 قضايا

الاصلاح والتجديد بين التخلف والاستبداد

الاستبداد ظاهرة تاريخية مارسها الفرد-، ومارستها الشعوب في التاريخ، وكان لها تداعيات تراكمية على تشكيل عقل الإنسان-، وبالتالي على بنيته الفكرية، التي أسست له رؤيته للحياة وكيفية سلوكه فيها.

فكانت الرسالات السماوية التي جاءت على فترات زمنية متتالية، تعيد النصاب للمسار التاريخي وفق السنن، وتسعى لتقيم نصاب العدالة الاجتماعية، وتعيد بنية الأفكار وفق المسار السليم.

ومازال التحدي مستمرا في الصراع بين الاستبداد، ومحاولة سلب العقول والوعي الإنساني، وبين محاولات التحرر وتحقيق العدالة.

ويكمن خطر الاستبداد جوهريا في محاولة ممارسه تقمص دور الرب، وجعل الناس عبيدا، من خلال خفض مستوى وعيهم، وتغيير سُلَّم أولوياتهم، وتشويه رؤيتهم الكونية، ليصب ذلك كله في صالح المستبد، الذي يهمه جدا التجهيل، ليبقى هو متربعا على العرش وعلى رقاب الناس.

١.٢ نظم الاستبداد وموت العقل:

إن الانفتاح والتطور الحضاري الذي شهدته حقب تاريخية سابقة تألقت فيها حضارات، كانت سماتها العامة والأساسية تتميز بانفتاح الفكر وتلاقحه مع الآخر وتكامله معه، على أساس تعدد القراءات البشرية للكون والـتألق العقلي، الذي تميز بتطبيق القاعدة القرآنية الداعية بكثرة إلى التدبر، وعمق التفكر والإعقال، واتباع الأحسن من القول. وهي قاعدة تشكل بنية أساسية لأي حضارة تنشد الكمال، وتسير في طريقها التكاملي تصاعديا لخدمة محور الكون والدين ، أي الإنسان.

ينبني مفهوم الحضارة عند ابن نبي، على اعتقاده الراسخ بأن "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته، ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها".

وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة، وضرورة "فقه" حركتها منذ انطلاقتها الأولى إلى أفولها، يحاول ابن نبي إعطاء تعريف واسع للحضارة، يتحدد عنده في ضرورة "توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه"[2].

وعلى هذا، فكل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة، التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه[3].

وللتعرف على حضارات الشعوب يتم دراسة العناصر التالية:

ـ طرق العيش والظروف الطبيعية.

ـ الوضع الاقتصادي.

ـ العلاقات الاجتماعية بين فئات المجتمع.

ـ أنظمة الحكم السائدة.

ـ الإنجازات العلمية، والثقافية والعمرانية.

ـ منظومة القيم والمعايير، التي تحكم العلاقات الخاصة والعامة، والفردية والاجتماعية.

وقد تعدد معنى الحضارة في الاصطلاح، فهي بمعناها العام: ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، أي: ثمرة الجهود المبذولة من قبل الفكر الإنساني، للاستفادة من الأجهزة الكونية المتناثرة حولنا.[4] أو هي الجانب الآخر غير المادي في حياة الأمة، وهي العلم والتصورات والأفكار والسلوك والآداب، وكل المعاني التي تدخل في الجانب المادي.

وبعض الباحثين يرى: أن الحضارة الحقة هي التي تطلب من الإنسان في مظاهر الحياة كافة أن يتذكر الله، ويتذكر فطرته هو، بحيث يستطيع أداء دور وظيفته التي كُلِّف بها من الله، وهو الدور الذي وجد فيه على هذه الأرض.[5]

والمودودي يرى أن الحضارة: مجموعة المبادئ والأفكار والأصول والتربية، التي تثمر لوناً من ألوان الحياة الاجتماعية بمقوماتها المختلفة.

وربما كان معناها العام أيضاً: طريقة الإنسان في الحياة، أو مجموعة أفكاره عنها، وأعني بالحياة: الأعمال اليومية التي يمارسها الإنسان في معيشته، ففكرته عنها ونظرته إليها، يكيف سلوكه فيها، ويحدد طريقة تصرفه في أعماله.

يظهر من هذه التعريفات: أن معنى الحضارة قائم عند المفكرين، لكنهم يختلفون في سعة معناه أو في ضيقه. وبعبارة أخرى: هو غامض عند البعض غير محدد، فمنهم من جعله يشمل الأفكار والعقائد، وما ينتج عنها من نتائج مادية.

فالدكتور يوسف القرضاوي ـ مثلاً ـ يرى: أن الحضارة لها جسم وروح، وجسمها يتمثل في منجزاتها المادية: كالمخترعات والمصانع والطائرات والأسلحة والأبنية وغيرها، وروحها يتمثل في مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد، التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعاتْ[6].

وهو بهذا يتقارب في المفهوم مع "غوستاف لوبون" الذي يرى: أن الحضارة تشمل العقائد كما تشمل المنجزات العلمية والمادية، ولهذا نجده يعقد باباً ذا فصولٍ ثلاثةٍ، يتحدث فيها عن مصادر قوة العرب من رسالة محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ، وفلسفة القرآن وأحكامه، وفتوح العرب وطبيعة هذه الفتوح، ثم بعد ذلك يتحدث عن الدين والأخلاق. ويتناول حضارة العرب في شمولها للمعارف واللغة والفلسفة والآداب، والتاريخ وعلوم الرياضيات والفلك والجغرافيا، والطبيعيات والطب والفنون وغيرها.[7]

ويكاد يتفق معنا المستشرق الإنجليزي "أرنولد" الذي يرى: أن مفهوم الحضارة بمعناها المتخصص، مقتصر على وجهة نظر الإنسان عن الحياة. وهذا هو الذي ينسجم مع تعريف الحضارة الإسلاميّة  التي يمكن ملاحظتها بأنها: (مجموع الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة،  عن الإنسان والحياة والكون)، وهي بهذا تحدد سلوك الإنسان، وطريقته في الحياة، ونمط معيشته وتعامله مع الكائنات المحيطة به.

ويخبرنا التاريخ بسننه ونواميسه الثابتة، أن تقويض أي حضارة وانهيارها يبدأ بإعلان موت العقل أو قمعه، ويليه انهيار منظومة القيم والمبادئ-، فالحضارة انعكاس سلوكي عملي للثقافة، التي مخزنها ومصنعها ومنتجها العقل البشري فإذا ما تم قمعه تم بذلك بشكل تلقائي وتدريجي انهيار الحضارة القائمة.

ومن أبرز مصاديق القمع وإعلان موت العقل، وأفول الحضارات على المدى البعيد، هي نظم الاستبداد بكافة مصاديقها، سواء على مستوى الفرد أو العائلة أو المجتمع أو الدولة أو العالم، وأنظمة الحكم السائدة كما أشرنا سابقا هي من العناصر التي بها تدرس حضارة الشعوب. ومنذ نشأة الاستبداد سواء الديني منه أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأسري، أنهارت حضارات كانت مزدهرة، وقدمت للبشرية خدمات جليلة هي نتاج عقلها عندما تدبر وفكّر، ثم وعى وترجم ما وعاه إلى سلوك شيد حضارته.

ولعل العصور الكنسية وما مثلته من سطوة الاستبداد الديني على العقل، حيث قمعته وأحيت ثقافة تقديس الرجال على حساب تقديس الحق والحقيقة، والذي كان له الأثر الكبير في ثورة التنويريين، بغض النظر عن تقييمنا لها، هو ما قوض ذلك العصر بما فيه من شبه حضارة، وأقام على أنقاضها حضارة غربية جديدة لفظت الماضي بكل ما فيه، وشيدت حضارتها الجديدة على ما استخلصته من الرؤى التي تمخضت عن ثوراتها المتنقلة على واقعها. وهذا اللفظ الكلي لما توصل له الماضون نتيجة انفعال الثوار والمفكرين، هو الخطيئة التي ستظهر آثارها بل أعتقد بدأت تظهر في معالم الحضارة الغربية الحديثة.

إن الدعوة القرآنية واضحة في الانفتاح الفكري والعقلي على الآفاق والأنفس والكون، وعلى كل ما هو نتاج بشري-، حيث اعتبرت أن العقل هو قارئ للوحي (النص)، وأن الوحي هو مرشد ومستثير للعقل-، وأقامت دعوتها للتفكر على أساس تقديس الحق والحقيقة لا تقديس الرجال، وهي أسباب وجيهة ومسببات حقيقية لقيام الحضارات وازدهارها ونهوضها، وتلاقحها مع الحضارات الأخرى.

وإذ أننا اليوم نعيش عصر انهيار الاستبداد، وإعادة الروح إلى نهضة العقل والوعي والتفكر، ونقف على أعتاب بناء حضارة جديدة أفضل مقوماتها عقل الانسان -،علينا أن نعي جيدا ضرورة بنائها، ليس على أنقاض السابقين ولفظ كل ما توصلوا إليه من نتاجات العقل البشري وتجربته-، بل على الأصيل الصالح زمانا ومكانا ومضمونا، الذي سبق من إنجازات يعتد بها على قاعدة: أن للقديم فضل السبق وللاحق فضل الكمال.

ما هو الاستبداد:

“الاستبداد لغة: هو غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة.

ويراد بالاستبداد عند إطلاقه، استبداد الحكومات خاصة، لأنها أعظم مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوى الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، وتحكم الأب والأستاذ والزوج، ورؤساء بعض الأديان وبعض الشركات، وبعض الطبقات، فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة.

والاستبداد في اصطلاح السياسيين، هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وتعريفه بالوصف، فهو أن الاستبداد صفة الحكومة المطلقة العنان فعلا، أو حكما، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو على أمثلة تقليدية أو على إرادة الأمة، وهذه حالة أكثر الحكومات المطلقة التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية...وصفة الاستبداد كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق، الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، وتشمل أيضا الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخبا، لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد، وإنما قد يعدل الاختلاف نوعا، وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد. ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية، قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة، لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمة، التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله، وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى الحساب”[8].

ومن أقبح أنواع الاستبداد، استبداد الجاهل على العالم، واستبداد هوى النفس على العقل والحكمة، فهذا النوع من الاستبداد يبدأ من الفرد ليميل به بعيدا عن قواه العقلية، ويزيد من قابليته للاستعباد ومن ثم تصبح ثقافة مجتمع له قابلية لتحكم المستبد بكل أشكاله عليه، أو ما يسمى قابلية الاستبداد، فيُمَكِّنَه بإرادته المجتمعية ويصبح المجتمع منقادا نحو استعباده انقياد القطيع، دون إرادة ولا وعي، نتيجة ميل الجهل وسيطرته على العقل.

وللاستبداد ارتباط بمفهوم القوة، "فالقوة تحضر في كل العلاقات الإنسانية، وضمن هذه العلاقات يسعى طرف لترويض الطرف الآخر وإخضاعه تحت أمره، إلا أن هذه العلاقات ليست بالثابتة إلى الأبد، بل هي قابلة للتغيروالتحول. فإذاً علاقة القوة أيضا قابلة للتغير وتحول الأطراف فيها، وهي تعطي كلا من الطرفين قدرا من الحرية، فإذا ما اختل تعادلهما بشكل كلي، فإن أحد الطرفين يستطيع فرض قدرته على الآخر في حال واحدة، هي إمكانية أن يقوم الطرف الثاني على الأقل بقتل نفسه، أو أن يرمي نفسه من النافذة، أو يقتل الطرف الأول، وهذا يعني وجود مساحة من القدرة على المقاومة داخل علاقات القوة"[9]. فلا استبداد دون وجود قابلية له في الطرف الآخر، وإلا فإن من يحاول بسط سلطته بالقوة على الآخرين، فإن رد الفعل الطبيعي من الطرف الآخر مقاومته، ورفض سلطته بالقوة. "فالقوة في ذاتها وجوهرها ليست شرا اجتماعيا، وتطبيق القوة على الآخرين ليس بأمر يمكن انتقاده أو رفضه، ولكن بشرط أن تكون العملية بصورة "لعبة استراتيجية"، أي علاقة هلامية يكون فيها تعيين الشخص في مكانته بتصميم مسبق، ودون أن يكون له الثبات في هذا الموقع، وأن يكون لكلا الطرفين القدرة على قلب المواقع".[10]وهذا يتطلب توازن في ميزان القوة بين الأطراف، حتى لا يستبد طرف على الآخر، وأما إذا امتلك أحد الأطراف نفوذا وسلطة أكثر من الطرف الآخر، فإن الاستبداد ستكون النتيجة الطبيعية لذلك. ولكن هذا لا يعني ضرورة وحتمية استسلام الطرف الآخر، بل يعني خلق معايير قوة معاكسة في الاتجاه لقوة المستبد، كمقاومة الاستبداد، هذه المقاومة تكون بمثابة القوة المتولدة عن الاستبداد وفي عكسها، وتعمل على إعادة التوازن لموازين القوة بين الأطراف، بحيث تزيل كل فاعلية للاستبداد، وتمنع تولد قابليات له تمكنه وتقوي نفوذه ووجوده وتوغله في المجتمع.

أشكال الاستبداد السياسي:

والاستبداد في بعده السياسي يتمظهر بعدة أشكال، بعضها يعتمد على النظام الديموقراطي شكلا من أشكال الحكم، إلا أنها في الواقع هي أنظمة تتسم بالاستبداد، حتى في جانب من ديموقراطيتها، ، حيث يتمايز الاستبداد بين:

ـ أنظمة سلطوية مستبدة.

ـ أنظمة شبه سلطوية وشبه مستبدة.

ـ الأحزاب وإشكالية الاستبداد.

الاصلاح بين الأنظمة السلطوية والشبه سلطوية :

وتحت كل قسم تتفرع أشكال الحكومات وتتمايز شدة وضعفا في مستوى الاستبداد، ومن باب عدم الوقوع في اللبس الذي وقع فيه كثير من المفكرين، الذين حاولوا تطوير مفهوم الدولة، فسقطوا  في فخ التنظير لقضية من يحكم، وصفاته ، وشرعيته ومكانته، والسبب في ذلك غالبا هو التداخل والتماهي بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة.[11]

فمفهوم الدولة في الوعي العام مرتبط بوعي قبلي أو ديني وليس بوعيا سياسيا، أي أن أهميتها تكمن في حفظها الأفراد المرتبطين بقرابة الدم أو الدين، لا على أساس المواطنة.

وفي هذه النظرة التقليدية للدولة، يكون العدل مرتبط بمقدار اتسام القيادة بمواصفات أخلاقية مثلى، فإذا أحسن القائد استقر النظام العام ومال الناس إلى الاستقرار والأمان، وأذا أساء تعكر النظام وأصبحت حياة الناس مضطربة.[12]

وهو ما يعني سعي الناس لكسب رضا الحاكم بشتى الوسائل، لا لمحاسبته والمشاركة في الحكم.

بينما عدل الدولة في النظرية الحديثة يتمثل في قوة المؤسسات، وقدرتها على تقنين قوانين تحمي الأفراد وتصون حقوقهم وفق نظام معياري للقيم العامة، فالسؤال ليس من هو الحاكم؟ بل السؤال الحقيقي هو كيف يجب أن يكون الحاكم؟ وما هو الشكل الأفضل للدولة لتحقيق العدالة؟

أي سؤال متعلق بمنظومة معيارية عقلية وقيمية، يجب أن يتصف بها الشخص الذي يريد أن يقود الدولة، لا كفرد، وإنما ضمن مؤسسات منضبطة بمنظومة قوانين تنطبق على الجميع بما فيهم شخص الحاكم، فتكون للدولة منظومة معايير ومقومات ونظم وقيم تأسيسية ثابته، يجب أن تتصف بها المؤسسات والسلطات، بما فيها السلطة التنفيذية وشخص من سيقود الدولة، فلا تتغير تلك المنظومة المعيارية بتغير الأشخاص، بل هي ثابته بمعناها المعياري للثبات، وليس بمعناها المضموني. فمضمونها قد يتطور نتيجة الممارسة البشرية للحكم والدولة والسلطة، لكن وجود المعايير بذاتها هو سمة الدول المتقدمة، فليست الدولة متعلقة بشخص من يحكم ويكون شخصه هو المعيار في تسرية النظم والقيم، لتتسم المؤسسات وباقي مكونات الدولة بصفة الحاكم ومعاييره ورغباته، بل شخص الحاكم بذاته هو من يخضع لمنظومة معايير عقلية وشرعية هدفها تحقيق العدالة، فإن لم يتطابق شخصه مع هذه المنظومة التي تم وضعها من قبل متشرعة ومتخصصين وبقبول الشعب، يكون ليس أهلا للحكم وتسنم موقع السلطة.

ويعتبر صاموئيل هاننغتون، أن الدول لا تتباين في الشكل وإنما تتباين في درجة الحكومة، أي درجة تغلغل الحكومة، أي السلطة السياسية في الشأن العام.

فمفهوم الدولة في العالم العربي مازال يتسم بالبساطة والتقليدية، وهو ما يعيده المؤرخ جواد علي إلى الطبيعة القبلية للإنسان العربي، الذي لم يفهم الدولة إلا أنها دولة القبيلة.[13]

فالدولة الحديثة تسعى لكسب رضا المواطنين، وإشراكهم في السلطة وفي القرار، وتجديد السلطة من خلال إتاحتها للتداول، بينما المفهوم التقليدي للدولة مازال يعتبر الدولة معصومة لأنها تعبر عن الحاكم، وأن المواطن عليه أن يكون خادما مطيعا، وأن أي محاولة للقفز على السلطة أو انتقادها أو المطالبة بمشاركتها، هو بمثابة القفز على ولي الأمر، الذي يحرم شرعا مواجهته ونقده، لأن فقيه السلطة ربط طاعته بطاعة الله كولي للأمر، والخروج عليه هو خروج على الله. فتمحورت الدولة حول الحاكم كشخص، بينما الدولة الحديثة وفق المفهوم الغربي السياسي هي التي تعبر عن الكيان السياسي، الذي يضم جماعة بشرية تعيش ضمن إطار جغرافي وتاريخي وتنظيمي ثابت، تمارس سيادتها عليه، وتشمل مكونات الدولة السكان، الإقليم والسلطة. وبذلك تكون الدولة ممتدة لتغطي وتخدم جميع مكوناتها، أما السلطة فليست إلا أحد هذه المكونات.[14]

"الأنظمة الشبه سلطوية وفق تناول ناثان ج براون  في دراساته التفصيلية[15]: هي تلك التي تسمح للمعارضة ببعض الحيز لتنظيم نفسها والتنافس،لكنها تنكر عليها أي إمكانية لتشكيل حكومة. ومن وجهة نظري هي مرحلية بينية وسطى في المراحل الانتقالية من السلطوية الكاملة إلى الديموقراطية .ففي النظام الشبه سلطوي من الممكن أن تحتل المعارضة فيه أكثر من ٥٪ من القاعدة، أي ما يكفي وفق براون لطرح اقتراحات رسمية للتصويت عليها، والانخراط في أعمال لجان ذات جدوى، فحينها قد يعتبر النظام أنه عبر من الحالة السلطوية إلى الحالة الشبه سلطوية.

فلا المعارضة قادرة هنا على تمثيل إرادة الشعب، كما يجب أن يكون في تحقيق المطالب التي تتعلق بمصلحة المواطن، وتوزيع الثروات وفق أطر العدالة، ولا هي مغلولة اليد كليا عن إحداث أي انزياحات مهمة في مسيرة الاصلاح، والنزوح نحو الدولة الدستورية. لكن حراكها هنا يبقى تحت إدارة السلطة، ووفق مصلحتها لا مصلة الوطن والمواطن غالبا.

وأما عن واقع الدساتير في الوطن العربي في الدول الشبه سلطوية، "لم تكن الدساتير العربية أبدا واجهات يتم انتهاكها بانتظام، أو مجرد صفحات من الورق غير مرتبطة بالواقع السياسي، بل أنها، بدلا من ذلك، قد أفادت عددا من الأهداف غير المألوفة نوعا ما، لدى الباحثين الدستوريين لكنها مهمة جدا للحكام العرب.... فمن المحتمل أن الدساتير تستخدم كتعبيرات عن السيادة القومية، وإن كان هذا هو الهدف المقصود بالدستور، فمن المتوقع أن نجده ينعكس في توقيت صدوره ومحتواه. فمن حيث التوقيت، تصدر الدساتير التي لها الهدف لدى الاستقلال، أو لدى التغيير الثوري أو ما يزعم أنه تغيير ثوري. ومن حيث المحتوى تقدم تلك الدساتير نفسها أيا كان واقع عملية كتابتها، على أنها تعبيرات عن الإرادة القومية.. تعلن الدساتير العربية عن أهمية الأسرة (الحاكمة) بتكرار وغموض، قد يتسبب في إحراج حتى السياسي الأمريكي... سعت الدساتير العربية المبكرة أن تتخفى في زي إعادة التوكيد على الأفكار والممارسات الموجودة، أما الدساتير الملكية فقد ظلت علي قدر الإحجام فيما يتعلق بإبداء الرأي في القيم الأساسية للمجتمع ونمطيا. وظلت الدساتير الجمهورية، خاصة تلك التي صدرت في العقود الأربعة الأخيرة، هي التي تقدم شروحا مطنبة، وقوائم من الأفكار التي لا يمكن تفعيلها، تجمع غالبا بين العناصر الليبرالية والاشتراكية، والقومية والاسلامية في مزيج مربك، كان الدافع الأخير الذي استنتجناه لإصدار نصوص دستورية في غياب نوايا تهدف إلى تبني مبدأ دستورية الحكم، والرغبة في تنظيم سلطة الدولة وتعظيمها. والمعالم المؤكدة للدستور الذي يهدف إلى تنظيم السلطة دونما تقييدها، وجود سلطة تنفيذية غير مقيدة، والنصوص الدستورية الضعيفة الخاصة بالحقوق، وآليات الخلافة التي تفشل في جعل القيادة تخضع للمحاسبة بأي معنى، وثغرات التهرب التي تتيح للحكام انتهاك الأحكام التي وضعوها."[16]

لذلك لا نستطيع القول أن الدول التي أقرت دساتيرا في منطقتنا هي دول ديموقراطية، بل هي دول شبه سلطوية، يتطلب التغيير السياسي فيها للعبور نحوالديموقراطية المحققة للعدالة والمناسبة لقيمنا وثوابتنا، حركة إصلاح مقدمتها الطبيعية خضوع تلك السلطة للنقد والتقويم، وهذا لا يتحقق إلا إذا امتلك أفراد المجتمع والشعب وعيا بمنظومة المعايير والقيم والحقوق، التي يجب أن تتمتع فيها الدول الحقيقية، وإدراك حقوقهم وواجباتهم، والفصل بين الانتماء للوطن والانتماء للحاكم، فالوطن ليس شخص الحاكم ولا أسرته. وهو ما أسسناه في الفصل الأول من ضرورة الموازاة بين التغيير الخارجي والداخلي، فأي حراك إصلاحي لا يركز على النهوض بذوات الأفراد ومنظومة البنية الفكرية، وبين تهيأة الواقع الخارجي وعوامله ورفع قابلياته، هو إصلاح وقتي ثوري آني، ما يلبث إلا أن ينكفئ مجددا على ذاته، فلا يحقق ثمرة الإصلاح والتغيير.

الأحزاب وإشكالية الاستبداد:

تعتبر التعدديات المذهبية والطائفية في المجتمع من الجدليات التاريخية، لما لها من انعكاسات على الاستقرار الاجتماعي، سواء انعكاسات سلبية أوإيجابية اجتماعية . وطرح في هذا الصدد الكثير من النظريات السوسيولوجية[17] التي كان بعضها نتاج تجارب اجتماعية واقعية، وأخرى نتاج قراءات متطورة للنص الديني.

تكمن الإشكاليات السوسيولوجية في الذهنية العربية والإسلامية في ثنائية النظرية والتطبيق، وفق مكونات اجتماعية تتكون في عناصرها من الإنسان والطبيعة والعلاقات التي تربط هذا الإنسان بمثيله والطبيعة ، وهذه العلاقة في المجتمعات العربية والإسلامية يحكمها ضوابط مرتبطة بالدين غالبا، أي ترتبط بالله فتكون محورية ضوابطها الله وفق ادعائها، بخلاف المجتمعات الغربية التي يكون محورها الإنسان في نظم العلاقات الاجتماعية .

وهنا في كلا المجتمعين تظهر الإشكاليات العلائقية[18] ، ففي مجتمعاتنا إشكالية النص، ومدارس قراءته وفهمه، وعلى أساسها تتكون عقيدة يكون لها انعكاسات سلوكية فردية واجتماعية . وفي الغرب ،إشكالية الإنسان ومدى دقة منهجه التجريبي وصدقه من عدمه، وما يترتب بناءا على ذلك من ثغرات في بُناه المعرفية، التي تنعكس على السلوك الفردي والاجتماعي، مع وجود فارق وهو الضبط القانوني .

لذلك ونتيجة الاختلافات القاعدية، لا أميل مبنائيا لعمل مواءمات بين النظريات الغربية والأخرى العربية والإسلامية . والسبب الرئيس المهم، هو وجود تقاطعات جوهرية بين المباني التحتية لكلا الطرفين.

فالأفضل العمل لتأسيس معرفي مستقل للنظريات السوسيولوجية الإسلامية، مع الاستفادة من المواكبة وليس المواءمة، أي مواكبة ما توصلت إليه التجارب البشرية، التي تشكل لنا مؤشرات ومفاتيح عملانية نستفيد منها في الكشف والغوص أكثر في فهم الأبعاد السوسيولوجية في النصوص من جهة، وفي الجهاز الإدراكي للمجتمع من جهة اخرى، والذي استطاع الغرب من ناحية سوسيولوجية أن يُخْضِعْها للتجربة ويصل فيها لنتائج.

لأن قيمة المعرفة فلسفيا عند الغرب ومصادره، تختلف منهجيا عن تلك عند المسلمين، بالتالي يجب إخضاع تلك النظريات لمبضع النقد والتشريح وتقييمها بمجهر فاحص، ومدى تعارضها مع تحتيات الأسس الاسلامية سوسيولوجيا ومبنائيا.

فأنا لا اتفق مع المواءمة، لأنها قد تدخلني في ترقيعات تنتج لي جنينا مشوها سوسيولوجيا، ومرقعا مبنائيا لا يشكل لي وحدة منسجمة بنيويا . انا اتفق مع المواكبة والنقد وإعادة بناء وتشييد خاص بأسس معرفية.

فهناك اختلاف بنيوي ابستمولوجي[19] بين الغرب وبيننا، وهناك تناقض منهجي باعتقادي.

من المهم جدا في دراسة اي بنى معرفية ان نعود الى جذور أعمق وهي المعرفة:

مصدرها،  وقيمتها ، معیارها، لأنها الأساس الذي ينبني عليه كل الفوقيات.

وتوضيح هذا الاختلاف في البنية السوسيولوجية بين المجتمعين، كمقدمة من وجهة نظري في تسليط الضوء على العناصر المكونة لكل مجتمع والعلاقات التي تحكم العناصر في كل مجتمع، ومحورية تلك العلاقات كان مهما، كي تتضح الفروقات البنيوية والتي على أساسها يتم رفض أو قبول المواءمة، وقد أشرت إلى تفصيل عناصر المجتمع في كلا المدرستين، عند الشهيد محمد باقر الصدر في الفصل الأول[20].

مفاهيم ودلالات:

إن التعريف المفهومي لبعض المصطلحات، يفترض أن يكون مبنيا على دراسة الواقع، فدراسة الظاهرة الحزبية وتعريف الأحزاب عليه أن يخرج من رحم المجتمع الذي تتم دراسته، سواء مجتمع يعيش في جغرافيا واحدة ، أو مجتمع يعيش في جغرافيات متعددة لكن تحكمه أيديولوجية واحدة.

فمثلا تعريف الحزب من وجهة نظر غربية، لا يمكن أن يشكل متكأ معرفيا ومفهوميا للباحث العربي والمسلم،

لأن الأنظمة التي تحكم منطقته، هي أنظمة إما سلطوية كاملة أو شبه سلطوية.

وبنية العقل العربي تم تشييدها على العصبيات، والولاءات إما للسلطة أو للقبيلة، وبشكل أعم، تم تشييدها على العصبيات بكافة أشكالها.

بالتالي اعتقد نحتاج حفر أركيولوجي[21] عميق في تلك البنية لتفكيكها، وهو ما يتطلب الخروج بتشكيلات تناسب هذه المعطيات، وتكون قادرة مرحليا على المعالجة البنيوية لمفهوم الجماعة، والقيم والمعايير التي تحكمها وتنظمها، وتذويب العصبيات وتشييد منظومة معيارية، تؤهل القابلية كي تنخرط في أحزاب تشكل أذرعة مدنية في الدولة، قادرة على النهوض بالوعي الثقافي والتربوي والسياسي للجمهور، وتكون رافعة للبناء والتغيير، ومنصة للرقابة والمحاسبة للسلطة في صالح الجمهور.

الأمة والحزب:

وفي فهمي القاصر، يمكن لفكرة التوحيد القرآنية، إن توسعت، أن تعمق مفهوم التعددية المذهبية تحت شعار ومحور التوحيد ) الله (، ومحورية الله، قد تخرجنا في مجتمع تعددي من المظلة الايديولوجية المذهبية الضيقة، الى المظلة التوحيدية التي تتناسب وعالمية الرسالة الإسلامية.

بل إن هذه الفكرة تعزز مفهوم الأمة ضمن إطار ومحور التوحيد، وتقسم الساحة لفسطاطين: فسطاط المحورية فيه لله ، وفسطاط المحورية فيه لغير الله، وهما كما وصفهم القرآن نفسه محورية فرعونية مقاصدها الهيمنة والاستيلاء على البشر والحجر والمقدرات، ومحورية الله، وهي  كفكرة يمكنها أن تتحول إلى مشروع عمل بنيوي تأسيسي، يراكم تجربة الأمة في مضمار العمل الوحدوي، تحت مظلة الاحتلاف البشري الطبيعي في الرأي والفهم.

خاصة عند الحديث عن دور الأحزاب الإسلامية في تربية المجتمع ، لأن البعد الأيديولوجي يحضر بقوة ويشكل رافعة الدفع نحو الالتزام والعمل. فكيف يمكن أن يلعب الحزب الإسلامي دورا تربويا لمحازبيه في عملية الاندماج في المجتمع التعددي، دون أن يقع في محظور تناقض الخطاب بين الداخل حزبي وخارجه ؟ وكيف يستطيع تفعيل قابلية الاستبداد أو تعطيلها وتحرير الإرادات، وهو يمارس ممارسات شبيهة إلى حد كبير غالبا، بممارسات تميل للاستبداد سلوكيا ومنهجيا؟

وفي الأحزاب الإسلامية أي إسلام هنا نقصد ؟ وأي قراءة نعني ؟ وهل المنهج التربوي الأنجع في الاندماج في المجتمع التعددي ينبني على التربية الأخلاقية والقيمية كمعيار، قادر على تحقيق الاندماج، وجامع كونه من الثوابت الإنسانية التي لا يُختلف عليها ؟ أو التربية تعتمد على المنهج العقدي عقليا والفقهي سلوكيا، وما لهذين من أثر في تعميق الاختلاف، لاختلاف المدارس الاسلامية، وغياب قابلية وثقافة قبول الآخر المختلف في ذهنية الناس بكل أطيافهم بما فبهم أغلب النخب، واختلاف القراءات داخل كل مدرسة للنص الذي تنطلق منه الأحزاب الإسلامية في التربية والتعليم ، وعلى أثر هذا الاختلاف، تعددت الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي.

هناك تأسيس قرآني لمفهوم الأمة ، فكيف نعالج ضمن تعدد القراءات للنص، وبالتالي تعدد المدارس ضمن كل مذهب، كيف نعالج جدلية الحزب والأمة ؟ فيفترض حتى لا يقع التعارض، أن تكون العلاقة في امتداد بعضها البعض (طولية)، فالحزب في امتداد الأمة ؟ فإذا قلنا تعدد أحزاب في مجتمع واحد ، فهذا يعني تعدد مناهج تربوية ، وبالتالي تعدد مجتمعات وجماعات في المجتمع الواحد، ومع غياب ثقافة الاختلاف والتعددية الفكرية والثقافية والعقدية، هذا لا يشكل في نهاياته الأمة.

فأي منهج تربوي أنجع ؟ ومن وجهة نظري أجد أن الأسس التربوية القائمة على معيارية القيم والأخلاق كنظام عام يحكم المحازبين في المجتمع، أجدى في الانسجام والاندماج في مجتمعات تعددية ، إلا في حال كانت ضابطة المنهج العقدي والفقهي، تميز بين خطاب الداخل والخارج، اذ لكل جهة خطابها وحيثياتها التربوية إسلاميا .

أيهما يقدم في تحديد مرجعية المناهج التربوية، الأمة أم الحزب؟

الأحزاب والنظم:

ومع التجربة العملانية، هناك كثير من الأحزاب الإسلامية وقعت في هذا المحظور نزولا عند رغبة قواعدها، والتي تحت ضغط العصبيات المذهبية، رفعت شعارات التكفير للآخر الشريك في المجتمع جغرافيا، والخارج جغرافيا.

وهذا يحتاج تنزيلا للثقافة من النخبة في الحزب الاسلامي لقاعدته، إذ أن أحد أهم أهداف الحزب، هو التربية الموجهة نحو الهدف الإلهي، لتصبح الثقافة الإسلامية ثقافة الجمهور وليس فقط النخب .

وهنا تنتج لدينا أيضا جدلية العلاقة داخل الحزب بين النخبة والقاعدة، وانعكاس هذه الجدليات في ظل سلطة القاعدة على الاستقرار الاجتماعي من جهة، وعلى الخيارات الحزبية الإسلامية في التأسيس للمناهج التربوية داخليا ، وبين خيار النخب وخيار القواعد من جهة أخرى، حيث تصبح هنا الحقيقة ضحية القاعدة، عندما تتخلى نخبة الحزب الإسلامي عن دورها الوظيفي في التأثير الثوري التربوي في مسلمات القاعدة، خاصة تلك التي تعمق التقسيم الاجتماعي لا الاندماج.

إن الحاجة الفطرية للنظم تخلق الدافع عند الانسان للانتماء إلى جماعة ما، تتشابه معه  في الأفكار والتطلعات، أو في حال غياب الدولة وعدم القيام بدورها وواجباتها كما في منطقتنا، فإنه ينتمي إلى حزب يشكل له حاضنة وظهر حامي له. ويتطور مفهوم الانتماء مع التراكم المعرفي والعملاني للجماعات، لذلك بدأت من القبيلة وتطورت مع الزمن إلى الدولة الحديثة، والانتماء للوطن ومحدداته الجغرافية والقانونية الناظمة اجتماعيا .

لذلك تعتبر الجاهلية وصف لسلوك عنصري، كان يقوم على التوحش بالقتل والإغارات والسَّبي، وهو ما وضحه جعفر بن أبي طالب لملك الحبشة، حينما فر مع مجموعة بأمر من النبي اليها.

أما طريقة النظم التي كانت على شكل قبيلة، فهي كانت وسيلة في ذلك الزمن لحفظ مصالح الفرد ، وما رفضه النبي في المدينة وأوضحته الصحيفة المدنية، أو ما عرف بدستور المدينة، هو القبائلية؛ أي التعصب القبلي . أما القبيلة فقد تم دمجها في الدولة، وإشراكها في النظم والتنظيم الاجتماعي. فالرفض كان للعصبيات وليس لأصل التجمعات.

ومثالا لذلك، هناك بعض أشكال النظم الموجودة في دول كأفغانستان للقبيلة، حيث تم تنظيم القبائل في مجلس يسمى الليوجيرغا، والذي يشارك بآرائه في مجلس البرلمان.

وهي وسيلة نظم تناسب والوضع القبلي، لكنها محاولة سياسية اجتماعية للخروج من الانقسامات القبلية، إلى مجلس ينظمها ويضمها في الدولة .

وفي المجتمعات الخليجية ودور الاحزاب الاسلامية تربويا فيها ، خاصة أن التركيب البنيوي لهذه المجتمعات قائم على العصبيات القبلية والمذهبية، وتتداخل مع بعضها وفق المصلحة السياسية ، نجد أن الجو العام في هذه المجتمعات، جوا تحكمه التحالفات العصبية، وتجربة العراق توضح كيف لعبت الأحزاب دورا عميقا في انقسام المجتمع، وعدم قدرتها إلى الآن من تجاوز الهوية الحزبية إلى هوية وطنية .

هذا فضلا عن تسرب ممارسات السلطة المستبدة إلى الأحزاب في كثير من مظاهرها في الدول العربية والإسلامية، كفرض نمط معين من التفكير والمرجعيات الدينية، ومن السلوك الاجتماعي، وفرض حتى الآراء السياسية والدينية، كمسلمات يجب على المنتسبين عدم الخروج عنها. وكثيرا ما يستخدم في تكريس هذه الضوابط الصارمة شعار التكليف ، ليس في بعده الإيجابي بل في بعده السلبي الذي يقصي أي خيار تحت ضغط طاعة القيادة، الذي يضع المحازبين بين خيارين، الطاعة مع عدم الاقتناع، أو الطرد والإقصاء والتجميد الحزبي في حال المخالفة. وهو تكريس لقابلية الاستبداد، تتمدد في الطول والعرض الاجتماعي، وتساعد على نشر ثقافة المستبد وإن بأشكال أخرى، ومسميات مختلفة الظاهر، لكنها متحدة المضمون والهدف.

خاصة أن النظام التربوي السائد في تلك المجتمعات نظام أبوي تلقيني، متأثر إلى حد كبير بمناهج متعصبة مذهبيا، تم قولبتها في نظام أحزاب مؤسساتية، في ظل وجود ثقافة التقديس والترميز بشكل عميق في هذه المجتمعات، وغياب منهج النقد البناء، الذي حُيد بحجج دينية واجتماعية، وهذا قد يحول تلك الأحزاب إلى أحزاب وراثية، تعمق فكرة الانقسام الاجتماعي من خلال مناهج تربوية إيديولوجية متشددة ، وتكرس ثقافة الاستبداد الديني والسياسي.

فالقبيلة على سبيل المثال، كي تشرعن منهجها تلبست في الخليج بلباس الدين ، حيث كانت الركيزة البنيوية تربويا التي انطلقت في وسط القبائل.

فتراكمت العصبيات وتم شرعنتها ، بل هناك ممانعات سلطوية تحول دون المس بالنظام القبلي اجتماعيا، وهو ما يكرس العصبيات، التي واقعا تعمق الانقسام الاجتماعي. ويتمظهر ذلك خاصة في الانتخابات على سبيل المثال ، حيث يعلو صوت القبيلة على صوت أي خيار منفرد داخلها .

فهل نحتاج هنا إلى نظرية تتناسب وطبيعة كل مجتمع وبيئته ، من خلال تحويل العشائر والقبائل لمؤسسات تلعب دورا في النظم والتوجيه التربوي لاستقرار المجتمع ؟ وفي ذات الوقت تصبح فيها القبائل والعشائر أو الأحزاب ذراعا رقابيا على السلطة، لا ذراعا رقابيا للسلطة؟ خاصة أن كثيرا من الأحزاب التي دخلت في العملية السياسية من باب المعارضة، تم تدجينها بطرق كثيرة من قبل السلطة، وتم الالتفاف على مطالبها الإصلاحية، لتتحول أولوياتها من إصلاح على مستوى الوطن، إلى مطالب خدماتية تقايض بها السلطة لحساب محازبيها غالبا، رغم أن من أبسط حقوق المواطن على السلطة هو الخدمات المعيشية. ولا ننكر وجود بعض الأحزاب ـ وهي قليلة جداـ استطاعت أن تؤثر في مسيرة الاصلاح لصالح المجتمع والوطن، لا لصالح محازبيها. إلا أن الأعم الأغلب، هو تكريس الانقسام في المجتمع من خلال الأحزاب، وتحويل الأحزاب من وسيلة إصلاح ورقابة وسيطة بين السلطة والمجتمع، إلى وسيلة معيقة لعملية النهضة والاصلاح، سواء علمت تلك الأحزاب، أو استخدمت كأداة دون دراية منها في يد السلطة.

فكيف يمكننا الانتقال إلى مرحلة الأحزاب الحرة في هذه المنطقة، وهي ما زالت في أغلبها محكومة بأنظمة سلطوية لا تؤمن بالأحزاب والتعدد ؟

خاصة أن أصل وجود أحزاب في هذه المنطقة، ووفق تراثها الثقافي هو تقسيم للمقسم، مما يجعل فكرة الأحزاب في هذه المجتمعات فكرة مرفوضة، لأسباب أهمها سلطوية أغلب الأنظمة ، وقبائلية المجتمعات وخاصة التيارات الإسلامية ،وبداوتها في فهم الإسلام .

الأحزاب والتربية:

تلعب التربية الموجهة للأحزاب المؤسساتية دورا مهما في التنميط الاجتماعي[22] ، والإشكالية المحورية في عملية التنميط بالنسبة للاحزاب الاسلامية-، أنها تفقد الفرد ومن ثم المجتمع جدارته في الاختيار الحر، وكما سبق وذكرنا تكرس شكلا من أشكال الاستبداد ، خاصة ضمن بيئات اجتماعية تكون فيها الدولة ضعيفة-، أو غائبة عن أداء مهامها تجاه الشعب، أو في ظل بيئة فقيرة اقتصاديا-، يشكل الحزب فيها ملجأ يتم من خلاله توفير وظيفة تؤمن له قوت يومه، فيؤمن بأبجديات الحزب تحت ضغط الحاجة غالبا، لا من خلال ممارسة فكرية حرة تبعث إرادته عن قناعة في اختيار المفردات والاقتناع بالغايات والأهداف  والبرامج-، والإيمان بالمفردات والمناهج التربوية-، التي يشيدها الحزب وفق رؤيته للإسلام. فكيف يمكن للأحزاب الإسلامية تحرير خيارات الفرد، دون الإضرار بالنظم الجماعي الداخلي ؟

ففي قضية عدم الإفراط والتفريط بين المسائل السياسية والثقافية، في الأحزاب الإسلامية  من وجهة نظري على المستوى العملي، وقعت أغلب الحركات الإسلامية في محظور تغليب السياسي على المعرفي والفكري، ، واعتمد كثيرا منها على الشعارات العاطفية، ومارست ممارسات شبيهة إلى حد كبير بممارسات المستبد اتجاه الشعب.

إلا أن التوازن والتوازي يجب أن يكون الأساس، وفي الاستثناءات يجب أن يبقى المعرفي الثقافي حاضرًا بقوة، لأن السائر على غير علم، لا تزيده كثرة السير إلا بعدا .

من جهة أخرى، إن التربية العقائدية بالذات يفترض أن لا تكون في المنظومة التربوية تربية تلقينية ، تحمل توقيع سلطة المعلم المحازب وواضع المنهج والملقن ، سلطة تبسط هيمنتها على العقول في إطار ديماغوجية[23] مغلقة ، بل يفترض أن يكون للعقل دورًا بارزًا في التمييز والمقايسة بين مختلف الآراء على أسس منطقية، تقوم الأحزاب الإسلامية بإمداد منتسبيها بأدواتها ، كي ترسخ مبدأ الإرادة الحرة في الاختيار المنهجي العقدي ، وهو من وجهة نظري يتطلب إعادة نظر في المناهج التربوية، لتكون متوائمة مع دور العقل وتنميته في فضاء ثقافي حر متعدد فكريا وعقديا وثقافيا ، وهذا لا يعني التفلت من الثوابت ، بل يعني تعميقها بإرادات حرة ،وعقول متعددة قادرة على الإثراء والتثوير، لتطوير الفضاء المعرفي العقدي للأحزاب، مما يؤهل أفرادا محازبين، لكنهم يملكون عقلا منفتحا بثوابت قادرة على بث الأفكار العقدية بقالب جامع لكل الطوائف، ضمن المشتركات التي تلتقي معها بها. بل قد يزيل ذلك التناقضات التي تخلقها الأحزاب مع مشروع الأمة .

وهنا تصبح المناهج التربوية سوسيولوجيا متناغمة مع البرامج السياسية، وكلها يقع هدفها في تأهيل المجتمع وإصلاحه وخدمته، لا في خدمة السلطة التي غالبا تلعب على التمايزات الاجتماعية، لترسخ وجودها بالاختلاف لا الائتلاف . وهذه ظاهرة واضحة في المجتمعات العربية والإسلامية والخليجية خاصة .

والأحزاب الإسلامية وإيديولوجياتها المختلفة منهجيا والمتحدة في الهدف وهو التوحيد ، تتلمس وحدة في كثرة، واستثمارها بلا شك، هو في صالح مشروع الأمة. لكن الإشكالية الحقيقية، هي في القراءة المتشددة للنص لبعض الاحزاب الاسلامية التي تصل حدتها إلى تكفير أحزاب إسلامية أخرى ، وإشكالية أخرى محورية، هي في التشدد في قراءة المختلف سوسيولوجيا وإيديولوجيا، مما يجعل فكرة الحزب تكريسا للانقسام والتكفير، وليست تثويرية للتغيير ودعم مشروع الأمة، بل قد يحوله لأداة في يد الاستبداد في اللعبة السياسية، كورقة يستخدمها في المقايضات السياسية وتبادل المصالح .

ففي التأسيسات المنهجية للرؤية الإسلامية سواء على مستوى المفهوم أو الوظيفة أو الأهداف، كان القرآن في هذا البحث يمثل المرجعية المعرفية الأولى في ذلك ، وهو تكريس المنهج الوحدوي من جهة، وتأسيسا لتثبيت الأطروحات الإصلاحية من جهة أخرى في هذا الصدد، خاصة في ساحات الاجتهاد الفقهي .وخاصة حينما يصبح القرآن مرجعية في تأسيس نظريات سوسيولوجية.

خاتمة حول الأحزاب وتساؤلات:

هل تحتاج الأحزاب الإسلامية إلى تغيير الهدف الذي تصبو إليه، من قيام دولة إسلامية إلى هدف تحقيق العدالة؟ وكيف يمكن أن يغير ذلك من مناهجها التربوية، وتأثيرها في المجتمع وعملية النظم والتأثير ؟ بل كيف يجعلها تجسد مفهوم الأمة في كلها، رغم اختلافها الجغرافي والمذهبي والطائفي؟

وما هو الشكل الأمثل للقيادة في تلك الأحزاب ؟ هل تداول السلطة مطلقا، أو عدم تداولها مطلقا، وما أثر كل منهما في بيئات اجتماعية، تتشكل بنيتها العقلية على التقديس والترميز؟ وهل يستطيع الحزب أن يكون نواة تأهيلية لقاعدة المشاركة لا المغالبة سياسيا واجتماعيا ؟ وما هو الشكل الأمثل التمثيلي للقيادة الحزبية ؟ ففي عدم تداول السلطة هناك تكريس كاريزما القائد وقداسته، في قبال سلطة المرجعيات الدينية الرشيدة التي تعتبر صمام أمان في قيادة الأمة كافة، فكيف يمكن حل هذه الإشكالية، خاصة أن الواقع الاجتماعي يبرهن وجود هكذا إشكاليات يقع فيها القائد والرمز في عرض المرجعيات الدينية ، بل بعض الأحزاب الإسلامية تحول قائدها لمرجع ديني يملك سلطة في قبال سلطة المؤسسة الدينية .

و كيف يمكن للأحزاب الإسلامية تجاوز عملية التنميط والشعاراتية في منهجها التربوي، ورفع فضاء الاختيار والتفكير الحر خارج منظومة الحزب التربوية الموجهة ، لتعالج مرض قابلية الاستبداد وتحرر الإنسان داخليا، فتكون معولا يهدم الاستبداد لا مدماكا يكرس وجوده، في ظل تنافس سياسي يطغى على التنافس المعرفي وتوظيف للعقدي؟

بل كيف تُكَوِّن الأحزاب الإسلامية مجاميع تربوية تشكل في كلها الأمة، في ظل تعدد المدارس في قراءة النص وتباينها بين التشدد والتطرف؟ وهل واقعا لأاحزاب الإسلامية ناقضت سلوكيا الأصل القرآني لمفهوم الأمة؟ مازال هناك التباس بين المفهوم والواقع الاجتماعي فيما يخص الحزب والأمة .

و المجتمعات الموغلة في القبلية، كيف يمكن للأحزاب أن لا تعمق انقساماتها الداخلية، وتحولها لمنظومة تثقل كاهل المجتمع بالانقسامات بما يخدم السلطة لا المجتمع ؟

تساؤلات تحتاج إلى إجابات علمية موضوعية، تمكننا من النهوض بالواقع خطوة إلى الأمام، وتعالج ثنائية الانتماء بين الوطن والحزب، وثنائية الاستبداد بين سلطة الدولة وسلطة الأحزاب.

 

إيمان شمس الدين

.....................

[1] من كتاب : التغيير والإصلاح ـ مطالعة في التأسيسات والإشكاليات والمعوقات/إيمان شمس الدين/دار الانتشار العربي/بيروت/ط١

[2] (مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 19-20).

[3] http://www.islamonline.net/arabic/arts/2003/10/article13.shtml - 7#7(مالك بن نبي: آفاق جزائرية، ص: 38، وهذا هو التعريف الحقيقي الذي اختاره مالك بن نبي للحضارة، وليس ما ذهب إليه الدكتور توفيق يوسف الواعي في كتابه "الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية"، حين ادعى أن تعريف الحضارة عند ابن نبي "هو البحث الفكري والبحث الروحي").

[4] (الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي في "منهج الحضارة الإسلامية في القرآن": 19.).

[5] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[6] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[7] (الدكتور محمّد حسين في "الإسلام والحضارة العربية" 4.).

[8] طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد/ عبد الرحمن الكواكبي / دار النفائس/ الطبعة الثالثة١٤٢٧هـ ـ ٢٠٠٦ م / ص ٣٨ـ٣٧.

[9] مجلة الاستغراب ١٢ / ص ٥٠

[10] مصدر سابق ص ٥٠

[11] أحمد شهاب/الحداثة المغلولة ص ٤٤ بتصرف

[12]  مصدر سابق ص ٤٥

[13] جواد علي، الموسع في تاريخ العرب قبل الإسلام ٤/٣١٥ بتصرف

[14] أحمد شهاب / الحداثة المغلولة/ ٥٠

[15] المشاركة لا المغالبة -الحركات الإسلامية والسياسة في العالم العربي - ناثان ج . براون - ترجمة: سعد محيو/ مركز كارينغي للشرق الأوسط

[16] دساتير من ورق ـ الدساتير العربية والسلطة السياسية/ ناثان براون/ الناشر state Univ of New York press/ 2002/ ص ١٧١،١٧٢ ولمزيد من التفصيل ص ١٧٣،١٧٠.

[17] علم يدرس المجتمعات الإنسانية والمجموعات البشرية وظواهرها الاجتماعية،قاموس المعجم الوسيط

[18] الإشكالات الناتجة عن العلاقات في الإطار الاجتماعي

[19] فرع من فروع الفلسفة يهتم بنظرية المعرفة

[20] راجع ص ٤١

[21] علم الآثار الذي يهتم بدارسة بقايا مخلفات الإنسان تاريخيا ويكشف من خلالها تفاصيل كثيرة، وهنا يستخدم في المجال المعرفي للحفر العميق في المفهوم ودلالاته تاريخيا واستخداماته الاجتماعية والمعرفية

[22] يطلق مصطلح التنميط في علم الاجتماع على ظاهرة في الحضارة الغربية وهي أن كثيرا من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة ونمطية بسبب الانتاج الصناعي السلعي الآلي.

على عكس المجتمع التقليدي الذي له لمسات خاصة بكل منتج وفق منتجها وصانعها وسمات مستقلة.

والتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى تنميط أسلوي الحياة العامة والخاصة فيقضي الإنسان حياته في سلسة محكومة من روتين يومي منظم

[23] القدرة على كسب تعضيد الناس ونصرتهم عن طريق استثارة عواطفهم واللعب بأحاسيسهم ومشاعرهم وليس عن طريق الحوار العقلاني معهم، والديماغوجي هو الشخص القادر على الوصول إلى السلطة السياسية مستخدماً مهاراته الخطابية ، حيث يستطيع أن يتحكم في انفعالات المستمعين إليه وأن يدفعهم إلى التحرك في الاتجاه الذي يريده هو بالرغم من وجود اعتبارات كثيرة موضوعية ترجح عدم التحرك في هذا الاتجاه

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4637 المصادف: 2019-05-17 14:54:32