 قضايا

كلمة سواء بيننا وبينكم

معراج احمد الندويالإسلام دين عالمي يتجه برسالته إلى البشرية كلها، هذه هي الرسالة اللاإنسانية الخالدة التي تأمر بالعدل وتنهى عن الظلم وتُرسي دعائم السلام في الأرض وتدعو إلى التعايش الإيجابي بين البشر جميعاً في جو من الإخاء والتسامح بين كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم. إن التسامح يفتح آفاقاً جديدة في فهم حقوق الآخرين وواجباتهم تجاه غيرهم وعدم فرض قيود على الآخرين ما يتيح تحول الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن ويؤصل من قيمة الحرية. لقد أصبحت فكرة التعايش والتسامح دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية. وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي بأنها هو احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها، وهو تقدير التنوع الثقافي، وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى في الأديان.

لقدخلق الله سبحانه وتعالى الناس وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا على البر والتقوى وعلى ما فيه خير الإنسان. إن مفهوم التعارف ذو سعة، يمكن أن يشمل كل المعاني التي تدل على التعاون والتساكن والتعايش السلمي مع الآخرين، والتعارف تواصل حضاري بين الشعوب، فيه اعتراف بالآخر وتواصل معه ليقوم على البر والتقوى والكلمة السواء والمجادلة بالتي أحسن والحوار مع الأحترام المتبادل. إن الدعوة الإسلامية للتفاهم والتقارب واضحة جلية لا غموض فيها ولا إبهام، قد بين القرآن الكريم أصول الدعوة، لأن الناس شاملة لكل فرع من فروع الحياة، ولقد أكد الإسلام على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم. وهذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التألف بالتعارف وإلى ترك التعادي بالتخالف. تهدف هذه الدعوة بين الأديان إلى إثراء الفكر وترسيخ قيمة التسامح بين الناس، وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الأطراف بالخير، وذلك بالبحث عن القواسم المشتركة التي تشكل الأساس المتين للتعاون البنّاء بين الأمم والشعوب.

إن الدعوة أهل الأديان من الناحية العامة وأهل الكتاب من الناحية الخاصة للتقريب وللتعاون المشترك هي الوسيلة المهمة من وسائل لحلول المشاكل ولتسوية النزعات والصراعات بين طرفين أو أكثر من أهل الأديان والمؤمنين بها. فقد حاور القرآن الكريم مع الآخرين بأرضية متفقة عليها، مما يدل على هذا قوله تعالى:﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ ( أل عمران 64) لأن الإسلام في الأصل دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. هذه الآية الكريمة تعتبر نصاً في الدعوة، ولا يمكن أن يتجاوزها من أراد معرفة حكم الله تعالى في الدعوة أهل الأديان، وقد سن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السنة الحسنة وهي دعوة غير المسلمين إلى الدخول في الإسلام عن طريق مكاتبة الملوك والأمراء، وأمرهم أن يبلغوا أممهم.

إن اليهود والنصارى أهل ديانة سماوية، ويوجد في القرآن الكريم من التفاصيل عن بعض الأنبياء ما لا يوجد في غيره من الكتب وذلك حتى يؤمن المسلمون بكل رسل الله. إن "كلمة سواء بيننا وبينكم" هي الأرضية المشتركة لاجتماع الحوار بين الأديان الأخرى. وقد سمى القرآن الكريم اليهود والمسيحيين "أهل الكتاب" لأن الله سبحانه وتعالى أنزل التوراة على موسى والانجيل على عيسى عليهما السلام ، قبل أن يتلقى محمد عليه الصلاة والسلام القرآن، مصدقا للرسالات السابقة ومفصلا لأمورالشريعة والقانون بجانب العبادات والأخلاق.هذه المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة.

واليوم يشكل المسلمون والمسيحيون معاً ما يزيد عن نصف سكان العالم، ولا يمكن أن يكون هناك سلام في العالم دون إحلال السلام والعدالة بين هذين المجتمعين الدينيين فمستقبل العالم يعتمد على السلام بين المسلمين والمسيحيين. إن الأساس الذي ينبني عليه السلام والتفاهم جزء من صميم المبادئ الجوهرية لهذين الدينين وهو: حب الإله الواحد، وحب الجار وهذه المبادئ يتكرر وجودها في النصوص المقدسة للإسلام والمسيحية، وتعتبر في ذلك تلك المبادئ بالنتيجة الأرضية المشتركة بين الإسلام والمسيحية. وإذا كان الاسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعا للتعايش مع كافة بني الانسان فلقد أوسع نطاقه من باب أولى للتعايش السلمي مع المؤمنين بالله. إن دعوة وبيان للحق وكشف للباطل وبيان لضرره في الدنيا والآخرة، ولم نجد شيئاً يدل على محاولة القرب من الأديان أو العمل معهم في القضايا المشتركة والبعد عن نقاط الخلاف. "تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم" هي الدعوة وجسر العبور نحو كل اﻷمم في مشارق اﻷرض ومغاربها لنتخاطب بها معهم لنرسي عدالة السماء على الارض، عدالة المحبة والرحمة واﻹنسانية. سيظل هذا النداء يجوب اﻵفاق والأقطار ومن دولة الى أخرى و مع  الشعوب المختلفة بين بعضها البعض. وستبقي هذه اﻵية نداء حيا وصالحا على مر اﻷزمان والعصور ليست مقتصرة على أمة معينة أو قبيلة أو طائفة من البشر. وينبغي أن تحتوي هذه الدعوة الى على الدفاع عن هذه القيم الانسانية المشتركة.

 

 دكتور معراج أحمد معراج الندوي

  جامعة عالية، كولكاتا- الهند

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4531 المصادف: 2019-01-31 12:14:20