شباب المثقفين المتشيعين للفلسفات المادية والأفكار الماركسية، ولعلّ أشهر هذه الجمعيات هي التي أطلقت على نفسها رابطة الأدب الجديد وكان مقرها مجلة العصور عام 1928.

ومن أشهر المفكرين العرب الذين قاموا بالرد على إسماعيل أدهم: أبو هاشم الصادق جابر (؟)، عبد المتعال الصعيدي، محمد عبدالغني حسن (1907-1985م)، صديق شيبوب، شارل شميل، عبداللطيف النشار (1895-1972م)، يوسف الدجوي (1870-1946م)، سامي محمد شهاب.

ويعني ذلك أن الهدف الرئيس لمقال محمد فريد وجدي (لماذا هو ملحد؟) الذي ظهر على صفحات مجلة الأزهر عام 1937م هو إلقاء الضوء على تلك الظاهرة، وإثبات أنها لم تنبت في بنية الفكر المصري، فهي في رأيه عرض لمرض لو تركناه لتفشى بين الشبيبة التي عزفت عن القراءة وتقصي الحقائق وكشف الأغاليط وفضح الأكاذيب، وهو عين الداء الذي نعاني منه الآن، وتبيان أن كل ما جاء به أدهم لم يكن سوى ترديدا لأقوال غلاة المستشرقين الذين دأبوا على محاربة الأديان بعامة والطعن في الدين الإسلامي بخاصة، وأن الإسلام ليس قيداً للعقول أو سجناً لحرية البوح بل هو ضد الأكاذيب والافتراءات التي يروج لها البعض ويتخذ منها مبرراً للمروق والتطاول على المقدّس.

فقد ذهب وجدي إلى البحث عن علة إلحاد أدهم بين الأسباب التي أفصح عنها، وأكد أنها الدافع الرئيس لكفره وارتيابه في الدين فاستشهد بكلماته عن العلم والفلسفة باعتبارهما أهم المصابيح التي أضاءت له ظلمة الغيبيات والجهالات التي كان يعيش فيها عقله قبل إعلان إلحاده، والملاحظ أن وجدي لم يناقش أدهم في علة انتصاره للعلم أو الفلسفة بل أكد على أن العلم والفلسفة ليس من موضوعاتهما الحكم على الدين، ومن ثم فمن الخطأ البحث عن الحقائق الدينية في ميادين مغايرة تماماً لطبيعته وبنيته المعرفية ومصدره، ويقول وجدي في ذلك: (إن قوله –أي أدهم- أن الأسباب التي دفعته للتخلي عن الإيمان منها ما هو علمي ومنها ما هو فلسفيّ ومنها ما هو بين بين)، قول لا نراه وجيهاً، فقد اعترف العلماء أن العلم يعجز عن إقامة دليل على نفي الصانع، وليس من وظيفة العلم البحث فيما وراء المحسوسات، والحكم بوجود شيء أو نفيه مما وراءها إلا إذا كان له في تلك المحسوسات أثر يستهدى به.

أمّا الفلسفة وهي تناول الأمور بالنظر والتفكير، فهي كما تكون سبباً في الإلحاد، تكون سبباً في الإيمان، ناهيك أن أعلام الفلاسفة أكثرهم مؤمنون".

ثم يعود وجدي إلى التأكيد ثانية على أن علة إلحاد أدهم لا تُرد في المقام الأول إلى معارفه المشوشة، بل إلى دوافع سيكولوجية ومفاسد تربوية فإهمال أبيه له وأثر إخوته المسيحيات المتهكمات على المقدس والاجتراء على المعارف الدينية من جهة، وشدة خاله في تلقينه تعاليم الإسلام وإجباره على استيعاب ما لا يطيق سوف يظل في رأي وجدي هو علة وجود هذه الظاهرة عند أدهم وتفشيها في الثقافات الرجعية، ويقول وجدي: (أمّا ما عبّر عنه الكاتب بأحوال البيئة والظروف وبأسباب سيكولوجية فهي في نظرنا هي الأسباب الحقيقة في تكوين فكرة الإلحاد عنده)، فإنه ذكر في تاريخ حياته أن أباه كان مسلماً محافظاً وأن أختيه كانتا تلقنانه الدين المسيحي وفي الوقت نفسه كانتا تهزآن بخوارق الكتب المسيحية وبخلود الروح في الحياة الآخرة، وأن زوج عمته كان يرغمه على الصلاة وحفظ القرآن. فهذه كلها عوامل تقذف بنفسية الطفل من الشذوذ إلى مكان بعيد، ولا عجب لنفس يحكم عليها أن تكون في وسط هذا التناقض ولا تشعر بانقباض شديد يحملها على طلب المخرج منه. فلما آتته نظرية الإلحاد وجد فيها الراحة التامة لضميره والثلج الكلي لصدره، فأخذ بها وتحمس لها".

كما أن قول أدهم  (بأن سبب الكون يتضمنه الكون في ذاته، لا يمكن أن يعدو كونه رأيا، ولما كان الدكتور يكلمنا وهو في مجال العلم, فإنا نسأله كيف يمكن في عرف العلم أن يولد الرأى إيماناً راسخاً لا يقبل المناقشة؟)

وقد أستشهد وجدى برأي السير وليم كروكس الكيميائي الانجليزي (1832م إلي 1919م)، الذى صرح أثناء رئاسته للمجمع العلمي بلندن (أن الكون كله على ما ندركه نتيجة الحركات الذرية، وهذه الحركات تنطبق كل الانطباق على ناموس حفظ القوة، ولكن ما نسميه ناموساً طبيعياً هو في الحقيقة مظهر من مظاهر الاتجاه الذي يعمل على موجبة شكل من أشكال القوة، ونحن نستطيع أن نعلل الحركات الذرية كما نعلل حركات الأجرام الجسمية، ونستطيع أن نكتشف جميع النواميس الطبيعية للحركة، ولكنا مع ذلك لا نكون أقرب مما كنا عليه إلى حل أهم مسألة وهى أى نوع من أنواع الإرادة والفكر يمكن أن يوجد خلف هذا الحركات الذرية، مجبراً لهذه الحركات على اتباع طريق مرسوم لها من قبل؟

وما هى العلة العاملة التى تؤثر من خلف هذه الظواهر، وأي ازدواج من الإرادة والفكر يقود الحركة الآلية الصرفة للذرات خارجاً عن نواميسنا الطبيعية بحيث يحملها على تكوين هذا العالم المادي الذى نعيش فيه؟ ).

وقد أراد وجدى بذلك إثبات تهافت الزعم الذي تبناه أدهم بأن الكون مولد ذاتياً أو نتيجة عشوائية تحكمها المصادفة، وأستشهد كذلك بقول العالم الرياضي الفرنسي هنرى بوانكاريه (1854م إلي 1912م)، الذى أكد أن النظريات العلمية والقوانين الفيزيقية لا يمكن إدراجها ضمن اليقين المطلق بل يمكن نقدها والشك فيها تبعا للاكتشافات العلمية الأحدث.

أمّا استشهاد أدهم بإنكار الفيلسوف الألماني كانط (1724م إلي 1804م), لوجود الله وأن العقل لا يستطيع إثبات وجوده فيرى وجدى أن هذا الرأى مردوداً عليه لأن لا أدرية كانط جاءت في سياق حديثه عن العقل الخالص الذى لا يعترف إلا بالمحسوسات والموجودات التى يقبلها العقل التجريبي أما خلال حديثه عن الأخلاق والدين قد أثبت وجود الله وأهمية الإيمان وذلك عند حديثه عن العقل العملي وكذا في كتابه الدين في حدود العقل وحده.

وعقب وجدى على لسان أدهم الذى اجتزاء حديث كانط من سياقه ليوهم القارئ بأن هذا الرأى خلاصة ما أنتهي إليه كانط قائلا: (الواقع الذى ألمسه أن فكرة الله فكرة أولية، وقد أصبحت من مستلزمات الجماعات منذ ألفي سنة، ومن هنا يمكننا بكل اطمئنان أن نقول إن مقام فكرة الله الفلسفية أو مكانها في عالم الفكر الإنساني لا يرجع لما فيها من عناصر القوة الإقناعية الفلسفية وإنما يعود لحالة يسميها علماء النفس التبرير، ومن هنا فإنك لا تجد لكل الأدلة التى تقام لأجل إثبات وجود السبب الأول قيمة علمية أو عقلية. ونحن نعلم مع علماء الأديان والعقائد أن أصل فكرة الله تطورت عن حالات بدائية، وأنها شقت طريقها لعالم الفكر من حالات وهم وخوف وجهل بأسباب الأشياء الطبيعية، ومعرفتنا بأصل فكرة الله تذهب بالقدسية التى نخلعها عليها).

يضيف وجدى أن هذا الاستشهاد باطل ولا يخلو من التدليس والتقوّل وذلك لأن هذا الزعم لا يصدر عن لسان عالم فقد أثبتت الدراسات الجيولوجية أنه لا يوجد حضارة منذ أقدم العصور تنكر وجود إله أو تجحد أثر الدين على الأخلاق والسلوك:

(إنّ الأحجار المنقوشة في الهند والصين ومصر وغيرها تدل على أن تلك الأمم قبل ستة ألاف سنة كانت متدينة على أشدّ ما يمكن أن يكون، وكان للدين السلطان المطلق عليها حتى كان الحكم فيها  قبل نشوء الملكية للكهنة والرهبان).

أما زعم أدهم بأن فكرة الله لا تتضمن قوة إقناعية فإن إيمان معظم العلماء والفلاسفة بوجود الله خير رداً على ذلك. كما أن الفلسفات المادية لم تستطع تقديم برهان يقيني على مزعمها تجاه وجود مدبر للكون .

وهل يعقل أن أفلاطون وبرجسون وغيرهما من مئات الفلاسفة لم يفطنو أن فكرة الله وهم كما يدعي أصحاب الفلسفات المادية والجمعات الإلحادية؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

نابي بوعليجدل اللامترجم والقابل للترجمة.

المترجم الوسيط: نموذج بول ريكور


ظلت الترجمة حلقة الوصل بين الحضارات وطريقا لنقل المعارف والعلوم والتراث بين الأمم. كما ظلت النصوص الخالدة في التاريخ  تزحف من الماضي وتنتقل من لغة إلى لغة أخرى بفضل جهود المترجمين لتحيا معنا في زماننا، في عصرنا، وتواصل حياتها من بعدنا. إنها تحمل إلينا أشياء، وتريد أن تقول لنا أشياء. ولقد ازداد الاهتمام بالترجمة في العقود الأخيرة من خلال الإصدارات الكثيرة ومراكز البحث المنتشرة عبر العالم، واتساع دائرة المعلومات وانتشارها وتداولها، وتعمق أكثر في ظل فتوحات العولمة. وتشير الأرقام والإحصائيات إلى تضاعف أعمال الترجمة ناهيك عن الترجمة الفورية، والترجمة المباشرة لأغلب لغات العالم على شبكة الانترنيت، كما تضاعف الإقبال على تعلم اللغات، وصار الأمي في عصرنا هو من يعرف لغة واحدة كالأعمى الذي لا يرى إلا بعين واحدة.

جدل اللامترجم والقابل للترجمة

عرف الإنسان حركة الترجمة منذ أقدم العصور، سواء من خلال انتشار اللغات وتشعبها، أو من خلال تعايشها في بقعة جغرافية واحدة. ومن جهة أخرى يمكن القول أن الإنسان يصعب عليه التعرف على حضارات وثقافات الشعوب الأخرى دون الاستعانة بالترجمة وبما أنجزه المترجمون، بل تصبح الترجمة هي بوابة التلاقي بين الثقافات، وتقضي على التماسف والتباعد بين اللغات ف " قبل التراجمة المحترفين كان هناك الرحالة والتجار والسفراء والجواسيس، أي كثير من مزدوجي اللغة ومن متعددي اللغات"(1).

وقد احتلت الترجمة مكانة محورية لدى المفكرين والباحثين، وبدأت تثير تساؤلات كثيرة، وبالفعل فعند التأمل مليا في مسألة الترجمة تقفز إلى الذهن جملة من التساؤلات من مثل: هل يحمل النص في ذاته إمكانية الترحال إلى لغات ومجتمعات وثقافات أخرى؟. هل قابلية النص للانتقال من لغة إلى لغة أخرى يعني أن اللغة البشرية تعود إلى أصل واحد وأن جميع اللغات المتشعبة ما هي إلا بنات لغة واحدة؟ وهل كل نص يمنح نفسه للمترجم بسهولة ودون مقاومة؟ أم هناك نصوص تجعل من فعل الترجمة رهانا يصل إلى حد العسر ويكون بالتالي شقيق اللامترجم؟ ثم هل الترجمة ضرورة، أم هواية، أم متعة، أم هي هذا الخليط جميعا؟

حملنا هذه التساؤلات وحاولنا أن نجد لها إجابات أو توضيحات، فحطت بنا الرحال عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور باعتباره ممارسا لفعل الترجمة، واستقر بنا المقام عند كتابه الذي يحمل عنوان "عن الترجمة Sur la Traduction" الصادر سنة2004 والمترجم إلى اللغة العربية سنة 2008، وفيه خلاصة أرائه عن ذلك الحقل المثير لشتى أنواع التساؤلات. وبالرغم من أن تلك التساؤلات التي أشرنا إليها سابقا ليست جديدة على مستوى الطرح والنقاش والتناول، إلا أننا أردنا أن نلقي عليها الضوء من خلال نظرة فيلسوف له باع طويل في مجال الفكر، وفي حقول معرفية كثيرة من الأدب إلى السيمياء وعلم النفس والتأويل والفلسفة والدين والتاريخ وغيرها من المجالات الأخرى، زيادة على أنه عرف الترجمة منذ مرحلة الشباب، منذ أن وقع أسيرا بيد القوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية، حيث ترجم كتاب "أفكار" للفيلسوف الألماني ادموند هوسرل مؤسس الفلسفة الظواهرية(الفينومينولوجيا).

في البداية لا بد من القول أن ريكور يتجاوز ذلك الجدل العقيم والتعقيدات المعيقة التي سادت زمنا طويلا حول إمكانية قيام ترجمة حقيقة تنقل النص من لغته الأصلية إلى اللغة المستقبلة بأمان وموضوعية مطلقة، وما رافق ذلك الجدل من مواقف متضاربة حول خيانة المترجم وعدم إخلاصه ووفائه لنقل أفكار المؤلف ومقاصده بدقة، ودون الإخلال بمحتواها، وما ينجم عن ذلك من سوء الفهم واغتراب النص، وما إلى ذلك من المشكلات الزائفة التي ارتبطت بتلك التصورات التي تزج بالنصوص في دائرة اللاقابلية للترجمة، وكأن القضية محسومة ومنتهية منذ البداية.

ينطلق ريكور من فكرة أصيلة، موضوعية وعملية وهي:" بما أن الترجمة موجودة فعلا، يجب إذن أن تكون ممكنة"(2). فلقد كانت الأعمال العظيمة والنصوص المشهورة التي أبدعها الفكر البشري محل إكبار وإعجاب من قبل الأجيال المتلاحقة، وتهافت عليها المترجمون من مختلف الأجناس، حيث استمر نفوذها إلى العصور اللاحقة من خلال أعمال الترجمة، وما كان لتك النصوص أن تستمر في الوجود والانتشار إلا بمساعدة الترجمة مع احترام النص في ثقافته الأصلية. فلقد انتقلت مثلا نصوص أفلاطون إلى المسلمين، كما انتقلت نصوص ابن رشد إلى اللاتين بفضل جهود الترجمة.

الترجمة تحد وسعادة:

يعتقد بول ريكور أن فعل الترجمة ينطوي على بعدين رئيسيين هما: رهان التحدي وضرورة رفعه. وبحسب البعد الأول فريكور لا يقلل من صعوبات الترجمة ومشاكلها والتي ينعتها " بالمحنة"(3) ، ولكن بحسب البعد الثاني لا يجعلها مستحيلة، وفي رأيه يجب على المترجم أن يبحث عن المنافذ والطرق السليمة للتعاطي معها وتجاوز مشكلاتها، بدلا من المكوث عند حدود الجدل العقيم الذي يتصور الترجمة رهانا لا يمكن رفعه، بل بالعكس فمن معاناة المشاكل تتولد السعادة، والإنسان لا يشعر باللذة إلا من خلال الألم، ومن ثم فالتحدي والسعادة مبدآن كلاهما أصل للأخر وشرط ضروري له.

والمترجم الذي يعيش قدر الترجمة وتحدياتها، ويحيا تحت سيف الكلمات، ويشتبك مع النص، لا بد أن يكسب الرهان وينتصر على النص في النهاية. يصف ريكور وضعية المترجم بغير المريحة باعتباره وسيطا بين النص والقارئ "بين الاثنين يحاول المترجم، الذي يقوم بإرسال الخطاب، تمرير الرسالة كاملة من لغة إلى أخرى. إذن، داخل هذه الوضعية غير المريحة للوسيط تكمن مشكلة المحنة"(4). ومن الدلائل والمؤشرات على تلك الوضعية غير المريحة هو أن النص المترجم يحمل كل التوترات والآلام التي عاشها المترجم وهو يصارع النص، حيث أننا لم نصادف نصا مترجما إلا وقد اشتكى مترجمه متاعبه من آلام الترجمة وصداعها. ولكن معاناة المترجم هي التي تمنح النص إمكانية الحياة من جديد، وكم هي النصوص التي هاجرت من بيئتها الأصلية إلى بيئات جديدة، وحظيت بكرم الضيافة، والإقامة، ومن ثم الاستقرار، وكأن هذه النصوص كتبت لتعيش هناك، لتكمل حياتها هناك، ولكن بفضل الترجمة.

النص وإمكانية الهجرة:

ظاهرة تعدد اللغات ظاهرة ننعم بها حينا ونقاسى من آثارها أحيانا، وقد ذهب ريكور إلى الاعتقاد بأن تعدد اللغات، هو الذي استوجب الترجمة" لأن البشر يتكلمون لغات مختلفة لهذا وجدت الترجمة"(5). هكذا يقفز ريكور على تلك السجالات المدمرة المتعلقة بالبحث عن ألأصل الأول للغة أو العمل على إنشاء لغة مثالية، وذلك حتى يتمكن من موضعة إشكالية الترجمة في إطارها العملي مستبدلا جدل إمكانية/ استحالة بـ "الأمانة مقابل الخيانة". ولعل ذلك يعود إلى المثل المعروف عن الترجمة الذي يقول: الترجمة كالمرأة إذا كانت جميلة فهي ليست وفية، وإذا كانت وفية فهي ليست جميلة. إلا أن ريكور يربط ذلك الإحراج بما ترتب عن نظرية ادوارد سابير وتلميذه بنيامين وورف.

رأى سابير أنه من الصعب دراسة وفهم مظاهر النشاط اللّغوي بعيدا عن مظاهر السلوك البشري الأخرى، ولذلك ركّز على علم النفس وعلم الاجتماع وهو ما يعكس توجيه اهتمامه إلى الجانب الاجتماعي والإنساني والثقافي للّغة. وفي هذا المجال يقول سابير:" إن للّغة بيئة ينتمي مستعملوها إلى جنس ما أو عدد من الأجناس، أو إلى مجموعة متميزة عن غيرها من المجموعات بعدد من الخصائص الفيزيائية. ثم إنه لا وجود للّغة خارج الثقافة أي خارج أنظمة الممارسات والمعتقدات الاجتماعية الموروثة التي تحدد نسيج حياتنا"(6). وقد لخص محتوى كتابه الذي يحمل عنوان "اللغة: مقدمة في دراسة الكلام" بقوله:" فالهدف الأساسي من وضع هذا الكتاب بيان مفهومي الشخصي للّغة وماهيتها ومدى تغيرها في المكان والزمان وعلاقتها بالمشاغل الإنسانية الجوهرية الأخرى مثل قضية التفكير وطبيعة التطور التاريخي والجنس والثقافة والفن"(7).

رفض سابير النظرة المعيارية العنصرية ذات الطبيعة الإنسانية التي تقوم على تفضيل لغة على حساب لغة أخرى، وكان على وعي تام بما تمثله هذه النظرة التفاضلية بين اللغات من خطورة على مسار البحث العلمي الموضوعي النزيه، حيث يقول في هذا الصدد:" نعتبر من الآن أنّ كلّ تصنيف ينطلق من أفكار مسبقة أو يرمي إلى قناعات عاطفية محكوم عليها بالشذوذ عن العلم...فاللّغة في أشكالها الأساسية تعبير علامي عن مشاعر الإنسان الحدسية التي يمكن أن تصاغ في العديد من الصور بقطع النظر عن درجة التقدم المادي للشعب الذي يستخدم تلك الأشكال أو تخلفه"(8).

وخلاصة رأيه أن الإنسان يعيش داخل قفص لغوي لا يرى العالم إلا من خلال نافذة اللغة. وتعد هذه الفرضية فكرة محورية عند سابير وإن لم يكن هو واضعها، لأننا نجد فون همبوليت قبله ذهب إلى نفس الفكرة في نظريته" رؤية العالم" حيث ينظر الناس إلى العالم ضمن قنوات مختلفة ومتشعبة تشعب اللّغات الموجودة في هذا العالم، وبناء على ذلك، فإن كلّ لغة تضفي على العالم نظرة خاصة تنسجم مع وحدة التكوين العقلي والمحتوى النفسي لأصحابها الناطقين بها. وعليه فإنّ نظرة الناس للعالم تختلف باختلاف اللّغة التي يتكلمون بها، وهو ما يولد لديهم عادات فكرية وأطر تفكير مختلفة عن غيرهم من مستعملي اللغات الأخرى. اللغة تعكس اختلافات جوهرية تكوينية عند الفرد، ولذلك فالاختلافات بين اللّغات فيما يرى فون همبوليت لا تتوقف على أصوات الكلام المختلفة التي تستعملها تلك اللّغات، لأنها ليست مجرد وسيلة اتصال بين الناس، ولكنها تشتمل على اختلافات في تفسير المتكلمين وفي فهمهم للعالم الذي يعيشون فيه، يقول عبد الجليل مرتاض: "إن اللغة عند همبوليت أكثر من أداة اتصال، هي انعكاس للعقلية الإنسانية تماما مثل الفنون أو العلوم، وقال بهذا الخصوص: إن اللغة هي التعبير عن الشكل الذي بموجبه يرى الفرد العالم ثم يحمله إلى داخل نفسه"(9).

ولكن فحوى هذه النظريات عن عدم تطابق اللغات وتجانسها لم تكبح دافعية الترجمة، بل زادت المترجمين تحديا وإصرارا على نقل النصوص المستعصية إلى لغات جديدة، وصار النص ينعم بمسكنه الجديد. ومن هنا وبفضل الترجمة صار النص يعبر الهويات والقارات والثقافات، وصارت إمكانية الهجرة متوقفة على إمكانية الترجمة، والنصوص المهاجرة لا تعرف وجهتها إلا من خلال اللغة التي ستسكن جسدها من جديد. وزيادة على إشكالات الترجمة التي ذكرناها سابقا، يضمن بول ريكور الترجمة بعدا أخلاقيا، فهي في نظره ليست عملا فكريا أو تقنيا فقط، وإنما تتصل بمدى قدرة المترجم على خدمة النص والقارئ وإمكانية التوفيق بينهما.  فالمواجهة باللغات ومظاهر الصراع اللغوي تعكس عدم الرغبة في استقبال النص الجديد في فضاء ثقافي مغاير، كما تعكس وضعية اللغات التي تستضيفها المجتمعات وتنعتها باللغات الأجنبية، إن ذلك الصراع اللغوي يشبه إلى حد بعيد الصراع بين الأديان والأقليات الإثنية.

الترجمة ذريعة للتأويل:

يعيد ريكور طرح السؤال الأبدي الممل: "هل يجب ترجمة المعنى أم ترجمة الكلمات إنها حيرة الترجمة؟"(10). من هذا السؤال ينعطف ريكور بالترجمة نحو فضاء التأويل الذي يحتل في مشروعه الفلسفي مساحة كبيرة، تشهد على ذلك كتاباته من مثل "صراع التأويلات" والتأويل وفائض المعنى". وبالرغم مما تطرحه الترجمة على المستوى التقني من عذاب للمترجم، ومن صعوبات لا يمكن إغفالها، إلا أن ريكور يتقدم بالترجمة أشواطا إلى الأمام ويطلق سراحها من قيود الجانب التقني ليضعها ضمن إطار التأويل، إذ الترجمة في رأيه مهما كانت تقنية فهي في جوهرها مسألة تأويلية بامتياز.

واللغة كما هي أداة للتواصل والتفاهم فهي كذلك وسيلة للاتواصل وسوء التفاهم والتخفي وسائر أشكال الغموض الأخرى، فالنص كما يرى فريدرسك شلايرماخر يصير غامضا بسبب التقادم ومرور الزمن، حيث يلعب الزمن دورا في تدمير المعنى خاصة إذا اتسع الفارق الزمني، ومنه يصبح النص أقرب إلى سوء الفهم منه إلى الفهم. كان همّ شلايرماخر تأسيس هيرمينوطيقا عامة تتجاوز الهيرمينوطيات الجهوية، وإذا كان التأويل يبدأ من سوء الفهم، فكيف نحمي النص من سوء الفهم؟ من جهة ثانية يرى المفكر اللبناني علي حرب أن النص يمارس المخاتلة والمراوغة، ويترك خلفه مناطق الظل وعلامات الاستفهام. وبالفعل هناك عوامل كثيرة مثل التزوير وسائر الانحرافات اللغوية والتشوهات التاريخية التي تصعب من عملية الفهم، وبالتالي تزيد في تعقيد عملية الترجمة،" إن الجمل تتطاير بين الناس كالفراشات التي لا يمكن القبض عليها"(11).

إن عملية البحث عن ترجمة مثالية خالصة هو ضرب من الفشل المسبق، ولكن هذا لا يعني أننا نجعل من عمل المترجم حالة دراماتيكية، إذ المترجم هو الذي ينجح في تجاوز الصعاب:" تعوض الضيافة اللغوية إذن، بما هي لذة التوطن في لغة الآخر بالاستقبال في بيته في منزله الخاص، كلمة الأجنبي"(12).

لا شك أن الترجمة التي تتمكن من أن تتمثل روح النص ومضامينه وحتى اللامعبر عنه، هي التي تقترب من تحقيق أهدافها، ومن هنا تكتسي الترجمة أهميتها وفعاليتها وتحقق انجازها وأهدافها، وأما الترجمة التي لم يحالفها الحظ السعيد فإنها تكون ترجمة مؤجلة تنتظر مترجمين جدد لإعادة النظر فيها من جديد، فالنصوص تستقبل دائما قراء جدد، وتبقى أروقة الترجمة تزخر بالكثير من علامات الاستفهام. ومن هنا" يبقى التخلي عن حلم الترجمة المثالية هو الاعتراف بالاختلاف الذي لا يمكن تجاوزه بين الذاتي والأجنبي وتبقى محنة الأجنبي قائمة"(13).

يشيد ريكور بفضل الترجمة ودورها في التعارف والتلاقي بين الشعوب باعتبارها وسيلة للقضاء على ظاهرة العزلة التي تقود إلى الموت المحتوم لإبداعات الفكر البشري، إذ بفضل الترجمة نكسر حالة العزلة الثقافية، ونطلع على ما جادت به قرائح الآخرين الذين نشترك معهم على الأقل في الآدمية، ولكنها تمنحنا أيضا الإحساس بجماليات الاختلاف. يقول ريكور" ألم نكن دون هذه المحنة مهددين بالانغلاق داخل برودة مونولوج منعزلين مع كتبنا؟ كل الشرف، إذن للضيافة اللغوية"(14).

الترجمة تمنح النصوص أعمارا جديدة في بيئات جديدة، وهو ما يغني الثقافة المستقبلة، وهذا ما جعل جورج هانز غادامير يرى أن الترجمة هي تملك الأجنبي، وربما تفيد الترجمة كذلك في إشباع وإنعاش اللغة المستقبلة من خلال ضم أفكار وتجارب من ثقافات أخرى إليها.

 

د. نابي بوعلي

جامعة معسكر - الجزائر

..............................

الهوامش:

1- بول ريكور،عن الترجمة، ترجمة: حسين خمري، منشورات الاختلاف، ط1، ص33.

2- بول ريكور، نفسه، ص36.

3- أحمد إبراهيم، سر الترجمة وهاجس التأويل، في التأويل والترجمة، منشورات الاختلاف، ط1، ص27.

4- أحمد إبراهيم، نفسه، ص34.

5- بول ريكور، نفسه، ص15.

6- بول ريكور، نفسه، ص16.

7- بول ريكور، نفسه، ص31.

8- إدوارد سابير، اللّغة، ترجمة المنصف عاشور، الدار العربية للكتاب تونس، 1997، ج2، ص 125.

9- إدوارد سابير، نفسه، ج1، ص 10.

10- إدوارد سابير، نفسه، ج2، ص10.

11- عبد الجليل مرتاض، التحولات الجديدة للسانيات التاريخية، دار هومة، سنة2002، ص 109.

12- أحمد إبراهيم، نفسه، ص30.

13- بول ريكور، نفسه، ص51.

 

حيدر جواد السهلاني"ليس لنا الحق في أن نستهلك السعادة دون أن ننتجها، كما أنه ليس لنا الحق في أن نستهلك الثروة دون أن ننتجها".. برنارد شو

تعرف النهضة العربية باسم اليقظة العربية، أو حركة التنوير العربية، وهي الحالة الفكرية والاجتماعية التي سادت اساساً في مصر، وامتدت لتشمل عواصم عربية أخرى كدمشق وبيروت وبغداد ومراكش، وقد تعددت الاسباب حول انبعاث النهضة منها حركات الإصلاح الإسلامي، وانفتاح الوطن العربي على الفكر الأوروبي والحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام، وإصلاحات محمد علي والبعثات التبشيرية التي ساهمت في تنشيط الحركة التعليمية والثقافية. ولكنه من أهم الاسباب هو دخول نابليون إلى مصر، إذ جاء بالآلات الحديثة والمستكشفون والعلماء، وبذلك ادركت الأمة العربية الفرق الشاسع بين التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي في أوروبا، والتراجع الاقتصادي والثقافي في الأمة العربية، فما لبثوا أن دهشوا بما شاهدوه وتساءلوا عن أسباب تخلفهم وتقدم غيرهم، فجدوا في الحل في الإصلاح الشامل لأمور الدين والدنيا والأقبال على الأخذ بأسباب الحضارة الغربية والعلوم الحديثة المعاصرة، وذهبوا مذاهب شتى في التجديد الديني والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد حمل محمد علي مشروعاً نهضوياً كبيراً ومضى فيه، وحقق في عقود قليلة من الزمان ما يثير الدهشة والأعجاب، وما يثبت أن أحوج ما تحتاجه الشعوب لتحقق المعجزات وهو الإدارة الحازمة والإرادة الصادقة، ويعد مشروع محمد علي النهضوي هو المشروع الأول، أو هو الاساس والقاعدة للمشروع النهضوي العربي الذي عبر عنه مفكرون كثيرون، وسعت إليه الشعوب في أرجاء الوطن العربي الكبير. ومع ذلك لم تزل قضية التقدم والتحديث قضية العرب الأولى وستبقى كذلك لفترة طويلة من الزمن، وهي قضية متداخلة مع عدة قضايا مثل قضية الاستقلال والتحرر والعدالة، ويعتقد معن زيادة أن الفكر العربي مر بثلاث مراحل رئيسية، وهي مرحلة التأسيس والتأصيل، وهي مرحلة امتدت على المدى القرن التاسع عشر كله تقريباً ورغم فشل المشروع النهضوي في هذه المرحلة، لأسباب خارجية تمثلت بتدخل الاستعمار المباشر، ولثغرات داخلية تمثلت بإهمال القوى الشعبية، ومع ذلك أن ما رافقته من إنجازات ومكاسب كان له الدور الأول في إرساء الفكر العربي الحديث على قواعد ثابته، وأهم ما في هذه المرحلة أنها كانت ممهدة للمرحلة الثانية من مراحل الفكر العربي، وهي مرحلة ظهور الفكر القومي، في هذه المرحلة الثانية التي بدأت متداخلة مع المرحلة الأولى في الربع الأخير من القرن الماضي، وشغلت النصف الأول من القرن العشرين وجاوزته إلى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، انطلق الفكر العربي وصاغ مشروعاً توفرت فيه كل مقومات المشروع النهضوي الحديث، كما توفرت له فرصة وقوى وإمكانات عديدة، فتوضحت معالم الطريق ولاحت في الأفق بوادر الأمل، إلا أن المشروع انتهى إلى الفشل أيضاً بسبب الضغوط الخارجية والثغرات التنظيمية السياسية، وقد تلاهما مرحلة ثالثة وهي المرحلة الراهنة التي يمكن وصفها بأنها مرحلة انحسار يسودها التخبط بين مشاريع تحديثية وطنية محدودة الأفق وهيمنة أيديولوجيات معادية للتحديث عموماً وغير قادر على استيعاب أهميته وضرورته.(1) ويعرف أمين الريحاني النهضة بقوله " النهضة هي الثورة على القديم الذي أمسى عقيماً، والقديم الذي صار بالياً، والقديم الذي كان منذ البدء فاسداً، إن كان في الاحكام أو في الآداب أو في العقائد أو في العلوم". ويعرفها أسماعيل مظهر" النهضة هي التغير في الاساليب على مقتضى الحاجات العامة التي تحيط بالجماعات، وأن تغير الأساليب في مجموعها وجزئياتها يجب أن تساير سنن النشوء والارتقاء حتى يصبح أساس النهضة ثابتاً بعيداً عن الطفرة القائمة على اساس طبيعي".(2)

أن موضوع التراث والتجديد أو الاصالة والمعاصرة هو حديث العامة والخاصة، تناوله الجماهير والمثقفون، ويكاد يكون موضوع العصر، ويعني بالأصالة وهي التراث والعودة إلى نقاء التراث الإسلامي، ويعني بالمعاصرة وهي التقدم واللحاق بركب الحضارة العصرية في علومها. ويعرف معن زيادة المعاصرة" وهي العصرنة التي تعني دخول المجتمع في نمط جديد من الحياة يستلزمه ما جرى في العالم من تطورات علمية وصناعية واقتصادية وسياسية واجتماعية وغير ذلك".(3) وقد ظهرت عدة تيارات إصلاحية تعددت مدلولاتها لمفهوم النهضة ومنها:

- التيار الديني، لقد برز الإصلاح الديني في عصر النهضة بوصفه تعبيراً عن رؤية جديدة لما عجز الإسلام الرسمي عن التلاؤم مع المهام الحضارية التي طرحتها صدمة الحضارة الأوروبية، فكان الإصلاح الديني مدافعاً عن هذه القيم التي تعد هي نفسها الطبقة الصاعدة، ويعتقد هذا التيار بضرورة العودة إلى نقاوة الإسلام الأول في صيغته الأولى التي كانت بالأساس تميز بين الإسلام وما آل إليه من أفكار دخيلة على الإسلام.

- التيار القومي، أن الفكر القومي يبحث في مشتركات الأمة من لغة أو عادات والخ... ويؤمن بأن هذه المشتركات هي الرافعة للأمة وهي التي تستطيع أن تنقل الأمة من مرحلة ما قبل الحداثة إلى مرحلة الحداثة، فالدخول إلى العصر الحديث ليس له سوى معنى واحد واتجاه واحد.

- التيار العلمي، يرى اصحاب التيار العلمي أنه يجب الأخذ بالعلم والصناعة، لأنها منجزات ثقافية، وهي إنجاز حضاري إنساني غير ضار وغير متناقض مع القيم، بل هو مظهر للتقدم الاقتصادي الذي تسعى له كل المجتمعات الإنسانية، فالعلم كما يرى شبلي شميل، هو خير وسيلة لاكتشاف قوانين الكون وسر الطبيعة، والعلم هو الدين الجديد وطريق الخلاص، والعلوم هي أم العلوم واساس التربية ونبراس الحياة. وظهر في التيار العلمي اتجاهان، الاتجاه الليبرالي، والاتجاه الماركسي، أما الأول، فهو تيار فكري له نظرية في العقائد والسياسة والاقتصاد، ونشأت في العرب كرد فعل على الممارسات الكنيسة تجاه العلوم، ومن حيث كونها مذهباً سياسياً فهي ترى أن الاجماع الديني ليس شرطاً لازماً ضرورياً لتنظيم اجتماعي جيد ويطالب بحرية الفكر لكل المواطنين، ومن حيث كونها مذهباً اقتصادياً، فهي ترى الدول أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ولا تجارية، وأنها لا يحق لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات والأمم، وعلى المستوى الاجتماعي، فهي ترى أن تقبل آراء الأخرين حتى وأن كنا لا نشاطرهم فيها، ونقبل افعالهم وأن كنا لا نؤيدها، دون النسيان بالمطالبة بالحرية. أما الاتجاه الثاني الماركسي، فهي العالم الذي يقوم بدراسة قوانين تطور الطبيعة والمجتمع والذي يدرس ثورات الطبقات المضطهدة المستغلة، والذي يصف الاشتراكية في جميع البلدان، وهو الذي يعلمنا بناء المجتمع الشيوعي.(4)

- التيار التوفيقي، وهو التيار الذي يرى بضرورة الأخذ من التراث ما يلائم الفكر المعاصر، والأخذ بالمنتج الغربي ما يلائم الأمة العربية ولا يقضي على عاداتهم وتقاليدهم.

يعتقد موسى أن من الحقائق المسلم بها أن النزعة العلمية التي شاعت في أوروبا عصر النهضة، ترجع أصولها إلى التجارب الكيميائية التي كان العرب يجربها لتحويلها إلى معادن، إذ أن تلك التجارب كانت بمثابة البذرة أو الخميرة للمنهج العلمي. ومن الاسباب المهمة للنهضة الأوروبية هي العرب الذين نقلوا إلى أوروبا أربع وسائل للثقافة وهي:

1- الأرقام الهندية، فقد تم نقلها إلى أوروبا عن طريق العرب.

2- صناعة العرب وقد كانت تصنع في الصين، وتم نقلها إلى أوروبا عن طريق العرب.

3- الكتب الإغريقية القديمة، وقد تم شرحها من قبل الفلاسفة العرب وترجمتها وتمت الاستفادة منها من قبل فلاسفة أوروبا.

4- التجربة العلمية، وقد تم نقل وتعلم الأوروبيين التجارب العلمية، لذلك ظهرت لديهم قوة الصناعة التي تنهض على العلم والتجربة.(5)

أن الأمة العربية في عصرنا الحاضر قد تخلفت عن أوروبا، لأنها أهملت العلم والصناعة، ولن تستعيد مكانتها في قافلة الارتقاء البشري إلا إذا أخذت بالعلم والصناعة. وبذلك يرى موسى على العرب استذكار المنجز العربي في العصر الإسلامي المزدهر، وجعله حافزاً لنا لكي ندخل عصر الحضارة. ويرى موسى أن من أهم اسباب النهضة الرخاء الاقتصادي، فليس شك في أن السبب الاساس، لانحطاط الثقافة أو ارتقائها أو طبعها بلون خاص وتوجيهها إلى ناحية معينة دون أخرى هو السبب الاقتصادي فإن الحالة الاقتصادية تقرر لون الحضارة الراهنة، وكذلك تقرر لون الثقافة الراهنة، فإن التوليد في الفنون لا يزكو إلا إذا كثر القراء وتوافرت المدارس وتعددت المطابع وراجت سوق الكتب وصار العلم والأدب يدر على العالم أو الأديب ربحاً، وهذه الحالة تحتاج إلى الثروة والسعة والرخاء، وإذا ضاقت البلاد بعيشها فلم تستطع إنشاء المدارس والمطابع، وبذلك يكون ضيق في الذهن الإنساني، وبذلك أن وراء كل نهضة ثقافية حركة اقتصادية.(6)

يرى موسى بضرورة أن تتطور الثقافة على مرور الزمن وتلائم الثقافات الموجودة في العالم المتطور وتبحث في اسباب تطورها وتأخذ بثقافات العلوم العصرية، وليس من المستطاع أن تأخذ أمة بالحضارة العصرية، إذا كانت تعيش على ثقافة قديمة. وللنهضة اسلوب كما يرى موسى وفلسفة حياة، وهي تغيير النظام إلى ديمقراطي، وحرية التفكر وحرية المرأة ومن أهمها حق التعليم والعمل والاختلاط الاجتماعي وحق تقرير المصير، والأخذ بالعلوم العصرية والاهتمام بالمصانع وترجمة الكتب العلمية أكثر من الكتب الأدبية، والاستعانة بالخبرات الغربية من علماء وعاملون في المصانع وتنشيط الاحتكاك الاقتصادي مع الغرب واختيار الاسواق بعناية، فالاعتماد على الغرب في النهضة ضروري، أذ لابد من الأخذ منهم العلم والتطور العلمي، فنحن حالياً نعاني من مشكلات كانت تعانيه اوروبا في العصور الوسطى، فالتبادل الحضاري مهم جداً ولا ضرر فيه، والعلم استطاع في فترة زمنية قصيرة تحقيق تقدماً هائلاً للبشرية، مقارنة مع الوقت الطويل الذي قضته البشرية في الاعتماد على الفلسفة والأدب، دون تحقيق أي تقدم ليمكن مقارنته مع التقدم الراهن. وأيضاً الاهتمام بالثقافة والوعي، فالثقافة مهمة جداً للوعي، ويجب أن تكون دراسة الدين من الاهتمامات الكبرى للمثقف، لأن غاية المثقف لا يمكن أن تخرج عن أن يعيش المعيشة الذكية الطيبة، وهذه المعيشة غير مستطاعه إلا مع الدين، والدين هو خلاصة الثقافة. والنهضة عند موسى لا تعرف حلولاً وسطاً، وإنما هي ثورة في مجال العقائد والآداب والعلوم، والثورة بطبعها ليست فعلاً تراكمياً، وإنما هي هدم راديكالي وتشيد جديد تماماً على انقاض ما تم هدمه.

ويعتقد موسى أن التقاليد تعوق التطور، والأمة العربية تسودها تقاليد متجذرة فيها، وأيضاً يرى أن العرب ينشغلون كثيراً بكتابة وترجمة الكتب الأدبية، ويعدونها ثقافة وهي ثقافة بلا شك، ولكنها ليست الثقافة التي تحتاج إليها الجماهير العرب التي تنشد القوة في المستقبل، فعلى الأمة العربية أن يجعلوا من التطور عقيدة بل عقيدة دينية، ويقول موسى لو كانت لي السيطرة على الاقطار العربية لترجمة مئة كتاب عن الأحياء والاخلاق والمجتمعات والأديان والصناعات والاقتصاديات، حتى يتغيروا العرب وحتى يأخذوا بالابتكار والاختراع والقوة والثراء بدلاً من أن يلزموا تقاليدهم ويبيعوا بترولهم ب أبخس الأثمان، مع أنه وقود الصناعة التي كان يمكن أن ترفعهم إلى أرقى مكانة بين الشعوب المتمدنة، الفقر والجوع وموت الاطفال وقصر الأعمار، كل هذا يحله العلم، بل العلم في عصرنا، يحل مشكلاتنا الروحية، أكثر مما يحلها الأدب.(7)

تعقيب:

أن ما حصل في الفكر العربي هو نهضة ونفضل أن نقول عنها هي نهضة فكرية، ولا يمكن مقارنتها بالنهضة الأوروبية التي غيرت أسلوب العيش في أوروبا وأمريكا وإلى يومنا هذا، لربما تتشابه بدايات النهضة الأوروبية والعربية، فالاثنان بدأت النهضة من رجال الدين ورجال الفكر، لكن بالمقابل استطاع الاوروبيون أن يؤثروا على سياسة وإدارة الدولة وإجبارها على التعامل بالديمقراطية مع الشعب والتحرر من كل الجوانب العلمية والفكرية وغيرها، وأن أستمرت طويلا لكنها حققت طلبها ومارجاه رجال النهضة، لكن في الوطن العربي حصلت النهضة قبل قرنين من الزمان وإلا الآن لم تتحقق ما كان يريده رجال النهضة. إلا يومنا هذا توجد ديمقراطيات في بلدان الوطن العربي لكنها فقط في الاسم، نعاني من مستوى تعليم غير جيد، وأن كانت بعض الدول العربية يوجد فيها تعليم جيد إلا أنه لا يقارن بالغرب، إلا يومنا هذا الأمة العربية هي بلدان الاستهلاك المعرفية بشقيه المادي والمعنوي، أما عن سبب عدم تأثر السياسيين العرب برجال الفكر، على خلاف أثر المفكرين الغربيين في السياسيين، وهو بالتأكيد يوجد عوامل كثيرة منها الاستعمار والجغرافيا والدين، ووجود عندنا الكثير من المطبلين أو مثقفين السلطة، الذي كان لهم الأثر الكبير في انحطاط الأمة العربية، وصارت عادة عند السياسيين عندما يستلم الرئاسة يضع تحت يده كم عالم وكم شاعر يطبل له، وأن تراجعت هذا القضية في وقتنا الحاضر لكنها موجودة. والنهضة الفكرية لا يمكن لها أن تحقق شيء أن لم تكن هناك إرادة دولة تدعمها، فالنهضة هي نظريات فكرية أما التطبيق فهو يعتمد على إدارة الدولة.

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش:

1- ينظر معن زيادة: معالم على طريق تحديث الفكر العربي، عالم المعرفة، الكويت، ص7- 8- 136.

2- ينظر محمد اسحق الكنتي: تصور العلم في عصر النهضة العربية بين العلمانيين والتأصيليين، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس- ليبيا، ص59- 60.

3- ينظر معن زيادة: المصدر السابق، ص11

4- ينظر محمد علي أبو هندي: مشروع النهضة بين الإسلام والعلمانية (دراسة في فكر محمد عمارة ومحمد عابد الجابري)، دار السلام، القاهرة، ص82.

5- ينظر سلامة موسى: ماهي النهضة، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ص24- 25- 26- 29.

6- ينظر المصدر نفسه، ص15.

7- ينظر سلامة موسى: الإنسان قمة التطور، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ص19.

 

صادق السامرائيطيلة السنوات الماضيات ومنذ الأسبوع الأول لصدورها أواصل النشر على صفحاتها، فبقيت عندي المثقف الصحيفة التنويرية المطلة على متاهات التداجي العاصف في وعينا الجمعي، والمعطل لعقول الأجيال بالضلال والبهتان المقيم.

وقد أشرت سابقا في عدد من المقالات إلى مستوى التعليقات والتفاعلات ومهاراتها وقدرتها على التواصل التنويري النافع، فروح المثقف أن نتعلم من بعضنا، لآ أن نتنافس ونتصارع على صفحاتها، ولا يوجد مَن يعرف، بل لكل مقدار قليل من المعرفة، ومَن يرى أنه يعرف فهو من الجاهلين، الذين عليهم أن يبتعدوا عن ساحة الوهم بالمعرفة.

فلا يوجد إمام للشعر ومرجع، كما يريد البعض من الأخوة أن يتوّج نفسه، وغير ذلك من التوصيفات الوهمية، المشحونة بالحكمية المسبقة والإنفعالية والعاطفية والإتهامية، وبإنحرافات أدري وغيري لا يدري، والممعنة بالنرجسية الفاقعة.

وفي السنوات الأخيرة ظهرت تعليقات عدوانية على صفحات المثقف، يحسب أصحابها أنهم المراجع والفقهاء فيما يذهبون إليه ويكتبونه، ويطرحون أنفسهم على أنهم مقياس المقاييس ومعيار المعايير.

وما يحزن أن البعض يعكس الواقع الذي علينا أن نتصدى له ونغيره على صفحاتها، وهذا سلوك تكريسي وتسويغي للسلبيات الفاعلة في الواقع المقهور بنا وبغيرنا.

فتجد تعليقات إستعلائية خالية من أدب التفاعل والحوار، وبلا قدرة على إكتشاف جوهر ومعنى العبارة والنص، متسطحة ذات نوايا سيئة تبني عليها إستنتاجاتها المنحرفة، المدججة بالعواطف السلبية والروح العدوانية.

وبهذا نقتل الثقافة وندمي قلبها، ويبدو أن أخطر أعداء الأمة هم المفكرون والمثقفون، والذين يسمون أنفسهم نخبا.

فهل نفع الأمة مثقف وهل أنقذها من ويلاتها مفكر؟!!

والجواب ربما لأنهم يعيشون أوهام أنهم الأنبياء والرسل العارفون، وتنتهي عند كل منهم علوم الدينا والأكوان، وتلك طامتنا الكبرى التي تمحق وجودنا!!

فتواضعوا يرحمكم الله، ولنتفاعل بمحبة ومودة وإيجابية صالحة للأجيال، وللحياة الحرة الكريمة العزيزة النبيلة الشمائل والخصال، فالأمم بأخلاقها وحيوية ضمائرها!!

ولنتعلم من بعضنا في مدرسة المثقف الفيحاء لنكون أقوى وأرقى!!

 

د. صادق السامرائي

16\10\2020

 

 

عبد الله الفيفيقلت لصاحبي (ابن أبي عنبسة المحروم)، المزواج المطلاق، بعد أن طلَّق آخر العنقود من حريمه:

- لقد سُمِّي ما تُؤتَاه المرأةُ للزواج: (أجرًا) في "القرآن الكريم": "اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ، وطَعَامُكُمْ حِلُّ لَهُمْ، والمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ، والمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ، إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ..." [المائدة: 5]، وسُمِّي تارة أخرى: (صَداقًا): "وآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً، فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا، فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا." [النساء: 4].

- الزُّبدة؟  ماذا أردت قوله؟

- مصطلحا (أجر) و(صَداق) دقيقا الإشارة إلى فكرة ما تُؤتَى المرأة من مالٍ عند الزواج، يُبعِدان الأمر عن أُفهوم البيع والتملُّك والثمن، الذي يبدو أنك، يا ابن أبي عنبسة، تفهمه من فكرة الزواج.

- لا تحاول التأثير عليَّ، ما دام جيبي عامرًا، فربيعي العربيُّ عامر!

- لقد أصبح الأمر تملُّكًا وسيطرة، إذن، كما أخبرتك في الحوار السابق.

- سمِّه ما شئت!  هذا تدخلٌ في الشؤون الداخلية، لا أسمح لك به!

- شؤونك الداخلية منيِّلة بستين نيلة، وهناك حقوق إنسان، تهمُّ كل إنسان!

- لا تظلمني، والله إني لأكرم وأرحم!

- وما ظلمناك، ولكن أنت لنفسك الظالم. ومَن سيشهد لك سِواك؟ يمينك غَموس. لقد ذكَّرتني بأحد الحُمْس المعاصرين، بلغت به نعرة التعصُّب لبعض الأعراب من أجداده إلى الحلف أنهم لم يكونوا على أخلاقهم التي وصفهم "القرآن" بها، وتواترت عنها الأخبار والروايات، واستمرَّت شواهدها إلى الآن، شِعرًا ونثرًا وواقعًا! ولو كان صاحبك باحثًا عن الحق، ما بلغ به الحال إلى هذا المآل العجيب، من اتِّخاذ أَيمانه جُنَّةً للدفاع عمَّا يجهل أصلًا! فاطمئن، لست بوحدك، مع الأسف، فغيرك لا يكتفي بالمحاماة عن نفسه، بل يحامي أيضًا عن عادات آبائه الروحيِّين من أهل الجاهليَّة الأولى! 

- والدليل؟

- ممتاز أن تسأل عن الدليل! الدليل ما كشف عنه مصطلحا "المِلْكة"، و"المُمْلِك"- المشار إليهما في المساق السابق، المستعملان في الإشارة إلى "عَقد النكاح" والمأذون- من مكنونٍ تفكيريٍّ اجتماعيٍّ بامتلاك الزوج امرأتَه، فضلًا عمَّا يدلُّ عليه واقع الحال في المجتمع. فالعمليَّة هنا أصبحت عمليَّة بيعٍ وشراء تمامًا. ولستُ أدري أجاءنا توطين مصطلح "المِلْكة" و"المُمْلك" مع المسلسلات المِصْريَّة، أم هو وليد التراث، أم البيئة المحلِّيَّة؟ التي هي جديرة في مثل هذا بالتصدير لا بالاستيراد، على كل حال! ومهما يكن من أمور التصدير والاستيراد، فليست تلك مجرد كلمة، بل إنَّ وراءها عقليةً ذات نظرةٍ خاصةٍ إلى المرأة، بوصفها سِلعة، وإلى قيمتها وعلاقة الرجل بها. تتماشى مع التعبير الآخر في بعض مناطق المملكة عن تزويج المرأة بـ"بيعها"؛ حيث يقول أحدهم أو إحداهنَّ مثلًا: "قد بيَّعت بناتي!" بمعنى زوَّجتهن. وإنما سُمِّي عَقد النكاح عَقدًا لأنَّه كأيِّ عَقدٍ آخر، لكلا الطَّرَفين، وليس بيعًا وشراء، أو تمليكًا لأحدهما على الآخَر. ولكن ما الغريب في الكلمات، ما دمنا نسمع إلى اليوم من يقول عند ذِكر المرأة: "أعزك الله!"، أو "أكرمك الله!"؟ وما اللغة إلَّا فاضحة الثقافة.  فثقافة "وَأْد الأنثى" ما زالت قائمة، مذ (قيس بن عاصم المنقري)، إلى مَن ينافح عن ثقافته من حفدته، بصورةٍ أو بأخرى، ممَّن يدَّعون الأدب والثقافة. واستفتِ عن تلك الثقافة عمَّك (البحتريَّ)، مثلًا، القائل، حين عَزَّى (محمَّد بن حُمَيْد الطُّوسي) في وفاة ابنةٍ له، فأوصاه بالفرح لموتها، واتِّباع سُنَّة الجاهليَّة في وَأْدِ البنات!:

لَم ْ يَئِـدْ كُثْرَهُنَّ (قَـيْسُ تـَمِـيْمٍ)  ...  عَـيْـلَــةً  بَلْ حَـمِـــيَّـةً  وإِبــاءَ!

- عَقد نكاح؟  وتراه مصطلحًا أفضل من "مِلْكة"؟!  لا يليق أن يقول أحدنا: أنكحتك ابنتي؛ ولهذا استُخدِمتْ في بعض لهجاتنا، ومجتمعاتنا، كلمات بديلة أرقى! وذلك تجنُّبًا لاستخدام كلمة جنسيَّة صريحة. وما أعجب إلَّا من بعض اللهجات، حيث يقولون: "نَكَحَ فلانٌ فلانة"، أي تزوَّج بها، إلى غير هذه من المشتقَّات من هذه المادَّة الفاضحة! 

- ما الفرق بين "نكاح" و"لقاح"؟  ألسنا نقول عن المصل المعطى للوقاية من فيروسٍ لقاحًا، ولا يثير هذا التعبير حساسيَّة أخلاقيَّة؟

- بلَى.  ولا سيما هذه الأيام، بل هذه السنة، التي يتكرَّر فيها لفظ "لقاح"، بلا حياء، مئات المرات، ولا لقاح!  منذ ظهور وباء كوفيد 19، والدول تتسابق والشركات للإعلان عن لقاح جديد ما، وما هي إلَّا أيام وتتبخر لقاحات الأكاذيب المعلنة، ليظهر غيرها!

- كوفيد19 تجارة، بل تجارات، منها تجارة الإعلانات عن لقاحات لتلميع هذا المعلن أو ذاك. حتى لقد أصبح (فيروس كُرونا) ناخبًا أميركيًّا، رغم أنف (ترمب)، الذي تعالى على تغطيته، حتى أدبته الآنسة كرونا، هو وحَرمه!  لكن دعنا من هذا.  التعبير العربي عن الزواج بـ"النكاح" ما زال بالفعل دارجًا في بعض اللهجات بمعنى الزواج، فالرجل ينكِح المرأة والمرأة تنكِح الرجل، بمعنى الزواج، ولا يُستشعَر منه ما يخدش الحياء؛ لأن المعنى صار منزاحًا إلى المعنى الاصطلاحيِّ في "القرآن". بل لا يُستعمَل اللفظ في معناه الآخَر مطلقًا في تلك اللهجات. ولكن اتقِ الله!

- لِمَ؟

- أأنتَ، أو نحن، أكثر أدبًا من الله في التعبير؟! ألم يقل الله في قِصَّة (شعيب) مع (موسى): "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ." [القصص: 27]. وسَمَّى عَقد النِّكاح: "عُقدة النِّكاح":  [البقرة : 237]. وآيات أخرى تُستخدَم فيه كلمة "النِّكاح" بمعنى الزواج. وعليه، يتبيَّن أن تحرُّجاتنا في شأن العلاقة بين الرجل والمرأة لم تعد اجتماعيَّة فحسب، بل باتت أيضًا تحرُّجًا ممَّا جاء بصريح "القرآن". وما قلتَه ذكّرني بما أورده (إبراهيم نصر الله)، في روايته "براري الحُمَّى"- وهي روايةٍ ضمَّنها إشارات صريحة إلى أشخاص من بسطاء الناس، بأعيانهم وأسمائهم، رجالًا ونساءً، وبما لا يليق- على الأقل من وجهة أمثالك، يا ابن أبي العنابس- مسجِّلًا انطباعاته الذاتيَّة، إبَّان عمله مدرِّسًا في (القُنفذة). والشاهد في ما أورده حول سؤال أحد تلاميذه ببراءة، وبلسانٍ عربيِّ مبين: لماذا لا تنكح؟ أي تتزوَّج. وقد ساق العبارة- وهو المعلِّم، ربما للغة العربيَّة- على أنها إشارة جنسيَّة طريفة من تلميذ عمره سبع سنوات!(1)  وهذا ما لا يخطر في ذهن أحد ممَّن يستعمل الكلمة في تلك المناطق، وإنَّما يشار بها إلى الزواج، حسبما جاء بها الاستعمال العربيُّ، وكما جاءت في "القرآن الكريم".  أمَّا مَن انبتَّ عن لغة العَرَب، أو أنكر ماضيهم، فليذهب إلى حيث شاء!

وكَمْ مِن عائِبٍ قَولًا صَحيحًا  ...  وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ "المُعَلَّبْ"!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

........................

(1) انظر: نصر الله، إبراهيم، (1992)، براري الحمَّى، (عمَّان: دار الشروق)، 81.

 

 

حيدر عبدالرضايكتب جبران خليل جبران في أحدى رسائله (سنة 1912) بهذا المعنى فيقول: (أؤمن أن المستقبل لن يكون قاسيا على ثقافتي وأعرف أنه لن يكون بوسعي أن أستثير أهتمام أولئك الأدباء أنصاف المثقفين الذين يعبدون آلهة المقاهي ويتبعون أفكارا همجية ويعيشون برغائب صراصير المراحيض) في هذا الصدد لعل الدور القادم بعد مقولة جبران هذه، سوف يكون لي أنا، حيث سوف أتناول مسألة الممارسة الثقافية لأدباء اليوم، وعلى صعيد تطبيقي وأبداعي: ألا أنني قبل البدء أقول وأشير حول مدى الأنفصال الكبير بين وجهات نظر الممارسة الثقافية، وبين وضعية أولئك الأدباء في الوقت الحاضر، وبين ما هو ملوح عليها، أي الممارسة الثقافية، كعملية أختزالية لما هو معرفي وأبتكاري، قد يبدو هذا الطرح المثالي والنموذجي، بعيدا جدا عن حدود أجواء وعادات وتقاليد أديبنا العراقي المتخلف، الذي هو الأن يمارس في كل أوقاته علاقة حميمة مع مقاعد مبنى أتحاد الأدباء، أو علاقة زوجية جميلة، مع زوايا أبخرة الشاي الدبقة في أحدى مقاهي الأدباء الرخيصة، وهذا الأديب تراه يقتل أثمن أوقاته، في الكلام المجاني، حول موضوعات صحافية أو سياسية مبتذلة هي الأخرى، أو من جهة ما، حول صديق منهم قد تولى منصب أداري في مكان ما، أو أنهم يتسامرون الحديث المسائي أو الصباحي عادة، حول حادثة عدم صرف الصحيفة لهم مستحقاتهم من الأجور المادية، أو أنهم يتبادلون كلام هجين وبنشوة عالية، حول وقائع جلستهم البارحة على طاولة الخمر الأبيض وأطباق نبات (الخس) أو أنهم يتحدثون أحيانا عن بعض قصائدهم التافهة، التي هي بعيدة كل البعد عن الأبداع والأدب الحقيقي: غير أن الطريف في الأمر، هو عندما تراجع حياة كل واحد من هؤلاء الأدباء الثقافية، تجدها مفرغة تماما، ألا من حدود أقتناء صحيفة المساء، والتي يكون قد قرأها عادة وهو يمارس أرذل مراحل طقوس الخمر والفراغ الثقافي والأنساني والأجتماعي، أما من ناحية أنتاج هذا الأديب، كشاعر أو قاص، فتراه يقوم كل أربعة شهور أو خمسة، بنشر قصيدة أو قصة، تتكون عادة من صفحة أو صفحتان أو ثلاثة على أقصى حد، وعندما يفكر هذا الأديب بضم هذه النصوص التي بحوزته من الأرشيف، داخل كتاب أو ديوان، فتراه طويلا ما يتربص وجود النقاد، فيما يقوم بأرسال عمله المطبوع هذا الى جميع مواقع وأميلات النقاد في المدن الأخرى، وبما فيها مدينته هو : وعندما يتسنى لأحد النقاد في أبداء وجهة نظره في عمل هذا الأديب، وبشكل بعيد عن الأخوانيات والمجاملة، نلاحظ بأن هذا الأديب قد تثور ثائرته الكبرى، وبالكلام المبرر، على أن هذا الناقد لربما لم يصل الى مرحلة أستيعاب وفهم عمله السخيف ذلك بشكل جيد وسامي : هذا وبأختصار ما هو عليه وضع أدبائنا العراقيين بشكل شبه كامل، أولئك الذين يجدون سلواهم في شرب الخمر ووشاية النقاد والمقامرة في المقاهي والتبول وقوفا على جدران الكنائس والجوامع : أنا شخصيا أقسم بجلالة السماء والرب العظيم ؟ بأنني أحيانا أجد نوعا ما من المعرفية والمحاججة في شخصية مومس أو سائق تاكسي أو بائع للخضروات أو بائع للسمك، أكثر مما أجده من ثقافة في محاورة عقول أولئك الأدباء الذين هم بلا ثقافة وبلا أخلاق أحيانا : من هنا يجب أعادة النظر في أسئلة مضمون هذا المقال ومقالات أخرى، لأنني في الحقيقة أود أن أستثمر مناسبة طرحها، لأشير الى بعض قضايا وأسئلة تتصل بها: يجب مراجعة أوضاع هؤلاء الأدباء نقابيا ؟ فيما أنهم قد لا يستحقون صفة شاعر أو قاص ؟ فضلا عن هذا يجب التدقيق والتفتيش نقابيا عن أنتاجات مثل هؤلاء الأدباء فيما أن لم تكن مستوفية لشروط القواعد والأجناس الفني والأسلوبي والثقافي، من هنا أود توجيه هذه الأسئلة مع تحميلي الى هيئة أتحاد الأدباء العراقيين مسؤولية صرف وتصدير لمثل هؤلاء الأدباء بطاقات الأنتماء والعضوية الى هيئة أتحاد الأدباء والكتاب العراقيين : من هنا وأخيرا لابد من القول والأشارة، الى أن حضور مثل هؤلاء الناس الذين هم بالواقع مجرد أشباح ثقافية داخل مجتمع هيئة أتحاد الأدباء، لربما تبدو أساءة بحد ذاتها لمنظومة نقابية الأديب العراقي الحقيقي ؟ أنا شخصيا ؟ لاحظت بأن هناك أناس دخلاء وطارئين، لربما قد تقادموا من الشوارع ودخلوا هيئات أتحاد الأدباء، في حين خرجوا يحملون بطاقات الأنتماء الى نقابة الأدباء : مع الأسف

هناك أشخاص ووجوه لا تحمل الثقافة ولا الموهبة ولا الوعي الكافي، ألا أنهم يحملون في جيوبهم أرباع زجاجات الخمر الأبيض وبطاقة الأنتماء الى هيئة أتحاد أدباء وكتاب العراق .

 

حيدر عبد الرضا

 

كان الواقع الاقتصادي الاسلامي وأفكاره’في العهد العثماني ’ طبق نصوص القرآن والسنة غالبا’ التي تضع حدودا للمعاملات والنشاطات العملية في الاقتصاد والتجارة والفلاحة والرعي، لذا نشب خلاف بين التجار والملاك وأصحاب رؤوس الأموال النقدية والعقارية والفلاحية والحيوانية الذين سيطروا بقوة نفوذهم المادي والمعنوي المتمثل في الجاه والسلطة على حركية المجتمع ونمطية الحياة الاقتصادية التي قدم لها الشرع الاسلامي إطارا تتحد فيه أنواع واخلاقيات النشاط الاقتصادي، وبذلك جعلته تحت وطأة تنميط شكلي وظاهري ساهم في تجميد الحضارة الاسلامية ولكنه اتصف بمميزات خاصة.

لهذا نشب صراع حاد بين الفقهاء وشيوخ المذاهب الاسلامية، وكذا رؤساء العشاءر والجماعات المحلية البدوية والحضرية، وكذلك السلطات القائمة المرتكزة على الجزية والزكاة والأوقاف وخزينة المسلمين التي أضاعتها الحروب والتطاحن اليومي داخليا وخارجيا في ظل إقطاعية ساهم فيها العبيد والخدم بشكل خاص لتحصيل الريع الزراعي القديم . فالوضع كان ينذر بصراع ناشىء عن محاولة سيطرة البدو والرحل الذين يملكون قطاعا ضخما من الماشية وأهل القرى والحضر الذين لا يملكون رمق عيشهم وظلم واستبداد الحكام وطغيان الطوائف المذهبية على الجماعات المحلية بدعوة التكافل والتعاون والتنظيم المشترك لمقاومة العدو الداخلي والخارجي على البلاد والاسلام . لهذا لعبت الزوايا في تنظيم الملكية الاقتصادية وتوزيع الناتج دورا مهما، كما لعبت أدوارا هامة في التعليم والمحافظة على القيم الاسلامية، مما شكل نظاما إقطاعيا متميزا بالطبقية . يقول عبد المجيد مزيان في هذا الصدد :

" إن هذه الظاهرة في الغرب الاسلامي كانت في بداية أمرها ظاهرة سياسية بدت إلى الوجود في فترات إنعدام السلطة المركزية القوية ملبية رغبة الشعب في التجنيد والتسلح العقائدي من أجل مقاومة الغزوات الأجنبية وأنواع الحكم اللاشرعي . فإن هذا النوع من الإنقسام الناشىء من تفكك المجتمع الاسلامي بعد العهد العباسي يوحي بالرجوع إلى العصبيات القديمة رغم مظهر العدالة والعمق السياسي التي تتضمنه بفضل النفوذ " كما يرى مزيان أيضا :

إن هذه الاقطاعية الطائفية، كما يرى عبد المجيد مزيان، ساهمت في تحويل الوضع إلى طبقة مجحفة على أكثر السكان، لأن تلك الإقطاعية تمتلك سلطة روحية وهي الدين، وبذلك عاشت تلك الاقطاعية على ظهر الأمة وكاهل الشعب من خلال الهدايا المقدمة والزيارات والجبايات وخدمات السكان المجانية لشيوخ ورؤساء الطوائف الذين يحتاطون لحركة الرفض المعارضة من الأفراد والجماعات الذين يمكن "أن يألفوا تنظيمات سرية أو شبه سرية حيث تجد لها مبررات في فترات المقاومة السياسية"([1])

يقول عبد المجيد مزيان " أن الزاوية الاقطاعية تتبرأ ظاهريا من كل غرض استغلالي وتدعي الانتساب إلى الجماعة وتلجأ إلى التراضي أكثر ما تلجأ إلى العنف وكذلك موقف الفقهاء من هذه الطائفة الذي يتميز بالصمت والانحياز لها وبالتالي نظام الإقطاعية والذي يمكن أن يتلاشى بفضل"حركة دينية جديدة تكون شعبية في البداية وتتحول تدريجيا هي الاخرى إلى إقطاعية متسترة ثم سافرة في أخر تطورها "([2]).

ان رؤساء الطوائف وشيوخ المذاهب وزعماء الاقطاعيات وكبار شيوخ الزوايا كانوا ممثلين للسلطة المركزية الروحية لدى الجماعات المحلية حيث يكونون بدورهم أطرا أساسيا لهذا النظام السري أو القريب من السري حيث تتحول أملاك الاقطاعيات الفلاحية والزراعية والرعوية والعقارية والهدايا إلى أملاك شخصية في أيدي المقدم المرابط يتسلط بها على جماعات أخرى ويعمل على انشاء جماعات سياسية جديدة تحت حكمه بفضل عمال وخدم يقدم لهم أجرتهم تحت غطاء الدين والدعوة الاسلامية ويقول عبد المجيد مزيان "أن هناك أهمية الجانب السياسي لكل حركة دينية في المجتع الاسلامي ويمكن أن نقول أن السياسية كانت محور نشاط كل المذاهب الدينية التي برزت للوجود منذ فجر الاسلام([3])"ان الطرق البدينية واصلت نشاطها حتى أواخر القرن 19 بسبب فشل الحكم المركزي ولجوء الجماهير إليها لأنها الممثل الشرعي للدين الأسلامي والحامية للأرض والنسل مما يؤكد شعبية الحركات الدينية في المجتمع الاسلامي.

كما يرى عبد المجيد مزيان أنه خلافا لحضارة الاقطاع الأوربي الذي كان يخفي العلاقات بين النبلاء والفلاحين "فإن العقيدة الدينية تكون منبها سياسيا عند الجماهير بقدر ما تكون محذرا يغطي طبيعة العلاقات عند الاقطاعيين([4])" يعكس لنا نموذج المجتمع الاسلامي دور الزوايا والطرقية والرباطات والحركات المرابطة في الجهاد والدعوة الاسلامية والمحافظة على الثقافة واللغة العربية وتجنيد الجماهير عسكريا في فترة ما بين القرن الحادي عشر حتى بداية القرن العشرين رغم المظهر الثقافي لهذه الطرق والرباط والقلاع التي تحولت إلى شعبية نضالية وتنتهي بسياسة مبنية على عصبية الأسر المسيرة كما يقول عبد المجيد مزيان ابتداءا من القرن الخامس عشر ولكن الاستعمار عرف خطرها فقام باحتوائها فأصبحت مركز للخرافات والبدع والقابلية للاستعمار.

يقول عبد المجيد مزيان:"نجد في اقطاعية الدولة لدى المسلمين عددا كبيرا من الطوائف والنشاطات المزيفة يمكن ان نسميها طفيليات لأنها تتعلق جميعا بالتقرب إلى رجال الدولة والارتزاق منهم او تقول بواسطتهم على حساب الأمة " ([5])الشيىء الذي يقدم صورة شاملة وعاكسة للاستلاب والاغتراب بين الطبقة الحاكمة والطبقات الشعبية التي يتهيأ لها سوى الارتزاق من الاقطاع الملكي او القصور والنشاطات الحرفية الصناعية او الابداع الثقافي والفكري مثل الشعر الفلسفة الفقه والكتابة والتدوين وفن الزخرفة والذين لا يحصلون على أجور كاملة على أعمالهم سوى بعض المتملقين والمداحين للسلطة.

ان أهم أشكال العمل القديمة التي عرفها المجتمع الإسلامي تحدث عنها ابن خلدون في "المعاش" ويصف لنا ان هناك معاش طبيعي وأخر لا طبيعي فالمعاش اللاطبيعي هو الملك أو الانتساب إلى وظائف الدولة أو الامارة وبالتالي الحصول على الامتيازات المالية والعقارية وحتى رقيق الأرض وهناك من يعيش في طبقة طفيلية مثل الشيوخ وأصحاب النفوذ السياسي لأنهم لا يقدمون أي خدمة .

يقول عبد المجيد مزيان:"ان مبدأ الشورى والمساواة والروح الدستورية التي جمعت المسلمين الأولين حول النبي لم تتجسد في قانون سياسي مكتوب ولا في مؤسسات ثابتة " ([6]) .فالوثيقة الأولى التي تشهد على دستور الأمة الاسلامية هي وثيقة حملها علي بن أبي طالب وقتل وهي في يده، حيث كان يمثل علي بن أبي طالب وأبو بكر وعبد الله بن مسعود وأبو ذر الغفاري اليسار الاسلامي ([7]) كما يرى حسين مروة وغيره من الباحثين . إن العلاقات التي أوجدها الاسلام ودعا إليها من خلال النصوص القرآنية والسنة النبوية ومن خلال أعمال الصحابة سلوكاتهم وأخلاقهم هي التي ميزت الاسلام عن غيره من النصوص الدينية وبالتالي كونت علاقات متجذرة بين الأفراد والجماعات وبالتالي نتجت عنها روح سياسية جماعية وتكتلات إيديولوجية ومذهبية ووحدات إجتماعية مترابطة لأن العقيدة كما يقول عبد المجيد مزيان " تثير حماسا عاطفيا في الترابط بين المؤمنين بها، وهذا ليس شأن الأديان وحدها والمعروف أن مثل هذا الحماس العاطفي يمتاز بالغموض، إذ لم تأت أنظمة ومعاملات إجتماعية لإعطائه محتوى وحيوية متعلقة بالنشاط الاقتصادي والمجتمعي والسياسي " .

كان الحكم العثماني مواصلا للقيم الاسلامية ومواجها للقوة البحرية الأوروبية الغازيةعلى شواطئ البحر المتوسط .فقد كان نظاما امبراطوريا كلفه استينفاذ القوة وتبعثر الجهود وتشتت المصالح .مما جعله لايتوسع جغرافيا كثيرا في المنطقة المغاربية مع ملاحظة الظروف المحلية في تونس وليبيا والجزائر وحدوث ثورات مناوئة له في تلك البلاد.التي توسعت عبر الفضاء الجغرافي الواسع وحكمها الانكشارية والشيوخ وممثلي البايات في كل االمقاطعات ومناطقها افي الجزائر العثمانية .

لذا قسم العثمانيون الجزائرالئ ثلاث بايلك 1-التيطري في المديةوالشرق في قسنطينة والغرب في معسكرثم وهران ودار السلطان في العاصمة }وكان يسموا مناطق التابعة للبايلك سناجق كالولاية ثم النواح ثم الاحياء او الحارات كما القايدات أوالأوطان وأما الضواحي فكانت تسمى الفحص وهي غالبا بساتين .

1- البايلك هي مساحات كبرىيتحكم فيه الباياو وترجع مداحيلها للخزينة العامة

2- ملك وهي ملكيات للاشخاص او العائلات ولها الحق الكامل للتصرف فيها

3-عرشية هي ملكيات غيرمجزأة يتصرف فيها الزعماء وكبار العشائر

4 – مخزن هي اقطاع عقاري واسع اعطاه الباي للشيوخ والموظفين مقابل الا لزام

5- حبوس واوقاف يتصرف فيها وكلاء مكلفين’مردودها للمساجدوالمدارس

6- املاك اخرى-موات—مهملة –منزوعة محولة —وسبل الخيرات

وقد كانت الضرائب والغرامات هي الرابط السياسي والاجتماعي بين العثمانية والشعب .لذا كانت مناطق الجبال والصحراء معفية من ذلك وكانت شبه مستقلة . .أما النقود المستعملة في الجزائر العثمانية هناك نقود التبادل وهي المعروفة عاديا ممثلة في قطع نقدية معدنية كان منها الزياني والدينار الحفصي في المرحلة الاولى ثم ظهرت السلطاني العثماني والسكينية التركية كما استعملت الريال والريل بوجو والدرهم والبياستر الاسباني وكان هناك نقود الحساب التي مؤداها تقدير الاثمان وتقييم السلع مرة وللدفع المالي التبادلي مرة اخرى، و منها الصايمة والموزونة ريال دراهم صغار عموما، كما وجدت نقود احرى مثل الخروبة والدورو الفرنسي والمحبوبة وغيرها

بذلك كانت مصادر الخزينة العثمانية في الجزائر، هي الرمز والدليل للترابط السياسي الجزائري العثماني، فقوتها وضعفها مقياسين لذلك. والتي كان منها القرصنة البحرية والرسوم واالإتاوات المفروضة على الدول الاجنبية والسفن في البحر المتوسط - ضرائب على التجار الاجانب والشركات الاجنبية والسواح والمقيمين منهم -هدايا وعطايا مفروضة على القناصل وبعد الاخلال بالمعاهدات المعلنة سابقا معهم -ضرائب على السكان المحليين-منها ضرائب على الارض وعلى الاملاك –فارس- والنشاطات-يبع الاسرى او تحصيل اثمان تحريرهم -غرامات متنوعة –منها غرامة اللزمة على غير القادرين على الجندية -غرامات على القرى للانكشارية بعد حروجهم للمحلات-غرامات الجمرك على التجار المتنقلين من بايلك الى اخر -غرامات على الحرفيين -غرامات على الافراد والعائلات احيانا -منها على السيبا بعد دخولهم البايلك-غرامات على المطامير والمخازن على الفلاحين -معونات على المواطنين وحتى السيبا احيانا --الجزية على اليهود-المكوس على استعمال المكان –وكانت تعطى تفويضا لموظفين مكلفين -تعميم غرامة اللزمة على كل السكان -الزكاة-و العشور حكور -العوايد والضيفة ايام الاحتفالات والاعياد وحين دخول الباي المدينة او حين تنصيبه تقدم الدنوش وهي عطايا متنوعة واليباشي وهي غرامة على السيبا بعد دخولهم البايلك.

ومن ذلك سوف نكتشف التغيرات والتأثرات لهذا النظام على المجتمع الجزائري وفعاليته ونشاطاته ووطبق اكتسابه للوعي والادراك وشحنات الانفعال .وذلك ما سوف يتم تواصله حين ثورة الحاج باي ثم الأمير والمقراني، بما يشبه تلك المواصفات .

 

أ. عتيق العربي  

............................

[1] عبد المجيد مزيان الفكر الاقتصادي عمد ابن خلدون، م ة ك، الجزائر 1981 ص 195

[2] -ن م س، ص 195

([3] ن م س، ن صفحة

[4] ن م س ن صفحة

[5] - ع .مزيان ـ، ن م س ص172-173

[6] - م س، ص 195

[7] -حسين مؤنس الحضارة الاسلامية

 

عبد الجبار الرفاعيمن يعجز عن إنتاجِ الحُبّ يعجز عن إنتاجِ معنىً للحياةِ، الحُبُّ أهمُّ منبعٍ لإنتاج المعنى في الحياة، مادام هناك إنسانٌ فإن حاجتَه لمعنىً لحياته تفوق كلَّ حاجة. لغةُ الحُبّ لغةُ القلوب، لغةُ القلوب لا تخطئ، لغةُ القلوب لا يمكن التشكيكُ في صدقها، يتذوقها بغبطةٍ وابتهاج مَنْ تفيض عليه حُبّك، ولا ينجذب إليك مَنْ لا يتذوقها منك.

بعضُ الناس عاجزٌ عن إنتاج الحُبّ، على الرغم من حاجته الشديدة إليه، ربما يكون عاطفيًا بلا حدود، ربما يمتلكُ حساسيةً فائقةً يفتقر إليها كثيرٌ من الناس. عجزُه عن إنتاج الحُبّ يعود لعقدٍ نفسيةٍ وعاهاتٍ تربوية وجروحٍ غاطسة في لا وعيه، تفرض عليه حياةً خانقة كئيبة، لا يمكنه الخلاصُ منها أو تخفيفُ وطأتها إلا بمراجعة مصحّ نفساني.

لا يمكن أن تُكرِه إنسانًا على الإيمان أو الحُبّ، فكما لا إكراه في الإيمان، لا إكراه في الحُبّ. الإيمان الحُبّ من الحالات، والحالات أشياء وجودية لا ذهنية، وكل ما هو وجود لا تطاله الأوامر والقرارات المفروضة من الخارج مهما كانت، لذلك لا تستطيع أن تُكرِه شخصًا على عدم الإيمان، أو تُكرِه عاشقًا على ترك معشوقه، مهما فعلت معه، حتى لو سلطت عليه أقسى أشكال التعذيب.

‌‏ الحُبّ عصيٌ على التفسير لأنه حالة، والحالاتُ أشياء وجودية، كما أن مفهومَ الوجود واضحٌ، وحقيقتَه عصيةٌ على الفهم، هكذا الحُبّ مفهومُه واضحٌ، كنهُهُ مبهمٌ. ينطبق على الحُبّ قولُ ملا هادي السبزواري في بيان حقيقة الوجود، مفهوم الوجود واضح جدًا، غير أن كنهه غاية في الخفاء:

مفهومُه من أعرفِ الأشياءِ     وكنهُهُ في غايةِ الخفاءِ

مثلما يُعرفُ الوجودُ بآثاره ومظاهره وتعبيراته، يُعرفُ الحُبّ بآثاره ومظاهره وتعبيراته وثمراته في حياة الكائن البشري.

تعددت طرائقُ فهمِ الحُبّ وتفسيرِه وبيانِ آثاره المتنوعة على القلب والروح والضمير والعقل والجسد، فكلُّ فن وعلم يفسّره من منظور يتطابق مع الوجهة التي يتجلى له فيها، الحُبُّ لا يتجلى إلّا جميلًا مُلهِمًا. وكأن الحُبَّ مرآةٌ لا يرتسم فيها إلّا ما هو رؤيوي مضيء. الحُبّ محُبّوبٌ لكونه حُبًّا لا غير. الحُبّ حاجةٌ أبدية، وكلُّ شيء يحتاجه الإنسانُ بهذا الشكل لا يحتاج سببًا آخر غيره يدعوه للظفر به.

أشبع العرفاءُ الحُبَّ في كلّ الأديان بحثًا وتحليلًا، ومازال تحليلُهم لماهية الحُبّ هو الأسمى والأبهج والأعذب والأثرى، وهكذا أنشده الشعراءُ في قصائدهم وتغنوا فيه بغزلياتهم، ونهض بتفسيره الفلاسفةُ في علم النفس الفلسفي، واهتم بالكشف عن آثاره المتنوعة ومظاهره وتعبيراته في حياة الفرد والمجتمع، كلٌّ من: علماء النفس، والاجتماع، والأنثربولوجيا، والأخلاق، وأخيرًا قدّم له علماءُ الأعصاب والدماغ تفسيرًا بايولوجيًّا.كلُّ علم وفن يفسّره من منظوره، ويشترك الكلُّ في التشديد على عدم استغناء الإنسان عنه في أي مرحلة من مراحل حياته، وفي أية حالة يكون فيها، وفي أية محطة تصل حياتُه إليها. تظل الحاجة للحُبّ مزمنة، تولد مع الإنسان ولا تنتهي بوفاته، إذ يتطلعُ الإنسانُ في حياته إلى مَنْ يُخلِّد ذكراه بعد وفاته.

الحُبّ ليس صعبًا فقط، بل هو عصيٌّ على أكثر الناس، لا يسكن الحُبُّ الأصيل إلا الأرواحَ السامية، وكلَّ مَنْ يتغلّب بمشقةٍ بالغةٍ على منابع الكراهية والعنف الكامنة في أعماقه. حُبّ الإنسان من أشقِّ الأشياء في حياة الإنسان، لأن هذا الكائنَ ليس آليا، بل هو بطبيعته أسيرُ ضعفه البشري، يصعب عليه أن يتخلص من بواعث الغيرة في نفسه، وما تنتجه الغيرةُ من منافسات ونزاعات وصراعات، واستعدادات للشر، وما يفرضه الشرُّ من كراهياتٍ مختلفة، وآلامٍ مريرة في حياة الإنسان.

لا يكفُّ الإنسانُ عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء لمختلف أنواع العنف اللفظي والرمزي والجسدي مع خصومه، وإن كانت للعنف دوافعُه المختلفة، ولا عنفَ من دون أسباب ظاهرة او كامنة، لكن أحيانًا يلجأ الإنسانُ للعنف بلا أيّ سببٍ ظاهر يدعوه لذلك. أكثرُ الناسِ في مجتمعنا مشغولون بالحط من بعضهم البعض، حياتُهم تضج بالكراهية والأحقادِ والضغائن،كلُّهم جائعون للمحبة غيرَ أن أكثرَهم يعجزون عن إنتاجها.

يصعب جدًا بلوغُ الإنسان مرتبةً يصير فيها الحُبّ حالةً لا كلمة، الظفر بالحُبّ تجهضُه نزعةُ التعصب المترسبةُ في النفس البشرية، ويجهضُه التلذّذُ المضمَر غالبًا، الذي يتسلط على المرء من حيث لا يشعر، لحظةَ نكباتِ الغير وانكساراتِهم وآلامِهم وأحزانِهم.

الكلُّ يريد أن يحُبّه الكلُّ، ويكون محُبّوبًا للكلِّ، لكن الكائنَ البشري لا يتنبه إلى أنه لن يصبح محُبّوبًا للكلّ، ما لم يكن محُبّا للكل. لن يصيرَ الحُبُّ أصيلًا إلّا أن يصيرَ المرءُ مُحبًّا، العلاقةُ تفاعلية بين حُبّ الآخر لك وحُبّك للآخر. ليس هناك شيءٌ يُمنح مجانًا في الأرض، لن يحُبّك الآخرون مالم تحُبّهم، ولن يهبك الآخرون الحُبَّ، الذي هو أثمنُ عطاياهم، مالم تهبهم أثمنَ عطاياك. سرُّ الحُبّ أنه لا يتحقّق إلا بالحُبّ. لا علةَ للحُبّ إلّا الحُبّ، لا ينتج الحُبّ إلّا الحُبّ، لا ثمرة للحُبّ إلّا الحُبّ.

مادام الحُبّ أثمنَ ما يظفر به الإنسانُ وأغلاه، فإن نيلَه يتطلب معاناةً شاقةً وجهودًا مضنية. الطبيعةُ البشرية ملتقى الأضداد، الإنسانُ أعقدِ الكائنات في الأرض، وأغربِها في تناقضاته، وتقلب حالاته.

الحُبُّ حالةٌ لا تتكرّس إلا بالتربيةِ والتهذيب، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي، والتدريب المتواصل على تجفيف منابع الشر والعنف والتعصب والكراهية المترسبة في باطن المرء، والعملِ الدؤوب على اكتشاف منابع إلهام الحُبّ وتكريسها.

قلما نعثرُ على معلّمين للحب في مدارسنا وجامعاتنا، الدينية منها والمدنية. لدينا فائضٌ كبيرٌ من معلّمي إنتاج الكلام وتكديسه، واستنزاف العقل في مغالطات، وتعطيل التفكير في جدل عقيم. الكلامُ والكتابة عن الحب مستهجنةٌ في مجتمعنا. الإنسانُ لا يستطيع العيشَ بسلامة نفسيه من دون معنى لحياته، ولا معنى في الحياة أثرى وأجمل من الحب.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

عبد الخالق الفلاحمن الامور المهمة في حياة المجتمعات الحاضرة هي الالتزام بالقيم الاصيلة والتخلي عن التشويه وعدم اللهاث وراء الموضة والتقاليع الجديدة و حركات الميوعة وخلق ذهنية وسلوكية تتناقض والقيم السائدة التي تنبع من إرهاصات تاريخية واجتماعية تختلف باختلاف ثقافة تلك المجتمعات وبالتالي تهديدها وتدميرها .

 بعد الثورة التكنولوجية الحديثة للتواصل وفي نظرة تاريخية للتنشئة حيث تبادل الناس قديماً المعلومات في المقام الأول مشافهة.او عن طريق انواع من الطيور(الزاجل) المدربة التي تتميز بقوة اجنحتها وطول طيرانها وتعلق الرسائل في رقبتها او ينقلها عداؤون لمسافات طويلة. واستخدم الناس قرع الطبول، وإشعال النار، وإشارات الدخان للاتصال بالآخرين الذين يفهمون الرموز المستخدمة، كانت كذلك الصور والرسوم هي الخطوات الأولى نحو اللغة المكتوبة، وقد بدأ الفنانون قبل التاريخ استخدام سلسلة من الصور لحكاية قصة، كتاريخ رحلة صيد ممتعة أو عاصفة عنيفة و" شهد التاريخ سلسلة من ثورات الاتصال في البداية كلغة الإشارة حيث استعملت كوسيلة التواصل بين الناس، ثم اخترعت الكلمات المنطوقة لتسهيل التواصل، وبعدها اخترعت الكتابة التي ساعدت أيضًا في عملية التواصل، وعلى مدار السنين بدأ الإنسان يفكر ويخترع، فتوصل لأهم وسائل الاتصال كالمنشورات، والجرائد، والتلغراف، والهاتف، والراديو، والتلفاز وهكذا توالت الاختراعات حتى جاء القرن العشرين الذي شهد ثورة حقيقية في الاتصال والمعلومات، فتم اختراع الانترنت الذي تطور بدوره فتم استحداث مواقع ومنصات اجتماعية كان لها دور كبير في نهضة البشرية" .

في عصرنا الحاضر سادة الثقافة كل الزوايا والمنعطفات الفردية والاجتماعية للعالم وعادةً ما تحدّد الوتيرة التي ستسيرُ عليها طبيعةُ العلاقات وقلت وزادة اثر دخول وسائل الاتصال المختلفة للحياة التي أسهمت إسهامات عظيمة في تفعيل المشاركة لتحقق رغبة كل فئة في الاهتمامات والمساهمة في الأنشطة نفسها، كما أن لهـا دوراً مهمـاً فـي التشبيك والمنا صرة والضغط والتفاعل والتأثير على القيادات المجتمعية إذا ما أحسن استثمارها واستغلالها وتوجيهها بشكل جيـد في تحول الأقوال والأفكار والتوجهات إلى مشروعات عمل جاهزة للتنفيذ، لذا لا يمكن أن نعد التواصل عبر الشبكات الاجتماعية موضة شبابية تتغيـر مـع مـرور الزمن بل أصبحت وسيلةً لا بدّ منها في كل مجالات الحياة و أثرة في التنشئة الجيل الطموح للتقدم ايضاً وتقريب الروابط بين البلدان بشكل اسرع مما جعل العالم وكأنه قرية صغيرة لدرجة تلغي أية حواجز قد تتكون بينهم لسبب أو لآخر،والتي ساعدت على سرعت نقل المطالب .

وبلا شك ان الإنسان مدنيٌّ بالطبع" حقيقةٌ لا يُمكن إنكارُها أو التغاضي عنها فإذا نظرنا للعلاقاتِ الإنسانيةِ مُنذ القِدَم وجدنا أنَّ الإنسان لم يستَطِعْ العيشَ بمُفردِهِ فحاولَ أنْ يُقيمَ العديدَ من العلاقاتِ الاجتماعيّة مع بني جنسهِ ابتداءً من عيشِهِ في مجموعات وانتقالهِ معها في عصرِ الإنسان الأوّل مُروراً بعلاقاتِ العملِ والتعاونِ والمشاركةِ، وانتهاءً بعلاقاتِ الزواج التي لا بُدّ من وجودِ نوعٍ من التشابُهِ التوافقِ بينَ الاشخاصِ الذين يسعى الإنسان للتعاونِ معهم والاختلاطِ بهم، كأنْ يكونَ هناك توافقٌ فكريّ، أو ثقافيّ، أو معرفيّ، أو اجتماعيّ و لا يشعر الفرد بالدونيّة أو النقصِ حين يتبادلِ الأحاديثَ أو المُعاملاتِ مع الفرد الاخر". ووسائل الاتصال هذه لها فوائد جمة منها:على سبيل المثال التعلم والتشبيك، فالتعلم المساهمة في تثقيف الأفراد، وتوسيع مداركهم وآفاقهم،المساهمة في مواكبة أحدث التقنيات، والاكتشافات، والمنتجات الجديدة،التسويق للنشاطات المجتمعية المختلفة، المساعدة في التغلّب على الحواجز اللغوية وعملية التواصل مع الأفراد بشكل خاص، وتميز ببروز دور الفرد كفاعل في صياغة وتشكيل وانتشارنوع جديد من الاعلام،والتعبير في الاتجاهات والأفكار كافة داخل المجتمع في ظل حوار تكون ركيزته الندية بين الفرد والنخبة والجماهير .

كذلك يلعب الإعلام في وقتنا الحاضر دوراً كبيراً في ضخ المعلومات الخبرية الثقافية والاجتماعية والسياسية ...الخ الى الرأي العام فهو يشكل عصب الحياة نظراً لذلك الدورالسريع والتأثير على مختلف السياسات العامة للشباب، وبكونه سلاح ذو حدين أولهما ايجابي يساهم في بناء المجتمعات وتوعية الشباب وسلبي اذا ما استغل بشكل خاطئ يعمل على تفتيت المجتمع وتخريب أذهان الشباب،ومن وجهة نظر البعض أنها أثرت على العلاقات الاجتماعية وصلة الرحم بشكل سلبي حيث قربتْ البعيد وبعدت القريب والأهـل ملزمون بتعليم أبنائهم الصح والخطأ والإشراف عليهم وإرشادهم إلـى اسـتغلال هـذه التكنولوجيا بشكل صحيح حتى لا يقعوا في الانشطة الانحلالية مثل الادمان واهدار الوقت والتفسخ الجنسي والسلوكيات المغرضة والمشاركة في الامورالعائلية وتفكيكها والضياع في الاحلام الوهمية .

 بحسب آراء بعض الأطباء النفسيين،هي تخلق حالة من السكون والخمـول لأن الشخص عندما يقوم بذلك فهو سيفقد متعة الحياة من مغامرة وتشويق وتعارف مباشر واطلاع اقرب وتجارب أكبر، وقد يظهر في الكثير من الاحيان الفَرْدُ خِلاف ما يُبطِن، فهذا يعني انه يحدث شَرْخًا عميقًا بين الفرد والمجتمع، كما يعني أن المجتمع بكل مؤسساته يَضغط على الفرد لِسَلْب ارادته الخاص، ومَنعه مِن التعبير عن أفكاره بحُرِّية، وهذه الخُطوة الأُولَى لتدجين الفرد، وإدخاله إلى الحظيرة، وتحويل المجتمع إلى قطيع يُساق إلى حافة الهاوية . وسياسةُ حافة الهاوية التي تُكرِّسها السُّلطة في المجتمع المُحَاصَر، هي منهجية شديدة الخُطورة، لأنها تُحوِّل الفَردَ مِن كيان إنساني جوهري قائم بذاته، إلى شيء هامشي عَرَضي في مَوضِع العَرْض والطَّلَب، وتُحوِّل الأنساقَ الاجتماعية إلى سِلَع في أيدي أصحاب السُّلطة القادرين على الدَّفْع، وَمن امتلكَ القُدرة على الدَّفْع، امتلكَ القُدرة على الكلام . والجديرُ بالذِّكر أن سياسة حافة الهاوية تُقَدِّم صُورةً خادعة عن المجتمع، فيظهر مَجتمع القطيع للناظر إلَيه مِن بَعيد مُجتمعًا مُنظَّمًا متماسكًا ذا مَسار واحد، وهدف مصيري مُشترك . وفي حقيقة الأمر عند ملامسة ذلك المجتمع بشكل مباشر تراه، إنَّهُ مجتمع مُفكَّك مِن الداخل، وأنساقه الاجتماعية مضمحلة لامحال تدريجيًّا، وهذا يمثل الانتحارُ الاجتماعي التدريجي لها.

 

عبد الخالق الفلاح