 قضايا

التساؤلات الوجودية الكبيرة (3)

جواد بشارةوبخصوص التساؤل الوجودي الأول عن وجود " الله" كان لا بد من التفكير بالأمر معنوياً ونفسياً وأخلاقياً ودينياً واجتماعياً بالتوازي مع المنهجية العلمية العقلانية المادية المحضة. كما يتوجب علينا معرفة الواقع وحقيقته مثلما نود معرفة ما بعد الواقع، في الماوراء والغيب والأفق المجهول. هناك واقع أرضي ملموس نعيش فيه ونتحسسه وهناك واقع آخر خارج منظومة الأحاسيس وهو ما يعرف بمفهوم ألباراسيكولوجي والبارانورمال وهو يتطلب الإيمان والاعتقاد الذي يشبه الاعتقاد والإيمان الديني. كيف نصف الواقع؟ وعن أي واقع نتحدث؟ هناك الواقع البسيط الملموس الذي تجادل بشأنه الفلاسفة القدماء ورجال الدين وعناصره الأربعة الماء والهواء  والماء والتراب، وهناك الواقع المادي الذي تناوله العلم الحديث بالدرس والتفكيك والتشريح والذي يتطور يومياً حسب تقدم العلم والتكنولوجيا والرصد والمراقبة والمشاهدة والتجريب، أي الواقع المنظور، وخاصة مكونات المادة في حدودها القصوى في اللامتناهي في الصغر أي مادون الذرية. فالذرة نفسها، التي كانت في الماضي تعتبر اصغر وحدة مادية غير قابلة للإنقسام، باتت قابلة للإنقسام والإندماج ومكونة من نواة تدور حولها الإلكترونات، والنواة نفسها مكونة من نيوكليونات nucléons، أي بروتونات ونيوترونات، وهذه بدورها مكونة من كواركات quarks، وهناك ما هو أدنى من الكواركات إلا أن أجهزتنا عاجزة عن كشفها في الوقت الحاضر. يوجد في الواقع المادي ما يعرف بالجسيمات الأولية les particules élémentaires والتي يتطلب قياسها وحسابها ليس فقط معرفة مداراتها وموقعها أو تموضعها وسرعتها فحسب، بل وكذلك معرفة " دالة الموجة فيها fonction d’onde" لحساب الإحتمالية la probabilité بشأن تواجدها، رغم أننا لا نراها ولا نلمسها  ولا نشعر بها بأحاسيسنا الخمسة لكنها موجودة في الواقع الحسي المادي وإن لم تكن غير مرئية. وهي الثغرة التي استغلتها الأديان لتقول أن هناك أشياء لا مرئية وماورائية وغيبية موجودة وعلينا تصديقها والإيمان بوجودها حتى لو كانت تتجاوز قدراتنا الحسية . وفي رواية غير مثبتة لكنها منتشرة في الوسط العلمي تخبرنا أنه اثناء لقاء بين العالم الفيزيائي الراحل ستيفن هوكينغ والبابا في الفاتيكان، قال الأخير موجها كلامه للعالم البريطاني: "اهتموا أنتم معشر العلماء بما بعد البغ بانغ" الانفجار العظيم" واتركوا لنا نحن رجال الدين ما قبل البغ بانغ" ولهذه الحادثة، لو كانت قد حصلت فعلاً دلالات عميقة سنتطرق لها لاحقاً. فمنذ القرن السابع عشر بدأت العلم يقتحم الحصون المغلقة التي كانت حكراً على الأديان والمؤسسات الدينية إذ أن هذه الأخيرة نصبت نفسها كمرجعية نهائية ووحيدة للإجابة على تساؤلات وجودية من قبل من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون وما هو مصيرنا ولماذا نحن هنا والإجابة هي أن " الآلهة  هي التي وراء ذلك، بالنسبة للأديان غير التوحيدية، وإن الله أو الرب  أو الإله الأوحد هو الذي يقف وراء ذلك، بالنسبة للأديان الإبراهيمية السماوية المنزلة فالأديان تدعي أنها الوحيدة التي تمتلك الحقيقة المطلقة. ولقد استغلت الأديان جهل وخوف الأقوام البدائية البشرية الساذجة من الموت والمجهول وظواهر الطبيعة المدمرة والمخيفة، لتغرس في الأذهان أن هناك قوة خارقة تختفي وراء كل الظواهر  التي ترهب البشر كالبراكين والرعد والعواصف والبرق  والخسوف والكسوف وغيرها من الظواهر الطبيعية التي بدأ العلم بتقديم إجابات علمية عقلانية مقنعة عنها في القرون اللاحقة، منذ القرن التاسع عشر إلى يوم الناس هذا. بيد أن الغالبية العظمى من البشر لا تفهم العلم ولا تستوعب أطروحاته ومفاهيمه ومصطلحاته لذلك تراهم يركنون إلى الأجوبة والتفسيرات الدينية المطمئنة والبسيطة . وبمناسبة صدور كتابه "التصميم العظيم" أو " هل يوجد هناك مهندس كبير للكون" حسب الترجمة الفرنسية، نشرت صحيفة التايمز بعنوان كبير على صفحتها الأولى " هوكينغ يقول : الله لم يخلق الكون " و" الكون ليس بحاجة لخالق لكي يوجد" وكانت هناك صورة للوحة للفنان مايكل أنجلو Michel Ange تظهر الله المنتقم وصورة لستيفن هوكينغ  بمظهر المدعي  المتحدي يواجه غضب وانتقام الله الخالق، وكأنها مبارزة بين الله وهوكينغ  في حين لايوجد موقف شخصي من قبل هذا العالم حيال الله ومن يؤمن به فهذا مجال لا يعنيه ولا يخصه فأبحاثه لاتثبت وجود أو عدم وجود إله خالق بل هي تسعى للتوصل إلى طريقة عقلانية علمية مقبولة لفهم الكون المرئي. فخلال قرون طويلة كان الناس يعتقدون أن المصابين بإعاقة جسدية هم ضحايا لنوع من العقوبة الربانية المسلطة عليهم، وبالتالي ربما يكون هذا هو عقاب ستيفن هوكينغ الذي أرسله الله لكي يكبح جماحه العلمي، كما ردد كثير من المتدينين بعد انتشار تصريحاته في وسائل الإعلام . الرجل  يفضل أن يجد الأجوبة والتفسيرات حسب القوانين الطبيعية الجوهرية في الكون وإنها كانت وما تزال تعمل منذ بدء الكون  ولمليارات السنين القادمة كما يعتقد العلماء وستيفن هوكينغ أحدهم وأكثرهم شهرة بعد آينشتين ونيوتن. ولو ادعى رجال الدين أن هذه القوانين هي من صنع الله فهذه المحاولة ليست سوى تعريف لبعض وظائف الله وليس دليلاً على وجوده. وكان الفيلسوف الإغريقي آريستارك Aristarque  قد شكك بأن خسوف القمر وكسوف الشمس يحدثان بفعل رباني وعندما اكتشف حقيقة هذه الظواهر علمياً حوالي 300 سنة قبل الميلاد نشر آرائه ورسوماته التوضيحية وتوصل في نفس الوقت إلى أن الأرض ليست مركز الكون كما كان يعتقد الجميع آنذاك، بل هي جرم سماوي عادي يدور حول الشمس وينتج الخسوف والكسوف من خلال ظلال الأرض والقمر وانعكاساتها عليهما عند مرورهما أمام الشمس أثناء دورانهما حولها. وسخر هذا الفيلسوف من فكرة أن النجوم عبارة عن مصابيح منيرة معلقة بقبة السماء وهو الأمر الذي كان يعتقده ويصدقه الجميع في ذلك الوقت، بل وحتى في وقت لاحق بعد قرون عديدة. وقال أن النجوم هي شموس  تشبه شمسنا قد تكون مثلها وبحجمها أو اصغر منها أو أكبر منها بكثير لكنها بعيدة جداً عنا وبالتالي فإن الكون هو آلة تحكمها قوانين هي قوانين الطبيعة الجوهرية. إن أهم إنجاز حققته البشرية هو إكتشافها لتلك القوانين التي تفسر حركة الكون وتطوره وحركة كل ما فيه  في الماضي والحاضر والمستقبل. وهي قوانين قائمة وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. من هنا لاحاجة لافتراض دور ما لإله خالق يتدبر أمور الكون وفق الصورة التي رسمتها له الأديان السماوية وهنا يكمن لب الصراع والاختلاف بين العلم والدين. وهو صراع ليس وليد اليوم بل كان موجوداً منذ أن نشأ الوعي عند البشر ولغاية اليوم، وبدأ العلم يفرض نفسه منذ بضعة قرون كأطروحة بديلة للأطروحة الدينية حتى أن البعض اقترح للخروج من عقدة الصراع اعتبار الله تجسيداً لتلك القوانين الجوهرية للطبيعة، إلا أن ذلك لايتناسب ولا يتوائم مع التعريف الديني  المعطى عن الله الذي يقدمه وكأنه كائن يمكن إقامة علاقات شخصية معه ورؤيته والتفاوض معه كما تروي لنا الأدبيات الدينية عن تجارب الأنبياء في هذا المجال. ولكن عندما نتمعن بحجم الكون وشساعته ونشعر بلا قيمة الحياة البشرية بالنسبة للكون ستبدو لنا هذه التخريجة التوفيقية فاقدة للمعنى أو غير مقنعة. استخدم هوكينغ مصطلح أو مفهوم " الله" بمعنى لا شخصي impersonnel أي بعيداً عن الشخصنة، على غرار ما فعله آينشتين قبله عندما أحرجه الحاخام الأكبر وقال له هل أنت ملحد أم تعتقد بوجود الله" لأنك تحرجنا مع بقية الأديان لاسيما بابا المسيحية، فرد عليه آينشتين : أنا أؤمن بوجود إله لكنه ليس الإله الذي تتحدثون عنه بل هو إله سبينوزا".

يتبع

***

د. جواد بشارة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4502 المصادف: 2019-01-02 03:38:27