 قضايا

دعوة الأدباء لترجمة الأدب العبري إلى العربية بين التطبيع الثقافي والانفتاح على الآخر

كريمة سماعليجاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن الأرض كانت لسانا واحدًا- ويرجح كما تقول الأسطورة - أنها العبرانية، وهي اللغة الأولى التي تكلم بها سكان الارض كما جاء في نفس الاصحاح ان الله لحكمة ما بلبل لسان الأرض أي جعله متعددًا، و لأن حكمته تفوقت على حكمة البشر فالغاية هي دعوة الناس للتعايش على الأرض على اختلاف الألسنة، لكن كيف يتعايشون؟ من المؤكد أن غايته من وراء بلبلة اللسان هو ترجمة ما يقوله الآخرون الذين لا نلتقي معهم في اللغة، اذن فالترجمة كفكرة موجودة بوجود الإنسان على الأرض والاكيد أن من سبقونا اهتدوا للترجمة إيمانًا منهم أن التقدم يستدعي الانفتاح على الآخر والتقارب معه .

ليس موضوع الترجمة ما يعنينا في هذه الأسطر فالترجمة علم قائم له منظروه الذين بإمكانهم الحديث عن نظرياته، وآفاقه، ومعوقاته، وإسهاماته في تأسيس حضارة الشعوب، ما يهمنا هنا هو الحديث عن إشكال أخر ما يكاد يخبو تحت يطفو مجددًا غلى السطح ليصنع سجالًا نخبويا بين مدافع عن فكرة الإقبال على ترجمة الأدب العبري إلى العربية متخلصين من أحكام مسبقة جهزت لنسف أي مجهود بإمكانه أن يخدم الفكر العربي ورافض لهذه الفكرة من منطلق رفض كل تطبيع ثقافي مع الكيان الصهيوني على الأراضي العربية.

ارتفاع الأصوات الداعمة لمطلب تشجيع كل إرادة عربية لترجمة كل ماله علاقة بما ينتجه الفكر الإسرائيلي يضعنا كل مرة أمام التساؤل عن مشروعية الفكرة و غايتها، آلا يعتبر ذلك تطبيعًا وانفتاحًا على الاخر بما يخدم مصالحه وقد سجلت تجارب عديده تذهب في هذا الاتجاه أم أن ترجمة الأعمال العبرية إلى العربية آلية من آليات فهم سيكولوجية الآخر وتفكيك آهداف الآخر "العدو"؟

كيف نميز تلك الشعرة الرفيعة بين التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني و الترجمة بوصفها حركة ادبية مساهمة في معرفة الآخر وتفكيكه؟

علينا أن نتفق بداية أن الترجمة في الوطن العربي منذ قيام الدولة الحديثة تمر بركود أثّر على الإنتاج الادبي،، ومن هذا المنطلق لا يمكننا بأي شكل من الاشكال أن نقيم حركة ترجمة الأعمال العبرية إلى العربية بعيدا عن حالة الترجمة في الوطن العربي بشكل عام، غير أنه يمكننا لاحقًا و بكل موضوعية أن نتساءل عن ندرة لأعمال العبرية المترجمة للعربية إن كان ذلك يتعلق بعمل ثقافي ارتبط بقرار سياسي رافض للتطبيع، أو لا يعدو الأمر أن يكون تكاسلا وغياب استراتيجية تتعلق بالترجمة في الوطن العربي؟

شهد منتصف ستينيات القرن الماضي ترجمة أعمال عربية إلى العبرية – غير أنه يمكن التأريخ لعميلة الترجمة من العربية إلى العبرية منذ ثلاثينات القرن الماضي والعكس - ذاك أن الإسرائيليين يعلمون جيدا أنهم بحاجة لنشر أفكارهم وقراءتهم للصراع وطبيعته، وبحاجة ماسة لتطبيع ثقافي مع المحيط العربي ضمن استراتيجيتها في ترسيخ تواجدها في المنطقة، ومحاولة حسم الصراع العربي الاسرائيلي وفق رؤيتهم .

وقد ترجم الإسرائيليون أعمالا لنجيب محفوظ، وطه حسين، والياس خوري، والطيب صالح، وعلاء الأسواني الذي رفض بيع حقوق ترجمة رواية -عمارة يعقوبيان- إلى العبريّة، معتبرا ذلك تطبيعا مع الكيان الصهيوني، كما تشير احصائيات أن حركة الترجمة للعبرية بعد ستينات القرن الماضي تأخذ منحنى تصاعديا بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، ثم اخذت بالتراجع جراء الرفض الشعبي العربي للوجود الاسرائيلي باعتباره احتلال للأراضي العربية قبل أن تعاود النشاط بعد موجة الربيع العربي، مما جعل الكثير من الادباء العرب يتهافتون لترجمة اعمالهم للعبرية بالموازاة مع ذلك توسع السجال حول مشروعية هذا الفكرة والغرض منها.

في الحقيقة نرصد على الساحة العربية موقفان متناقضان حول مشروعية الترجمة إلى العبرية، فالموقف الشعبي غالبا مسكون بالعاطفة والهواجس وخصوصية الصراع مع العدو، وثمّة موقف آخر نخبوي يذهب يرى أن الترجمة تبقي بسياقها الادبي ولا يجب ان نصبغ علىها أي موقف سياسي، نحن أمام عملية دحض شبهة التطبيع مع العدو وحصر الترجمة للعبرية أو العكس في كونها حركة ادبية تهدف لتقارب مع الأخر والانفتاح غلى فكره , غير أننا لا يمكننا بكل حال أن نعتبر الموقف الرافض للترجمة رد شعبوي كما مثلما تروج بعض الدوائر لذلك، فرفض علاء الاسواني ترجمة عمله عمارة يعقوبيان للعبرية هو موقف رافض للاحتلال وللصهيونية ومقاوما له.

زاوي وشبهة التطبيع

قرات منذ أيام مقال للروائي الجزائري -آمين زاوي- بصفحة الانديبندت عربي الإلكترونية حول ترجمة الأدب العبري للعربية، في الحقيقة لم يفاجئن ما جاء في أسطر زاوي فهو كعادته أحذ علي عاتقه طرح القضايا التي تصنع الإشكالية وتسيل الكثير من الحبر كيما اتفق خاصة التي تتعلق باليهود . ولم يعد ذلك خافيا على كل المهمتين بشأن الثقافي، حتى أنه خصص أكثر من عمل لتحدث عن اليهود على سبيل المثال لا الحصر روايته الأخيرة الخلان.

لن اناقش موقف زاوي فمن الواضح أن خياره محسوم شأنه في ذلك شأن الكثير من النخب التي تدعو لدعم ترجمة الاعمال العبرية والانفتاح على الأعمال الإسرائيلية دون توضيح آليات ذلك ولا شروطه حتى نتجنب السقوط في فخ التطبيع، و حتى نتمكن من معرفة العدو الذي يقاسمنا جورًا أرضا عربية بدون وجه حق ربما تفهمنا دوافع زاوي ومن يتبنى هذا الطرح؟ ولأنني علي النقيض من هذا الموقف أي أنني لا أحبذ واستهجن فكرة أن ننخرط في ترجمة الأعمال العبرية وتقديمها للمجتمع العربي في جامعاته ومراكزه الثقافية دون الاكتراث لأليات وشروط الترجمة

سأكتفي هنا بتفنيد بعض المغالطات التي جاءت مجانبة للصواب بهذا المقال والحقيقة أن الأمر لم  يدهشن فقد تعودت كلما قرأت مقالا لزاوي وقفت على الكثير من المغالطات التاريخية وتحريفها عن سياقاتها بما يخدم فكرته وأيديولوجيته .

نعود لطرح السؤال هل دعوة الزاوي لترجمة الأدب العبري تندرج ضمن اكتشاف  الآخر والاطلاع على ما ينتجه او دعوة مبطنة لتطبيع؟

يكتب آمين زاوي في مقاله أن جلّ الدول العربية تربطها مع اسرائيل اتفاقيات تعاون اقتصادي وسياسي وبحري... ويستغرب أن ترفض الشعوب تعاونًا فكريًا و أدبيًا واصفا هذا الرفض بأنه تكريس للازدواجية، نحن هنا أمام موقف سياسي صريح وليس أدبي كما يريد أن يقنعنا في هذا المقال فالدعوة صريحة للتطبيع مع العدو الاسرائيلي وان تجاوزنا تلك الدعوة الصريحة وسلمنا بوجوب انفتاح فكري وأدبي على الإسرائيليين آليس علينا أن نطرح السؤال ما هي الغاية الحقيقة من الترجمة وما الذي يجب أن يترجم ويدرس للطلبة في الجامعات وما هي حدود الأفكار التي علينا تقبلها، ستقولون أن الفكرة حرّة ولا يجب سجنها وليس علينا قتلها، لكن إن كانت هذه الفكرة مشوبة بالتزييف وتسطو على حقائق التاريخ قادمة من مغتصب كيف يمكننا التعامل معها؟ خاصة إن علمنا أن إسرائيل ذاتها لا تترجم من العربية ما يدينها و إن حدث أن ترجمت أعمال مناهضة لها فهي تسعى لمنعها من التدريس، كما حدث مع قصائد درويش المناهضة للاحتلال.

روج الزاوي كما هو حال الكثيرين لأكذوبة أن الروائي والصحفي الصهيوني عاموس عوز كاتب معتدل مقر لحق الفلسطينيين في قيام دولتهم داعيًّا لضرورة الاطلاع على أدبه، مستنكرًا أن لا يطلع العرب على أعمال هذا العظيم المناهض للتطرف مستشهدا أن اليمن الصهيوني المتطرف لا يروقه ما يكتبه حول فلسطين، لا اعلم إن كان زاوي يعي ما يكتب أو لا، ولا أعلم بالضبط من أين يستقي معلوماته. فعاموس عوز المقر بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على أرض في الأصل من حقهم وتم نهبها منهم، كما يدافع عن حق الشعبين في إقامة دولتين، هذا الموقف الذي لا يعني إلا ترسيخ لأحقية قيام دولة عنصرية تقصي الآخر على أساس عرقي وديني على الأراضي فهو يؤمن بحق الفلسطينيين في حدود ما يخدم قضية بلده. هل تناسى زاوي سيرة الكاتب و مساره العسكري بالجيش الإسرائيلي فعوز كان جنديا حين شن الجيش الإسرائيلي عدوانه على الأراضي العربية سنة 1957، ثم سنة 1967، 1973.

كما لا يمكن لعل الانساني أن يتغاضى عن كون عاموس اليساري " المعتدل" أيدى الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان سنة 2006 .

هل لنا أن نلفت انتباه آمين زاوي أن الروائي الصهيوني الذي دافع عنه كان من المقربين من شمعون بيريز أحد مهندسي مذبحة قانا، كما أن بيرز سمم صحراء النقب بمفاعل نووي دون أن يكون لعوز موقفا مناهضا لتلك الافعال والممارسات .

ربما فات زاوي أن عاموس عوز بارك العدوان المتكرر على غزة باعتبارها بؤرة للإرهاب ويجب تلقين الفلسطينيين درسا لثنيهم على مقاومة الاحتلال الذي يحاصرهم ويخنقهم فعن أي اعتدال وعمق وانسانية يحدثنا زاوي؟ وهل على القارئ أن يقبل الوقائع المزيفة التي تنقلها نخب لا تبدي موقفا صريحا من الانتهاكات التي تحدث على الأراضي الفلسطينية .

رغم ذلك اطمئن زاوي وهو اكيد على علم أن الروائي العميق ترجمت له عدد من الأعمال للعربية -مدعومة ونضع الف سطر تحت كلمه مدعومة - من بين 18 عمل منها قصة الحب والظلام وهي عبارة عن مذكرات من 760 صفحة ورواية حنا ومخائيل كما أن الروائي الاردني الراحل غالب هلسا قدم دراسة في نقد الادب الصهيوني وهي دراسة عن أعمال الروائي عاموس عوز فقد وضعها تحت الضوء ونفى أن عوز تطرق للوجع والمعاناة الفلسطينية بالمقابل فقد عاب عوز على درويش غياب الوجع العاموسي في قصائده، وكأن على درويش أن يتحدث في قصائده عن وجع الإسرائيليين الذين انتهكوا ارضه وسجنوه وضيقوا عليه وطردوه من ارضه فلم تسعه كل بلدان العالم لأن وطنه محتل وتتوج كل تلك المواقف بموقفه الاخير في مقابلة أجراها مع التلفزيون الألماني عام 2017، قال عوز "غير المتدين"، أنه يؤيد نقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وكل ما تحمله القدس من رمزية لدى العرب مسلمين كانوا أو مسحيين كما أن عاموز لم يكتف بترحيبه بفكرة نقل السفارة انما تعداها ليدعو الجميع أن يسير على نفس خطوات ترامب. هل علينا أن نذكر زاوي بتلك المواقف أم نتجاوزها بحكم أننا نتعامل مع الادب كوسيلة لفهم الاخر.

في الفقرة الأخيرة من المقال عمد زاوي على التزييف مبالغًا في حماسته فلم يجد حرجًا فيوصف أدباء فلسطينيين من سكان المناطق الواقعة داخل الخط الأخضر التي احتلتها اسرائيل عام

1948 بأنهم كتاب عرب اسرائيليين فبأي حق اسقط عنهم فلسطينيتهم؟ متبنيا وجهة النظر الرسميه   للإسرائيلي؟ هل يجهل زاوي معنى أن تكون محتلًا، و كأنه لا ينتمي لبلد عانى من ويلات الاستعمار والتجنيس وغيرها من مظاهر الإبادة الممنهجة التي لا تحتاج الى أعمال عسكريه فقط، إنه طمس الهوية الذي يرصد له الكيان الصهيوني ميزانيات ضخمة لتغييب حقيقة الفاجعة الفلسطينية.

كيف انكر زاوي على إميل حبيبي و وسميح القاسم وميشيل حداد وسهام داود فلسطينيتهم متجاوزا رؤيتهم العميقة والموجوعة لقضيتهم وكيف وجد في الأدب العبري أكثر عمقا وانسانية مما كتبته هؤلاء، كيف تمكن وهو ابن البلد الذي لم يشف من ذاكرته الاستعمارية أن يقف على مسافة واحدة من الضحية والجلاد كيف تناسى نضال سميح القاسم و اميل حبيبي وغيرهم واكتفى بوصفهم اسرائيليين عرب يكتبون بالعبرية والعربية؟

هل يمكنني بعد قراءة المقال أن أفهم أن زاوي حريص على مكتبتنا العربية وحريص علينا من عدو لم تتوقف انتهاكاته يوميا فيدعو بكلّ تسامح لترجمة أعماله من باب معرفة عدوك دون تخوين لموقفه ودون جمركة لإيمانه أما أن القضية أكبر من أن تكون مجرد اهتمام بواقع الترجمة والأدب في هذا الوطن العربي المجروح حتى نسترضي جهات ولوبيات فاعلة فربما حصدوا من وراء تلك المواقف حضورًا دوليًّا وبضع جوائز.

 

سماعلي كريمة .الجزائر

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

نادرا ما اتدخل في التقاشات البينية. لكن من الواضح ان اول من بدأ الاهتمام بالأدب العبري و الصهيوني هو شهيد الامة العربية غسان كنفاني و له كتاب رائد في هذا الموضوع. و هو لا يضع كل التفاحات في سلة واحدة، و يميز ما بين اليسار الاسراميلي المعادي للعروبة و اليمن الاسرائيلي المعادي الداعي لتطهير الارض من العرب. و بين العرب كعرق و حضارة و العروبة كنظام تفكير مسافة واضحة. و عداء الافكار غير عداء التطهير العرقي. انما لا تزال المشكلة حارة و المعتدي لا يمكن مساواته مع المعتدى عليه.
و دعونا لا ننظر لبدايات التاريخ و من عاش قبل من في بلاد كنعان. فنحن امام واقع جديد. و ان لم نعترف به علينا ان ننكر دولة الولايات المتحدة و دولة استراليا. حتى انكلترا كانت مسكونة بالهون قبل الانغلو ساكسون.
المقالة منصفة. والزاوي امينًةاتب له تجربته المتميزة و لكن هذا لا يمنع ان نسمع للرأي الآخرو شكرا.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4667 المصادف: 2019-06-16 05:59:07