 قضايا

الإنسانُ وغائيّة التّكامل الوجودي (2)

اكرم جلالإنّ لمنهج التربية والتّكامل الإنساني مَدرستين: الأولى هي المدرسة التي تَنطَلق من مَنهَجٍ  وتَفكيرٍ وجودي مَحض مُتّخذَة من النّظريات والآراء الوجودية المُجرّدة للإنسان أساساً وَمُتّكَأً لعملية التّكامل، أما المدرسة الأخرى فهي مدرسةُ الأنبياء والأئمة عليهم السلام والتي تَعتَمد في مَنهَجِها على البُعد الإنساني والرّوحي وتَعتَبر القَلب أو النّفس مُنطلقاً وأساساً ومحوراً في عملية التربية والتكامل. لذلك فالمدرسة الإلهية تَستَعين بالعَقل ولا تستغني عنه وتَعتَمد على القلب والروح في عملية السيرالتكاملي والوصول الى مراتب الكمال الوجودي المطلق ، وأن هذه الأسس هي وحدها الكفيلة بتربية الإنسان والأخذَ بيَده نَحو الرّقيّ والذي مِن مَظاهره السّعي لِعَمل الخَير وفِعل الصالحات. إن المنطق والإستدلال بالأدلّة العقلية والفلسفية على أهميّتها ودورها في العلم والمَعرفة لكنّها وَحدَها قاصرة في بلوغ  أعلى مراتب البناء والتكامل للإنسان، وأن المعرفة القلبية أو الروحية هي أقرب الطرق وأسرعها وأوثقها لنيل الكمال الوجودي من أجل طَيّ المَراتب والوصول الى ساحة القرب الإلهي.

إنّ العِلمَ والتَفكّر والتأمّل هيَ من مُستلزمات عمليّة التّكامل الوجودي للإنسان وأنّ أعظَم تلك العلوم والمعارف هي الإحاطة  بأسرار الوجود والرؤية الكونية ومعرفة الغاية التي من أجلها خَلَقَ الله الوجود، وأنّ الإحاطَة بعوالم الغَيب والملكوت هيَ التي تُصيغ المّعالم النّظَرية والمناهج السلوكية لحركة الأنسان، وهيَ المُرشد والدّال نَحو إدراك مَراتب الكمال الإنساني، ثُم أنّ الإلتزام بما أمرَ الباري وما نَهى عنه إنّما هي من أعظم مراتب المعرفة الإلهية وهي السبيل والطريق نحو السمو لبلوغ الإرتباط الحقيقي بالله جل وعلا وتحقيق أعلى مراتب الكمال الوجودي.

ولأنّ العلوم والمَعارف عديدة متنوعة مُتَشَعبة لذا فَلا بُدّ لِمَن يَبغي نَيل مَراتِب التَكامل أن يَختار من العلوم ما تُثير قُدراته وتُحَفّز إمكاناته وتَسير به نَحو مَدارج الرقي، ولاشكّ في أنّ العلوم الإلهية التي تربي القلب والروح وتثير في الإنسان الرغبة في الحركة والسير نحو التكامل ليدرك بذلك الحياة الحقيقية التي أرادها الله للأنسان الكلي ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122].

إجتناب الطاغوت

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: 36].

والطاغوت كما عَرّفَه أهل اللّغة (هو ما عُبِدَ من دون الله عز وجل وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ 2)،  وقال السيد الطباطبائي في الميزان (الطاغوت في الأصل مصدر كالطغيان و هو تجاوز الحد بغير حق 3) .

إنّ الإيمانَ بالله والكُفرَ بالطاغوت إنّما هيَ الأُسُس والثَوابت الرئيسية في عملية التكامل الوجودي للإنسان، والآية القرآنية حينما أمرت بالعبادة أشترطت أجتناب الطاغوت فكان أمراً ملازماً للعبادة وشرطاً لها من أجل تحقق كمال العبادة التي أرادها الله جل وعلا.

إنّ عبادة الله إذا اقتَرَنَت بطاعة الطّاغوت فهي إذن كالصّلاة على غَير طَهارة. فَحينما يَخضَع العبد لقوانينَ ومعتقداتَ ومناهجَ طاغوتية صَدَرَت عَن طُغاة وجبابرة، سراً أو عَلَناً، صَراحةً أو مواربةً، تدعو لعبادةِ غيرِ الله فهو بذلك يخرج عن مَسلك عبادة الله واتّخَذَ الطاغوت أولياء، فَهو إذن في أدنى مراتب الجهل والعمى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257].

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مَرّ عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة ... فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح الله وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا، مع خوف قليل، وأمل بعيد، في غفلة ولهو ولعب .... 4).

إن المبدأ والأساس في الرسالات السماوية هي الدعوة لعبادة الله والنّهي عن عبادة الطاغوت، فَبقدر ما يَحمل أمرُ عبادة الله مَضامين فكرية وفلسفية عميقة وأبعاداً عملية تطبيقية واسعة ، فإن أمرُ الله باجتناب الطاغوت لا يَقل شَأناً من حيث المَضامين الفكرية والتشريعية والعقائدية ، فهو أمرٌ باجتناب كُلّ ما تَحملُه مُفردة الطاغوتية من معانٍ كالمنهج الطاغوتي والإعتقاد الطاغوتي والإنتماء الطاغوتي والسلوك والمواقف الطاغوتية، إنّه أمرٌ إلهي بالتَولّي المُطلق لله جلّ وعلا يقابله أمرٌ رَبانيّ بالتبري المُطلق من المنهجِ والخّط الطاغوتي بكلّ أشكاله وأبعاده، فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: (كفانا الله واياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين. أيها المؤمنون: لا يفتننكم الطواغيت واتباعهم من اهل الرغبة في الدنيا، المائلون اليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غداً... وان الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب عن نيتها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة اهل الحق الا قليلاً ممن عصم الله عزوجل، فليس يعرف تصرف ايامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها الا من عصم الله،ونهج سبيل الرشد، وسلك طريق القصد، ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر واتعظ بالعبر وازدجر... واياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم 5).

 إن السالكين في طريق الكمال والتكامل  والذين تَمَسّكوا وَثَبَتوا على دَرب الإنابة الى الله رَغمَ وَحشة الطريق فلم يَهنُوا وَلَم يَخضَعوا وَلَم تُضِلّهم مَكائد الطاغوت ولم يُلهِهِم لَهوَ الحياة ولم تُسقطهم المُغريات ولم تُنسهم ذكر الله، أولئك لهم  البشرى من الله العلي القدير ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى ﴾ [الزمر: 17].

إنّ مآب مَن آمن بالله وَكَفَر بالطّاغوت هوَ الفَوز والنّجاة في الدارين ، نجاة يَصفها القرآن كَمَن تَمَسّك بعروةٍ لا تَنفَصم ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]. لَقَد أوضَحَت الآية الكريمة المَنهَج الإلهي في البناء والتكامل حينما بَدَأت بتقديم الكُفرَ بالطاغوت على الإيمان بالله وذلك لأن الإيمان ومدارج الكمال والرقي الانساني لاتُشَيّد الّا على أساس مَتين، وَهذا الأساس هو الكُفر بكُلّ الأفكار والمناهج الطاغوتية، وهذا الرَفض هوَ بمثابة الأساس الذي سَيُقام فَوقَه بنيان الكمال، فكلّما كانَ الأساس متيناً كلّما كانَ الصرح أكثرَ علواً وثباتاً.

حكمةٌ بالغة مِن رَبٍ عليم، فالمَنهج الرّباني يَستَدعي أولاً تَصفية القَلب مِن كلّ الشبهات والمُوبقات والآثام والأصنام ورفض كل أنواع الشّر والباطل والظُلم والغِش والخِداع والنفاق والزَيف، إنّه الكفر بالطاغوت، فَعَلى المُؤمن الساعي نَحوَ الكمال أن يتّخذ من هذا الأمر الإلهي منهجاً ودليلاً ليَبدأ مسيرةَ التكامل لبُلوغ ساحَة القُدس الإلهية بثَبات وَبصيرة وَنُور.

 

د. أكرم جلال

..................

1- لسان العرب - ابن منظور - ج 8 - الصفحة 444.

2- تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي -  مجلد 12 - ص 242.

3-  الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 318.

4- تحف العقول -  بن شُعبة الحَرّانيّ -  ص 257، 260.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

بحث رائع احسنت دكتور وبارك الله بك

الحمد لله الذي هدانا لهذا

Alaa
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4578 المصادف: 2019-03-19 05:44:03