 قضايا

ظاهرة احتضارالدين بين التفسير العلمي والرأي الديني

يقول ماينلاندر في كتابه «فلسفة الفداء»: «الآن، لدينا الحق لإعطاء الكائنات الاسم المعروف الذي ينوب دائمًا عما لم يدركه أقوى الخيالات وأكثرها جرأة، ولا القلوب الورعة، ولا حتى التفكير المجرد والعميق: الإله. لكن هذه الوحدة الأساسية أصبحت من الماضي. إنها من خلال تغيير كائناتها دمرت نفسها تمامًا. مات الإله، وموته كان حياة للعالم»

أذن هل تنشأ الأديان في الأمم حتى تبلغ أوجها.. ثم تحتضر معلنة عن نهاية غايتها، معقبة وراءها الصراع حول أرثها العقائدي.

 فبينما تبلغ موجة المعتقد اليانع ذروتها في منطقة، سنرى في ذات الوقت هذه الموجة تنحسر عن منطقة أخرى، حيث تتحول فيها الشعائر إلى واجب اجتماعي تحت تفكك الطقوس وغيابها تقريباً.

ثم تصل هذه الموجة إلى مرحلة الشيخوخة،و تموت المعتقدات تماماً وتوهن الطقوس، و تتبدل الشعائر من ملكية مقدسة إلى أرث اجتماعي.!!

وحتى نكون أكثر وضوحاً،سنضع المجتمعات الحالية في بؤرة الرؤية وهي:

- مجتمعات بدائية وتتمثل في المجتمعات الإفريقية والأسيوية

- مجتمعات مقبلة على الحداثة تقابلها منطقة الشرق الأوسط.

ومن ثم المجتمعات الحديثة وهي المجتمعات الصناعية متمثلة في كلّا من المجتمعات الأوربية والأمريكية وجزء من آسيا.

فنرى أن الدين يبلغ أوجه في المناطق البدائية،  حيث تمارس فيها الأوجه العقائدية طقوسها وشعائرها بكل عنفوان، بينما نرى في الأطراف المتوسطة بوادر على كهولة المعتقد وغياب الشعيرة تقريبا.

بينما في المجتمعات الحديثة سنلاحظ غياب شبه كلي للمعتقد تقريبا.

وقد بات الصراع العائم بين الموت والخلود صراع متجدد لا تتوقف عنده الاختلافات الاعتقادية فحسب بل صارت إلى فرضيات علمية توضح وتفسر الأسباب تحت غياب الفرضيات الحسية وسيادة النظرية الوضعية.

عالم الاجتماع الفرنسي أوغست كونت وضع قانون فسر فيه الأطوار العقلية عند الإنسان موضحاً : إن  التفكير الإنساني قد مر بثلاثة أطوار.

1- الطور اللاهوتي (بداية تفكير الإنسان.. حيث فسر الظواهر من حوله إلى أسباب خارقة على الطبيعة..حيث سعى الإنسان في هذا الطور إلى معرفة الطبيعة الباطنة للموجودات والعلل الأولى والنهائية لكل مايلفت انتباهه).

2- الطور الميتافيزيقي (ويرى كونت أن هذا الطور مجرد تعديل على الطور الأول, أنما يستبدل الإنسان هنا العوامل الخارقة على الطبيعة بقوى يتصور أنها قادرة على إحداث الظواهر المشاهدة)

3- الطور الوضعي (حيث يكتفي الإنسان بالمعرفة النسبية ويستطيع تفسير الظواهر وعلاقاتها وينبذ الميتافيزيقيا.. حيث يبلغ العقل كما فسر كونت سن النضج فتحل الملاحظة مكان الخيال ويأخذ القانون مكان العلة ويتحول موضوع العلم من -كيف؟- إلى _لماذا-؟.

وهنا يسّقط كونت قانونه على مراحل التطور العقلي عند الإنسان.. فعندما كان الإنسان وليد الفكر يجهل الظاهرة الطبيعية التي تحدث من حوله غير مدرك سبب غياب الشمس وكسوفها.. سقوط المطر والجفاف.. الفيضانات والبراكين.. البرق والرياح.

خرج للبحث عن الأسباب وعندما فشل في هذه المرحلة توجه للخيال فتخيل وجود قوى غيبية هي علة ما يحدث من حوله من غرائب.. وهنا أوجد العفاريت والآلهة والأشباح.

حيث ولد المعتقد في هذا الطور نتيجة عدم استيعاب العقل علة الأشياء من حوله. 

ومع مرور التطور العقلي عند الإنسان.. صار العقل يفسر الظواهر على علل ذاتية ويصورها له الوهم إنها باطنة في الأشياء وهي أول خطوات ولادة الإديان عند الإنسان وتحويطها بالشرائع والطقوس. لكن سرعان ما بلغ العقل البشري رشده.. فعرف كيف يفسر الظاهرة من حوله وفهم الترابط الطبيعي وخطط للمستقبل من خلال الوضعية العلمية. 

ومن هنا وجد الجواب للأسئلة التي صارعت عقله.. واتخذ العلم المفسر الأول لكل الظواهر وبالتالي أصبح الدين تركة تاريخية ساهمت سابقا في استقراره النفسي وسعيه الدائم للبحث عن ماهية الأشياء.

وينفرد المدون خلدون الشلق برؤية علمية إضافية وضحها في محاضرة تحت عنوان (مراحل تطور العقل البشري) أن الأنسان البدائي قد سخر الطبيعة لخدمته وفسر المادة تفسير خارق.. حيث كان يعتقد أن الحجر يحمل قوى خاصة وخفية.. وأن تقليد الظاهرة يجذبها مثل الرقص لها أو التمثل لها..

ثم ما لبث أن استخدم أسلوب السحر للسيطرة على الظواهر مثل الفيضانات والزلازل.. ولأنه لا يملك المواد والتفسير والقوة العقلية المقترنة بالخبرة وهي أول مراحل التفكير عنده.

ثم ما لبثت الأديان أن انبثقت لتجيب عن هذه الظواهر وتفسرها وتتنبأ بمستقبلها وهنا نجم الصراع القوي بين الأديان والسحر.

وبعد أن توصل العقل إلى مرحلة النضج.. أصبح العلم بمثابة برمجة لعقله وأصبح قادرا على فحص دماغه من مبدأ الصواب أو العكس.. وهذا النوع من التفكير أعطى الإنسان قدرة التحكم بالعالم.

حيث تخلص الآن تماما مما يعاكس الفرضيات والعلم وفكر بطريقة حرة ناهضة على الملاحظة والتجربة.

بينما يفسر المنظور الديني العام سبب غياب الدين واحتضاره.. راجع إلى العولمة التي حاصرت المجتمعات الدينية باسطة كل مغريات الحضارة مما جعل الأمم تصرف النظر عن الأديان وحاجتها إليها مكتفية بالمثيرات الدنيوية.

وقد عول البعض الآخر على الدسائس والمؤامرات من الأنظمة التي تعارض الأديان مصالحها الخاصة فعملت على تفكيكها بكل الطرق المتاحة.. من إعلام واقتصاد وسياسة.

ويرى الباحث والكاتب العراقي والمرجع الديني كمال الحيدري: أن من أهم العوامل وأهم المجالات و الأرضيات التي تحث على النفور من الدين؛ القراءة المنسجمة مع ظروف معينة تحاول المؤسسة الدينية أن تفرضها على ظروف أخرى لا تنسجم معها: وعندما ينظر الفرد إلى واقعة الاجتماعي والحياتي يريد أن يتسق مع هذه القراءة الدينية بمكوناتها يجد أنها غير منسجمة.. فأما أن يستقيل من الحياة وإما يستقيل من الدين، فاذا رأى الفرد أنه لا يستطيع أن يستقيل من علاقته وحياته.. يستقيل من الدين.

فالقراءة التي تحاول المؤسسة فرضها  قد تكون مفيدة لعصراً وظرفاً لكنها لا تتسق مع زمان وظرف مختلفين تجاوزاها بمراحل.

ولأن المؤسسة الدينية قائمة على ثالوث المقدس والمال و الأعلام.. تحمل في يدها سلطة الإقصاء لكل من تجاوز قراءتها.. وهذه العوامل السلطوية أدت إلى ظاهرة موت الإله عند الغرب كما قال نيتشة.

 

كما شدد على أن غياب الدين من الساحة العربية هو إعطاء الخرافة الصبغة الدينية.. وتلبيسها لباس المقدس حتى يحترمها العقل ولا يقترب منها وربما يضحي حتى من أجلها..وهذه الخرافات التي طالت الشعائر الدينية في الوطن العربي ماهي إلا مجموعة من الأساطير لا تحمل أي أدلة عقلية أو شرعية .. إنما تعمل على النفور من الدين.

و قد استبدلت هذه الشعائر صورة الأصل في الدين بصورة الأسطورة والخرافة.. حيث عمدت هذه الأعمال التي تقوم بأسم أقدس الأشياء في الدين والمذاهب إلى تشويه صورة المقدس ومكوناته وأخدت بيدها العالم العربي إلى باب الخروج والنفور من الدين.

في النهاية هنالك مبادئ وقيم مشتركة بين الإنسان الواحد تتمثل في الفضيلة واحترام الفكر المختلف والتصدي لأي عوامل تطمح في حبس المجتمعات الإنسانية في دوامة الصراعات والشرور، فالعقل الإنساني بعد تخليه عن الدين أو محاولته معالجة الأمراض التي طالت معتقداته.. بأماكنه الآن أن يتوصل إلى غايته في الحياة وتصديق الخيار الأمثل بين النظريات العلمية العقلية وبين الدين.

وقد طور الإنسان المفهوم والتفسير للظواهر من خلال عدة عوامل تجاوزت البعد الجنيني عند الإنسان الأول.. فهذه العلوم في كفة وهذه الأديان سوى كانت بدائية أو متطورة، وضعية أو سماوية في كفة. 

تضع حداً لهذه المجادلة بين موت الدين وبين خلوده.

 

زهراء منصور - البحرين

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4597 المصادف: 2019-04-07 00:10:19