 قضايا

التعلم الاجتماعي: شخصية المتحرش في مقابل شخصية الجدع

منى زيتونكثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن التحرش الجنسي والمسئول عن انتشاره في المجتمع المصري، والقاهري تحديدًا، وكان الحديث مصحوبًا بتبادل لإلقاء التهم عن النوع المسئول عن انتشار الظاهرة، هل هم الرجال أم النساء؟ والعجيب أن كلا الجنسين قد تباينت آراؤهم حول إلقاء مسئولية تلك الجريمة الاجتماعية التي انتشرت في مجتمعنا؛ فقسم من الرجال والنساء بالمجتمع يصرون على أن ثياب النساء المثيرة –على حد وصفهم-  هي السبب الرئيسي، في الوقت الذي يعجزون فيه عن تفسير عدم وجود تلك الظاهرة في عقود مضت كانت أزياء النساء فيها أكثر تحررًا، وقسم يُصرون على أن الثياب لم تكن يومًا في مجتمعنا وفي مجتمعات أخرى سببًا في انتشار التحرش كما هو الحادث في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، وعليه فهم يرون أن سلوكيات الشباب أصبحت مشينة، وحدث تغير في الثقافة الفرعية لتلك الفئة العمرية إزاء ما يكون مقبولًا عند التعامل مع المرأة.

في بدايات القرن العشرين كانت المرأة محوطة باهتمام وعناية الرجل المصري بشكل يكاد يقارب الوضع في المجتمعات الخليجية اليوم؛ فهو يبالغ في حمايتها ويقلل وقت خروجها من المنزل قدر المستطاع، وحتى عندما بدأ تعليم المرأة في الانتشار كانت أغلب النساء يتعلمن حتى يبلغن، ونادرًا ما كان يُسمح لهن بإكمال دراستهن الثانوية، وفي النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة مع بدء عقد السبعينيات، انتشر التعليم الجامعي بين النساء في مصر، وأصبح المجتمع المصري ككل أكثر تحررًا إزاء تقبل تعليم وأزياء المرأة، ومع ذلك بقي الرجل شهمًا معها، يحرص عليها ويحميها، ولكن بدرجة أقل بكثير من الحماية المفرطة التي كانت تُحاط بها في بدايات القرن.

ثم تغيرت ثقافة المجتمع المصري فيما يخص المرأة. تغير الرجل المصري بشكل لافت في العقود الأخيرة، فلم تعد المرأة تحظى بالحماية والرعاية مثلما كان يحدث في جيل أبيه، ولم يتوقف الأمر عند انتشار ضعف الإحساس بالمسئولية لدى فئات عريضة من الرجال، بل انتشر التحرش الجنسي في المجتمع المصري‏!

فماذا يرى علم النفس؟ وكيف يفسر انتشار هذه الظاهرة الاجتماعية؟

وإجابتي أنا شخصيًا عن هذا السؤال بأنه يمكن تفسير انتشار تلك السلوكيات في ضوء نظرية التعلم الاجتماعي بالنمذجة، لعالم النفس الأمريكي المعاصر روبرت باندورا.

قديمًا، كان النموذج الذي يعرض ‏سلوكًا معينًا ذا نتائج تعزيزية، فيما يتعلق بمعاملة النساء، هو نموذج الشاب الشهم الجدع، الذي ‏يرعى الحرمات ويحافظ على بنات منطقته، حتى أنه يمكن أن يدخل في مشاحنات لأجلهن مع ‏شباب من منطقة أخرى، ولا يجرؤ شاب غريب أن يتعرض لهن، وإلا ووفقًا لتعبير أهل الشام (راح ياكل قتلة من شباب الحارة). هذا النموذج يكاد يكون اختفى الآن من المجتمع المصري، وسبق ‏اختفاؤه من المجتمع اختفاؤه من الإعلام؛ حيث ساعدت النماذج السلوكية الحقيرة التي يعرضها الإعلام على تعلم الأنماط ‏السلوكية الجديدة الخاصة بالتحرش، وعلى كف السلوكيات التي سبق أن تعلمها المصريون طوال تاريخهم عن معاملة ‏الشهم للنساء؛ حيث يسهم التعلم بالملاحظة والنمذجة في نقل ثقافة المجتمع إلى الناشئة، والتي من الواضح تمامًا أنها قد تغيرت.

ولمزيد من الإيضاح أعرض لأهم ملامح النظرية؛ إذ يرى باندورا أنه بما أن الإنسان في تفاعل دائم ومستمر مع بيئته، فإنه يتلقى العديد من المثيرات التي تؤثر عليه وتدفعه للاستجابة لها، وأن الإنسان يتعلم المعايير والقيم والعادات الاجتماعية والمعارف والمهارات من خلال النمذجة، حيث يحدث هذا التعلم من خلال المواقف التي تتضمن علاقة فرد بآخر أو فرد بجماعة، حينما يحدث تأثير متبادل بينهما، فيتم تعلم أنماط السلوك من خلال ملاحظة الآخرين وتقليدهم؛ والبيئة الخارجية تقدم للفرد نماذج كثيرة من السلوك التي يقوم الفرد بتمثل سلوكها، كالطفل الصغير يحاول دائمًا أن يقلد سلوك الكبار.

والتعلم الاجتماعي يؤكد أننا نتعلم الكثير بملاحظة من حولنا، فعملية النمذجة هي عملية نسخ سلوك آخرين مهمين للفرد، واكتساب السلوك الاجتماعي يقوم على الملاحظة، فإذا فعل أشخاص صغارًا أو كبارًا سلوكًا غريبًا في المجتمع فهذا دليل ملاحظتهم لشخص قام به أمامهم. ولا يُشترط أن يتم تنفيذ ما تم تعلمه من خلال الملاحظة مباشرة، أي بعد الانتهاء من عملية الملاحظة، وإنما يتم تخزينه في الذاكرة على شكل حوادث حسية أو استجابات رمزية، على أن يتم استدعاؤه لاحقًا عندما يتطلب الأمر القيام به.

كما أن الملاحظة لا تتم بشكل أوتوماتيكي بل تتم على نحو انتقائي، وقد لفت باندورا الانتباه إلى النموذج أو القدوة أو ما يسمى بـ البطل (hero) بالنسبة للطفل أو للمراهق. فإن كان الوالدان هما الأبطال لدى الأطفال، فإن الأفراد ذوو المكانة الاجتماعية العالية أو الجاذبية يمكن أن يكونوا مثارًا للملاحظة والتقليد، خاصة من قبل المراهقين، وقطعًا نعرف من هم هؤلاء النماذج الأبطال الذين يقلدهم المراهقون بمجتمعنا في العقود الأخيرة.

والأدهى أن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا إذا كانوا متشابهين؛ فجماعة الرفاق تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك المراهق، وإذا ما اعوج أحدهم فقد يؤثر في الباقين حسب وضعه ومكانته في الجماعة الصغيرة.

والآن، وبعد هذا التحليل والتفسير، ما هو العلاج لظاهرة التحرش السلوكية الخطيرة؟

1-  الناس يتعلمون فعل ما يقومون بملاحظته في سلوك الآخرين، فيجب أن نكون منتبهين إلى تقديم نماذج من السلوك المرغوب أمامهم، والإقلال ما أمكن من نماذج السلوك غير المرغوب. ولا يلزم فقط تقليل انتشار نموذج المتحرش والبلطجي في المسلسلات والإعلام، وهو ما يُلقي العبء على الرقابة على المصنفات الفنية، بل إن تلك الحملات التي تتم ضد عرض تلك الأفلام وإظهار الاستهجان والكراهية لتلك النماذج السلوكية هو أمر ضروري لتحويل التعزيز الإبدالي لدى المراهقين الذين يقلدونها إلى عقاب.

والجيد أن ما يتأثر به المراهق بدرجة أكبر هي النماذج التي تنتمي لمجتمعه، ومن ثم فإن أي مزاعم تُلقى عن عدم القدرة على التحكم في الأفلام الأجنبية التي يمكن للمراهقين مشاهدتها عبر شبكة الانترنت ليس ذي بال؛ لأن ما يؤثر فيهم أكثر ويقلدونه هو السلوكيات التي يقوم بها أفراد من مجتمعهم.

2- يجب أن يتلقى المراهق عقابًا على سلوكه الشخصي السيء تجاه المرأة، كي يتمكن من مقارنة التعزيز في المقابل على سلوكه وأفعاله الحميدة في مواقف أخرى، وفي كلتا الحالتين يؤثر الثواب والعقاب على السلوك تأثيرًا كبيرًا. وينبغي ألا يكون هذا العقاب فقط بالحبس أو الضرب من الآباء، بل يجب أن نعي جيدًا أن إظهار الاستهجان والاحتقار لتلك السلوكيات أقوى تأثيرًا من أي عقاب آخر.

3- إذا تغيرت الأفكار تغيرت السلوكيات؛ لذا يجب تعزيز مفاهيم الرجولة الحقة لدى النشء؛ فالرجولة لا تعني إظهار فحولة زائفة قذرة، والرجل الحقيقي لا يتهافت على النساء حتى لو كن متبذلات، بل إن إهمال الرجال للمتبذلات واحتقارهن هو مدعاة لهن لتغيير سلوكهن. فهل تسمح لنفسك بأن تغير متبذلة سلوكك؟

4- يجب إعادة نموذج ابن البلد الشهم الجدع كنموذج يُقتدى به في حياتنا وفي إعلامنا، مع إظهار الإعجاب به؛ كي يكون هذا تعزيزًا كافيًا للمراهقين يدعوهم لتقليده، مع التأكيد على نماذج دينية وتاريخية تؤكد على السلوكيات المرغوبة عند التعامل مع المرأة، تعطي مزيدًا من التعزيز.

5- مراقبة الآباء والأمهات لسلوكيات جماعة الرفاق التي ينخرط فيها أي من أبنائهم ضرورة؛ لأن المراهقين يقلدون بعضهم بعضًا، ورأي الرفاق في سلوكيات المراهق يكون أهم من رأي والديه؛ لذا يجب أن تعرف مع من يقضي ابنك أوقاته.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4669 المصادف: 2019-06-18 03:37:13