 قضايا

التنافس وأثره في تربية الصبيان

منى زيتونمقالي اليوم سأحاول أن أضع فيه خلاصة خبرتي ومشاهداتي فيما يخص الأثر السلبي للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي في تربية الذكور في مجتمعنا.

لعل من الملحوظ للجميع زيادة أعداد المتفوقين من الإناث عن أقرانهم من الذكور بدءًا من المرحلة الإعدادية، وتزيد الأعداد كلما ارتقينا في المرحلة الثانوية، ثم تتزايد أكثر في المرحلة الجامعية، مما يعني أن عددًا متزايدًا من الذكور يخرج من ركب المهتمين بأمر التعليم عامًا تلو الآخر. والظاهرة ملحوظة منذ سنوات، ولا شك أن لها أسبابًا كثيرة سأحاول اليوم التركيز على أحدها مما لم يُوجه الانتباه له من قبل الباحثين.

تزامنت ظاهرة ضعف اهتمام البنين بالتعليم مع تدرجهم في مراحله مع ظاهرة أخرى وهي تكثيف الأمهات الضغط التنافسي على أبنائهن وبناتهن في المرحلة الابتدائية، وكثرة حديثهن عن الدرجات الكاملة full marks التي يحصلون عليها، وضرورة أن يكون الطفل هو الأول على أقرانه، حتى صار الأمر مظهرًا من مظاهر تفاخر النساء مثله مثل كثير من المظاهر التافهة التي استشرت في المجتمع دون قيمة حقيقية لها.

هذه الظاهرة لم تكن موجودة حتى قريب، فلم ألحظها في أمهات جيلي إلا قليلًا. أما الجيل السابق على جيل أمهاتنا فكن لا يفتحن كتابًا مع طفل ليتعلم، بل يُترك العبء في تعلمه عليه وعلى مدرسيه بالمدرسة، ونادرًا ما كان الطفل يُعطى درسًا خصوصيًا للتقوية.

لم تكن الدرجات بالنسبة للأجيال القديمة لها نفس القيمة التي تُعطى لها في عصرنا، وكان الأوائل بل النابغون تنقص درجاتهم كثيرًا عن الدرجات النهائية، ومع ذلك كانوا يُحصّلون علومهم جيدًا، ولم يكن أحد حتى أوائل الثانوية العامة يحصل على درجات نهائية. لم يكن أحد يأمل بها من الأساس أو يبحث عنها.

ومع مرور الزمن، تواتر اهتمام الأمهات المدفوع بحمى الدروس الخصوصية على تدريب الأبناء على تجاوز الاختبارات والحصول على درجات مرتفعة فيها، مع علمهن أنهم لم يُحصِّلوا من العلم ما يتفق وتلك الدرجات. ومنذ بدأ الاهتمام المبالغ به بالدرجات لوحظ التراجع المتواتر في مستوى التعليم، وتراجع أعداد من لديهم رغبة حقيقية ذاتية في الاستمرار به، وليس بضغط من المجتمع.

ولا أكتب اليوم لأقارن مستوى التحصيل قديمًا وحديثًا، فلا يخفى على بصير ما آل إليه مستوى خريجينا، ولكنني أكتب لألفت النظر لتأثيرات تربوية أكثر خطورة لتلك المستويات المرتفعة من التنافسية في التحصيل، ومعاتبة الطفل على نقصان نصف درجة، والاهتمام المبالغ فيه بترتيب الطفل على فصله وبين أقرانه، وأكثر من تضرر من تلك التصرفات غير الواعية كانوا الأطفال الذكور.

واقع الحال أن الأمهات –خاصة- والآباء لا يعوون تأثيرات الضغط على الطفل ومعاتبته على أي نقص في التحصيل الذي تعبر عنه درجاته، حتى وإن بدا لهن أنه قد حصّل علومه بشكل جيد، وعليه فإن أول التأثيرات التربوية الخطيرة التي خلّفها ذلك الوضع هو شعور الطفل الذكر بأنه فاشل دراسيًا، ومن ثم نفوره من التعليم والتحصيل عندما يدخل في المراهقة وترتفع سلطة الأبوين عنه رويدًا رويدًا.

ولمزيد من التوضيح، فإنه بمقارنة الماضي بالحاضر، نجد أن أمهات الماضي كن يتركن أطفالهن يدرسون ويتعلمون دون تدخل سوى بالتعزيز عند النجاح، فنشأ جيل يُقدر المسئولية والعلم، ويُقدر ذاته ويعلم حجم ومستوى كفاءته، والأهم أنه يعلم أنه غير فاشل، وبإمكانه النجاح وحده، أما أمهات اليوم فيحشرن أنفسهن في تدريس أبنائهن ويؤدين بعض المهام عوضًا عنهم –خاصة النشاطات المدرسية- ويصررن على الطفل أن يحصل على الدرجات النهائية وأن يكون الأول، فيفشل في ذلك لأنه لا يوجد غير فرد واحد بإمكانه الحصول على هذا المركز في كل فصل بمدارسنا، ولأنه لم يحقق ما أرادته منه أمه فحتى درجاته المرتفعة وترتيبه العالي لا يشعرانه بأنه ناجح، ويتعاظم إحساسه بالفشل ويكره المدرسة والتعليم لذلك، ويفقد اهتمامه به، والمؤسف أن هؤلاء الأمهات لا يفهمن أنهن قد تسببن في خراب جيل بأكمله، وأن النصف درجة والدرجة والدرجتين بل والثلاثة لا وزن لها ولا قيمة قياسًا بشعور الطفل أنه ناجح وتقبله لنفسه.

والغريب أن كراهية التعليم تبدأ بسبب رفع سقف التنافسية بين الأقران، ولكن مرور الأطفال –خاصة الذكور- بنفس الحالة تكون سببًا في تقاربهم؛ إذ تدفعهم عندما يكبرون إلى تكوين جماعات لها أنشطة غير تعليمية، يشكل وجودها في حياة المراهق الذكر دعمًا اجتماعيًا له بإزاء الضغط المقابل من الأسرة للاستمرار في التعليم والنجاح فيه، والذي يتزامن مع تراجع طموحات الأبوين كثيرًا وكفهم عن الحديث عن الدرجات النهائية والأمل بها.

أما عن سبب تأثر الذكور تحديدًا بشكل أكثر من الإناث برفع سقف التنافس مع الأقران، فيرجع في نظري إلى عاملين، العامل الفسيولوجي المتمثل في تأثير هرمون الذكورة المتزايد في نهاية مرحلة الطفولة مع اقتراب الطفل من مرحلة المراهقة ثم دخوله فيها، والعامل الاجتماعي المتمثل في ضعف السلطة الأبوية على الذكور بدءًا من المراهقة بدرجة أكبر بكثير مما يكون عليه الحال مع الإناث.

ويمكن القول إن الإناث لا يستطعن الانفلات من ضغط الأسرة ويستمررن في الاهتمام بالتعليم مكرهات رغم معاناتهن الأكيدة من الشعور بالفشل مثلما هو الحال لدى الذكور، ولكن تتحول المشاعر السلبية المتخلفة عن هذا الأسلوب غير التربوي إلى التحاسد والتغاير من القرينات. والأمر لا يخلو من إضمار المراهقين الذكور أيضًا لمشاعر سلبية تجاه من استمروا بالاهتمام بالتعليم من أقرانهم، ولكنهم يجدون عوضًا فيما يتلقونه من دعم اجتماعي من جماعات النشاط التي يندمجون فيها حتى لا يكاد يصبح للأسرة تأثير عليهم مقارنة بها، ولا تتُاح للإناث عادة في مجتمعنا نفس الدرجة من الحرية للمشاركة في نشاطات شبيهة وبنفس القدر.

والآن لنأتي إلى الأثر الأسوأ للأسلوب التربوي المعزز للتنافس التعليمي لدى الأطفال، والذي سيكون صادمًا للقراء. هذا الأثر هو الإلحاد‏!‏

كلنا يلحظ زيادة أعداد الملحدين والمتشككين من المراهقين والشباب في مجتمعاتنا، وأغلبهم أيضًا من الذكور، ولكن لا يلحظ أغلبنا أثر التنافس التعليمي في الصغر ودفع الطفل لأن يكون الأول على أقرانه بكل وسيلة، وأن يحصل على الدرجات النهائية دائمًا وأبدًا، في زعزعة ثقته في وجود الله.

ما يحدث ببساطة أن الطفل بعد أن يبذل كل ما في وسعه لأجل تحصيل الدرجات التي تؤهله للمركز الأول ولا يحصل عليه عادة، يلجأ إلى الله تعالى فيدعو ويدعو، وهو لا يدرك أنه ليس وحده من يدعو بل كل أقرانه يفعلون، ولمّا لا يُستجاب لهم لأنه من المحال أن تُجاب دعواتهم جميعهم يبدأ الشك يتسرب إليهم من وجود الله في أواخر مرحلة الطفولة تحديدًا؛ ذلك أن إيمان الأطفال هو إيمان شكلي وليس حقيقي؛ فهم يقلدون الكبار ويكررون كلماتهم بغرض إرضاء الكبار فقط، وطالما الطفل قد قرر التمرد لأنه فشل في إرضائهم وصار يشعر أنه هو ذاته فاشل، فلا يعنيه ذلك التقليد ولا يرغب في الاستمرار في فعل ما ليس مقتنعًا به، لذا فقد تظهر عليه بوادر الإلحاد في نهاية الطفولة وبداية المراهقة، وتكون إشارته الأولى عدم انتظامه في الصلوات من تلقاء نفسه، والكذب حول أدائها عندما يكون بعيدًا عن رقابة الكبار.

لذا أقول للأمهات، رجاءً خففن من المنظرة الفارغة بعدد المواد التي حصل فيها أبناؤكن على الدرجات النهائية، وبترتيبه بين أقرانه، فلا الدرجات ولا الترتيب يساويان أن يشعر ابنك بالفشل ويهجر التعليم ويكرهه بعدما ترتفع سلطتك عنه، ولا يساويان أن يشك في وجود خالقه.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4671 المصادف: 2019-06-20 02:10:57