 قضايا

غواص في كتاب سيبويه (4)

محمود محمد عليفي هذا الجزء الرابع من مقالنا غواص في كتاب سيبويه، حيث ننتقل إلى مناقشة النوع الثاني من الكلمات، وهو المصطلحات النحوية الأربعة التي قال الذاهبون بالفرضية اليونانية إنها مأخوذة عن النحو اليوناني، يقول جيرار تروبو:" ثم يجب علينا أن نتساءل، هل كان من الممكن من الناحية اللغوية أن يكون النحاة العرب القدامى أخذوا من النحو اليوناني تلك المصطلحات الأربعة التي هي : الإعراب، والصرف، والتصريف، والحركة "، ثم يرد علي التساؤل بأن يعرض لهذه الكلمات كلمة في النحو اليوناني، مبيناً ما يقابلها ومعناها واستعمالها، ثم يعرض لها عند علماء العربية،كابن جني، وسيبويه، والأنباري، وغيرهم، ويستخلص في كل منها أنها اصطلاح نحوي عربي، وينتهي إلي القول بأن " النحو اليوناني لم يستطع النحاة العرب القدامى أن يعرفوه بطريفة مباشرة، إذ إنهم كانوا يجهلون اللغة اليونانية، ولم يكن لديهم كتاب في النحو اليوناني مترجم إلى اللغة العربية، فلم يستطيعوا إذن أن يعرفوا النحو اليوناني إلا بواسطة النحو السرياني "، يضاف إلي أن النحاة السريان من جهة أخري يختلفون اختلافًا تامًا "، وأن النحو اليوناني لم يستطع أن يؤثر علي النحو العربي بواسطة النحو السرياني .

وكان أبلغ رد قال به قيامه بإحصاء المصطلحات النحوية واللغوية والصوتية والصرفية في كتاب سيبويه خارج الشواهد الشعرية والقرآنية، فوجد أن عدد ما استعمل منها في العلم بمعناه الاصطلاحي ألف وستمائة لفظ، منها ما يتعلق بالمفاهيم النحوية العامة كأقسام الكلام، وأنواع الألفاظ وأحوالها، ومنها ما يتعلق بالمفردات المختصة بتركيب الجمل وتشمل الألفاظ التي تعني بمواقع الألفاظ في الكلام ومجراها من ناحية العمل،ومنها المفردات المتعلقة بالتصريف، ومنها التي تتعلق بالأصوات،وأخيرا المفردات التي تتعلق بالمنهاج، وهي أكثرها، واستخلص من هذه الأعداد الكبيرة للألفاظ والمصطلحات المستخدمة في أصناف علم العربية الواردة في كتاب واحد هو كتاب سيبويه خطأ المستشرقين، ومن تابعهم الذين اعتمدوا على بضعة مصطلحات وصلت إلى العشرة عند الجميع ليبرهنوا علي مضارعة النظام العربي للنظام اليوناني، وقال ما معناه : فما تعني تلك العشرة بالنسبة للمئات والمئات من المصطلحات التي كانت متداولة في لغة العرب ؟ إن كل واحد من هذه المصطلحات الألف والستمائة جزء من نظام معقد ليس له معني خارج عن هذا النظام .

وهكذا استطاع "تروبو" أن يثبت أنه من المستحيل أن يكون النحو العربي القديم في نشأته، الأصيل في وجوده قد اقتبس مصطلحات معدودة لا تتجاوز أصابع اليدين عدا من النحو اليوناني، وقد أثبت ذلك بطريقة عملية علمية، ولم يكتف بهذا،وإنما كرر في ختام بحثه اعتقاده بأصالة النحو العربي وعروبته واستقلاله عن العلوم الأخرى وعدم تأثره بالعلوم الأجنبية، فقال :" وفي الختام، فأنا اعتقد أن علم النحو أعربُ العلوم الإسلامية، وأبعدُها عن التأثير الأجنبي في طوره الأول، كما حاولتُ أن أُبيِّن ذلك في ضوء كتاب سيبويه، ذلك الكتاب المشهور الذي هو أقدم كتب العرب في النحو .

ولقد ساير  "تروبو" العديد من المستشرقين والباحثين العرب، فنجد أن المستشرق الألماني "فيشر" W.Fischer،يري أن سيبويه يمثل بداية لمرحلة عربية خالصة، وقد نشر ذلك بالإنجليزية فيما بعد تحت عنوان : The chapter on Grammer in The kitab Mafatih al- ulum، in :ZAL15،(94-103) 1985. والنصوص المقتبسة تعود إلي نسخة خطية بيده مكتوبة بالعربية.

أ- يقول : " إن البحث في نشأة النحو العربي لم تحقق نجاحا كبيرا حتى الآن، ولم يدرك كثير من المعلومات الصالحة لتوضيح ما حدث فيما بين بدايات النقاش النحوي في عهد أبي الأسود وظهوره في صورة متكاملة في كتاب سيبويه ". ويقول:" نسلم بأن الحوار المحتمل بين النحاة العرب واليونان قد وقع فعلاً في بداية الأمر " . ويجعل فيشر من الخليل بن أحمد نهاية مرحلة التأثر الناجم عن هذا الحوار، فقال، :" إن موقف الخليل في تطور النحو قريب إلى حد ما من النحو اليوناني، في أن موقف سيبويه بعيد عنه " .

ب- يتضح من هذا أن "فيشر" يعد كتاب سيبويه بداية مرحلة جديدة لتنقية النحو العربي من الآثار اليونانية .قال :"ومن هنا نفهم أهمية كتاب سيبويه وأثره الباهر في تطور علم النحو في العصور اللاحقة له . إذ إن سيبويه كان النحوي الذي أبعد ما يكون في النحو العربي من آثار الفكر اليوناني، وأقام بذلك النحو العربي طريقة علمية مستقلة، وطوي النسيان كل ما كان العلماء قبله يفكرون في اللغة " .

ونفس الرأي أكد عليه كل من المستشرقين اليهوديين : رافي طلمون R.Talmon وريفيل E.J.Revell  اللذين يؤكدان نفس ما قاله "فيشر" علي أن النحو العربي قد تأثر بمؤثرات أجنبية في مرحلة مبكرة في نشأته . أما ما وصل إلينا من هذا النحو ممثلا في كتاب سيبويه فهو عربي . ويفترق فيشر عن الآخرين في أنه يرى أن التأثر باليونان قد تم بالفعل في فترة مبكرة من ظهور الإسلام، ثم انتهت فترة التأثر هذه بالخليل بن أحمد لتبدأ مرحلة أخرى بسيبويه، وهي مرحلة تخليص النحو العربي من المؤثرات الأجنبية . أما " رافي طلمون" وزميله اليهودي "ريفيل" فيذهبان إلي أن النحو العربي في صورته التي وصلت إلينا من خلال كتاب سيبويه لا تعكس تأثرا خارجيا، ولكن قبل ذلك مر بمراحل التأثر الخارجي، وهما يردان بداية هذا التأثر إلي القرن السابع الميلادي، بل إلي القرن السادس الميلادي أو قبله، وهما يفسحان المجال في كلامهما إلي تأثير عبري إلي جانب التأثير السرياني، بل يذكر أن العبريين قبل السريان في هذا الشأن ؛ يقول " إن أولي مراحله كانت قد اتسمت بتأثير أجنبي، بينما كان ما يليها خلال القرنين الإسلاميين الأوليين عبارة عن تطور إسلامي داخلي محض .

أما المستشرق ليتمان فيأخذ موقفاً وسطاً حين يقول: ونحن نذهب في هذه المسالة وسطا، ونقول بأن النحو من أبدع العرب وعلم النحو في الابتداء، وأنه لا يوجد في كتاب سيبويه إلا ما اخترعه هو والذين تقدموه‏" .‏

والحجة التي يستند إليها ليتمان  هي أنه من الناحية التاريخية يعرف الجميع أن منظِّر النحو العربي سيبويه، بعد أنهى – طبعا -كتابة مؤلَّفه "الكتاب" الذي يعد مرحلة متطورة و ناضجة من مراحل التفكير النحوي العربي. بمعنى أن سيبويه كان مسبوقا إلى هذا العلم (النحو) بعلماء قبله كأبي الأسود الدؤلي (القرن الأول الهجري)، وأبي عمرو بن العلاء (154هـ)، ويونس بن حبيب (182هـ)، وأستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ)، الذي يشير إليه دائما في كتابه بقوله : "قال شيخنا رحمه الله " و هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن كتاب سيبويه أُلف ـ من الناحية التاريخية ـ ما بين تاريخ وفاة أستاذه الخليل (175هـ) وتاريخ وفاته هو نفسه (180هـ)، وفي مقابل هذا لو بحثنا عن الفترة التي تمت فيها ترجمة المنطق الأرسطي إلى العربية سنجد أن حنين بن إسحاق قام بهذه الترجمة سنة 264هـ !! وهذا يبين بما لا يدع مجالا للشك بأنه لا علاقة بكتاب سيبويه بالمنطق الأرسطي .

ونحن نؤيد هذا الرأي، فكتاب سيبويه بحكم نزعته التجريبية خلا تماماً من العناصر اليونانية ؛ وبالأخص المنطق الأرسطي، بدليل أنه إذا ما نظرنا إلي العناصر المحددة التي تختص بالدرس النحوي عند سيبويه اختصاصا مباشرا، وهي أنّ التعريف عند أرسطو يختلف عن التعريف عند سيبويه ؛ حيث أن سيبويه الذي تأسس عنده منهج النحو لم يطبق التعريف الأرسطي، ولا يظهر من كتابه ما يؤكد أنه كان علي معرفة قوية به؛ " فالكتاب كله على شموله لا يخرج عن هذه الأمثلة من التعريف، وهو دليل على أنه لم يطبق المنهج الأرسطي فيه وقد يكون دليلاً علي انه لم يعرف هذا الأصل في المنطق الأرسطي معرفة كان من الجائز أن يبدو لها أثر في الكتاب قبولاً أو  رفضاً " .

فمثلا حين ننظر إلى " تعريف الاسم anoma عند أرسطو نجد أنه يعني بأنه: صوت يدلّ دلالة عرفية على معنى، ولا يدل على زمن وليس لجزئه معنى. وأما سيبويه فعرّفه في كتابه عندما ذكر أن (فرس وإنسان)، وهي من الأمثلة التي يستعملها دائما عند تقديم الأمثلة، لتأييد القول أن هناك عدم تأثّر بالفكرة اليونانية، إذ إن استعمال سيبويه للفعل في "الكتاب" يختلف عن استعماله عند أرسطو، حيث استخدم كلمة "ضرب" و "كتب" و "فعل". أما أرسطو فلم يستخدم كلمة tuptein  أي (ضرب) في بعض ما كتبه بل استخدم hugiainein (to be healthy) و  badizein (to walk) ؛ أي لا "ضَرَبَ" ولا "كَتَبَ" ولا "فَعَلَ" .

وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4649 المصادف: 2019-05-29 06:11:38