 قضايا

الهروب من الحريه

اياد الزهيرييحكي تاريخ الأنسانيه بأنه مسيرة كفاح من أجل الحريه، وهي أنشودتها التي تغنت بها عبر الزمن، ومعشوقتها التي هامت بها عبر مسيرتها النضاليه . بدون الحريه لا يمكننا الكلام عن الأنسانيه، فهي عنوانها وصميم وجودها، فلا معنى للأنسانيه بدون الحريه، ولكن من المفارقات أن هناك من يهرب منها وكأنها تمثل حالة الا معقول والمقبول، وهذه لا شك مفارقه لا يمكن فهمها الا بالغوص بها والتعرف عليها والكشف عن أسبابها أملآ بأجلاء هذا الغموض وتعرية دوافعه الحقيقيه لكي يتجلى السبب الحقيقي للنكوص الذي أصاب بعض المجتمعات والأشخاص عبر أستمراءهم للعبوديه والتأقلم معها، بل والرغبه بعدم مغادرة قفصها الى حيث فضاء الحريه . لاشك ولا ريب بأن هناك علل قادت الى التلبس بالعبوديه وأستمراءها بل والممانعه عن مغادرتها. من الواضح أن هناك نوع من البشر تعرضوا الى حاله طويله ومزمنه من الأستعباد والقمع مما أنساهم حريتهم وأفقدهم الأحساس بها تمامآ. هذا النوع من البشر خضعوا الى نوع من الحكام الذين يتسمون بالساديه، والمصابون بأدمان السلطه، ويتمتعون بسلوك عنفي شديد، ومصاديق هؤلاء الحكام المستبدون من نيرون وفرعون الى هتلر وستالين وصدام حسين الى ملوك السعوديه، مقابل شعوب خضعت لظروف قاسيه في جو من الأستبداد والقهر والحرمان البسهم ثوب العبوديه والخضوع، طبعآ الناس في هكذا ظروف تنقسم الى ثلاث أصناف، واحده مقاومه وأخرى منزويه ومنكفئه وثالثه متزلفه خانعه، وطبعآ طبيعة الشعوب وموروثها الثقافي والقيمي يساهم في أتساع واحده من هذه الأصناف على الأخرى، ومن الملاحظ أن هناك نسبه غير قليله من الشعوب العربيه قد تكيفت مع الأستبداد وألفته حتى عادت تعتبره شرطآ من شروط السلامه والعيش الهنيء . هذه الشريحه التي أستطيبت العبوديه يطلق عليها صفة المازوخيه وهي شريحه تتلذذ بالقسوه الموجه لها من قبل الحاكم الذي يتصف بالساديه، وهو بالضد من الأول حيث يستمتع بتوجيه القسوه والعنف الى الأخر الضحيه، وبالحقيقه أن الفئتين مصابه بالشذوذ النفسي وأحد الطرفين ضحيه للأخر، فواحد كان له أستعداد للقسوه أما  الآخرفكان له أستعداد لتقبل القسوه، وخير من عبر عن هذه الحاله المفكر الأسلامي الجزائري مالك بن نبي عندما وصفهم بأن هناك جهه مستعمره وأخرى لها القابليه على الأستعمار، ولو رجعنا الى هذه الظاهره لوجدنا لها حضور شديد في بلداننا العربيه وخاصه الشرقيه منها ومنها العراق، حيث تعرضت شعوب هذه المنطقه الى زمن طويل من القسوه من قبل حكامها حتى قال أحد طغاة بني أميه ( من قال لنا برأسه هكذا قلنا له بسيوفنا هكذا) أنه أسلوب القوه والعنف وهو المبدأ الذي سار عليه كل من حكم هذه الشعوب ومنذ قيام الدوله الأمويه ولحد هذه الساعه ترزخ هذه الشعوب تحت حد السيف والقوه العنفيه الظالمه، حتى أن بعض هؤلاء الحكام ممن قتل أخوانه خوفآ من أن ينازعونه الحكم ومنهم المأمون العباسي والسلطان العثماني مراد الأول الذي قتل شقيقه محمود وأبنه وعمل على نفس المنوال السلطان محمد الفاتح وسليم الأول وهناك الكثير في تاريخنا الملطخ بالدم والجريمه. ولو رجعنا لما تعرض الشعب العراقي من تاريخ طويل من الظلم والأضطهاد من قبل الدوله الأمويه والعباسيه والعثمانيه أنتهاءآ بحكم البعث الذي أستمر 35 سنه والذي تعرض فيه الشعب العراقي الى أقسى أنواع الظلم والأضطهاد مضاف اليه الحروب والحصار الأقتصادي والذي تعرض له الشعب الى مجاعه قاسيه .كل هذه الظروف ساهمت بكسر أرادة الكثير، وأستسلام العديد من الشرائح الأجتماعيه، وهي حاله معروفه ومشخصه لدى علماء النفس الأجتماعي والتي يتعرض فيها الأنسان الى ضغوط قاسيه تساهم في تغير منظومته القيميه والأخلاقيه ويستسلم فيها الى القدر وتنتج شعبآ يمتاز بالأتكاليه واللأمسؤوليه بالأضافه الى أستخدام أساليب التذلل والخنوع من أجل البقاء.أي يتعايش مع الظلم والعبوديه من أجل السلامه. هذه الأسباب والظروف التي مر بها الشعب العراقي هي ما فسرت لي أسباب ميل الكثير لرجوع النظام الصدامي، بل والترحم على الدكتاتور .صحيح فشل الحكام الجدد كان أحد الأسباب لكن الشعوب التواقه للحريه لا تسمح لنفسها بأن تعبر عن رغبتها برجوع الدكتاتور مهما كان الثمن .

من الواضح أن القبول بالخضوع والتكيف معه لم يكن نتاج الأنظمه الحاكمه فقط،بل نوع التربيه الأسريه ذات الطابع البطريركي، والنظام العشائري بمنظومته القيميه وأعرافه العشائريه القائم على أساس السطوه والقوه أتجاه الأبناء،والذي يخلق منهم أبناء خانعين الى حد الذله والمسكنه، مما يفقدهم حس الحوار والأعتزاز بالذات، ويسلبهم القابليه على النقاش فيكونون فقد متلقين قانعين، كما أن هذه المنظومه الأجتماعيه دفعت بالفرد الى القناعه التي تصور له أن لا مفر من العيش بسلام والحصول على فرصة القبول أجتماعيآ الا من خلال التأقلم مع الواقع الأستبدادي وأعتباره هو الحاله الطبيعيه والتصور أن العكس هو المشاكسه والشذوذ، وهذا هو ما جعل من الأغلبيه هي الخانعه والأقليه هي المناهضه والمقاومه، والواقع في كل العالم يظهر وبوضوح أقلية الطبقات المكافحه مقابل أكثريه مهادنه خاضعه . يمكننا أضافه لما سبق من الأسباب للتأقلم للعبوديه هو أن هناك أسباب أخرى لا تقل أهميه من الأولى الا وهو الأميه الثقافيه والتي يعبر فيها الفرد عن أهماله للقيم الحضاريه وعلى رأسها الحريه، فتراهم يضحون بها من أجل حفنه من المال، كما حصل عندنا بالعراق في فترة الأنتخابات البرلمانيه والتي باع فيها الكثير أرادتهم البرلمانيه مقابل بطانيه أو مدفأه كهربائيه، بل هناك من باع صوته مقابل شريحه تلفون، هذا المواطن يكون مستعد لبيع وطنه بأقل الأثمان، وله القابليه أن يبيع حريته حتى للشيطان، كما أن أزدياد ظاهرة الأستهلاك وبروز النزعه الماديه ساهم وبشكل مخيف بظهور ظاهره غايه في الخطوره على مستقبل الوطن الا وهي غياب الشعور بالمواطنه، وهذه لا تظهر الا عندما ينكفأ المواطن على نفسه ولا يفكر الا بمصلحته ورفاهيته فقط، وهذه الظاهره تنضج في الظروف الماديه وغياب المثل العليا في المجتمع، فيصبح كما يقول المثل (كل شيء يباع ويشترى في روما). ان الشعوب التي تخضع لفتره طويله للقمع والقسوه تصاب لا شك باليأس والأحباط والركون للأستسلام فتفقد أحساسها بالحريه وتكون تبعيتها للأقوى، وهذا ما يفسر تصفيق الجماهير لكل حاكم قادم وخاصه اذا كان دكتاتورآ، لذى تكون الحكومات المستبده في غاية السعاده والأطمئنان عندما تتصف شعوبهم بالمسكنه وقبول الأمر الواقع، وهذا ما يذكرني بواقعه عندما كنا في معسكر اللجوء في المملكه السعوديه عندما سأل احد المحتجزين الحرس السعودي لماذا انتم لحد الان يحكمكم ملك فكان رد الجندي بجواب يفوق التصور وقد شكل لي صدمه عندما قال (ان الملك متفضل علينا نحن نعيش على ارضه) انه يعتبر ان الملك يملك الأرض وما عليها ويملكه هو، هذه الشعوب وصلت الى هذا المستوى من الآستلاب، وهذا المستوى هو ما يسعد كل دكتاتور لأنها الحاله التي توفر له قدر كبير من الأستقرار وعدم خروج المعارضه عليه . كما ينيغي ان نشير الى ان هناك مذاهب دينيه تكرس حالة الخضوع الى ولي الأمر وتثقف عليها على انه التزام ديني وعقائدي وان ولي الأمر احق ان يتبع ويطاع في كل الظروف والأحوال وأن الخروج عليه من الموبقات، وأعتبار الخروج عليه خروج على الجماعه وهنا يعاقب بحد السيف، حيث يسوقون عليه مبدأ ( من خرج على الجماعه أضربوه بالسيف كائن ما يكون)، وما أحكام قطع الأعناق بالسيف في المملكه السعوديه الا مصداق لهذا . أن أستئناس بعض الشعوب بالعبوديه يشكل أخطر حالة نكوص أجتماعي مما يستصعب فك أسرها منها، ويشكل عائقآ كبيرآ لكل رجالات الثوره الذين يبغون تحرير هذه الشعوب من واقعها فتشكل لهم حاجزآ منيعآ لحماية الدكتاتوريات، ويعطون فرص أكبر لبقائهم متسلطين على رقاب الناس، وهذا ما يتطلب جهدآ أضافيآ لكل الأحرار الذين يسعون الى رفع الحيف والظلم من شعوبهم، ومنها على سبيل المثال توفير جهد أستثنائي للقيام بحاله التوعيه لهم وهو أمر صعب في ظروف يستخدم فيها النظام أقسى درجات العنف ضد معارضيه وكل من ينشط في تعريف الناس بحقوقهم الأساسيه والذي تعتبرها هذه الأنظمه أخلال بالأمن العام وجريره يحكم على القائمين بها بالخيانه العظمى والتي تكون أحكامها الأعدام أما شنقآ او رميآ بالرصاص وفي زمن صدام أضافه لذلك الأعدام بالتيزاب أو الدفن حيآ . كل ذلك لا يمنع صيرورة الشعوب من المسير الى الأمام عن طريق التوعيه الجماهيريه التي يتعرف من خلالها الجمهور على حقوقهم الأساسيه، وغرس حب الحريه في نفوسهم، وأن الأنسان لا يمكنه العيش بدونها، وأنها هي من تعطي المعنى الحقيقي للحياة، وأن يتعلم الأنسان بأن مطلب الحريه هو مطلبآ دينيا كما قال الأمام علي (متى أستعبتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارآ، وكذلك القران الكريم (وكرمنا بني أدم).

 

أياد الزهيري

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

عمر بن الخطاب وليس علي:( متى استعبدتم الناس وقد ولتهم امهاتهم احرارا) باستدعائه لاحد ولاته( عمرو بن العاص)!

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4669 المصادف: 2019-06-18 03:18:52