 قضايا

عمر الكون ومعضلة الزمن (4)

جواد بشارةسبق أن ذكرنا أن ثقل أو كتلة الكون المرئي المرصودة، مع توفر برهان ودليل نظري رياضياتي ورصدي بشأنها، لا تتجاوز الـخمسة بالمائة 5% من محتويات الكون المرئي الآتية من مكونات مادية موجودة في المادة العادية المرئية ـ بروتونات ونيوترونات وإلكترونات في حين ثبت أن 25% بالمائة من المادة هي مظلمة أو سوداْ أو معتمة وإن 70% بالمائة هي طاقة سوداء أو مظلمة أو معتمة ، إلا أن المعضلة تتمثل في غموض طبيعة وماهية هذين المكونين الطاغيين . فهل المادة السوداء أو المظلمة مكونة هي الأخرى من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات لكنها لم تنجح في تشكيل المجرات والنجوم والكواكب الباعثة أو العاكسة للضوء على غرار المادة العادية؟ الحسابات النظرية والرياضياتية تؤكد على أنها غير مكونة من نفس العناصر والمكونات المعروفة في المادة العادية ، أي البروتونات والنيوترونات والإلكترونات وغيرها. ولقد رشح العلماء بعض العناصر كالآكسيونات والزينوات والنيوتريونات ولكن لم يعثر عليها لحد الآن في التجارب المختبرية ومصادمات الهدرونات الكبيرة . الأمر الأكيد هو أنه المادة والطاقة المعتمتين أو المظلمتين منتشرة في كافة أرجاء الكون المرئي . بينما رشح عدد من العلماء جسيمات فائقة التناظر مثل الفوتينو والزينو والهيغزينو، وهي قرائن للفوتونات وجسيمات زد Z وبوزونات هيغز المكتشفة حديثاً في مسرع الجسيمات الكبير LHC سنة 2012 ، وهذه الجسيمات الأخيرة فائقة التناظر هي الأكثر ميلاً للانعزال وعدم التفاعل مع نظيراتها في المادة العادية، ولا تزال المادة السوداء أو المعتمة أو المظلمة والطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة، من أكثر ألغاز الكون غموضاً إلى جانب الثقوب السوداء، وأكثرها إثارة للحيرة لدى العلماء المعاصرين. ولقد أثبتت الأبحاث حول المستعرات العظيمة " السوبرنوفا" أن هناك معادل للثابت الكوني الآينشتيني يتمثل بالطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء والتي تشكل نسبة 70% من كتلة الكون المرئي هي التي تدفع بالنسيج الكوني وبالزمكان إلى التوسع والتمدد وبتسارع مضطرد. وتؤكد قياسات ونتائج مرقابات COBI و WMAPو PLANCK أن هناك تطابق مع النماذج الكونية التضخمية ومع نتائج تحليل ودراسات المستعرات الكبيرة السوبرنوفا وبأن كثافة المادة الحرجة في الكون المادي المرئي العادي تكون متطابقة فقط مع نتائج الرصد في حالة إضافة نسبتي المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة.

نفس الشيء بالنسبة لمعرفة وفهم الثقوب السوداء والثقوب الدودية ومعرفة ماهية الزمن والمكان أو الزمكان ، ما سيساعدنا على تطوير التقنيات اللازمة للسفر بين النجوم والمجرات والسفر نحو الماضي والمستقبل بحثاً عن بدائل للأرض التي ستستنفذ يوما ما قدرتها الاستيعابية للعدد المتزايد من البشر. فسهم الزمن أو اتجاهه ، على سبيل المثال، يخبرنا أنه ثابت لايمكن عكسه لكن النظريات العلمية لاتقر بذلك ولم تثبته مختبرياً لأن ذلك على الضد من المعادلات الفيزيائية الجوهرية إذ أنها جميعاً قابلة للارتداد والعكوسية. هناك مسار للزمن ولكن لايوجد اتجاه ثابت وابدي . وعلى هذا المسار تحدث الظواهر الزمانية. وكما قال فرويد " أن اللاوعي يتجاهل الزمن" و لا يتحمل تاثيرات الزمن ومروره كما في الأحلام حيث ينعدم الزمن التقليدي وتتداخل الأزمنة والأحداث. وفي الأحلام فإن سهم الزمن لايتجه بالضرورة إلى الأمام ، من القبل إلى البعد فقط. فبدلاً من التفكير بالزمن على نمط التدفق المتجانس المتسق المحكوم بالسببية والعلية ، فإن خطاب اللاشعور أو اللاوعي يضع أمامنا حالة زمانية مفتتة ومبعثرة بدلاً من التسلسل والتعاقب الخطي فالحوادث والحقب تتراكب وتتداخل وتمتزج بدون الخضوع لنظام التعاقب الزمني التقليدي .

التقدم العلمي مستمر والتكنولوجيا التطبيقية تتقدم بسرعة مذهلة ففهم النظريات هو الخطوة الأولى نحو التحكم والإتقان التقني والتكنولوجي . ففهم القوة الكهرومغناطيسية في القرن التاسع عشر قادنا إلى اختراع التلغراف والمذياع والتلفزيون ، والفهم العميق للميكانيك الكمومي أو الكوانتي قادنا إلى اختراع الحواسيب أو الكومبيوترات والليزر وأجهزة كهربائية وإلكترونية عديدة كالستلايت والهواتف الذكية مثلما قادنا فهم النسبية الخاصة والعامة إلى غزو الفضاء تصنيع القنبلة الذرية والطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتقنية تحديد الأماكن والعناوين الجي بي اس الخ .. وبإمكان البشر في المستقبل القريب توفير الطاقة اللازمة لاحتياجاتهم مجاناً من خلال السيطرة على الطاقة الشمسية وطاقة المياه والهواء والطاقة النووية ، إنها مسألة وقت فحسب، أي مازلنا محكومين بالزمن.

يتبع

 

د. جواد بشارة

..............................

المصطلحات

 المادة السوداء أو المظلمة (Dark Matter):

وهو الاسم الذي تمّ إعطاؤه لكمية المادة التي اُكتشف وجودها نتيجة لتحليل منحنيات دوران المجرة، والتي تواصل حتى الآن الإفلات من كل عمليات الكشف. هناك العديد من النظريات التي تحاول شرح طبيعة المادة المظلمة، لكن لم تنجح أي منها في أن تكون مقنعة إلى درجة كافية، و لا يزال السؤال المتعلق بطبيعة هذه المادة أمراً غامضاً. المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernovae): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا الانفجار العظيم (Big Bang): نموذج للكون مقبول بشكلٍ واسع، ويفترض هذا النموذج أن التوسع المرصود للكون بدأ منذ 13.7 مليار عام عندما كان الكون ساخن جداً وكثيف جداً. يقوم هذا النموذج وبشكلٍ ناجح بتفسير الخلفية الكونية الميكروية ونسبة الهيدروجين، والهليوم، والعناصر الخفيفة الأخرى، بالإضافة إلى توسع الكون. المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernova): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر:

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4523 المصادف: 2019-01-23 03:48:34