 قضايا

نماذج من النفاق الاجتماعي!

منى زيتونلا يتعلق النفاق بالدين وحسب، بل كثيرًا ما يدّعي الناس إيمانهم بقيم ومبادئ اجتماعية في الظاهر، ونلمس منهم في الباطن سلوكيات تتعاكس تمامًا مع صحة الاعتقاد بهذه المبادئ!

العلاقات الثلاثية!

ما أسُميت العلاقة الزوجية بهذا الاسم إلا لأن لها طرفين فقط لا ثالث لهما؛ هما الزوجان. ولعل أحد أهم أسباب فشل تلك العلاقة هو تحويلها إلى علاقة ثلاثية third party؛ بتدخل طرف ثالث من جهة الزوج أو الزوجة، وغالبًا لا نفهم سبب الفشل إلا بعد فوات الأوان!

قد يكون الطرف الثالث مستشاري سوء، طُلبت مشورتهم وغشوا من طلبها، ولم ينصحوا له، أو منحشرين طويلي الأنوف، دسوا أنوفهم في العلاقة، وبدأوا يتكلمون ويلوكون ما يخربها.

في العادة يكون أغلب المنحشرين نساء من العائلة، وأغلب مستشاري السوء رجال من الأصدقاء، وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه من الأمانة –ولا إيمان لمن لا أمانة له- أن ننصح للآخرين بما نعلم أن فيه نفعهم. قال عليه الصلاة والسلام: "الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ". لكن بعض الناس يغش من يطلب نصحه، ويشير عليه بما يفسد حاله. ليس صديقك من كلما أشار عليك عدت إلى أسوأ حال! وإن كانت مشكلة بعض الناس أنهم لا يستشيرون أحدًا، فمشكلة آخرين أنهم يستشيرون كل أحد! وتحديد الإنسان موضع مشورته هو أحد أهم أسباب نجاحه أو فشله في علاقاته الاجتماعية، وفي الحياة بوجه عام.

كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن أكثر أهل النار من النساء؛ ذلك أن هناك صنف منهن يشغلن بالهن بما أنعم الله به على غيرهن، ويتناسين ما أنعم به عليهن مهما كثر، ويجدن راحتهن عند زوال النعم من الآخرين -أو بالأدق الأُخريات-، بينما إن تحدثن عن الرضا -الذي تلوكه ألسنتهن ولا تعرفه قلوبهن- ظن من لا يعرفهن أن الواحدة منهن وليّة من أولياء الله! هذه حقيقة، ولهذا فكثيرًا ما تفسد العلاقات الزوجية عندما يتدخل فيها هذا الصنف من النساء على وجه الخصوص.

في حالات الرجال الذين يرتبطون كثيرًا بعائلاتهم، كثيرًا ما يطلب هؤلاء مشورة نساء العائلة كالأم أو الأخت ومن لهن منزلة عنده؛ متصورًا أنهن سيُشرن عليه بالصواب، بينما إن كن قليلات العقل فهن سيخترن له ما يكون أنفع لهن لا له، حتى وإن كان في ذلك تفويتًا عليه لفرصة الاقتران بامرأة مميزة، أو خرابًا لعلاقته الزوجية القائمة مع زوجة صالحة؛ ذلك لأنهن متعلقات به ولا يردن من تنازعهن في قلبه. وفي رأيي إن هذا منتهى الأنانية.

وكثيرًا ما يعمل الطرف الثالث وفق مقولة "فرِّق تسد"، والتي لا زالت مقولة صحيحة على جميع المستويات؛ من مستوى العلاقات الشخصية، وصولًا لمستوى سياسات الدول! ومرحلة استفادة الطرف الثالث تنتهي عندما يقرر أحد الطرفين الاقتراب من الطرف الثاني، وعندها يصيران أقرب لبعضهما من المسافة التي بين أي منهما والطرف الثالث؛ فالحل الأمثل فيما يخص العلاقات الزوجية تحديدًا أن تبقى زوجية، فلا طرف ثالث في العلاقة.

لكن قد يذهب الطرف الثالث ويبقى الخلاف! بسبب عدم قيام الطرف الذي ينبغي عليه أخذ زمام المبادرة بدوره، أي تتحول المشكلة من مشكلة "طرف ثالث" إلى مشكلة "عدم إدراك متطلبات الدور الاجتماعي"؛ وفي العلاقات الشخصية، فإن كثيرًا من المشاكل في هذا النطاق تنشأ من عدم قيام الرجل بدوره الاجتماعي. إذًا، فقد تبقى المشكلة قائمة لأن التسامح بين الطرفين قد يحدث مع استمرار التباعد، ويظل التباعد قائمًا ما لم تحدث المبادرة من الطرف الذي ينبغي عليه أن يبادر. وجانب كبير من مشكلاتنا الاجتماعية -على تنوعها- ينبع من عدم تربيتنا على أخذ زمام المبادرة فيما ينبغي علينا أن نبادر نحوه. سبق وأن ناقشت تلك القضية من قبل، والتي تتصل بتحولات مفهوم "الدور الاجتماعي الذكري" في مقال سابق. وباختصار، فإن كثيرًا من الرجال في المجتمع المصري حدثت لهم طفرة اجتماعية سلبية غيرت طريقة تعاملهم مع النساء، فلا احترام للمرأة ولا مبادرة نحوها!

وعودة إلى الأنانية في الحب، والتي تجعل الأناني يقدم مصلحته على مصلحة من يدعي حبه، وهي من أكثر أشكال النفاق الاجتماعي شيوعًا؛ ويلزمنا لنفهمها أن نتعرف إلى مفهوم نفسي يُعرف باستحقاق الذات Self entitlement، يعني أن لدى شخص ما شعور بالثقة أن من حقه امتيازات فوق الآخرين، تظهر في توقعات غير منطقية عما يحق له الحصول عليه، سواء تمثل ذلك الحق في معاملة خاصة أو موارد إضافية، ومهما يأخذ يريد المزيد، وإعطائه ما ليس من حقه مرة هو تعزيز لهذا السلوك وسبب رئيسي في استمراره حتى يتحول لوحش.

وفي العلاقات الاجتماعية قد يستشعر مثل هذا الفرد بأن من حقه أن يتدخل في تسيير حياة الآخرين بما يضمن تحقيق مصالحه كأولوية قبل مصالحهم! فهؤلاء الأفراد يفتقدون التعاطف ويتسمون بسلوكيات أنانية غير مسئولة، ويمكن أن تبرز في أشكال عديدة، كمن تريد ابنتها بجانبها فتلحقها بجامعة متواضعة حيث تعمل في دولة خليجية بينما البنت بإمكانها أن تلتحق بجامعة أفضل بعيدة عن الأم، ومن تريد أن تُطلق ابنتها كي لا تكون بعيدة عنها! وغيرها من الحالات. وأغلب هذه السلوكيات الاجتماعية غير الواعية تصدر عن نساء وليس رجال! وما أفهمه أن الحب الحقيقي يجعلني أقدم مصلحة من أحب وليس مصلحتي، بينما أمثال هذه الحالات هي حالات حب للنفس واستحقاق للذات توضح درجة منخفضة للغاية من النضج الانفعالي، ودرجة أكثر انخفاضًا من الذكاء.

إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا!

قال أجدادنا: الشر الحقيقي ليس في العدو الظاهر بادي العداوة، بل الشر فيمن يظهر المحبة ليتقرب منك ويؤذيك، والأكثر شرًا من لا يحتاج إلى التقرب لأنه قريب! ويُفسد ما بينك وبين الناس، وهو يدعي أنه يناصرك ويساعدك في تحقيق أهدافك!

والعاقل من يعيد تقييم الناس من خلال مواقفهم أولًا بأول، ويتساءل: هل فعلًا أدى ما يفعلونه إلى تحقيق أهدافه أم أنهم على العكس جعلوها أبعد منالًا؟! ولا يغتر بما يظهرونه من مؤازرة باللسان تعاكس الفعل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾.

خواطر جاءتني بعد مراجعة مشكلة لحالة عُرضت عليّ، تسببت فيها عقربة من ذوات القرابة لصاحب المشكلة، ثم تسببت في تفاقمها، بينما هي تدعي الإصلاح!

***

منذ أكثر من خمسة عشر عامًا اختلفت إحدى صديقاتي المقربات مع زوجها خلافًا كبيرًا، وصل إلى أن تركت منزل الزوجية وانتقلت للإقامة في منزل والديها.

لا أتذكر أي تفاصيل عن أسباب الخلاف، ولا إن كان يستحق ردة فعلها أو لا. لكن كأي زوجين محبين، وبينهما عشرات المعارف المشتركين كان من الطبيعي أن يلين موقفهما بعد فترة قصيرة، وصار جميع معارفهما يلمس منهما الرغبة في الصلح، لكن الغريب أنهما لا يصطلحان!

كانت حماتها وبعض المقربين منهما يذهبون لإعادتها إلى بيتها، فما تلبث أن تشتعل الجلسة، وترفض أن تعود معهم! وزوجها بعد أن كان يتمنى عودتها، بدأ يسترجع عيوبها ويعددها! وتكررت محاولات الإصلاح المزعومة عدة مرات.

أذكر بعد ما تكرر هذا السيناريو أني قلت لها: من يحضرون إليكِ مدعين الرغبة في الإصلاح أحدهم نيته غير سليمة. الشيخ الشعراوي في تفسير الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ قال: لو رأيتموهما لا يصطلحان اعرفوا أن من يتدخلون بينهما أحدهم على الأقل لا يرغب في الإصلاح.

بعد حديثي معها بأيام فوجئت بأنها رجعت بيتها، وسألتها عما حدث. قالت لي: كلامك كان صحيحًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، المشكلة فيمن كانوا يتدخلون. وتابعت: بالأمس أخو زوجي جاءنا ومعه فلان، ولا أعرف حتى الآن ما الذي حصل، فبعد أن كان مخي مغلقًا ولا أقبل فكرة الصلح، وجدتني أهُم بجمع متعلقاتي وأعود معهم لبيتي!

بعد هذه الواقعة رأيت في حياتي حالات كثيرة مشابهة، لا تقتصر على الصلح بين زوجين، فيمكن أن يكون مثلًا صلحًا بين أصدقاء أو حتى صلحًا بين أم وابنتها، أو طرفين يتعرفان وهناك جس نبض لمشروع زواج. وفي كل حالة كانت المساعي فيها تفشل، كان دائمًا ما يوجد أشخاص تدعي الإصلاح والتقريب بينما أفعالهم وأقوالهم تخرب وتوقع بين الطرفين، وتنخر في العلاقة نخرًا قد لا يُرجى بعده صلاح.

ولا يُشترط أن يكون من تصدر عنه هذه السلوكيات يفتقد الهناء في حياته، فهناك صنف من البشر يزعجه أن ينعم غيره بفضل الله ونعمه، أيًا كانت نوعية الفضل والنعمة، ويستكثرها عليه، وقد لا يمانع في محاولة تخريب حياة الآخرين، أو إشعارهم بأن ما هم فيه من نعمة ضئيل. يريد أن يشعر أنه الأفضل، حتى لو صار مثل عواجيز الفرح لا يعجبه شيء، أو بالأدق يدعي أنه لا يعجبه شيء.

استراتيجية الإلهاء (شُفت العصفورة)!

ردًا على تساؤل جاءني عن تنبيهي المتكرر في طيات بعض مقالاتي لضرورة وضوح الهدف تارة، وضرورة التركيز على مصدر المشورة تارة أخرى.

أقول: لعل كثيرين قرأوا عن استراتيجية الإلهاء التي تحدث عنها ناعوم تشومسكي، والتي تستخدمها بعض الحكومات للمحافظة على تشتيت اهتمامات العوام بعيدًا عن مشكلاتهم الحقيقية، لأنهم لو أفاقوا وانتبهوا وحددوا مشكلاتهم الحقيقة، وعرفوا السبيل الحقيقي إلى حل تلك المشكلات، فليس هذا من مصلحة تلك الحكومات. لكن أغلب الناس لا ينتبهون أن هناك من البشر من يفعل ذلك بنفسه في حياته الشخصية، أو يسمح لمستشاري السوء أن يفعلوه به!

عندما تواجه مشكلة وترغب في حلها، تذكر أن ليس المهم أن تفعل، بل المهم أن يكون لما تفعله قيمة، وإلا فإنك ستبقى تحرك قدميك في المكان ذاته، ولن تتقدم خطوة. وكما أن تشخيص الداء بشكل صحيح خطوة مهمة، فإن وصف الدواء الفعال خطوة لا تقل أهمية، فإن حاولت معالجة الداء بطريقة خاطئة قد تقضي على المريض وليس على العلة!

على سبيل المثال: رجل لديه خلاف مع زوجته التي يحبها وتحبه، بسبب موضوع جوهري، والعلاقة بينهما على مشارف الطلاق النهائي، وقد تركت له المنزل، بينما هو منشغل بمحاولة التواصل معها من خلال حسابات وهمية على الفيسبوك، وكلما أوقفت التعامل مع حساب من حساباته تلك لشكها فيه، التف ليتواصل معها من حساب آخر! وعندما طلب مشورتي رغبة منه في إصلاح علاقته بزوجته، وصارحني بما يفعل، والذي لم أكن أتخيل أن يصدر عن رجل مثله، نصحته بأن علاقته بزوجته لن تنصلح باستخدام هذا الهراء، فليس أكثر من إضاعة للوقت ولا عائد من ورائه، وعليه أن يتعامل معها من خلال شخصيته الحقيقية، لكنه لم يعبأ، ولا زال يركز على سلوكياته غير الناضجة! والنتيجة أن العلاقة بينهما تتدهور من سيء لأسوأ، على عكس ما يرجو!

والذي اكتشفته أنه لا يتمسك بتلك الأفعال الخرقاء فقط لأن انتفاخه وغطرسته تمنعانه من التعامل مع الموقف بإيجابية، ولكن وراء تمسكه بهذه السلوكيات ابنته المراهقة من زوجته الأولى التي تنصحه بها، معللة له الأمر بأن عليه أن يتأكد من كذا أولًا ثم كذا من خلال حواراته مع زوجته ومتابعته لها عبر الحسابات الوهمية! وتجعله كذلك يعزف في المقابل عن أي سلوك ناضج من جهته يمكن أن يصلح العلاقة الآيلة للسقوط، وهي تفعل ذلك عن وعي تام فيما يبدو لي، ومن ثم فهي بدلًا من أن تظهر له عدم موافقتها له على إعادة المياه إلى مجاريها مع زوجته، تستخدم معه استراتيجية الإلهاء بخبث وكيد نسوي مبكر ليبقى منشغلًا وملتهيًا بتفاهات!

حقيقةً، أصبحت أشعر في الآونة الأخيرة أن كل المشكلات الاجتماعية تبدو متشابهة بشكل أو بآخر من حيث مسبباتها، وإن اختلفت التفاصيل!

وقيعة تكنولوجية!

يبدو أن التطور التكنولوجي كما أسهم في تحسن تواصلنا الاجتماعي على نحو إيجابي، فإنه قد تسبب في الوقت ذاته في تطور جميع أشكال خبائث التواصل الاجتماعي، ومنها الوقيعة.

من أغرب محاولات الوقيعة التي حُكيت لي مؤخرًا، استخدام الحسابات الوهمية للوقيعة! وإليكم هذه القصة:

فتاة منافقة خبيثة تسعى إلى تخريب وتدمير علاقة صديقتها بخطيبها السابق، والتي كانت سبب خرابها منذ البداية –كما تكشف الآن-، وتريد أن تتأكد أنه لا يُرجى لتلك العلاقة انصلاح. قامت بعمل حساب وهمي على موقع الفيسبوك باسم رجل، ومراسلة صديقتها من خلاله، ثم أقنعت صديقتها أن هذا الحساب بلا شك لخطيبها السابق، وأنه يريد أن يجس نبضها لإعادة المياه إلى مجاريها، ثم أرسلت لها عبر الحساب الوهمي بطاقات حب، ورسالة فيديو محملًا بكلمات جميلة، تنتهي بأن تطلب من المرسل إليه إعادة إرسال الفيديو مرة أخرى للراسل إن كان يحبه.

كان المفترض وفقًا لمخطط الخبيثة أن تعيد الفتاة الطيبة إرسال الفيديو لذلك الحساب، ظنًا منها أنه حساب خطيبها الذي يطلب الصلح، لتقوم الخبيثة بإطلاع الخطيب على صور المراسلات بعد ذلك، لتبدو الصديقة الطيبة في عينه خائنة، تحاول جذب انتباه رجل آخر! لكن حدث ما جعل الفتاة الطيبة تكشف الحيلة.

نصيحتي الأثيرة للفتيات على وسائل التواصل الاجتماعي: تعاملي مع الظاهر، وطالما أن الحساب ليس حساب خطيبك أو زوجك، لا تدعي أحدًا يوهمك أن الحساب له، أو أنكِ يمكن أن تردي بطريقة تختلف عما يلزمك أن تردي بها مع الغرباء.

عريس بالإكراه!

في مقال سابق لي باسم "الأفكار والأفعال.. أيهما يؤثر في الآخر؟!" تناولت تلك الفرضية التي يفترضها علماء النفس عن وجود صلة بين المعرفة والسلوك، وقلت إني مع النظرة القائلة بأن تفكيرنا يتحكم في سلوكنا.

تذكرت هذا المقال بسبب موقف حُكي لي عن أم متعلمة جامعية لديها ولد وثلاث بنات. البنات الثلاث لا ينقصهن أي شيء؛ جميلات ومتعلمات تعليمًا راقيًا، ومنفتحات اجتماعيًا مع حُسن خلق، والثلاثة رافضات زواج الصالونات وتعتبرنه تمثيلية اجتماعية. ومن يعرف هذه الأم سيجد أنها دائمًا تتكلم عن حرية بناتها في تقرير أي شيء يتعلق بحياتهن، وأنها تحترم قراراتهن. اثنتان من البنات يعملن خارج مصر، أما الثالثة فهي من كان حظها أن يحدث لها الموقف الذي سنحكي عنه مع الأم.

في أحد الأيام تحدثت الأم مع ابنتها تلك حول أن هناك لقاء عمل ضروري ستحضرانه، وتفننت في إقناعها دون أن تجعل الشك يتطرق إليها بأنه لا يوجد أي غرض آخر لهذا اللقاء غير الحديث في مهمة العمل المتعلقة. وكأي شخص عملي ناجح جهزت الفتاة أوراقها واستعدت وفقًا للغرض المعلن، لكنها ومنذ أول لحظة في الجلسة مع الشخص الذي يُفترض أن يتفاوضوا معه بشأن العمل، فوجئت الفتاة بمحاولة من الأم لتغيير مسار الحوار والحديث عن الشخص نفسه! هنا فقط أدركت الفتاة أنها تعرضت لخدعة محكمة من أمها لتوريطها في زواج صالونات! وفي لحظة أخذت الفتاة القرار؛ أنا جئت لأجل الحديث عن العمل، ولم يُخلق من يضعني في موقف لا أرغبه، ويتصور أنه ورطني، ولو كان أمي.

تحكي لي الفتاة فتقول: في فيمتو ثانية قاطعت كلامها التعريفي عنه، وكيف أنه يطبخ لنفسه لأنه عازب ووو.... وكأني لم أفهم هدفها الحقيقي من اللقاء، وحمدت الله أن الأمر لم يكن كذبة برُمته، وأن هناك مهمة عمل بالفعل يمكن أن نتحدث عنها، وفردت الأوراق أمامي، وبدأت أناقش المهمة، وأكملت الجلسة كلها مثلما من المفروض أن تكون، وأنهيت الموقف على هذا النحو!

تقول الفتاة: أنا لا أعرفه، ولا يهمني أن أعرفه. المبدأ مرفوض في حد ذاته بالنسبة لي. وهو ليس مخطئًا، بل الخطأ يقع فقط على أمي، والتي التزمت الصمت تمامًا، وتجنبت الحديث في الموضوع وكأنها لم تدبر لشيء! مستغلة أن مهمة العمل حقيقية، وأنها تمت بالفعل.

قد نتفق مع الفتاة أو نختلف في رأيها من زواج الصالونات، لكن الأهم هو موقف الأم والتناقض بين أقوالها وأفعالها؛ بمعنى أن من يسمع كلامها عن حق بناتها في تحديد خياراتهن في الحياة، وطالما هن رافضات زواج الصالونات فهن أحرار، لا يرى ترتيبها المحكم للموقف واستدراج البنت للحضور لهدف آخر رئيسي غير الهدف الذي أخبرتها به.

ولعل من إشكالياتنا الاجتماعية الرئيسية في مصر أن المحيطين والمقربين –خاصة القرابات من النساء- لا يرون أن محاولة البحث عن عريس أو عروسة مناسبة سواء للفتيات والشباب -مع عدم ترحيب هؤلاء الشباب بذلك- يعد انحشارًا في حياتهم الشخصية! وكم من حالة قابلتني لشباب وفتيات تصادفهم سلوكيات عجيبة من بعض المحيطين بهم، يعجزون عن تفسيرها في البداية، ليكتشف الشاب بعدها أن فلانة تظنه خطيبها المستقبلي لأن أمه جسّت نبض أمها بشأن زواجهما! وتجد فتاة أن سيدة لا علاقة بينهما، تحاول خلق حوار عجيب معها، تكرر فيه كثيرًا اسم امرأة، وهي تتغامز وتتضاحك! بينما الفتاة لا تفهم ما يجري! لتعرف الفتاة بعدها أن أختها تتحدث مع تلك المرأة التي ذُكر اسمها عن عريس لها، بينما هي آخر من يعلم حرفيًا!

أعود لأقول: أفكارنا يجب أن تتغير أولًا لتتغير سلوكياتنا، وإلا سندخل في شكل من أشكال النفاق الاجتماعي، وادعاء اقتناعنا بأفكار لا نؤمن بها.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4690 المصادف: 2019-07-09 01:00:14