 قضايا

الواقع وما حوله في الكون المرئي (2)

جواد بشارةالمادة العادية والمادة المضادة، والمادة السوداء أو المظلمة، الطاقة العادية والطاقة السوداء أو المظلمة، ماذا غير ذلك في الجانب الخفي للكون المرئي؟

في الأدبيات القديمة، الفلسفة على وجه التحديد، منذ الإغريق، وصولاً إلى الأديان الإبراهيمية، احتلت مسألة أصل العالم أهمية ومكانة كبيرة ومركزية.فأرسطو قال أنه لا توجد للعالم بداية زمنية، وهذا يعني أنه ليس بوسع العالم أن يبدأ " داخل الزمن" لأن الزمن، وهو ليس سوى قياس وحساب حركة الجسم أو الكرة، لوا يمكنه أن يوجد قبل العالم، ما يعني أن هناك زمن سابق لزمن العالم، أي زمن سابق لخلق العالم، في حالة وجود عملية خلق للعالم، أي بداية له. وقد تبنى الفيلسوف فيلون هذا التنظير في حين عارضه الفيلسوف الفارابي وعدد من المتكلمين، أما المتصوفين فقد قالوا بوجود عالمين، عالم ظاهر وعالم باطن، عالم مادي ملموس ومرئي، وعالم روحي خفي وغير مرئي، والإثنين يشكلان واقع الوجود. الواقع الظاهر يحتوي المادة المعروفة والمألوفة والملموسة، والواقع الخفي يحتوي على المادة المظلمة أو السوداء. لكننا مازلنا نجهل حقيقة وطبيعة وماهية هذه الأخيرة، بل وحتى نجهل ما إذا كانت موجودة فعلاً على نحو يقيني. العالم البريطاني، الذي رحل عنا قبل عام، ستيفن هوكينغ، المختص بالثقوب السوداء، تناول موضوع المادة السوداء أو المظلمة، بل وضعها في بعض الأحيان في قلب أبحاثه وهو مجال واسع للبحث أتاح له أن يصيغ عدد من النظريات بهذا الصدد. ومن بين الفرضيات التي قدمها ستيفن هوكينغ أن المادة السوداء أو المظلمة ربما تتكون من عدد هائل من الثقوب السوداء المجهرية . رغم أن العلماء يقولون أن أصغر ثقب اسود في الكون لا بد له من كتلة كبيرة. وبالاستناد على عمليات الرصد والمشاهدة للقوى الثقالية forces gravitationnelles في الكون المرئي عرفنا أن 95% من كتلة الكون مكونة من قوة خفية غير مرئية ومجهولة الهوية، وهي قوة لم يتمكن أحد من رصدها على نحو مباشر لحد الآن. وبهذا الصدد قال ستيفن هوكينغ في ورقة بحثية شهيرة نشرت في سبعينيات القرن الماضي، أن المادة السوداء أو المظلمة تتكون من مجموعة مهولة من الثقوب السوداء البدائية التي نشأت فقط في اللحظات الأولى من تاريخ الكون،، بعد الانفجار العظيم، البغ بانغ، وفي الساعات الأولى للكون المرئي، عندما تشكلت مناطق من المادية كانت أكثر كثافة من غيرها من المناطق الأخرى، وعلى نحو كاف إلى درجة أنها أحدثت إنهياراً ثقالياً effondrement gravitationnel بقطر 0.1 من الميللمتر وهذا بدوره أدى إلى خلق ثقوب سوداء صغيرة بمستوى 10-8 من الكيلوغرام، وهي غير الثقوب السوداء الناجمة عن إنهيار نجوم عملاقة هائلة على نفسها وبالتالي نتجت عنها ثقوب سوداء عملاقة . والحال إنه حتى أصغر الثقوب السوداء لا بد لها من كتلة.. بمقدار أكبر من 67 كوبنتيليون من الطن. وربما هناك حشد أو آماس أو تجمع من الثقوب السوداء الصغيرة من هذا النوع يمكن أن تخفي تفسير تلك الكتلة المختفية غير المرئية في الكون التي نسميها المادة السوداء أو المظلمة. ولقد اهتم العلماء بنجوم في مجرة مجاورة لمجرتنا درب التبانة من خلال تشخيص التأرجحات النجمية الخاصة التي تحدث في حالة وجود ثقب أسود مجهري أصغر من عشر الميللميتر الذي يعيق ضوئها. ولو تنقل ثقب أسود أصلي أولي انبثق منذ الساعات الأولى للكون المرئي وتموضع بيننا وبين أحدى النجوم يمكننا استنتاج إن تلك النجمة تتأرجح بفترات متقطعة وفق تأثير الثقالة أو الجاذبية التي يمارسها الثقب الأسود مما يغير من مسار ضوئها . فلو كانت مثل تلك الثقوب السوداء الصغيرة المجهرية موجودة فعلاً سيغدو ممكنا مشاهدة ورصد الضوء والأجسام الكونية التي تحرفها أو تشوهها عندما تمر من خلالها. وبمساعدة مختلف التلسكوبات الأرضية رصد علماء يابانيون وهنود مجرتنا الجارة آندروميدا أو المرأة المتسلسلة وسجلوا 190 صورة خلال سبع ساعات من الرصد ما يعني أن الثقب الأسود الأولي أو الأصلي البدئي لا يمكن أن يكون مسؤولاً إلا بنسبة 0.1% من أصل المادة السوداء أو المظلمة، والنتيجة أنه لا يمكننا أن نفسر المادة السوداء أو المظلمة من خلال الثقوب السوداء الصغيرة أو المجهرية التي تحدث عنها ستيفن هوكينغ. فرغم كل ما أحرزه علماء الكونيات من تقدم، فإن كل ما نعرفه عن الكون إلى الآن يمثل فقط 4% من تركيبه، بينما ما زالت البقية 96%-التي تتمثل في المادة والطاقة المظلمتين- غامضة، رغم وجود الكثير من الفرضيات لتفسيرها.

بعبارة أخرى، فإن المادة السوداء أو المظلمة ليست "مظلمة" بالمعنى الحرفي، ولكنها "شيء" ما لا يعرف العلماء ما هو وما هي ماهيته وطبيعته ومم يتكون، إلا أنه يتحكم في المجرات كلها تقريبا ولا يمكن رصد أي إشعاع صادر عنه في أي نطاق، فهو غير مرئي مطلقا، وإنما يلاحظ العلماء تأثيره الثقالي أوالجذبوي على محيط المجرات، وذلك هو السبب في أنهم يعرفون أنها موجودة.

لقد بات بحكم المؤكد اليوم أن هذا النوع من المادة المسمى سوداء أو مظلمة، موجوداً من خلال المعادلات الرياضياتية والحسابات العلمية إلى جانب نتائج الرصد والمراقبة التي ساعدت أخيراً في رؤية و تصوير ثقب أسود في العاشر من نيسان 2019 . فالمعادلات الرياضياتية تحتوي على كم هائل من المعلومات لا يقل أهمية عما تنطق به الصورة، والذي يهم العلماء هو معرفة بنية وهيكيلية الزمكان حول وبالقرب من ثقب أسود أكثر مما يهمه تصويره وامتلاك صورة لثقب أسود رغم أهمية ذلك كدليل قاطع على وجود الثقوب السوداء التي شكك بوجودها بعض العلماء. لذا لا يمكن الاستغناء عن رؤية الثقب الأسود وتصويره إذا أردنا إثبات وجوده . ومن الأحداث التي أثبتت وجود ثقوب سوداء هو قياس ورصد الأمواج الثقالية des ondes gravitationnelles الناجمة عن تصادم ثقبين أسودين من قبل مختبري ليغو و فيرغو LIGO et VIRGO، قبل سنوات قليلة . فما يعرفه العلماء عن الثقوب السوداء لن يزداد بحصولهم على صوره له لكنهم متحمسون لرؤية ما يحدث حقاً في أفق الأحداث l'horizon des évènements المحيط بالثقب الأسود وهو الجانب أو الجزء المرئي من الثقب الأسود فقط وربما ستكون هناك مفاجئات أخرى عند فحص الصورة المرتقبة للثقب الأسود.

سبق لآينشتين أن تنبأ بالموجات الثقالية لكن التكنولوجيا المتوفرة آنذاك لم تسمح برصدها واحتاج الأمر لمرور قرن كامل وتحقيق تقدم علمي وتكنولوجي هائل لكي نتمكن من رصدها وربما سنحتاج للمزيد من التقدم التكنولوجي لكي نتمكن من رصد المادة السوداء أو المظلمة على نحو مباشر، نفس الشيء حصل مع التنبوء بوجود بوزنات هيغر في ستينات القرن الماضي وتطلب رصدها في مسرع الجسيمات LHC مرور نصف قرن. أما المادة السوداء أو المظلمة فلم تتنبأ بها النسبية العامة ولم يتوقعها أحد وهي مشكلة جوهرية لأن هذه المادة تشكل المكون الأكبر لكتلة الكون ونحن نجهل عنها كل شيء تقريباً، انصبت الجهود سابقاً على إثبات وجودها كأولوية تسبق معرفة طبيعتها وماهيتها . ولقد بات بحكم المؤكد اليوم وجود هذا النوع من المادة وصنوها الطاقة المظلمتين. وحان الوقت للبحث عن معرفة مم تتكون وما هو شكلها وهذا بحد ذاته تحدي هائل للعلم ومن أكبر ألغاز الفيزياء المعاصرة منذ أكثر من نصف قرن وهناك آمال أن يتمكن مصادم ومسرع الجسيمات الجديد الذي يفوق LHC بكثير من إنتاج جسيمات المادة السوداء أو المظلمة الأولية وإذا لم ينجح العلماء في تحقيق ذلك فعليهم الاعتراف بعدم وجودها والبحث عن تفسير آخر لفقدان الكتلة الأكبر للكون المرئي وبالتالي الاعتراف بعجز العلماء عن فهم حقيقة الثقالة الكونية. الثورة الحقيقية في الفيزياء هي إكتشاف السبب المفترض وراء تسارع التوسع الكوني والذي سمي الطاقة السوداء أو المظلمة، الأمر الذي يتعدى قدرة الجاذبية الكونية على كبح التوسع الكوني ولفهم لماذا يتوسع الكون صمم العلماء تلسكوبا فائق القدرة هو télescope LSST، إذ أن محرك التسارع للتوسع الكوني هو المكون الأكبر للكون المرئي بصيغة الطاقة . فالمجرات هي بمثابة الجسيمات الأولية المكونة للمادة رغم ضخامة المجرة التي تحتوي على أكثر من 100 إلى 200 مليار نجمة ولكن بالقياس لحجم الكون فهي صغيرة للغاية ولا تتعدى حجم الجسيم الأولي المكون للمادة العادية وكاميرا هذا التلسكوب المتطور هي مثل عين السمكة واسعة الحقل أو المجال وأكبر بحوالي 40 مرة من القمر .

من المكونات اللغزية للكون المرئي المادة المضادة التي يفترض أنها كانت بنفس كمية المادة العادية عند ولادة الكون المرئي لكن خللاً ما حدث لا نعرف له تفسير، فاقت نسبة المادة على المادة المضادة وهذه الزيادة الطفيفة هي التي أدت إلى ظهور كوننا المرئي لأن تفاعل المادة والمادة المضادة يؤدي لأن تفنيان بعضهما البعض.

قبل قرن من الزمن نشر العالم بول ديارك Paul Dirac، فرضيته عن وجود مادة مضادة في الكون، ومنذ ذلك الوقت والعلماء يتتبعون أثرها ومنهم الفيزيائي الفرنسي إيف ساكان Yves Sacquin من جامعة باريس. ففي سنة 1929 ولد في دماغ الفيزيائي البريطاني بول ديراك حل لمعادلة اقترنت بإسمه وصارت تسمى معادلة بول ديراك وما قدمه من حل غريب لها في محاولة للجمع والتوفيق بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي الحديث الولادة مع النسبية الخاصة لآينشتين ووضع لذلك المسعى معادلته الشهيرة التي يفترض أنها تصف سلوك أحد الإلكترونات ولكن ظهر للمعادلة حل آخر لإلكترون ذو شحنة كهربائية سالبة الأمر الذي لم يكن مقبولاً في الوسط العلمي آنذاك لكن المعادلة كانت جميلة وأنيقة بمكان لدرجة أنه لايمكن أن يكون هذا الحل خاطئاً مما دفع ديراك لاقتراح وجود إلكترون مضاد سلبي للإلكترون الموجب للمادة العادية سمي البوزيترون positron. وبعد مرور ثلاث سنوات رصد العالم الأمريكي أندرسون في الإشعاعات الكونية هذا الإلكترون المسمى بالفرنسية بوزيتون positon، وعد ذلك أحد الأجسام الأولية للمادة المضادة فهي نفس المادة ولكن بشحنة مغايرة ومعاكسة وبالتقائهما تزول الشحنات وتتولد طاقة محضة مثل الفوتونات وهي ضرورة لتحويل المادة إلى طاقة وبالعكس وبالتالي تشكل خطراً كبيراً على البشرية حيث نجحت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً وعلى نحو سري للغاية، في صنع سلاح المادة المضادة الفتاك وجربته في الفضاء الخارجي واعتبر البعض أن جسيمات المادة المضادة ليست جسيمات مضادة بل مكملة . وافترض هؤلاء العلماء وجود أكوان توأم مكونة من المادة المضادة بما فيها من مجرات ونجوم كحل للتساؤل حول اختفاء المادة المضادة من الكون البدئي الأولي البدائي. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4601 المصادف: 2019-04-11 04:18:28