 قضايا

نَشأةُ الدولِ بينَ الاعتبارياتِ والواقعياتِ

قبلَ الخوضِ في هذا الموضوعِ الحَيَوِيِّ، لابُدَّ من تحديدِ المُصطَلَحاتِ، وَفَرزِ الالفاظِ . الفلاسفةُ طَرَحَوا ثَلاثَةَ مُصطَلَحاتٍ وهي: الواقعيات، الاعتباريات، والوهميات. وقالوا: اِنَّ مهمةَ الفلسفةِ التمييزُ بينَ هذهِ الامورِ الثلاثة. فماذا تعني هذهِ المفردات؟

والجوابُ هو:

1- الواقعيات او الحقائق: هي تلكَ المفاهيمُ التي لها مصاديقُ واقعيَّةٌ في الخارج.

2- الاعتباريّات: هي المفاهيمُ التي ليسَ لها مصداقٌ واقعيٌّ في الخارج ولكنَّ العقلَ يَعتَبِرُ لها مصداقاٌ . ومثال الاعتباريات: لو شَكَّلَ الفُ جنديٍّ فوجاً، فالواقعيُّ هو الجنودُ الالفُ الذين تَشَكَّلَ منهم الفوجُ امّا الفوجُ نفسه فهو اعتباريٌّ لامصداقَ لهُ في الخارجِ ولكنَّ العقلَ يعتبرُ له مصداقاً.

3- الوهميّات: وهي الادراكاتُ الذهنيَّةُ التي لامصداق لها اطلاقاً لافي الخارج ولافي الاعتبار.

الاعتبارياتُ وَتَشَكُّلُ الدُّوَلِ

هل يمكنُ ان تَتَشَكَّلَ الدُّوَلُ على اساسِ الامورِ الاعتباريّةِ، من قبيل ان تقوم الدولةُ على اساسِ القبيلةِ؟ القبيلة مُنَظَّمَةٌ تقومُ على اساس الاعتباريات، تقومُ على اساسِ النَّسَبِ، ومَقامُ المَشيَخَةِ يتُّمُّ تَوارِثُهُ، وافرادُ القبيلة يرتبطونَ بعضهم ببعضٍ بلحمة النسب . القبيلة لايمكن ان يكون في افرادها عناصر خارج القبيلة ... فهي كيان مغلق على افرادٍ مرتبطينَ نسبياً.. ويقابلُ منظمةَ القبيلةِ منظمة المجتمع المدني، التي تحاول الابتعاد عن الاعتباريات والاقتراب من الواقعيات، فهي مُنَظَّمَةٌ مفتوحةٌ، وافرادها متنوعون دينيا وعرقياً ومذهبياً، تجمعُهُم وتوحدُّهم قضيةٌ مشتركةٌ .

القبيلةُ ساهمت في الدفاعِ عن الاوطانِ، كما في ثورة العشرين، وساهمت في حل مشكلاتٍ كثيرة عجزت الدولةُ عن حلها، ولها دورٌ هامٌ في السلمِ الاهليِّ .

الدولةُ لايمكن ان تقومَ على اساسِ القبيلة؛ لانها لاتقومُ على اساسِ الاعتباريّات، وانما يجب ان تُؤسسَ على اساس الواقعيات، واذا اقيمت على اساس الاعتباريات فستكون دولة مُشّوَهة.

في بعضِ الدولِ، هناك مفاهيم استعلائية للمواطنة، وفي بعضها يتُمُّ التمييزُ بين المواطنين وتقسيمهم الى درجات . في اسرائيل يتُمُّ التمييزُ بين اليهود من اصلٍ شرقيٍّ (السفارديم) واليهودِ من اصلٍ غربيٍّ (الاشكيناز) .

اسرائيلُ دولةٌ قامت على اساس (الوهميات) . قامت على اساس اوهام . وهناك كتابٌ الَّفَهُ المفكر الفرنسيُّ روجيه غارودي، اسماه: (الاساطيرُ المُؤَسِسَةُ لدولةِ اسرائيل)، فشعب الله المختار، وارض الميعاد، والحق التاريخي، اوهام قامت عليها هذه الدولة .

العنصرية من الاعتباريات التي قامت عليها دولة جنوب افريقيا السابقة، والتي لاتستندُ على ايِّ اساسٍ علميٍّ، وكذلك الامرُ مع دولة هتلر النازية في المانيّا، فافضلية الجنس الاريِّ لم تستند على اي اساسٍ علميٍّ وواقعيٍّ، وانما قامت على اعتباريات، وانتهت هذه الدولُ ؛ لانهُ لامستقبلَ لها .

تجاوزت الدولة الحديثة كلَّ الاعتباريات، واتجهت نحو الحقائق والواقعيات، اقامت كياناتها على اساسِ المواطنة، والمواطنةُ مفهومٌ عابرٌ لِلّونِ والعنصرِ والقبيلةِ وكلِّ الامورِ الاعتباريّةِ .المواطنةُ مفهومٌ مَدَنِّيٍّ في الدولة المدنيّة، وحضاريٍّ في الدولة الحضاريّة، يتجاوزُ القبيلةَ والعنصرَ، واللغةَ والدينَ والطائفةَ .

الدول الاوربية حينما كانت تعيش على اعتبارياتها، كانت مسرحاً للحروب بين القبائلِ والاثنيّاتِ والقومياتِ، وكانت تسفكُ على اراضيها انهارٌ من الدماء، وحينما اقتربت من الواقعيات بنت دولها الحديثة على مفاهيم جديدة واقعية، بنت دولها على العلم والحقائق والارقام.

داعش اسست دولتها على الاعتباريات والاوهام، فتبنت مقولات ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب باعتبارها حقائق، تقتل الناس على اساسها، وتقطع الرؤوس، وتجلد، وتصادر الحريّات .

الدولة المدنية تجاوزت الاعتباريات، واقتربت من الواقعيات ... والدولة الحضارية اعلى انموذجِ بَشريّ للدولة يَتُمُّ فيه تجاوزُ كل الاعتباريات، واقامة الحياةِ على اساسِ الحقائقِ والارقامِ والواقعياتِ.

 

زعيم الخيرالله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4605 المصادف: 2019-04-15 04:01:29