 قضايا

الانترنيت.. والحكومة الالكترونية

زيد الشهيدفي تفجرها المذهل والمهول؛ وفي تسارعها  الخارق للعادة  أحدثت الثورة المعلوماتية في النصف الثاني من القرن العشرين عبر صناعة شبكة الاتصالات انقلاباً في المسار الإنساني من خلال منظومة معقدة من المعلومات وترابط تشابكي من الاتصالات اختصر التضاريس واختزل الجغرافية وقلَّص الزمن المطلوب للتواصل فقرّب الإنسان من أخيه الإنسان؛ ودفع به وهو يدخل القرن الواحد والعشرين أن يضع في حسبانه تحفيز العقل وحقنهِ بالدافع المعرفي الذي لا يعرف التوقف والركون، وليس له إلا التأجج والتواصل اللحظوي الحثيث، مثلما جعل هذا التواصل يعتمد على استخدام الإشارات (signs) كنوع من أنواع الاختزال التبادلي للحوارات المطلوبة وأصبح ثمة هامش كبير لاستخدام الشفرات (codes) كمفاتيح لمداخل هذه الحوارات التي تتكينن لتغدو نظماً تعتمد البرمجة؛ إحدى تقنيات حياتنا المستقبلية التي لا مفر منها، والتي تخضع في الوقت نفسه إلى المتغيرات المتتالية الداخلة في العمليات المعقدة للحاجة الملحة من جهةٍ وللاختراع المطلوب من جهة أخرى.

إنَّ التدفق المنطقي للمعلومات الذي يحصل الآن بفعل الثورة المعلوماتية يغدو من نافلة الاندفاع الذاتي الذي يريد من خلاله النخبة العلمية اكتشاف ما لم يُكتشف، والتحرك تقدماً باتجاه إدراك مدارات المعرفة المبهمة المتوارية خلف حجب المجهول وبناء الصرح العلمي الذي يشيد كمرحلة اكتشاف علمية تقود لمراحل لاحقة تسبر غور المحيط الذي يغرق في الإبهام.. وإذا كان على العقل العلمي أن يسعى إلى اكتشاف القوانين العلمية الهائلة في الفضاء المطلق فلابد له الاحاطة بكل ما حوله بالمدى المنظور علمياً؛ أي بحدود تواجده داخل الفضاء الأرضي؛ تلك الفقاعة الهائلة التي تحيط بنا. ومن هنا كان السعي لربط الفضاء بشبكة اتصالات عنكبوتية اقتضت التعقيد وفرضت كمّاً هائلاً من المعلومات المعرفية بغية تيسير التواصل وتبادل الخبرات. وهذا ما اقتضى ضرورة خلق عملية تلاقح حضاري  تتبادل (من خلاله الأمم التي تتخذ من الأرض ميداناً لحياتها ذات الأوجه المختلفة ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وتعبوياً) علومها وخبراتها ومنجزاتها بناءً على قاعدة المحاكاة والتفاعل والاندماج لا قاعدة الجمود والانكماش والنكوص، والخروج بواقعية جديدة تقر بحتمية المسار الواحد للبشرية صوب مرافيء الاكتشافات القصية. لقد حدث قبل اشهر إجراء عملية جراحية لمريض في صالة مستشفى في الصين يديرها طبيب من عيادته  في أمريكا. حدث ذلك بفضل عملية التواصل المعرفي والاتصال الميسور الخارق للعادة والتصور بين أمتين صينية وأمريكية ! (سنقول ذلك في الوقت الحاضر على الأقل) لأن ما تنبأ به المتنبئون بناء على معطيات علمية حتمية تقيس مسار الإنسانية وتقدمها التكنولوجي هو حتمية التمازج البشري انطلاقاً من يقينيات تقرها أيدلوجيا واحدة.

هذا التبادل المعرفي بين الأمم سيكون سائراً تقتضيه الحاجة ويتطلبه قطار الإنسانية المنطلق من محطة الأمم بهوياتها المعلنة صوب العالم الجديد الذي تنعدم فيه الهويات؛ ويغدو " الخلق العلمي " هوية توحد الجموع البشرية والمعرفة لا " الإنتاج"  أساس الثروة والقوة.

وبهذا تكون البشرية قد دخلت من باب العولمة؛ زمن التحرك التواصلي.. زمن بناء مجتمع عالمي تتداخل فيه الهويات  القومية وتختلط فتنعدم هويتها الجذرية؛ وتتلاقى فيه اللغات ثم تذوب لصالح اللغة المهيمنة. لغة الاتصالات والتبادل المعرفي السائد  بعد أن تنتفي الحاجة إلى استخدام تينك اللغات حيث سيضعف تأثيرها ثم ما تلبث أن تصبح عبئاً من الصالح تجاوزه وتركه في محطات الماضي المنسي. وبهذا تتحقق الرؤية الناحية إلى أحادية النظام المرتكز على الاقتصاد الواحد في تحركه؛ إذ تنتفي الحدود بأنواعها وأشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتضمحل البنى المركزية للحكومات (نظم الدكتاتوريات، وهيمنة رأسمالية الدولة) لصالح المهارات الفردية ودورها الفاعل المعتمد على ما تفرزه الحركة المتسارعة للنظم التقنية التي تقود إلى انفجارات علمية تتشظى باتجاهات مختلفة؛ فيتوجه بعضها إلى العالم الخارجي في مهمات استكشافية ولمديات تتجاوز حدود المعقول، وبعض إلى التعالق اليومي في المناحي الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية والسياسية وإدارة شؤون المنظومات الحكومية؛ والى ما يخدم الإنسان في تعامله اليومي وهو جالس في بيته باستخدام إحدى تقنيات هذه الانفجارات العلمية. فسيشير هذا الانسان من على شاشة حاسبته وعبر شبكة الانترنيت إحدى تقنيات نظم الاتصالات الهائلة التأثير إلى مصادر تقديم الخدمات والمعلومات له ليحقق  ما يريد، وسيبقى الإنسان الأرضي منشداً إلى هذه الشاشة التي ستجعله يوماً بعد يوم يقلل من اختلاطه الإنساني وينعزل ذاتياً  كما يشير  لذلك " فوكوياما "  في تنبؤاته القريبة التي لا تتجاوز الثلاثين عاماً حيث يصبح أداء الخدمات كما يرى بين المستهلك ومركز التعامل تتم من خلال شبكة الانترنيت؛ ويصبح بالمقدور الحصول فورياً على الكثير من الحاجات ذات المنتج الرقمي (Digital) مثل المجلات والكتب الالكترونية والبرمجيات والأفلام والموسيقى؛ إضافة إلى خدمات الحجز السياحية والترفيهية والأعمال المصرفية التي تجري سواء بين الزبون والمصرف أو بين المصارف المتوزعة في أصقاع الأرض.

هيكيلية الحكومة في ظل الاتصالات

في تأثيرها الجاري على عملية تنظيم الحياة اليومية تسعى الحكومة كسلطة هرمية جاهدة لتقديم خدماتها عبر مؤسساتها المتنوعة والمتفرعة. وهي بهذا الاتجاه تتوخى الاستعانة بأحدث ما يبتكر وما ينتج لتقليص سعة تواصلها مع الأفراد. وتشير الحقائق إلى أن مصدرين من مصادر الهيكلة الحكومية كانتا تستخدمان أحدث ما يحصلا عليه من تواصل بين منتسبيها والمتعاملين معها. وهذان المصدران هما وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) التي استخدمت الكومبيوتر كوسيلة اتصال لجمع المعلومات الهائلة في حقل التقنية والاستخبارات التي تفيدها في توجهاته العملية وتخزينها التخزين العلمي المبرمج، والمصدر الثاني هو المصارف التي طفقت تربط أقسامها وفروعها بشبكة اتصال تسهل لها التواصل السريع وتبادل المعلومات المصرفية.

وبفعل التطور المذهل في مجال الاتصالات والحاجة الملحة لتكون وسيلة مثلى للإنجاز بحيث تنتقل المعلومات بصورة فورية تخترق المسافات تشكلت رؤية أو شعار " الحكومة الالكترونية " وهي التي تضم دوائر حكومية يتم التعامل في ما بينها تحت ظل الحكومة الالكترونية الجامعة وقيام قواعد البيانات المخزونة الكترونياً مقام  الوثائق الورقية والملفات والارشيفات وتحقيق السرعة النموذجية والهائلة للوصول إلى المعلومات والتعامل معها. وبهذا التوجه يتحقق الاختزال المذهل لوقت واستثمار الجهد والمال ويتاح للإنسان الاتصال بالمؤسسات الالكترونية التي تقدّم خدماتها على مدار الساعة وطوال اليوم دون أن تكون هناك انقطاعات زمنية وتشمل بعض هذه الخدمات حقول الاستثمار والأعمال والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وشؤون الهجرة والتواصل الدائم في المجال التربوي والإعلامي والاقتصادي.

ولقد تحققت هذه الرؤية وتطبَّق هذا الشعار. فصارت سنغافورة - على سبيل المثال - اليوم تمثل إحدى معالم هذه الحكومات؛ هي التي لديها (1600) دائرة حكومية يمكن الاستفادة من خدماتها باستخدام شبكة الانترنيت على أحسن وجه للاستخدام. في حين يمكن اعتبار إمارة دبي انموذجاً للواقع العربي والعالمي الذي يستخدم الهاتف النقال لتمشية وتصريف الأعمال حيث بلغ معدل انتشار واستخدام الهاتف النقال 99% متجاوزاً الاستخدامات الأوربية التي تقدر بحوالي 80% -82%.

وفي ضوء تشكل الحكومة الالكترونية يقتضي الحال توفير كافة المعلومات التي يحتاجها مواطن هذه الحكومة في الشبكة الالكترونية وتموين الشبكة بصورة فورية من اجل أن تكون ثمة فاعلية كبيرة وسريعة يستطيع المواطن من خلالها إنجاز معاملاته بالسرعة القصوى دون التلكؤ وانتظار تغذية المعلومات.

ان تكاملية تشكيل الحكومة الالكترونية ستخدم الإنسان في بلده خدمة مذهلة تنهي معاناته من الوقوف في الطوابير الثقيلة والمزعجة والتي تسبب له اهدار الوقت وتبعثره. فالتعاملات في  المنظومة الحكومة الالكترونية تنهي منظر تلك الطوابير التي نشاهدها كل يوم أمام بوابات الدوائر وداخل الفناءات والدهاليز في الأبنية الحكومية. إذ سيكون بمستطاع المواطن تمشية معاملاته على اختلاف أنواعها عبر المخاطبات السريعة عبر شبكة الانترنيت وقد يحصل على إجابات فورية. إذ لدى بعض الشبكات والمؤسسات المجيب الآلي الذي يرد على الصاحب الرسالة بصورية فورية لا تتعدى الدقيقة الواحدة. وليتصور الإنسان مقدار الاختزال الزمني  الذي يحدث في الحكومات الالكترونية حيث تختزل المراجعة إلى الدائرة صاحبة العلاقة والاستفسار أو تتبع المعاملة التي تخص المواطن ومراجعاته التي قد تتطلب العودة إلى الدائرة المختصة أكثر من مرة لمعرفة   انسيابية إنجاز المعاملة في حين يستطيع الرد الآلي أن يجيبك بمجرد أن تستفهم من خلاله عن معاملتك التي قدمت أولياتها من خلال الشبكة وقامت الجهة المسؤولة في تتبعها وإنجازها ومن ثم وضعت لك الجواب الناجز للدخول عليه في أية لحظة أو يوم تشاء.

هذا على صعيد الفرد أما على صعيد الحكومات فان الدخول في مضمار تحقيق الحكومة الالكترونية سيسرع من وتيرة التقدم العلمي مواطني تلك الحكومة والمؤسسات التي تخصهم  والتواصل مع المنظومات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتربوية وتبادل الخبرات وتحقيق التفاعل الذي يؤدي في النتيجة إلى تقدم البشرية نحو مضمار تكون فيه تقديم الخدمات باليسر المذهل والذي يخلق مجتمعات تحصد السعادة بيسر وتحقيق انتشائها وجذلها بغير ما جهود مضنية.

إن تجارب البلدان في هذا الصدد قد بلغ مراحل متطورة في الوقت الذي شرعت ثلاث دول عربية هي الأردن والأمارات ومصر بمشاريع بناء الحكومة الالكترونية انطلاقاً من إدراكها بأهمية ثورة الاتصالات التي يجب استغلال ثمارها الحضارية استغلالاً ثقافيا ومعرفياً يجعلها تنطلق في الركب الحضاري بلا تردد ولا مواربة. وهذا ما يتطلبه واقع دولنا العربية الاخرى من أجل قطع المراحل وعدم  البقاء في حالة مشاهدة للذي يحصل لا غير. بل ينبغي النظر إلى نموذج الحكومة الالكترونية والإقرار على أنه نموذج حضاري علمي متسارع لا يجب إغفاله أو التغاضي عنه. ففي هذا البرنامج الهائل نستطيع بناء دولة عصرية يكون فيها المواطن في حالة من الارتياح بحيث يتجه إلى أمام من أجل تحقيق قفزات علمية تتداخل في مسعاها مع القفزات العلمية التي تحققها الحكومات الالكترونية الأخرى , وسيعلمنا التاريخ القريب انه لن يمر الوقت الطويل الذي نرى فيه الحكومات الالكترونية وقد صارت نظاماً عالمياً يضم جميع نظم الاتصالات المكرسة لخدمة الإنسان الحضاري العصري.

 

زيد الشهيد - إعلامي وأديب

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أنا مع الأستاذ زيد بضرورة تحويل البريد الرسمي إلى بريد إلكتروني لتقريب المسافات و اختصار هدر الوقت بالانتظار المضني و الممرض.
و أيام كنت في إنكلترا عام 1984 و قبل اكتشاف الانترنت و تعميمها كنا نستعمل الإنترانيت و هي شبكة تربط المكتبات و الدوائر الرسمية بمثيلاتها في كل أنحاء البلاد لتبادل المعلومات و عناوين الكتب المتوفرة.
و أذكر تماما كيف بحثت في جامعة إسيكس عن مصادر عن القطن ووجدت أنها متوفرة في جامعة ساوثامبتون.
و كل ذلك و أنا في مدينة كولشيستير و في غرفة أمين المكتبة. و أمام جهاز لا يزيد حجمه عن 3 إنش مربع.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4657 المصادف: 2019-06-06 12:48:35