 قضايا

الطابور الخامس ودوره في إفشال الإمبراطوريات والدول الوطنية (1)

محمود محمد عليالطابور الخامس Fifth column مصطلح تستخدمه وسائل الإعلام والأحزاب السياسية بشكل كبير، حيث يُستخدم للتعبير عن مجموعة من الناس الذين يخونون وطنهم ويتأمرون عليه نظير مقابل بعض المصالح الشخصية أو بعض الماديات من جهات خارجية، ويشمل الطابور الخامس بعض المسئولين والصحفيين، وبعض من يزعمون أنهم مثقفون تحت مسمي التغيير والتثوير وحقوق الإنسان ومقاومة الدكتاتورية.

ومصطلح الطابور الخامس هو ترجمة مأخوذ من الاسبانية القشتالية (وهو quinta colmna) ؛ حيث نشأ ذلك التعبير في إسبانيا في النصف الأول من القرن العشرين من خلال الحرب الأهلية الإسبانية؛ حيث  فازت الجبهة الشعبية 1931 في إسبانيا بالانتخابات التشريعية وغيرت النظام إلى جمهورية، فاستغلت الفئات الشعبية التغيرات السياسية، وقام العمال باحتلال المعامل، واستولى الفلاحون على الأراضي الزراعية، فالتجأ المحافظون إلى الجيش للحفاظ على مصالحهم.

وهنا اندلعت الحرب الأهلية وساند موسليني وهتلر الجنرال فرانكو زعيم المحافظة في حين قدم الاتحاد السوفيتي المساعدة للجمهوريين، وتحولت إسبانيا إلى ميدان المواجهة بين الدول المتنافسة في أوربا، وقد انتهت الحرب بانتصار المحافظين ونشأة نظام عسكري بإسبانيا 1936 بقيادة الجنرال فرانكو، فاستغل هتلر انتصار المحافظين لتمتين علاقات مع إسبانيا في الوقت الذي ثم إنشاء محور روما- برلين سنة 1936 . كما تحالف مع اليابان وانضمت إليها إيطاليا،  وبسبب هذه التحالفات شرع هتلر في تنفيذ سياسته التوسعية على حساب الدول المجاورة.

وكلمة الطابور الخامس من ابتكار الجنرال "غونزالو كوايبو ديلانو"  Gonzalo Queipo de Llano الذي كان أحد ثلاث جنرالات شاركت بصورة فعالة في الحرب الأهلية الإسبانية بقيادة الجنرال فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 ؛ حيث هاجم العاصمة مدريد التي كانت تحت سيطرة الحكومة الجمهورية بأربع فرق عسكرية (طوابير أربع) من الجهات الأربعة، إضافة الى " طابورًا خامسًا" من العناصر الفاعلة الموالية والمخلصة له في قلب العاصمة، وهي مجموعات من العملاء السريين، مهمتها إثارة الرعب، والفزع، والبلبلة، والقيام بأعمال حربية، وإشاعة فوضى، لتهتز الجبهة الداخلية، ومن ثم تسقط العاصمة المحاصرة من كل الاتجاهات ! وكانت هذه الفكرة بالفعل أهم ضربة ستوجه للخصم من داخل صفوفه بواسطة أنصاره فرانكو من "الطابور الخامس " .

ومن هنا انتشر المفهوم هذا والذي أصبح من أحد أبرز دعائم الحرب الحديثة، وأحد أهم الأساليب الحربية المبتكرة، والذي أصبح في ما بعد من أركان أي خطة عسكرية حربية حديثة متكاملة لتحطيم الخصوم من جبهتين : داخلية تستخدم ببراعة الجواسيس والحرب النفسية تؤازر القوات العسكرية المهاجمة في الوقت المناسب لإيقاع الهزيمة الساحقة في الطرف المطلوب .

وهناك قول آخر يقول : إن الطابور الخامس ظهر إبان الحرب العالمية الثانية من قبل المعسكر الألماني النازي؛ حيث كان الألمان يوظفون الكثير من العملاء والجواسيس في دول التحالف، وغالباً ما يكونوا هؤلاء العملاء والجواسيس من نفس جنسية الدولة المراد التجسس عليها لصالح الاستخبارات الألمانية، ويمكن لأنشطة الطابور الخامس السرية التي تنطوي علي أعمال تخريب وتضليل وتجسس يؤيدها مؤيدو القوة الخارجية ضمن خطوط الدفاع بكل سرية .

وبعد الحرب العالمية الثانية اتسع مفهوم الطابور الخامس ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية التي انتشرت نتيجة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والغربي؛ ففي عهد الرئيس الأمريكي "إيزنهاور" قامت الإدارة الأمريكية بوضع استراتيجية لمواجهة المد الشيوعي علي دول الوطن العربي، حيث استعانت بدعاة الإسلام السياسي "؛ وبالأخص "الإخوان المسلمين والوهابيين" ؛ حيث يمكن تعبئتهم بشكل مناهض للشيوعية.

وهنا نسأل : هل كان  سعيد رمضان والإخوان المسلمون واليمين الإسلامي حلفاء مفيدين في الكفاح أثناء الحرب الباردة ضد الشيوعية؟ وهل تستطيع تلك الجماعة مواجهة الكتلة الماركسية القومية؛ خاصة إذا حظيت بتأييد من العائلة المالكة السعودية؟ وهل تستطيع الدعاية الأمريكية التي تركز علي القيم الدينية الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفيتي الملحدة، أن تجذب جماهير المسلمين إلي المعسكر الأمريكي أو علي الأقل بعيداً عن موسكو؟

يذكر " روبرت داريفوس - Robert Dreyfus " مؤلف كتاب " لعبة الشيطان : دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي"، أن "علاقة الولايات المتحدة بالإخوان المسلمين ليست وليدة الحدث،  بل تمتد لعقود طويلة خلت؛ ففي أواخر 1953م، حين برز "سعيد رمضان" زوج ابنة "حسن البنا"  كمسؤول سياسي وخارجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان لقاء رمضان مع الرئيس " إيزنهاور"، في البيت الأبيض نقطة انطلاقة لرمضان كمسؤول عسكري ايديولوجي للجماعة، والذي قال :" إن عنف الجماعة نابع من إعادة تشكيل المنطقة العربية وفق المواصفات الإسلامية السلفية، وقد كانت الولايات المتحدة تنظر لرمضان على أنه حليف محتمل لها بحربها ضد الشيوعية" .

وقد كان مؤتمر جامعة برنستون للثقافة الإسلامية الذي "تم دعوة سعيد رمضان للمشاركة به، مؤتمراً أمريكياً يهدف إلي التعرف علي قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد كان السفير المصري هو من يقوم بهذا الدور، وبعد ذلك أصبح رمضان حليفاً للسعودية بعد وفاة حسن البنا إلي جانب ارتباطه مع مخابرات عدد من الدول الغربية" .

علي أية حال كان مؤتمر جامعة برنستون، ولقاء إيزنهاور ورمضان بداية لحقبة من الزواج العرفي بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي، والملكيات العربية والإسلامية ممثلة في شاه إيران، وملوك السعودية، والأردن، والمغرب، فانطلقت جميع الأجهزة الأمريكية تعمل في كل مكان، وكل اتجاه لتعزيز استراتيجية الكفاح الإسلامي ضد الشيوعية. فما إن نجح الانقلاب الأمريكي ضد "محمد مصدق" (1882—1967) في إيران، وأعيد الشاه إلي السلطة، حتي كان نواب صفوي زعيم منظمة " فدائيان إسلام" التي خانت مصدق، وقد أصبح رجل واشنطن الثاني بعد الشاه نفسه، واستقدم صفوي نفسه لزيارة مصر في عام 1954، والتقي بزعماء الإخوان، وهناك رأي- يرجحه البعض- يقول "إن زيارة الزعيم الإيراني ساهمت في دفع الإخوان لمحاولة اغتيال  الرئيس المصري " جمال عبد الناصر" (1918- 1970 ) المعروف باسم "حادث المنشية" عام 1954" .

وفي ذلك الوقت صدر كتابان مريبان في القاهرة، قيل إنهما صادران من السفارة السوفيتية، ليتبين فيما بعد أن "المخابرات الأمريكية هي التي أصدرتهما، وكان الأول بعنوان " محمد لم يوجد قط"، والثاني، بعنوان " أضرار الصوم في رمضان"، وفي هذه الحرب الدعائية أطلق الأمريكيون ما سمي باسم برنامج "الخنزير الأحمر"؛ حيث تظهر شخصية سينمائية كرتونية في صورة خنزير يرتدي شعار النجم الأحمر الشيوعي، ويحاول افتراس رجل اسمه " الدين"، ليلقي الخنزير مصرعه في النهاية علي يد  الدين" .

كما جربت المخابرات الأمريكية وسائل خلاقة إبداعية رغم أنها لم تكتمل للتواصل مع الحركة الإسلامية، بعض تلك الوسائل وردت في كتاب " لعبة الأمم" الساخر الذي كتبه "مايلز كوبلاند" Miles Copeland عميل المخابرات الأمريكية الذي خدم في الخمسينات كضابط اتصال مع عبد الناصر وقضي سنوات عديدة في أروقة السياسة العربية .

تقاعد كوبلاند في وقت مبكر من المخابرات الأمريكية لكنه حافظ علي اتصالات وثيقة مع عدد من الذين يعملون في نفس المجال من السابقين وممن كانوا في الخدمة؛ خاصة "كيرميت وارتشي روزفلت" حفيدا "تيدي روزفلت". واستغل كوبلاند سحره ونفوذه ليدعي فهماً عميقاً بالعالم العربي ليعود من جديد. وقد أشار إلي أنه في نفس الفترة التي تم فيها إطلاق برنامج الخنزير الأحمر، فإن الـCIA  أطلقت "مشروع "بيلي جراهام" Billy Graham المسلم، وفي عام 1951 استعار "دين اتشيسون" Acheson Dean وزير الخارجية "كيرميت روزفلت" من المخابرات  حديثة النشأة ليرأس لجنة عالية المستوي من المتخصصين بعضهم من الخارجية، والبعض من وزارة الدفاع والبعض مستشارون من الشركات والجامعات (وليس فيهم من هو من المخابرات إلا روزفلت ذاته) وكان هدف اللجنة هو دراسة العالم العربي كما قال كوبلاند وتم إطلاق عملية بيلي جراهام المسلم التي تهدف إلي تعبئة المشاعر الإسلامية، خلال اجتماع اللجنة" .

وقال كوبلاند إن " أحدهم روج لفكرة تعبئة المشاعر الدينية في حركة كبيرة باسم " بيلي جراهام المسلم" ضد الشيوعية وذهب إلي حد اختيار رجل عراقي يتمتع بنوع من القدسية أو التبجيل للقيام بجولة في الدول العربية . ولم يتم الكشف عن شخصية الرجل العراقي، لكن كوبلاند اعتبر العملية بالكامل تجربة للتعلم. وقال إن المشروع لم يضر وعلمت إدارته اللجنة المعنية الكثير من الأفكار الخاطئة في تخطيطهم الأصلي، وهي دروس استفادوا منها عندما وضع مستشارو الملك فيصل أمام مشروع مماثل علي أن يكون  فيصل ذاته الرجل المبارك" .

ومن جانبه بشر "برنارد لويس" Bernard Lewis عميد المستشرقين الأمريكيين المشهور باحتقاره للمسلمين وثقافتهم، بأن" أرض الإسلام لن تكون تربة خصبة للشيوعية، وأنه يجب علي أمريكا أن لا تتوقع ديمقراطية علمانية في العالم الإسلامي، ولكن يجب أن تساند مستبداً مستنيراً، لأن العالم الإسلامي لن يقبل طغياناً علي طريقة أمريكا اللاتينية،  أو الطغيان الأوربي القديم" .

وكان برنارد لويس هو الذي ابتدع تعبير صدام الحضارات، وتعتبر مقالته في عام 1953 بعنوان " الشيوعية والإسلام" مثالاً مهماً علي التفكير السائد آنذاك بشأن معركة الأيديولوجيا. أشار برنارد لويس إلي أنه يبدو أن جماهير العالم الإسلامي تعتزم إقامة مجموعة من الحكومات الشمولية، وأن هذا ليس بالأمر السيئ إذا كان هدف الغرب معارضة انتشار الشيوعية، وقال لويس "إذا اضطر المسلمون أن يختاروا بين التخلي عن تقاليدهم لصالح الشيوعية أو الديمقراطية البرلمانية فسوف نكون وقعنا في " حيص بيص" . وكتب يقول: من المفيد لكل من الإسلام والغرب ألا يقتصر الخيار علي هذين البديلين البسيطين لأن هناك إمكانية أمام المسلمين لاستعادة تقاليدهم السابقة، ربما في شكل معدل، أو تطوير شكل من أشكال الحكومة، والذي رغم ما قد يكون عليه من شمولية، أو أوتوقراطية، إلا أنه سيكون بعيداً كل البعد عن الطغيان والظلم في الدكتاتورية الأوربية" .

وبعد اعتماد احتمال الأنظمة الإسلامية راح برنارد لويس يؤكد علي أن الإسلام لن يكون في النهاية تربة خصبة للأفكار الماركسية، وكتب لويس " الشيوعية ليست ولا يمكن أن تكون ديانة، بينما الإسلام، بالنسبة للجماهير العريضة المؤمنة، لا يزال الديانة وهذا هو قلب المقاومة الإسلامية للأفكار الشيوعية، ورغم أن تفكير المسلمين في الحرية ضعيف جداً قد لا يتواصل فإن إيمانهم بالله قد يكون قوياً بالدرجة الكافية. إن الشعوب الإسلامية ما تزال قوية الإيمان دينياً بأعمق وأبسط ما في الكلمة من معني، الإسلام كديانة ليس أقل عداء للشيوعية من المسيحية، والواقع كما قلت من قبل، قد يكون أشد عداء، لكن الإسلام ضعيف كقوة تؤثر في حياة وأفكار من يعتنقونه، المسلمون الورعون، وغالبيتهم من الورعين، لن يتسامحوا مع أفكار ملحدة، أو أفكار تنتهك تقاليدهم الدينية ومبادئهم الأخلاقية. إن الثورة الإسلامية  الحالية في مواجهة  انعدام الأخلاق والانتهازية المتواجدة بينهم وعند بعض قادة الغرب، قد تفيد الشيوعيين مؤقتاً لأنهم يظهرون بمظهر من ينكرون الذات ويخلصون للمثاليات،  لكن الأمور لن تنتهي علي هذا النحو؛ حيث سينقلب المسلمون ضد الشيوعية عندما يرون الواقع الذي تخفيه الدعاية، لنأمل ألا يستغرق المسلمون وقتاً طويلا حتي يكتشفوا ذلك" .

ومنذ ذلك الحين بدأ المخططون البريطانيون والأمريكيون في التفكير في بناء تحالفات ونظام للدفاع ضد الاتحاد السوفيتي عبر حدوده الجنوبية؛  حيث" أقحموا الإسلام في الموضوع، واعتبروا رابطة الدول العربية التي قامت بإيعاذ بريطاني مثلاً ضعيفة، لأنها لم تشتمل علي تركيا، وإيران، وباكستان، وعندئذ طرح اقتراح لتحويل جامعة الدول العربية إلي رابطة لعالم إسلامي، لتشمل علي الأقل إحدى دول الشمالية، وفشلت الفكرة وركزت السياسات التالية بدرجة أقل علي الإسلام، وبشكل أكبر علي النفوذ الأنجلو أمريكي . وخلال فترة حكم "ترومان" و"إيزنهاور" استمرت الولايات المتحدة تنفذ سياسات، وتقوم بجهود لتعبئة العالم الإسلامي في الحرب الباردة واستغلال الإسلام، كسلاح ضد النفوذ السوفيتي" .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لقد أكّدَ الكاتبُ بمقالتهِ أنّ ( الطابور الخامس )

هم الطغاةُ و أبواقهم .

و سؤالي. لكاتب. المقال :

من هم الداعمون. للانقلاب الدموي على الحكومة

المُنتخبةِ و على الثورة في مصر ؟

نُريدُ جواباً صريحاً و شجاعاً

و سؤالي الأخر :

كيفَ ينظرُ أستاذُ الفلسفة الجامعي الى. مجزرةِ

رابعة و قتل. ( ٣٠٠٠ ). مدني اعزل. و أغلبهم طلبة

جامعيين. في غضون ساعاتٍ معدودة ؟

ما هو الموقف الإنساني والأخلاقي و الوطني

إزاء جريمةٍ بهذا الحجم ؟

انا ادافعُ عن كرامةِ و كبرياء الانسان العربي

و عن الحق والحقيقة

مصطفى علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4620 المصادف: 2019-04-30 02:31:37