 قضايا

المشترك الإنساني في الفلسفة المغربية

صالح الطائيعلى مر التاريخ، كانت الجغرافية الجسرية ساحة لتلاقي وتلاقح الأفكار الواردة من جهاتها الأربع، من هنا كان للموقع الجغرافي للملكة المغربية أثره في نشأة الثقافة عامة والفلسفة بشكل خاص، فالمغرب، يطل جغرافيا على مساحات مائية عملاقة، حيث يطل على البحر الأبيض المتوسط شمالا، والمحيط الأطلسي غربا، وعلى طول 3500 كيلومترا تمثل خط الحدود، تتزاحم أكثر من 38 محطة وميناء بمختلف المهام، بعضها تاريخية، ويعود إنشاء بعضها الآخر إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر مثل ميناء طنجة المتوسط، وقد اتاح هذا الانفتاح الجغرافي لهذه البيئة أن تلتقي بثقافات مختلفة المصادر والتوجهات، بعضها غريب كليا عن بيئة المغرب، وبعضها الآخر له تقارب مع بعض عادات وتقاليد البلاد، فأسهم ذلك في زيادة زخم التلون الثقافي، الذي تمتاز به مناطق الموانئ، وهي عادة تكاد تحمل الكثير من جينات المشترك الثقافي في العالم كله.

فضلا عن ذلك، كان لمضيق جبل طارق أثرا كبيرا على دوام وتنوع وتوسع التناقل الثقافي الذي حدث بين المغرب المنفتح على الثقافة الشرقية/ الإسلامية وإسبانيا المنفتحة على الثقافة الغربية، ولاسيما وأن المغرب بلاد ذات تراث ثقافي متنوع وقديم جدا، فهي جزء من منظومة المغرب العربي الجغرافي الذي وجدت فيه أحفوريات تعود للحقب من 700000ق.م ولغاية 20000 ق.م بدءً من الحضارة الآشولية، ثم الحضارة الموستيرية، والحضارة العاتيرية، والحضارة الإيبروموريسية، ومنذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، عرف المغرب تنوعا حضاريا ملفتا للانتباه، تنوع بين الحضارة الفينيقية والحضارة البونيقية، والحضارة الموريطانية، والحضارة الرومانية، وصولا إلى الحضارة الإسلامية، بعد فتح بعض أجزاء المغرب في عهد الخليفة الراشد عُمر بن الخطَّاب، ثم في عهد الخليفة الراشد عُثمان بن عفَّان، وصولا إلى عهد الخليفتين الأمويين عبد الملك بن مروان وخلَفِه الوليد بن عبد الملك، حيث توحدت هذه المشتركات الفكرية في أجواء ثقافة مغربية جمعية، كانت تمثل خلاصة الفكر الإنساني.

أما من جهة البر، فتحدها الجزائر من الشرق، وموريتانيا من الجنوب، وهما دولتان تشتركان مع المغرب في كثير من النواحي الاجتماعية، بما فيها الناحية الثقافية، فهذه المنطقة في الأصل هي منطقة جغرافية واحدة، انقسمت بسبب الصراعات، فحينما أقام الأمازيغ مملكتهم على سواحل البحر المتوسط في القرن الأول قبل الميلاد، وهي المملكة التي عرفت باسم "مملكة موريطنية" نسبة إلى كلمة موروس الإغريقية التي تعني أسود، انقسمت هذه المملكة  بعد أربعين عاما  إلى موريطنية الطنجية في شمال المغرب، وموريطنية القيصرية في شمال الجزائر، فكانت المغرب وكانت الجزائر، أما موريتانيا فيكفي أنها اخذت اسمها من هذه المملكة بالذات (موريطنية)، ولغاية القرون الوسطى كان المؤرخون العرب يستعملون لفظ "بلاد المغرب" للدلالة على هذه الأقطار ثلاثة.

وحينما يجتمع التاريخ بالموروث بالحراك الحياتي، تولد ثقافة حية متنوعة المشارب بعيدة عن التعصب لمنهج واحد، وهكذا هي الثقافة المغاربية التي انتجت الفلسفة المغربية؛ التي تمتاز بالنبوغ والفطنة والغنى والعمق، ولاسيما بعد أن نجحت في مصاهرة الدين إلى حد الذوبان الروحي الذي تحكم بالكينونه، وأباح الاستكناه، فالدين الذي نصت دلالاته المعرفية على اهتمامه الكامل بالعقل، والوجود، والقِيَم، والمعرفة، والروح والتسامي الآدمي، هو أحد أكبر دوافع البحث في الفلسفة، واللجوء إليها للاستبصار واستكناه حقائق الوجود الكلية، ومن هنا وجد كبار الفلاسفة المسلمين أن الدين يحتاج إلى الفلسفة، والفلسفة تحتاج إلى الدين، وفي اتحادهما وسيرهما على طريق واحد في سبيل واحد، ممكن أن تتضح المقاصد، وتبان الحقائق بشكل أكثر اقناعا، فقناعات الدين وحقائقه تحتاج إلى التصورات الفلسفية، فالدين الذي دعا إلى وجوب أن يعيش الكائن الإنساني حياة مثالية سامية، وأن يفهم هذا الكائن السامي؛ الذي هو خليفة الله في الأرض هذه الحياة وعلتها، وجد في  الفلسفة عونا كبيرا، بعد أن وجدها مهتمة هي الأخرى بتحديد طرائق الحياة المثالية المبنية على فهم الواقع، ويوحي هذا التماهي أن الفلسفة كانت أيقونة حياة البشر في كل مراحل تطوره، ولم تكن وليدة حضارة ما. 

إن من الحقائق اليقينية التي لا جدال فيها أن الفلسفة ليست وليدة الفكر الإغريقي، وإن برز فيها الإغريق، بل هي جزء من حضارة كل أمة، وحتى مع وجود عدة أمم في مناطق مختلفة بعيدة أو متجاورة، كانت هناك لكل منها فلسفتها الخاصة، ويعني هذا أن الفلسفة مثل الدين، تعود بداياتها إلى المراحل التي بدأ الإنسان فيها يبحث عن خالق هذا الكون والقوى الغيبية التي تسيره وتتحكم به، ولذا لا غرابة أن تكون للإسلام دينا ودنيا فلسفته الخاصة، حتى وإن كانت متأثرة بفلسفة الأمم الأخرى، فالفلسفة وليدة الواقع، تتأثر فيه، وتؤثر به، وتصطبغ بصبغته.

من هنا وجد البعض في الفلسفة الإسلامية وجوها، تأثرت بنوع التصور، بين من يرى أنها استمدت اسمها من طبيعتها التي استمدت رؤاها من نصوص الإسلام، فكانت تقدم التصور الإسلامي ورؤيته الخاصة فيما يخص الخالق والخلق والكون والحياة على رؤاها المنطقية.

ومن يرى أنها استمدت رؤاها ومسمياتها من البيئة التي نشطت فيها دون أن تكون أسيرة إطار الثقافة والحضارة العربية الإسلامية ودون أن تكون خاضعة لمؤثرات الحكومة والدولة الإسلامية، أما الحقائق الدينية والنصوص الشرعية الإسلامية التي كثر استخدامها في الدراسات الفلسفية الإسلامية، فهي تحصيل حاصل طالما أنها تخاطب المجتمع الذي يقدس ويحترم هذه المفاهيم ويتعبد بها. وبين هؤلاء من يرى أنها لم تسمى بهذا الاسم (الفلسفة الإسلامية) إلا لأن رجالا من المسلمين اشتغلوا بها وكتبوا وألفوا في مبانيها وآرائها، حالهم حال فلاسفة الدول والأمم الأخرى مثل فلاسفة الإغريق وفلاسفة الرومان الذين أطلق على فلسفاتهم أسم (الفلسفة الإغريقية) و(الفلسفة الرومانية) بينما كانت المسيحية قد انتشرت في هذه الإمبراطوريات، ولذا نجد لمصطلح (الفلسفة المسيحية) بعدا آخر لا يلتقي مع بعد (طبيعة نشأة) الفلسفة الإسلامية، لأنه كان مسيحيا بحتا، فهي فلسفة جيء بها للتوفيق بين الفلسفات الكلاسيكية القديمة وفلسفة اللاهوت المسيحي في القرون الوسطى، للخروج برؤية جديدة هدفها ديني أكثر منه علميا، ومن هنا كانت طريقة التعليم الأساسية هي الطريقة المدرسية التي تُعطى من خلالها الدروس الأكاديمية في الجامعات الأوروبية.

ومن الأمور التي تجدر الإشارة لها والتنويه عنها أن ولادة الفلسفة الإسلامية حتى وهي بتلك الطريقة التي كانت قريبة من روح الدين، وجدت من يتصدى لها ويعتبرها خروجا على المتعارف بسبب وجود نصوص دينية تنهى عن الخوض في دراسة بعض الحقائق التي تناولتها الفلسفة بالدرس؛ مثل الذات الإلهية، والروح. وكان الإمام الغزالي (450- 505 هـ) الذي وضع كتابا باسم (تهافت الفلاسفة) من أشهر المعترضين، وقد أراد من خلاله التأكيد على عجز الفلسفة عن إيجاد الجواب المقنع لطبيعة الخالق سبحانه. ثم دعا من خلاله إلى أن تبقى مواضيع اهتمامات الفلسفة في المسائل القابلة للقياس والملاحظة في مجالات الطب والرياضيات والفلك، أما محاولة الفلاسفة إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان فهو مناف برأيه لمفهوم الفلسفة أساسا. وهذا ما أشار إليه بقوله في بداية كتابه: "ابتدأت لتحرير هذا الكتاب، ردا على الفلاسفة القدماء، مبينا تهافت عقيدتهم، وتناقض كلمتهم، فيما يتعلق بالإلهيات، وكاشفا عن غوائل مذهبهم، وعوراته التي هي على التحقيق مضاحك العقلاء، وعبرة عند الأذكياء. أعني: ما اختصوا به عن الجماهير والدهماء، من فنون العقائد والآراء".

ولم تلق هذه الآراء قبولا كاملا، إذ انبرى من عد الحديث عن تهافت الفلسفة تهافتا غير معقول بحد ذاته، حيث وضع ابن رشد (520- 595 هـ) كتاب (تهافت التهافت) للرد على الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة.

الغريب أننا كمسلمين لا زلنا، منذ القرن الخامس الهجري ولغاية هذه الساعة غير متفقين على بنيوية الفلسفة الإسلامية، ولا زال بيننا من يعتبرها علما ساميا، ومن يعتبرها عبثا مفضيا إلى الكفر!

وحينما يشمر فلاسفة المغرب عن سواعدهم، وتدعو شعبة الفلسفة والفكر الإسلامي والحضارة بكلية أصول الدين (مدينة تطوان/ المغرب)، بشراكة مع مركز الدكتوراه، إلى تنظيم ندوة علمية وطنية عن الدين والفلسفة في الفكر المغربي، وتقترح بناء على ذلك مشاركة الباحثين المهتمين من خلال المحاور المقترحة، فذلك يعني أن هذا الموضوع لا زال ساخنا، ولا زال بحاجة إلى البحث والدراسة والتنقير، على أمل الوصول إلى نتيجة تعطل الكلام عن التهافت وتهافت التهافت، وتبدأ بالتكلم عن مصدر من مصادر المعرفة الإنسانية، يجب أن يحظى برعاية وعناية الجميع مثل أي منجز معرفي إنساني آخر، فالفلسفة أصل لا يمكن الاستغناء عنه، والفلسفة المغربية واحدة من منابع ومنابت الفلسفة الإسلامية/ العربية الفاعلة والمؤثرة في الساحتين العربية والعالمية، تسعى إلى تطوير مناهجها ورؤاها بجد ومثابرة، سيعوض الكثير من تكوينات حالة الوهن التي تشكو منها ساحات عربية وإسلامية أخرى.

 

الدكتور صالح الطائي

العراق/ واسط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4595 المصادف: 2019-04-05 01:50:55