 قضايا

الإسلام السياسي والإشراط الكلاسيكي!!

منى زيتونفي أي انتخابات رئاسية أو نيابية تُجرى في البلاد العربية، تظهر جماعات وأفراد يلعبون لعبة السياسة متدثرين برداء الدين، لأجل اكتساب ثقة الناخبين، وغالبًا يحصدون نسبة لا بأس بها من أصوات الناخبين، حتى وإن كانوا عديمي القيمة تافهي القدر، لا شيء يؤهلهم لأن نأمل صلاحًا يعود على المجتمع من ارتقائهم السياسي.

فلماذا ينتخب العرب الإسلاميين رغم وجود سابق خيبات لهم فيهم في انتخابات سابقة؟! فلم يتحقق على أيديهم رخاء منشود، ولا خف الفساد الإداري والمالي في أي بلد أعطاهم أبناؤه أصواتهم يومًا ما.

أحاول في هذه المقالة تفسير سر هذه الثقة التي يضعها فيهم الناخبون من منظور علم النفس مع التبسيط الشديد، وعدم الخوض في مصطلحات، وآمل أن تصل الفكرة لغير المتخصصين.

- يوجد في علم النفس ما يُسمى بالاشتراط (الإشراط) الكلاسيكي البسيط، والذي كشف عنه العالم الروسي ايفان بافلوف في مطلع القرن العشرين.

- وهناك ما يُسمى بالفعل المنعكس الطبيعي، مثل سيلان اللعاب عند تناول الطعام، أو طرفة العين عند لفحة الهواء.

- في المثال السابق: إذا اعتبرنا أن تناول الطعام هو المثير، فهو بالتأكيد يؤدي إلى استجابة سيلان اللعاب.

الطعام ← سيلان اللعاب (استجابة طبيعية)

- ومعنى الاشتراط الكلاسيكي أن مثيرًا آخر يكتـــسب خصـــائص المثـــــير الطبيعي، ويصبح هذا المثير الجديد قادرًا على إحداث الاستجابة.

- فمثلًا: إذا كان يُدق جرس قبل تقديم الطعام مباشرة، فسيحدث ارتباط بين المثير الطبيعي (الطعام) والمثير غير الطبيعي (الجرس)، وستحدث الاستجابة وهي نزول كمية من اللعاب.

الجرس + الطعام ←  سيلان اللعاب

- بعد تكرار هذا الاقتران، يكون دق الجرس (مثير غير طبيعي) وحده، دون وجود الطعام، كافيًا لاستثارة استجابة نزول اللعاب، أي أن الاستجابة تحدث لوجود مثير غير مثيرها الأصلي الطبيعي!

الجرس ← سيلان اللعاب (استجابة غير طبيعية)

والآن ما علاقة كل هذا بالانتخابات ومرشحي الانتخابات؟

- من المفترض أن يعطي المواطن صوته لمن يثق به من المرشحين؛ أي أن المرشح الكفء الذي أعرف شخصيته وبرنامجه القوي هو (المثير)، والذي أعطيه ثقتي وصوتي (الاستجابة).

شخص كفء أعرفه وله تاريخه المشرف لدى الناس ← الثقة (استجابة طبيعية) (1)

 

- وهناك مثير آخر يمكن أن يولد استجابة الثقة عند المسلمين، وهو الدين، فإذا اعتبرنا الدين (المثير)، تكون الثقة (الاستجابة).

الدين ← الثقة (استجابة طبيعية)

-  ولكن، لأنه من المفترض أن أعطي صوتي لشخص وليس لدين في الانتخابات، لذا فأنا أبحث عن شخص يكون موضع ثقتي، فإذا كان هذا الشخص الموثوق به لذاته ولمعرفتي به وبصدقه وبكفاءته غير موجود، هنا يلعب الإشراط الكلاسيكي دوره.

- يمكن أن آتي بشخص عادي مغمور غير معروف للناس، وليس له تاريخ لديهم كاف ليولد تلك الثقة كاستجابة في صناديق الانتخابات، بعد أن أقرن هذا الشخص بمثير يستطيع توليد استجابة الثقة، وليس هناك مثير يستطيع توليد الثقة لدى المسلمين أكثر من الدين.

شخص مجهول التاريخ عديم الكفاءة + التدين ← الثقة

- من ثم، يصبح هذا الشخص غير المعروف عديم الكفاءة والخبرات، بعد اقترانه بالدين، وتكرار وتعزيز هذا الاقتران في أذهان الجماهير، قادرًا على توليد استجابة الثقة كاستجابة شرطية غير طبيعية!

شخص مجهول التاريخ عديم الكفاءة ← الثقة (استجابة غير طبيعية) (2)

ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فللاستجابة غير الطبيعية المتكونة خصائص أهمها:

- أنها قابلة للتغير، وتتأثر بالعوامل المختلفة التي تحيط بالكائن الحي وقت اكتسابه لها؛ أي أنه بمنتهى السهولة مثلما تكونت الاستجابة غير الطبيعية (استجابة الثقة) لشخص من المفترض أن لا تتكون تلك الاستجابة له أصلًا، فإنه من الممكن أن تفقد هذه العلاقة قوتها التي تستمدها من اقتران هذا الشخص بالدين (المثير الطبيعي)، إذا ما اهتز هذا الاقتران.

- والأهم من ذلك أنه لا تتساوى الاستجابة الطبيعية مع الاستجابة غير الطبيعية، فالطبيعية أقوى؛ بمعنى أنه في حال وُجد شخص كفء تعرفه وله تاريخه المشرف، قادر على توليد استجابة الثقة بشكل طبيعي، فإن ذلك سيكون أفضل للناخبين من اختيار شخص لأنه اقترن لديهم بالدين، وهم لا يعرفونه ولا يثقون به لذاته.

أي أنه بمقارنة المعادلة (1) والمعادلة (2)، فإن الناخب سيفضل أن يختار الشخص بالمعادلة (1) مقارنة بالشخص في المعادلة (2)، في حال وجود كليهما.

شخص كفء أعرفه وله تاريخه لدى الناس =  الثقة (استجابة طبيعية) (1)

شخص غير كفء مجهول التاريخ يظهر التدين= الثقة (استجابة غير طبيعية) (2)

ولأجل ذلك، فالإسلاميون لا يلعبون وحسب على لعبة بناء الثقة الزائفة فيهم بربط أنفسهم بالدين، وإنما يلعبون لعبة الإشراط الكلاسيكي العكسية مع منافسيهم –في حال وُجد منافس كفء-  سعيًا إلى زعزعة الثقة في هؤلاء الأكفاء، بربطهم بالفساد أو الانحلال وغيرهما مما تأنف منه الجماهير. ولا تتعجب أخي القارئ، حيث يمكن للإسلاميين أن يكونوا ميكيافيليين أكثر من ميكيافيلي، والغاية لديهم تبرر أقذر وأحط الوسائل، مما يجعل أي عاقل يفهم كم يبعدون عن تعاليم الدين، الذي يضحكون على العوام بأنهم أنصاره!

في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية 2012، وخوفًا من شعبية وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، ارتكزت دعاية الإسلاميين المضادة له على أنه يعاقر الخمر، والله وحده أعلم بصحة الأمر، فلم نسمع به إلا في أيام الانتخابات، فلا سمعنا به قبلها ولا بعدها!

وفي الجولة الثانية من الانتخابات، أعيدت الانتخابات بين مرشح جماعة الإخوان المسلمين، د. محمد مرسي، والذي لم يكن أكثر من مرشح الجماعة، ويفتقد أي خبرة سياسية تؤهله للمنصب الذي ترشح له، والفريق أحمد شفيق، والذي عمل وزيرًا للطيران المدني حوالي عقد من الزمان في عهد مبارك، وكان آخر رئيس وزراء في عهده، ولديه من المؤهلات والخبرات ما يضمن له النجاح الكاسح أمام غريم لا يملك شيئًا ينافسه به، لو كانت الانتخابات أُجريت في بلد متحضر، يعرف أهله على أي أساس يعطون المرشحين أصواتهم. كان برنامج مرسي تمكين الجماعة، بينما كان برنامج شفيق تنمية مصر وإقامتها من كبوتها.

ولكن لأن الثقة تنبني لدى كثيرين منا على الدين، ولأن من يربطون أنفسهم بالدين لا يرون بأسًا في استحلال تشويه سمعة المنافس باتهامات لا أساس لها، لزعزعة الثقة فيه، فقد كيلت لشفيق اتهامات الفساد، وكأنه ليس هو الوزير ذاته الذي لم يكن الإخوان يقدمون طلبات إحاطة واستجواب له في مجلس الشعب لمحاسبته على تقصير أو فساد لأنهم لا يجدون له تقصيرًا ولا فسادًا! كما تم اللعب على فك الارتباط بينه وبين الدين الإسلامي، فكأنه مرشح الأقباط، بينما مرسي هو مرشح المسلمين، فعليك أن تنتخب مرسي –ذلك المجهول عديم الكفاءة-  لتثبت انتماءك لدينك!

ولعل من أطرف الحوادث في التاريخ المعاصر التي تذكرنا بكيف يمكن زعزعة الثقة في الناخب المنافس لتحويل نسبة لا بأس بها عن انتخابه لصالح مرشح لا قيمة له، خسارة أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد الانتخابات النيابية في العشرينات من القرن العشرين، لأن منافسه أفهم أبناء الدائرة الانتخابية بأن وصف لطفي السيد نفسه بالديمقراطي يعني أنه يشجع على الانحلال والفسق! فصدقوه، وما أتفه العوام، وخسر واحد من أكبر مثقفي العرب الانتخابات أمام جاهل!

لكن مع استمرار استشراء الفساد، وقلة المرشحين محل الثقة من الناخبين، سينتخب الناخب العربي الإسلاميين مرات ومرات؛ لأنهم الخيار الأكثر موثوقية بالنسبة له.

صحيح أنه كانت هناك وقائع عديدة عملت على اهتزاز ثقة قطاعات عريضة من الشعوب العربية في بعض رموز التيار الإسلامي، حتى كثرت النكات ورسوم الكاريكاتير التي يطلقونها عليهم، ولكن في كثير من الأحيان لن يجد الناخب عنهم بديلًا.

وكملحوظة هامة على الهامش، فلقد أدى اهتزاز ثقة قطاعات من الشعوب العربية في بعض رموز المتدينين ليس فقط إلى انطفاء استجابة الثقة فيهم، لكونها استجابة شرطية غير طبيعية، سببها اقترانهم بالدين، ولم تكن الثقة يومًا بشخوصهم، بل للأسف كان لذلك أثره على ضعف أو انطفاء استجابة الثقة تجاه الدين، والمفترض أنها استجابة طبيعية! مما أدى لزيادة أعداد من يتطرق إليهم الإلحاد والشك في مجتمعاتنا.

 

د/ منى زيتون

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لم يعدْ في مصر إسلام سياسي. ولا اَي حزب سياسي

لم يبقَ لنا سوى السيسي. والسيسي. والسيسي.

فعلامَ الخوفُ والهلع إذن؟

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4667 المصادف: 2019-06-16 06:04:35