 قضايا

نظرية الاستجابة العمياء..

رائد عبيسإشكالية توارث الجهل الاجتماعي والسياسي

عندما لا يعي المجتمع متطلباته الحياتية، على وفق رؤية مستقبلية لا يمكن له أن يحقق نهضة على المدى البعيد في كل المجالات والقطاعات. وبما أن النهضة تحتاج رؤى وافكار ونظريات وأسس معرفية، فهذا ما يتعارض مع تراكمات الجهل الاجتماعي الذي يتطلب تعريف بمشروع النهضة بطريقة سطحية ربما تجعله لا يفهمها بشكل صحيح او يفهمها بسطحيتها. وهذا ما يخلق تعارض مع الطبقة المثقفة من جهة والشعبية من جهة أخرى.

لا يمكن مقاربة أجيال الشعوب العربية والإسلامية أبان حديث النهضة في القرن السابق وما قبله، مع أجيال القرن الواحد والعشرين الذي شهد انفتاح غير مسبوق في عالم التطور التواصلي بين أجيال وبيئات مختلفة عبر شبكة الإنترنت والتطبيقات التواصلية.

فكرة نظرية الاستجابة العمياء تستند إلى عدة محاور منها: المحور الثقافي، والمحور السياسي، والمحور الاجتماعي.

نتحدث بالمحور الأول عن إشكالية الصراع مع الجهل. وكثير ما نعاني من هذا الصراع بصراع شكل يومي بين شرائح متنوعة في المجتمع، إما بسبب الجهل الثقافي التطلعي، أو بسبب الدوغمائيات المتوارثة، أو بسبب الدين التقليدي، أو بسبب الاحتكام للتاريخ،  أو بسبب العامل الاجتماعي وتقاليده.

ما دور الثقافة في نظرية الاستجابة العمياء؟

نعتقد أن أثر الثقافة هنا ضعيف جدا وسبب ذلك أن هناك فطرية عالية عند المجتمع، ترجع هذه الفطرية الى الجهل، وانعدام التعليم، وتحصيل المعرفة وسذاجة متوارثة، بسبب الجهل البيئي الذي يتمثل عقل الفرد المتقوقع على تلك البيئة وفضاءها. وهذا ما زال يمثل شريحة كبيرة من المجتمع ابتداء من بيوت البدو والرحالة، ومن آخر بيت في قرية الى اول بيت، وصلا إلى السكن العشوائي المحاذي لمدينة مجاورة منظمة بتنظيم البلدية، وصولا إلى مركز المدن والمدن الكبرى التي تواجه هي الأخرى فوضى في بعض تفاصيلها. وهذا الأمر موجود في أغلب المجتمعات التي تنطبق عليها هذه النظرية، التي تتحدث عن استجابة عمياء لا تحمل بالضرورة فكر ودراية عن قيمة الحياة وتفاصيلها، فهي حياة ربما تخلو من السؤال، والتفكير، أو التكفير المتمركز، حول أسس تلك البيئة المنتجة له. بفكرة هذه النظرية تستند إلى أسس اجتماعية تكوينية كعلاقة الفرد بالمجتمع. وعلاقة الإنسان بالبيئة، وعلاقة الإنسان بالإنسان.

وهذه أسس لا يمكن تجاوزها أو الحياد عنها في اي نمط من التفكير.

أما المحور الثاني وهو المحور السياسي الذي يختص بالحديث عن علاقة الفرد بالأنظمة السياسية، وكيفية ايجادها، وخلفها، وتنظيمها، وتكوينها، وتطويرها أن كانت موجودة، فالفرد الذي يسعى إلى تنظيم سياسي يهدف إلى تطوير نمط العيش عبر مطامح سياسية تخصه والمجتمع الذي يريد أن يمثله بذلك الحزب يمثل عنده تطور نوعي، ولكن هناك اقتران يتم بشكل مباشر وغير مباشر بينه وبين طبيعة النظام المختلق أو المخلوق سلفاً ولكن انظم إليه فيما بعد. وهذا الاقتران هو الولاء أو الطاعة الذي ينتج فيما بعد استجابة عمياء غير واعية أو ناقدة بكونه جزء منه، وإن كان هناك نقد فهو تقويمي لأنه لا يريد أن يفرط به أو يريد أن يساهم بنجاحه أو تطويره. فالاستجابة العمياء موجودة في كل المجتمعات السياسية والا لو لم تكن هناك استجابة لما قامت الأحزاب والسياسات ولا حدث هناك تصفيق أو تجمهر مؤيد او اختفاء أو انتخاب لأي زعيم حزب أو عضو فيه، وفي العراق هذا الأمر  واضح جدا ويمثل مرحلة نضوج بين الفرد ومجتمعه السياسي! فأمثلة الطاعة والاستجابة العمياء سواء كانت فردية أو جماعية هي متحققة في علاقة الفرد أو الجماعة بالحزب الذي ينتمون له أو التيار أو الحركة وغيرها من التسميات حتى تشمل مبدأ التقليد الفقهي عند المراجع واتباعهم أو عند أصحاب الدين المسيحي وكنيستهم أو رجل دينهم وهذا ينسحب على كل المجتمعات وعلاقتها بسياستها أو بأفرادها.

أما المحور الثالث فيشمل قضية المحور الاجتماعي، وعلاقة الفرد لمجتمعه بطريقة التبعية الأسرية، أو العائلية، أو العشائرية، أو القبلية، أو الإمارة، وهذا التوصيف يحتم على المجتمع، أو الفرد في المجتمع أن يحدث استجابة متبادلة، سواء تحت اثر رجل العشيرة وزعيمها، أو تحت تأثير العشيرة على الفرد فيها، بحيث تخلق عنده حالة من الاستجابة العمياء بعنوان ما يسمى السانية العشائرية وتقاليدها. فضلا عن التقاليد الحاكمة باستجابته رغما عنه في مواضيع كثيرة، فالتمرد على أسس وقواعد هذه المحاور يعد خرقا اجتماعيا وسياسيا وحتى ثقافيا، اذا هناك حالة من التنابذ تستند إلى تلك الرؤية العامة في فضاء المجتمع المحكوم بهذه المحاور وتفاعلاتها فيما بينها واثرها السلبي والإيجابي فيها على الفرد والمجتمع وما ينتجانه من أنماط سياسية واجتماعية تلائم طبيعته وتكوينه.

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4598 المصادف: 2019-04-08 02:59:59