 قضايا

البحث عن الله

محمد ممدوحسمعته ذات مرة يقف على منبر رسول الله (ص) يتحدث عن فضل الإنفاق، ثم علا صوته، استدرر دمعاته، أخذ يطيح بيديه كلتيهما يُمنة ويُسرة "هذا بيت الله.. وبيوت الله فى الأرض المساجد ولابد من عمل مئذنة تليق ببيت الله وإعادة تجديد المسجد".. تركته خلفى وانصرفت، يممت وجهى شطر منبر آخر، وجدت فيه قرينه يصدح ويصرخ.. "أطع ولى الأمر كما قال رسول الله (ص) وإن أخذ مالك وجلد ظهرك فطاعته من طاعة الله!!"

هكذا سمعت، وهكذا عاينت، فضلاً عن مئات الترهات التى أسمعها، ومئات الصور من الكذب والخداع والملق، فواحد لا يتحدث إلا مراءاة للناس، طلبًا للسمعة والشهرة.. وآخر لا يقرأ القرآن إلا طلبًا للمجد والعالمية !! وآخر يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بالصالحين الدوائر، وآخر يتاجر باسم الله، يتحدث باسم السلطان مزيفًا اسم الله.. يفتى عن السلطان فى صورة الإفتاء عن الله.. مئات المشاهد التى خلا الله منها تمامًا، ولكنه أُقحم عليها إقحامًا، إما جهلاً وإما ملقًا.

فالذين رأوا فى تشييد المساجد والتفاخر بالمآذن والقُبب قربة إلى الله جهلوا مرادات الله، لم يعلموا أدنى الحقائق عن الله، فضلوا الطريق إليه سبحانه جهلاً.. والذين يرون طاعته سبحانه فى طاعة ولى الأمر وإن أخذ المال وجلد الظهر ملقة منافقين يبيعون آخرتهم بعرضٍ قليل من دنيا بائسة.. والذين كذبوا وخالفت أفعالهم أقوالهم جهلاء أعمت الماديات أبصارهم وغشى حب الدنيا بصائرهم فلا أدركوا هذا ولا تلك.

الله ليس فى هذه الصور القميئة.. الكاذبة.. المدَّلسَّة..

أرشدتنى كتب الفقة والسيرة والوعظ جميعها إلى أن الله يسكن الحرم.. ذهبت إلى هناك، وجدت أميرًا يطوف حول الكعبة حوله حراس لا عدد لهم.. لم يذهب متواضعًا إلى بيت الله، وإنما أخذ الدنيا معه.. وجدت الحرم قد استجاب الله دعاء الخليل له فهفت إليه الأفئدة واطمأنت إليه القلوب، يطوف حول البيت الأمراء والرؤساء والأثرياء.. ويقف أمام عتبات البيت الفقراء والبؤساء.. داخل الحرم تطوف أجساد بلا قلوب.. وخارج الحرم تستجدى اللقمة قلوب بلا أجساد !! الله ليس هنا إذن.. لا يقطن الحرم.. فالذين قصروا ثروات بيت الله عليهم وتركوا فقراء المسلمين بلا مأوى ولا دواء هم حتمًا لا يعملون لصالح الله أبدًا، ولا لصالح الدين.. والذين ينفقون ويبذخون على شهواتهم وأهوائهم ولاعيبهم وفنانيهم هم حتمًا لا يفعلون ذلك لصالح الله ولا لصالح الدين.. إنما يفعلون لصالح الأهواء والشيطان.. لصالح الجسد وشهواته وأهوائه.. الله إذن ليس هنا.

والذين أنفقوا أموالهم على المساجد، تشييدها وبنائها بغير ضرورة ولا حاجة، هم أيضًا ضلوا الطريق، فالله ليس هنا..

الله ليس لدى الأمراء والزعماء والرؤساء كما يزعم الملقة.. ليس فى الحرم الذى يحتكر ثرواته وخيراته آل بعينهم.. ليس فى المساجد التى تُشيد فيها المآذن بثروات طائلة أو تُطلى طلاءًا فاخرًا.. أو يكثُر بناؤها على غير حاجة..

أين الله إذن؟!

سرت فى الشوارع.. فى الطرقات.. فى المدن.. فى المزارع، أبحث عن الله.. أخذت أقلب الكتب لعلى أهتدى إلى خيط.. بحثت فى كل مكان، فلم أجد الله فى كل مكانٍ أُرشدت إليه، أو دُللت عليه.

إلهى.. ما أعظمك.. علمت من أنبيائك كلهم أنك تملأ كل شئ، أنت داخل البيوت، وداخل الأرض، وداخل السماء، وداخل الهواء.. أنت فى كل مكانٍ حيثما وليت وجهى، ولكن هل أجدك فى الحرم وقد امتلأ بالطبقية التى تبغضها أنت!! هل أجدك فوق المآذن التى أقيمت رياءًا وبغيًا دون أن يعلم المشيدون مراداتك ؟! هل أجدك فى دموع الكاذبين الذين يتاجرون باسمك، يهاجرون بظاهر اسمك ويخفون دنيا يصيبونها أو امرأة ينكحونها !! أين أجدك يا الله..

خرجت من الحرم بدون الله.. خرجت من بيوت الله دون أن أجد الله.. أو ليس صاحب كل بيتٍ عاكف فيه ؟! فلماذا لم أجد الله فى المساجد، لعل علةً أصابت عينى أو ربما قلبى فحجبت الرؤية عنى !!

ولكن الشوق يستبد بى، لم أيأس بعد، استكملت المسير بحثًا عن الله، هدانى إلى أول الطريق سيدى الجنيد " ابحث عن الله فى قلبك".. تذكرت حينها قول النبى الكريم (ص) " استفت قلبك " مع فارق المناسبة ولكن المعنى بالتقريب متشابه إلى حدٍ بعيد.. الله إذن فى القلب.. هو إذن سر بكاء أهل العلم الذين ذكرهم القرآن (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء109).. إنه السر الذى فهمه السادة بحق من قبل، الجنيد البغدادى.. القشيرى.. الخواص.. جمع غفير من السادة الذين استدلوا على طريق الله، فتركوا الناس كلهم ورائهم وساروا يلتمسون إلى ذاته وسبحات وجهه الطريق.. فهو الله الذى يقطن تحت الجُبة فى قول سيدى الحلاج، وهو الله الذى يُضئ للقلوب الطريق فيقذف فيها النور فى قوله ذاته سبحانه (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور40)..

اهتدينا الآن إذن إلى مكان الله.. مكان غير متحيز ولا مشبه ولا مجسَّم ولا أى صفة معيارية مادية.. ولكنه سبحانه موجود وجودًا يليق بالجلال الذى نرى آثاره ولا نراه.. نُعاين نتائجه ولا نعاينه، فالجسد الآن غير مهيئ ولا مزود بقدرات خاصة تتحمل نوره سبحانه، فإذا كان الجبل قد اندك، وموسى وهو من أولى العزم خرَ صعقًا من اندكاك الجبل إثر نور الله فكيف بنا؟!

الموضوع ذو إشكالات ومعضلات عميقة إذن !! ولكننا بالتقريب أدركنا شيئًا من الطمأنينة إذ عاينا الله فى قلوبنا .

الآن أدركت حين البكاء بحرارة على أى اقتراف فى حق الإنسانية.. أدركت أن الله هو الذى يحرك القلوب.. أدركت سر البكاء حين المناجاة، حين الخلو بوجه الله.. " لله عبادٌ اختارهم خدامًا.. قومٌ إذا جنَّ الليل عليهم، قاموا هنالك سجدًا وقيامًا ".. الآن أدركت سر البكاء، وسر قبض القلب، وسر معاناته وسر أنسه وفرحته وسعادته التى لا تُقدر بكنوز الأرض ومن فيها حين لحظة الإتصال، فما أعظمها من لحظة، وما أعظمه من شهود.

ولأن الله يسكن القلوب، فالقب يرشدنى إلى أن أجد الله عند رأس المسكين الذى يقلب فى القمامة ليستخرج لقمة يطعمها.. نعم الله هناك.. الله عند المريض الذى لا يجد دوائه.. عند البائس الفقير الذى يدفعه الناس بالأبواب.. عند الثكلى التى لا تجد من يأوى صغارها..عند الكهف الذى يتعبد فيه من ترك الناس لدنياهم وخلا هو بربه.. الله فى كل هذه الأماكن، وليس أبدًا فى الحرم أو فوق المئذنة.. لعل هذا هو المعنى الذى فطن إليه سيدى عبد الله بن المبارك قبل، كان ذاهبًا إلى الحج، فوجد أمًا لأيتام تنقب فى القمامة لتطعم صغارها، فأعطاها مال الحج ورجع ولم يحج... فكان من أمره عجبًا.

وكلٌ الله له ملكًا على صورته يحج عنه.. وكتب له أجر سبعين حجة..

هنا الله يا سادة.. عند هذه المرأة وعند أترابها وليس عند البيت الحرام..

الله هنا، فى قوله سبحانه فى حديثه القدسى : " عبدى استطعمتك فلم تطعمنى قال وكيف أطعمك يا رب وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى.. استسقيتك فلم تسقنى.. قال وكيف أسقيك يا رب وأنت رب العالمين، قال استسقاك عبدى فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى.. مرضت فلم تعدنى، قال وكيف أعودك يا رب وأنت رب العالمين، قال مرض عبدى فلان فلم تعُده أما علمت أنك لو عُدته لوجدتنى عنده ".. الله عند المريض، عند المتألم.. عند المظلوم.. يريد أن يرى إحسان عبيده، رقة قلوبهم.. هنا يسكن الله.. هنا نجد الله، وليس الله فى قصور الأمراء والسلاطين وأرباب النعم، فليست لهم خالصة من دون الناس، وليست أعطياتهم على قربة لهم من الله، فقد تكون استدراج من حيث لا يعلمون (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (القلم45) (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأنفال81).

لقد فهم السادة الصوفية هذه المعانى فتركوا الدنيا ورائهم ولاذوا بخلواتهم بحثًا عن ربهم.. اقتصروا الطريق على أنفسهم فلم يضلوا إليه السبيل سبحانه، وإنما استدلوا عليه من أقرب باب ومن أقصر السُبُل، فوصلوا فى حين ضللنا نحن الطريق، وكذب المنمقون اسم الله ولو بكت عيونهم.. وكذب الخراصون الذين يتاجرون باسم الله وباسم الدين ولو ارتدوا مسوح الرهبان، وصدق القلب وحده حين استدل على الله.. وصدق الفؤاد حين عاين الجلال والكمال.

 

د. محمد ممدوح

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنت دكتور ان مكان الله ليس في المعبد بل في القلوب المحبه الإنسانية

د. عامر الوائلي
This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة نقية جدا فى عالم ضاع منه النقاء شكرا اسمحلى بالاقتباس

احمد حمدى حسن حافظ
This comment was minimized by the moderator on the site

احسنت يا دكتور وده الواقع فعلا

محمود عبد الستار
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4615 المصادف: 2019-04-25 13:03:32