 قضايا

نحو تجارب ثوروية في الفيزياء المستقبلية

جواد بشارةبعد الجمود والمراوحة، هل ستحدث انعطافة في الفيزياء المعاصرة؟

وهل نحن على أبواب ثورة فيزيائية مدوية؟

حدثت الثورة الفيزيائية الأولى في القرنين السادس عشر والسابع عشر مع كوبرنيكوس وكبلر وفيما بعد غاليلو غاليله وأخيراً نيوتن . وهي الثورة التي انتصرت على الطرح الآرسطوطاليسي، الذي تبنته المؤسسة الدينية الكنسية المسيحية واعتبرته متوافقاً مع الطرح الديني لمسألة التكوين وخلق العالم وفق أطروحة سفر التكوين في التوراة. أما الثورة الثانية فقد حدثت في فجر القرن العشرين على يد ألبرت آينشتين بين 1905 و1955 وكانت أعظم ثورة علمية شهدتها البشرية . فأغلب الأجهزة التكنولوجية والتطبقيات العلمية اليوم كما الإنجازات التكنولوجية، تستند على نسبية آينشتين الخاصة والعامة كالأقمار الصناعية والليزر وأجهزة الكومبيوتر العادية والفائقة وتكنولوجيا النانو والإنشطار النووي والإندماج النووي وأجهزة رصد أمواج الثقالة أو الجاذبية وحركة النجوم والسفر إلى الفضاء، والتحديد الموقعي للعناوين بواسطة الأقمار الصناعية GPS إلى جانب العديد من التنبؤات التي ثبتت صحتها بعد مرور عقود طويلة كمكثفات بوس ــ آينشتين عن الحالة التي تقترب من الصفر المطلق التي تنبأ بها آينشتين سنة 1924، والثقوب السوداء الذي تم تصوير أحدها مؤخراً في 14 نيسان 2019، والثابت الكوني الذي يعادل اليوم الطاقة المظلمة أو السوداء، والحلقات والعدسات الثقالية التي تساعد علماء الفلك في قياس أبعاد ومسافات الأجرام السماوية وحركاتها والموجات الثقالية التي تم اكتشافها مؤخراً، إلى جانب أبحاث هذا العالم الفذ في الضوء وطبيعة المكان والزمن الذي ابتدع لهما مفهوم موحد سماه نسيج " الزمكان" وعلاقته بالجاذبية وسعيه للعثور على نظرية المجال الموحد أو النظرية التوحيدية الجامعة والوحيدة التي تعمل على الربط بين النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والجمع بين كافة قوانين المادة والطاقة، المرئي منها والمظلم أو الأسود وغير المرئي، بغية الوصول إلى " نظرية كل شيء" الخ.. في نفس الحقبة الزمنية من 1900 إلى 2019 تطورت ثورة علمية أخرى بالتوازي وهي فيزياء الكموم أو الكونتوم وأبطالها، آينشتين نفسه وماكس بلانك وبور وهايزنبيرغ وشرودينغر وغيرهم.

كانت الفكرة والبحث الدءوب والمستمر والمثابرة والرغبة في الذهاب إلى أبعد ما يمكن دوماً لتحقيق الأحلام أو مواجهة التحديات والمعضلات العلمية والتساؤلات العالقة والجوهرية في مجال العلم، هي التي تقود العلماء إلى التفكير والتأمل والتمعن أعمق فأعمق وبجرأة متزايدة بغية بلوغ الحقيقة النهائية عن الأصل والمصير.

عالم الكموم أو الكوانتوم، غريب وبعيد عن المنطق السليم أحياناً. خاصة مع مفاهيم الريبة واللايقين l’incertitude والتراكب superposition والتشابك intrication والترابط corrélation، واليوم يحاول بعض العلماء الشباب تجاوز حدود ميكانيك الكموم أو الكوانتوم من خلال توسيع وتجاوز الأسس الأولية التي بنيت عليها فيزياء الكموم أو الكوانتوم. وابتدعوا وتخيلوا من أجل ذلك مفاهيم جديدة وثورية تتجاوز المحظور والمتعارف عليه من قبيل Les intrications et les contextualités et les supra-quantiques،التي يمكن أن نفهمها على غرار فهمنا للتراكب والتشابك والسياقات المتداخلة وفوق أو مايتعدى الكموم أو الكوانتوم. والغرض دائماً هو نفسه، أي إيجاد الوسيلة للجمع بين دعامتي الفيزياء المعاصرة النسبية والكموم أو الكوانتوم وتوحيدهما في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء، التي تصف الكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر.

هذا الحلم ليس وليد اليوم. فلقد شغل بال واهتمام آينشتين حتى نهاية حياته لكنه لم ينجح في تحقيق هذا الحلم، لا هو ولا غيره. فالنسبية تختص بوصف الجاذبية أو الثقالة الكونية كخاصية من خواص الزمكان، الذي يتحدب وينحني تحت تأثير الكتل، أي وصف الكون على النطاقات الكبيرة وفي الطاقات القصوى. من جانب آخر، هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، الذي يعمل في النطاقات الصغرى، ما دون الذرية، ويقدم تنبؤاته في حدود عالم الذرة وما دونه كالإلكترونات والجسيمات الأولية والأوتار وغيرها. لكن لا توجد مشتركات بين العالمين الماكروسكوبي والميكروسكوبي . أحدهما يحتل فضاءاً مسطحاً وساكناً، والآخر فضاءاً منحنياً وديناميكياً، أحدهما يخضع لمقتضيات الصدفة والاحتمالات، والآخر لا يعطي أي اعتبار للمصادفة والاحتمال، أحدهما ينظر للزمن باعتباره مجرد خاصية تطورية بينما يراه الآخر باعتباره عنصر مركزي جامد وثابت، والحال أن الثقالة أو الجاذبية، التي تحتل مركز النسبية العامة، لا يوجد لها أي وصف أو مكان أو اعتبار في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فنظرية بلانك لإشعاع الجسم الأسود كانت بمثابة اللحظة الخالدة التي أسقطت ميكانيكا نيوتن وكل تفكير منطقي وسببي causale وحتمي déterminé. وهكذا يستمر عدم التوافق بين دعامتي الفيزياء المعاصرة مع أنهما يتحدثان عن نفس الكون المرئي الذي نعيش فيه، كل بطريقته الخاصة وقوانينه . لم يبق أمام العلماء سوى القبول بالأمر الواقع والتعايش مع نظريتين متباينتين ظاهرياً لا يمكن التوفيق بينهما ناهيك عن جمعهما وتوحيدهما، أي التخلي عن برنامج ومشروع التوحيد الذي تسعى إليه الفيزياء النظرية . فمنذ غاليله في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تسقط ما قبلها وتحل محل سابقتها، وتكون أعم وأشمل، ولقد حدثت عمليات توحيد بين بعض القوانين الجوهرية خلال القرنين الماضيين، بين الكهرباء والمغناطيسية مثلاً، ونتجت القوة الكهرومغناطيسية، ومن ثم أدمجت هذه القوة بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي. أما جاذبية نيوتن فلقد تم تجاوزها وتوسيعها على يد النسبية العامة . وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديد أكثر سعة وشمولية. ومن المفترض أن يستمر هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال، كما كتب آينشتين يوماً ما لصديقه هيرمان فيل Hermann Weyl سنة 1923.

طالما ما تزال هناك ظواهر يتعذر علينا وصفها وتفسيرها، فمن المستحيل، بدون نظرية ثقالة كمومية أوجاذبية كوانتية، معرفة ما يحدث حقاً عندما ندخل ثقباً أسود على سبيل المثال، ولا فهم أوإدراك لولادة الكون المرئي، ولا كيفية تكوين الجسيمات الأولية. كانت هناك محاولات عديدة خلال القرن المنصرم، للموائمة والمصالحة بين النظريتين المتناقضتين الشقيقتين اللدودتين، وظهرت قائمة طويلة من النظريات التي تصدت لهذه المهمة العويصة قادها كبار العلماء الأفذاذ والمشهورين جداً والتي انطلقت سنة 1918، والتي بدأت مع العالم الفيزيائي وعالم الرياضيات الشهير هيرمان فيل Hermann Weyl، وتواصلت مع آينشتين، وثيودور كالوزا وآرثر إيدينغتون وروجيه بينروز وأندريه زاخاروف وستيفن هوكينغ، ومؤخراً كارلو روفيللي وليونارد سيسكايند وآلان كون .

وفي كل مرة أعتقد المنظرون الفيزيائيون أنهم بلغوا الهدف كما حصل في سنوات الثمانينات عندما بلورت مفاهيم وقوانين ومعادلات نظريات الأوتار والأوتار الفائقة، التي بدت وكأنها تتوافق مع تعديل بسيط، مع النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية، ونظرية التماثل والتناظر الفائق supersymérie. حيث تخيل العلماء كون ذي عشرة أبعاد مكانية وبعد زماني تكون فيه الجسيمات الأولية ناجمة عن تذبذبات وترددات متنوعة لمختلف الأوتار البالغة الصغر القريبة من طول بلانك بحدود 10-32 من المتر، والتي تتذبذب كأوتار آلة الكمان. لكن الأمور تغيرت اليوم في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فالتجارب الحديثة أسقطت عدد من النظريات التي كانت تعد بديلة للنسبية العام، وأنهت صلاحيتها كما يقول العالم الإيطالي الأصل كارلو روفيللي وهو منظر ومدرس في جامعة مرسيليا الفرنسية. ولقد بلغ مسرع الجسيمات الأولية ومصادم الهدرونات الكبير LHCالتابع لسيرن Cern، وكالة الفضاء الأوروبية، بالقرب من جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على الجسيمات الفائقة التماثل والتناظرsuper symétriques particules في حين تم حساب الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التوسع الكوني، وتبين أنه موجب، بينما كان أغلب علماء نظرية الأوتار الفائقة يعتقدون ويتوقعون أنه ذو قيمة سالبة.

ثم تحقق اكتشاف الموجات الثقالية كما يقول كارلو روفيللي وهو حدث مهم وإنجاز علمي كبير عندما تم حساب أن الموجات الثقالية والكهرومغناطيسية الناجمة عن إندماج نجمتين نيوترونيتين، تنتقلان بنفس السرعة، والحال أن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة كانت تتوقع أن سرعة نموذجين من الموجات الثقالية يجب أن تكون مختلفة ومتنوعة. ما تزال هناك نظرية الثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية الحلقية أو العروية قيد التجريب وكانت تحتل المرتبة الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة . فبدلا من أن ترى الجاذبية كنتيجة أو تأثير لتشوه الزمكان، اقترحت أن يكون الزمكان نفسه كتجلي وتمثل أو تمظهر للحقل الثقالي. ولم تتعرض هذه النظرية للدحض التجريبي أو تعرض لصعوبات إثر التوصل إلى نتائج تجريبية . فالمشاكل التي كانت تعتبر هامة في سنوات الثمانينات من القرن الماضي تم حلها بفضل هذه النظرية ويجري البحث عن توقعات وتنبؤات لمقارنتها مع نتائج التجارب المختبرية كما يصرح كارلو روفيللي رافع لواء هذه النظرية مع العالم الأمريكي لي سمولين.

في نهاية تسعينات القرن الماضي انتشرت في الوسط العلمي محاولات العالم الفيزيائي خوان مالداسينا Juan Maldacena المدهشة، وهو أحد أعمدة نظرية الأوتار الفائقة وكان لها أصداء كبيرة. وصرح بهذا الصدد :" في بعض الأكوان النظرية المبسطة، يمكن لكافة التأثيرات التي تعزى لقوة الثقالة، أن توصف كما لو إنها ظواهر كمومية أو كوانتية، تحدث على أطراف هذا الكون المرئي، حيث لايوجد أي أثر للثقالة أو الجاذبية وهنا بالذات تحدث مصالحة وتوافق واتساق وانسجام بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي والنسبية العامة في كون مبسط. Univers Simplifié" . واعتقد كثيرون أن العلماء على وشك بلوغ الهدف والغاية القصوى كما صرح جوزيف بولشينسكي من معهد كافيلي في كاليفورنيا وكان ذلك الاكتشاف من القوة بمكان بحيث جعل الكثير من العلماء يعتقدون أن حلمهم على وشك التحقق . وتفرعت عدة نظريات عن ذلك مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرليند Erik Verlinde، الذي وصف الثقالة أو الجاذبية كتجلي أو كمتظهر ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية . أو فرضية خوان مالداسينا وليونارد سيسكند التي تقول بمسلمة أن تلك الظواهر الميكروسكوبية ما هي إلا مؤشرات كمومية أو كوانتية . بيد أن الأمر يحتاج لتطور أكبر ولمعادلات رياضياتية جديدة فلا يكفي استبدال نقطة جسمية في اللامتناهي في الصغر بوتر وبالتالي على النسبية العام والميكانيك الكمومي أو الكوانتي أن يتحركا ويصنعان ثورة جديدة، وابتكار أفكار جديدة. وفي خضم هذا التحرك والهيجان النظري والتنظيري الجديد برز جيل جديد من العلماء المنظرين وانطلقوا في مقاربات غاية في الغرابة والجرأة والجدية والندرة : قاموا بعزل الظواهر الأكثر غرابة للنظرية ودفعها بعيداً لكي يتخيلوا مافوق أو مابعد أو ماوراء الكموم أو الكوانتوم. إنطلاقاً من السببية causalité واللامحلية la non localité والسياقات المتداخلة أو القرائنية contextualité، ما من شأنه أن يشق طريقاً جديداً نحو الثقالة الكمومية أو الكوانتية. وأكثر ما تقدمت به هذه الحركة كان في مجال " السببية causalité، منذ اكتشاف ذلك التشابك والتراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب وعلاقة السبب والنتيجة أو العلة والمعلول de cause à effet، تخيل الباحثون باباً نحو النسبية فالسببية هي بمثابة نقطة تلاقي بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي كما لاحظ العالم آلكسي غرينبوم الذي علق قائلاً على ذلك:" إن الكوانتوم أو الكموم يسمح بأشياء لايمكننا تفسيرها أو شرحها في الزمكان". أما غاسلاف بوركنر Caslav Brukner أحد المختصين بهذا المجال في جامعة فينا في النمسا، فقد صرح:" لو وضعنا جسيم هائل الكتلة في وضعية تراكب سببي superposition causale، فإن المسافات المكانية الزمانية بين الأحداث في الحقل أو المجال الثقالي للجسم المذكور تغدو متشابكة intriquées بدورها مع موقع أو موضع الجسم. " والتكنولوجيا الحديثة قد تساعدنا في اختبار هذه الطرح وهذه الفكرة تجريبياً ومختبرياً بشأن أجسام كمومية أو كوانتية أكبر حجماً وكتلة وربما سنبلغ درجة من الدقة كافية لدراسة كتل بحجم إلكترونين .

ما بعد الكوانتوم : أو ماذا يعني ميكانيك الكموم وما يتعداه؟

هناك، في الفيزياء المعاصرة، في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، مقاربة علمية جديدة لتجاوز حدود الميكانيك الكمومي أو الكوانتوم، يقوم بها شلة من العلماء الشباب، على غرار ما قام به آينشتين سنة 1905 عندما نشر نظريته النسبية الخاصة، بعد أن تيقين من حقيقة ثبات سرعة الضوء، من خلال دراسته لتجارب مايكلسون ومورلي قبل ثلاثة عشر عاماً من نشره لنظريته، ووضعه لها معادلاتها الرياضياتية اللازمة.

النتائج يمكن أن تسبق الأسباب؟ هذا هو اللامعقول بعينه، ومع ذلك، يبدو أن ذلك يحصل في نطاق يتجاوز حدود النظرية الكمومية أو الكوانتية، ولكن لا أحد يعلم على وجه الدقة مدى ما ستصل إليه هذه المحاولات والتجارب والاكتشافات العلمية كما يقول سيريل برناسيارد Cyril Branciard لأنها ماتزال حديثة العهد ومدهشة وغير قابلة للتصديق في الوقت الحاضر. فلقد خرج الاكتشاف من تجربة أجريت قبل عامين في جامعة بريسبان في استراليا. الاكتشاف يتلخص بجملة مذهلة تقول: يمكن لحدث أن يكون في آن واحد السبب والنتيجة، العلة والمعلول، لحدث آخر. بعبارة أخرى أكثر دقة ووضوح، العلاقات السببية بين حدثين يمكن أن توضع في حالة تراكب كمومي أو كوانتي superposition quantique .، ورغم غرابته، فإن مبدأ التراكب الكمومي أو الكوانتي بات مألوفاً اليوم بالنسبة لخبراء وأخصائيي عالم الجسيمات الأولية. والجميع يعلم أنه يوجد، في فيزياء الكموم أو الكوانتوم، لا حتمية جوهرية indéterminisme fondamental بالنسبة لبعض الخصائص الفيزيائية، وإن حالة فيزيائية ما يمكن أن تكون تراكباً كمومياً لعدد من الحالات المختلفة في آن واحد. إذ يمكن لإلكترون أن يتمتع بعدد لانهائي من المواضع والمواقع في المكان، إلى أن يتم قياس واحدة من تلك المواضع أو المواقع التي يتواجد فيها الإلكترون . أو أن يمر فوتون ضوئي في فتحتين في نفس الوقت. ولكن لا أحد سبق له أن فكر بأن هذا التراكب يمكن أن يطبق على العلاقة بين السبب والنتيجة. ولقد تقبل علماء فيزياء نظرية الكموم أو الكوانتوم، ولو ضمنياً أو على نحو غير مصرح به، بأنه على غرار ما يحدث في الفيزياء الكلاسيكية فإن الأحداث التجريبية مترابطة ومتزامنة زمنياً أو داخل الزمن. كان ذلك صحيحاً قبل أن يقوم ثلاثة علماء فيزياء نظريين شباب سنة 2012 بتعميم الشكلانية formalism الكمومية أو الكوانتية والتي افترضوا فيها أنه لا توجد أية احتمالية مقامة على هذا السياق أو النسق السببي، والغاية هي معرفة ماذا سيحدث عند التعميم تجريبياً. فاكتشفوا إعدادات وتكوينات ,configurations غريبة يظهر فيها هذا النسق غير محدد بدقة indéterminé كما يقول مبدأ اللادقة أو اللاتحديد لهايزنبيرغ، وهي اعدادات سهلة يمكن تحقيقها تجريبياً في حين أن نتائجها وتداعياتها تبدو مذهلة . أجريت التجربة في مختبرين منفصلين، في فينا قبل أربعة أعوام، وفي بريسبان قبل عامين، وهي على صيغة دورة فوتونية كمومية أوكما تعرف علمياً بــ " الدارة الضوئية الكمومية أو كوانتية circuit photonique quantique " حيث إن نظام العمليات تتحكم به حالة كمومية أو كوانتية، والمعروف بــ كيوبايت السيطرة qubit de controle . فلو برمج هذا الكيوبايت في حالة O فإنه سيقوم بتوجيه المعلومات أولاً نحو A الذي بدوره سوف يحولها إلى B .ولكن لو كان معداً في الحالة 1، فإنه سوف يوجه المعلومات نحو B أولاً ومن ثم يقوم هذا بدوره بإرسالها نحو A، والحال إن كيوبايت السيطرة هذا موضوع في حالة تراكب كمومي أو كوانتي لذا فهو يأخذ في آن واحد قيمة O و1 والمعلومات توجه نحو A ومن ثم نحو B، وفي نفس الوقت نحو B وبعده A، بعبارة أخرى يتسبب A بتغيرات في B وفي نفس الوقت يتسبب B بتغيرات في A، أي يوجد هناك تراكب ذو منحى تسببي . فلو أدى سبب إلى نشوء نتيجة، يمكن لنتيجة أن تنشيء سبباً، اي تسبق السبب. وهذا يفتح حفرة أو هوة محيرة gouffre، فمصفوفة السيرورات المترابطة متميزة على نحو جوهري، ليس فقط بكون النظام أو السياق فيها محدد وحتمي لكننا لا نعرفه، بل إن النظام أو السياق غير محدد على نحو جوهري . ماذا يعني كل ذلك؟ يعترف الفيزيائيون الشباب بأنهم لم يقدروا بعد مديات هذه الأعمال والتجارب، لكنهم يشيرون إلى أن هذا الشكل الأولي للتراكب السببي لا تمنعه قوانين الكموم أو الكوانتوم. فتجارب فينا وبريسبان كمومية أو كوانتية بامتياز. وحين كشف الفيزيائيون فرضية السياق السببي، فإن مايحدث لاحقاً يتوافق تماماً مع الشكلانية formalisme المبتكرة في سنوات العشرينات من القرن الماضي.

ينبغي مراجعة مفاهيمنا عن الزمن والمكان، لأن هذه التجارب رسخت جزء من نظرية أوريشكوف Oreshkov, والتي طورها وعمقها فيما بعد كوستا وبروكنير Costa, Brukner، والحال إن هذه النظريات أو المقاربات النظرية الجديدة تتنبأ بنوع من الحالات السببية التي لم نكن نعرف تنفيذها أو تحقيقها كمومياً أو كوانتياً. فلا يملك علماء الفيزياء الشباب الذين يشتغلون عليها حالياً أية فكرة عن كيفية القيام بذلك، فالشكلانية formalisme تعني أن مايقوم به هؤلاء من تجارب جريئة تجعلهم يعتقدون بأنهم يتجاوزون الحدود الكمومية أو الكوانتية. وهذا الأمر جعل بعضهم يحلم بالتوصل إلى نظرية فائقة الكمومية supraquantique، من خلال تسللهم عبر هذه الثغرة التي فتحتها لهم " السببية" خاصة وإن مفهوم السببية موضع سجال منذ قرون عديدة في عالم الفيزياء. وهو موجود في قلب النظرية النسبية لاينشتين، والمرتبطة بمفهوم الزمن وطبيعته وماهيته وجوهره ونسبيته أو إطلاقيته، الأمر الذي يطرح بدوره تساؤلات جوهرية في كافة مجالات الفيزياء. فما هي الظواهرية أو الفينومينولوجي الجديدة التي يمكن تطبيقها على فكرة البنيات السبيية غير المحددة indéfinies؟ فلو لم يكن ممكناً استبعاد مثل تلك البنيات على أساس أو قاعدة منطقية، فهل هي موجودة حقاً في الطبيعة؟ ولو كانت موجودة حقاً فلماذا لم يتم رصدها في التجارب العديدة التي أجريت حولها؟ كما تساءل كاسلاف بروكنير Caslav Brukner سنة 2014، وتبقى مثل تلك التساؤلات مفتوحة اليوم ومطروحة بإلحاح. ويمكن أخيراً صياغتها، وللمرة الأولى على هيئة صيغ رياضياتية.

المراقب جزء أساسي من النظرية ومنصهر في التجربة:

حدث في الآونة الأخيرة ما يشبه الانسداد في آفاق تطور الفيزياء النظرية المعاصرة عدا استثناءات قليلة. فهناك شبه استسلام لمعضلة الدمج والتوحيد بين دعامتي الفيزياء الحديثة وهما النسبية الآينشتينية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي. ولكن مجموعة من العلماء الشباب ظلوا مثابرين بصبر على أمل العثور على حل لهذة المعضلة، اي شبه استحالة الجمع بين نظريتي اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر. ومن مشكلة كمومية أو كوانتية في مجال التشفير أو الكريبتوغرافي cryptographie الكمومي أو الكوانتي ــ اي فك التشفير ــ عولجت في تسعينات القرن الماضي، وتتعلق بالوثوق في المصادر، حيث وفق الشكلانية المعيارية formalism standard للنظرية الكمومية أو الكوانتية، من الضروري، في بداية أي تجربة، أن نفترض بأن الإعدادات أو معالم parameters التحضير المختارة للحساب والقياس تكون منتقاة بأمانة تامة، ما يعني أنه يفترض بالمراقب الذي يجري التجربة ألا يكون لديه أدنى شك بطبيعة النظام الذي يراقبه ويقيسه. على سبيل المثال عندما يتم حساب الاستقطاب في فوتون يفترض présuppose مسبقاً أن الأنظمة المقاسة أو المحسوبة هي حقاً فوتونات، وإن الليزر الذي ينتجها هو فعلاً أشعة ليزر .. من هنا بادر العلماء الشباب إلى ابتكار تجارب جديدة بدون أنظمة فيزيائية، فمثل هذه الثقة باتت تحصيل حاصل عند المنظرين الفيزيائيين الشباب إلى أن تزعزع يقينهم بالكريبتوغرافي الكمومي أوالتشفير الكوانتي، فكيف يمكن التيقن والتأكد من أن حزم الليزر المستخدمة لم تتعرض للتحريف والغش truqués؟ كيف يمكن معرفة أن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا أو مركز الأبحاث الروسي لم يخفوا أشياء ؟ فعادة نبدأ بالقول في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي : إن النظام معد على هذا النحو أو هذه الحالة، ولكن إذا تزعزعت الثقة بالمصادر لن يكون لدينا أنظمة دقيقة ومضبوطة وأكيدة. لذا تجاوزت المسألة حدود أو إطار الكريبوتغرافي أو فك التشفير الكمومي أو الكوانتي وإعادة النظر في الفيزياء برمتها، فلايمكن الحديث عن أشياء تحوم حولها شكوك . جاءت الإجابة الأولى سنة 1988 على يد العالمين دومنيك مايرز وآندرو ياو Dominic Mayers, Andrew Yao من جامعة برينستون للحديث عن نظام لم تحدد مسبقاً ميزاته وخصائصه، مجرد علبة سوداء، والتركيز فقط على العلاقات القائمة بين المعطيات الداخلة والخارجة قبل وبعد التجربة مع تقديم المرادفات الرياضياتية اللازمة من قبل الباحثين . وسرعان ما حازت هذه المقاربة على رضا وتقبل الفيزياء النظرية حتى اعتبرها اليوم العديد من الفيزيائيين النظريين بمثابة المقاربة الأكثر خصوبة لدراسة وسبر أغوار، ومن ثم تجاوز، الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وتعددت التجارب والأبحاث في هذا الإطار منذ بضعة سنوات والتي استخدمت هذه المقاربة المستقلة للعملية البحثية كجهاز بحثي متقدم. dispositif

الجملة السحرية تمثلت بــ" المقاربة المستقلة للعملية البحثية" التي غدت بمثابة المفتاح السحري، فلم يعد هناك حديث عن أنظمة فيزيائية بعينها تخرج لنا فوتونات وإلكترونات وجسيمات أولية أخرى. وانتهى عهد التعامل مع الجداول البصرية وأجهزة الكريبتوغرافي أو فك التشفير، وتم استبعاد الفيزياء التي تصف ذلك . ففي هذه المقاربة الجريئة ليس هناك سوى " علب سوداء " مربوطة بمخارج وبدوائر منطقية على غرار تلك التي تقولب الدوائر الحاسوبية الأنفورماتيك . فتلك الدوائر تمثل رياضياتياً خصائص وإعدادات حسابية تشبه المعلومة الحاسوبية التي تدخل إلى الدائرة الحاسوبية وما يترتب عليها من نتائج حسابية، أي المعلومة التي تخرج من الدائرة الحاسوبية. وتختزل العلب إلى مجرد أدوات ذات دالات أو وظائف رياضياتية والتي تحول المعطيات الداخلة إلى معطيات خارجة. ومن هنا يغدو ممكناً عمل تحويلات إذا كان محتوى العلبة السوداء يتوافق مع ما يصرح به . وهذه المقاربة رغم ثوريتها إلا أنها تتلائم وتتوافق مع الميكانيك الكمومي أو الكوانتي المعياري . يكفي تحديد الدالات المرتبطة بكل علبة حسب شكلانيتها formalism، وفي نفس الوقت تسمح بالخروج من الإطار الكمومي أو الكوانتي المعياري واختبار نظريات مختلفة وطرح تساؤلات غريبة غير مألوفة حيث يمكننا تخيل أن تلك المداخل والمخارج مرتبطة بشيء ما يتجاوز قدرات الكموم أو الكوانتوم.

بوسعنا تصور نظام ذو مجرى زمني محلي، وبالتالي ليس فيه يقين بوجود زمن شامل أو مطلق. وهذه المقاربة تمنح موقعاً مؤثراً للمراقب للمرة الأولى، أي ذلك الذي يتعامل مع المداخل والمخارج وفي نفس الوقت يؤثر على النتائج الناجمة عن فعل المراقبة والقياس أو الحساب، وهذه كما نعلم إحدى غرائب النظرية الكمومية أو الكواتية. فمجرد عملية مراقبة فوتون ما، على سبيل المثال، تؤدي إلى تغيير حالته ووضعه. فمنذ اكتشاف النظرية الكمومية أو الكوانتوم في سنوات العشرينات من القرن الماضي شعر الفيزيائيون المختصون بالكوانتوم أن مفهوم " المراقب" هو حجر الأساس للنظرية، أو بالأحرى الزاوية الميتة من النظرية، وهو عنصر لا يمكننا بدونه وصف عالم اللامتناهي في الصغر، لكنه كان لغاية اليوم يرفض أن يدخل في صلب النظرية. من هنا بدأ العالم ألكسي غرينبوم Alexei Grinbaum بصياغة توسيع وامتداد نظري يتعدى أو يتجاوز حدود الميكانيك الكمومي أو الكوانتي برفعه هذا المحرم أو المانع والعائق النظري ويقول بهذا الصدد:" في هذا الإطار، يغدو " المراقب" أنموذج رياضياتي . فتركيبة هذا المفهوم الغامض والمشوش تصبح رسمية formelle، فهي عبارة عن مجموعة من التعاقبات والارتباطات الرمزية ذات التعقيدات المحدودة والصعبة Abscons. هذا يعني أن " المراقب" لم يعد خارج النظرية التي تصف العالم بل جزء جوهري من الموصوف مدمج بالنظرية . فهذه الحدود التي كانت غير قابلة للعبور بين الطبيعة ومن يراقبها، قد ألغيت، وهذا سيغير كل شيء. وقد يشكل ذلك امتداداً وتجاوزاً وتوسعاً هائلاً في ما وراء الكموم أو الكوانتوم. فهو الوحيد الذي يحتوي على نوع من " الوعي" والحضور الخارجي يقوم بالتأثير على العالم أثناء عملية وصفه وحسابه، وقد يشكل ذلك المسودة الأولى لما يمكن أن نسميه " الميتافيزيقيا الكمومية أو الكوانتية" métaphysique quantique فيما يتعدى الميكانيك البسيط المألوف والمعروف لدينا .

التشابكات الفائقة super intrications، فيما يتعدى الكموم أو الكوانتوم باتت ممكنة:

لا يمتلك العلماء الجدد الشباب رؤية واضحة وحدس جلي عما اكتشفوه لأنه هائل بكل المقاييس. لكنهم يبحثون بجد عما إذا كانت العلاقات والترابطات أو الارتباطات شبه الكمومية أو الكوانتية المتداخلة تقريباً corrélations presque quantiques، والتي أبرزوها بما يشبه البديهيات، يمكن أن تكون هي التفسير الحقيقي للعالم. الميكانيك الكمومي أو الكوانتي تنبأ بوجودها في إطار الظواهر التجريبية الرمزية emblématique للتشابك ففي حالات كثيرة يمكن لجسيمين أوليين أن يرتبطا آنياً مهما كانت المسافة التي تفصل بينهما، كما لو أن الفضاء والمكان غير موجود أو لم يعد موجوداً. فأي قياس على أحدهما سوف يحدث نظيره في نفس الوقت للآخر مهما كان بعيداً عنه. ويسمي الفيزيائيون في النظرية الكمومية أو الكواتية هذه الأنظمة بالترابط الذاتي corrélés intriqués أو اللامحلية non locaux. فالتشابكات الفائقة super intrications، فيما يتعدى الكموم أو الكوانتوم، أو الترابطات ما بعد الكمومية أو الكوانتية corréllations plus que quantiques، باتت ممكنة. فهناك نظرية شهيرة تسمح بتكميم هذه الأوبكواتية ubiquité، ومن خلال لعبة حذقة من الإحصائيات تمكن العالم جون بيل John Bell في ستينات القرن الماضي من وضع سلم يمكننا من مقارنة كثافة الترابطات corréllations وفقاً للنظريات الفيزيائية السائدة آنذاك، وذلك في عالم كلاسيكي تكون فيه كل الأشياء محددة المواقع تماماً ومستقلة. فالكرسي موجود هناك فقط وليس في مكان آخر. وهذا السلم échelle ينص على أن قوة كل ترابط بين جسيمين أوليين يكون دائماً اقل من أو مساوي لــ 2 . ولكن في عالم كمومي أو كوانتي، حيث يمكن للجسيمات أن تتشابك s intriquer، فإن تلك الكثافة تغدو أكثر من كلاسيكية ويمكن أن ترتفع إلى 2√ 2 أي مايقارب الــ 2.83. وبتطبيق هذه النظرية في بداية سنوات الثمانينات، أثبت العالم الفرنسي آلان آسبيه Alain Aspect بتجربته الشهيرة، إحصائياً ورياضياتياً وبدعم التجربة المختبرية العلمية، إننا نعيش حقاً في عالم كمومي أو كوانتي، إذ في بعض الظروف تبلغ قوة الترابط la force de corrélation معدل 2√ 2 ومن ثم فرضت اللامحلية non localité كخاصية كمومية أو كوانتية أصيلة وأساسية وعليها بنيت التكنولوجيات الكريبتوغرافية ــ فك الشيفرات ـ الكمومية أو الكوانتية. والحال إن علماء النظرية الكمومية أو الكوانتية المعاصرين وجدوا أن لا شيء يعارض إمكانية أن يتجاوز معدل الترابط قيمة 2.83، فيمكن، من الناحية النظرية، الوصول إلى قيمة 4، وبالتالي هناك، على الورق نظرياً ورياضياتياً، ترابطات ما فوق الكمومية أو الكوانتية قد يمكن للطبيعة أن تكون لا محلية جداً مما توقعه أو تنبأ به الميكانيك الكمومي أو الكوانتي وهو اكتشاف مذهل حققه قبل ربع قرن ساندو بوبيسكو  Sandu Popescu ودانيل روهرليش Daniel Rohrilich. واليوم يبدو الميكانيك الكمومي أو الكوانتي كحالة خاصة من بين فئة من النظريات أكثر عمومية تحتوي على مختلف القوى الترابطية بين الجسيمات الأولية. وهو الأمر الذي استدعى طرح تساؤلات جديدة أكثر راديكالية من قبيل: لماذا يتوقف كمومنا عند قيمة 2√ 2 ؟ وهل يمكن للترابطات ما فوق الكمومية أو الكوانتية أن تعتبر فيزيائية؟ وهل يوجد مبدأ عميق أو خفي يسمح باللامحلية ولكن يحد من قوتها؟ وبظهور هذا النوع من التساؤلات الجديد تحفز الفيزيائيون الشباب للمضي ابعد وسبر الحدود الكمومية أو الكوانتية، وذلك بدراسة قوة تلك الترابطات على نحو أعمق وأكثر جرأة.

انطلق العشرات من المنظرين الشباب في بناء نماذج تقترب من القيمة2√ 2 ولكن لم يتجاوزوها بعد، وتجلى لهم أن ذلك ممكن من الناحية النظرية. ولقد أنشأوا مجموعة من الترابطات الكمومية المتداخلة الواحدة في بطن الأخرى كالدمية الروسية تاركين في قلب المجموع أو الكل الكمومي أو الكواتي، الترابطات الكمومية أو الكوانتية الأساسية. وفي كل تجربة يبرز تقدير قيمي خارج عن المجموع الكمومي أو الكوانتي كما أنهم عثروا على جزء من الحدود وليس كلها. أحد تلك المجموعات جذب الأنظار أكثر ولفت الانتباه والذي تم اكتشافه قبل خمس سنوات وسمي " المجموع أو الكل الكوانتي أو الكمومي تقريباً ensemble Presque quantique وهو أصغر توسع معروف للترابطات التي ما تزال متوافقة مع المباديء الكبرى للفيزياء الجوهرية من نوع لا يمكن لأي شيء تجاوز سرعة الضوء، أو القوانين الفيزيائية الجوهرية الأربعة المطبقة على الكون المرئي برمته.في حين أن باقي الترابطات الجديدة المكتشفة تنتهك على الأقل واحداً من المباديء الفيزيائية الجوهرية الكبرى أو أكثر . تتضمن تلك المجاميع، الترابطات الكمومية أو الكوانتية المألوفة لكن العكس ليس صحيحاً. لأنها تتضمن ترابطات لا تنبثق أبداً داخل النظرية الكمومية أو الكوانتية، بيد أنها قريبة منها إلا أنها أكثر عمومية أو أكثر تعميماً. ولو قسنا تلك الترابطات في تجربة مختبرية لثبت لنا ربما أن النظرية الكمومية أو الكوانتية خاطئة وهذا بمثابة زلزال يهز البنيان الفيزيائي برمته ويهدد بانهيار إحدى الدعامتين الرئيسيتين للفيزياء المعاصرة.

في الوقت الحاضر لا يدرك الفيزيائيون الشباب ماهي حقاً تلك المجموعات أو المجاميع التي تنفتح على أفق يتعدى الظاهر الكمومي أو الكوانتي الرسمي formele quantique، وماهي سوى ومضات وسط الضباب لكن حالة الإنذهال والدوار موجودة لدى جميع من تصدى لذلك من العلماء الشباب. من الصعب على غير المتخصصين أن يتخيلوا أن البنية الزمكانية للكون وهي مليئة بالتشابكات الكمومية intricuations quantiques، وعليه علينا أن نروض أنفسنا ونقنعها بأن عالمنا منسوج من عدد مذهل من الروابط أكثر كثافة وتعقيداً .

مبدأ اللاحتمية في الكموم يتعمم:

إن تداخل السياقات contextualité هو الأساس لكل شيء ولإنطلاقة العلماء الفيزيائيين الشباب في مقارباتهم الجديدة لتجاوز حدود النسبية والكموم أو الكوانتوم نحو فيزياء جديدة. وربما يكون هذا المفهوم الكمومي أو الكوانتي مهماً بقدر أهمية التشابك intrication والتراكب superposition، إلى جانب مبدأ الشك واللادقة أو اللاتحديد والمشهور بمبدأ الريبة لهايزنبيرغ l’ incertitude ومبدأ اللاحتمية l’ indértemination، وكل هذه المفاهيم تشكل الأساس والظاهر المميز للميكانيك الكمومي أو الكوانتي وما يميزه على نحو أدق عن العالم الكلاسيكي الذي ترسمه الفيزياء الكلاسيكية.

فتداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية contextualité لا يقل إثارة للحيرة عن باقي غرائب bizarreries وهوس الفيزياء الكمومية أو الكوانتية. فمنذ عام 1927 يعرف الفيزيائيون في مجال ميكانيك الكموم أو الكوانتوم، أن السياق والظرف الذي تنجز فيه القياسات والحسابات يؤثر على نتائج تلك الحسابات مما يجعلها غير دقيقة كلياً أو غير ثابتة تماماً. وكانت صياغة هذه الحقيقة العلمية على شكل مبدأ اللادقة أو اللاتحديد أو الشك والريبة الشهير l’ incertitude الذي صاغه العالم هايزنبيرغ Heisenberg، الذي يعاكس ويقلب على عقب مفهومنا المنطقي المألوف للعالم والحسابات الفيزيائية الكلاسيكية، وهو ينص على أن بعض الكمات من الجسيمات الفيزيائية في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، مثل الموضع أو الموقع وكمية الحركة أو السرعة، أي نتاج الكتلة والسرعة، لايمكن قياسهما بدقة في آن واحد، عكس ما نعرفه في الفيزياء الكلاسيكية مثلاً عن دراجة تسير حيث يفترض أن لها في كل لحظة موقع أو موضع وكمية حركة أو سرعة معروفتين تماماً ومقاستين بدقة. لكن ليست هذه هي حال الإلكترون، وهو جسيم مادي، أو الفوتون، فكلما كانت لدينا دقة بمعرفة مكانيهما كلما قلت تلك الدقة فيما يتعلق بسرعتيهما أو كمية حركتهما، والعكس صحيح.

وفي سنوات الستينات من القرن الماضي تمكن العالم الكندي سيمون كوشن Simon Kochen، من إثبات صحة مبدأ هايزنبيرغ في اللادقة أو اللاتحديد أو مبدأ الشك والريبة وذلك بتجربة علمية مختبرية، وقام كذلك العالم السويسري إرنست سبيكر Ernest Specker، بتجربة علمية مختبرية مماثلة وجاءت النتيجة مؤكدة لصحة هذا المبدأ الكمومي أو الكوانتي. وكان هذا الأخير يبحث عن الحضور الإلهي اللامحدود omniscience ودوره في تسيير العالم ومكوناته، فلاحظ في صياغته بلغة المنطق، أن هذه المشكلة تشبه إلى حد ما شكلانية formalisme الكموم أو الكوانتوم التي تمنع مثل هذا الحضور الدائم واللامحدود والمعرفة اللامحدودة في التجارب المختبرية، خاصة لدى العلماء التجريبيين حيث لايمكنهم قياس كل شيء في نفس الوقت وفي آن واحد وبدقة تامة. ولذلك عمل بالتعاون مع سيمون كوشن على إعطاء الدليل والبرهان الرياضياتي لمبدأ هايزنبيرغ وإثبات صحته مختبرياً ورياضياتياً ونشرا نظريتهما التي حملت إسميهما معاً.

إلا أن نظرية كوشن ــ سبيكر، كما سميت فيما بعد، تذهب إلى أبعد من مبدأ الريبة والشك لهايزنبيرغ فهي تطعن بفكرة أن خصائص جسم كمومي أو كوانتي ما، تمتلك قيماً معينة قبل أن نسلط عليها فعل المراقبة أو القياس . فمبدأ هايزنبيرغ يخبرنا إن بعض الحسابات أو القياسات سوف تتغير عندما نجريها في نفس الوقت لكننا يمكن أن نتمسك بفكرة أن الجسيم الأولي لديه دائماً موقعاً وكمية حركة أو سرعة قبل مراقبته، والمشكلة التي تواجهنا هي أننا لا نستطيع أن نشاهدهما ونراقبهما بدقة في نفس الوقت، والحال أن تداخل السياقات contextualité الكمومية او الكوانتية يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يحرمنا من هذه الإمكانية المفترضة. فنظرية العالمين كوشن ــ سبيكر تظهر وتثبت أن المنطق الكمومي أو الكوانتي لا يمكن التعبير عنه بأي صيغة أو طريقة كلاسيكية متعارف عليها وبالتالي فالنظرية المشار إليها أعلاه التي صاغها كوشن وسبيكر لها منطقها الخاص، وبالتالي فهي نظرية منطقية. إلا أن العلماء لم يستوعبوها طيلة نصف قرن وأهملوها إلى أن تبناها شلة الفيزيائيين النظريين الشباب بعد أن فهموا فحواها ومدياتها وأهميتها في حساب تأمين، ومعرقة قوة ومتانة الحسابات الكمومية أو الكوانتية، حيث يكمن تميز وتفوق الحساب الكمومي أو الكوانتي في مبدأ تداخل السياقات ويمكن أن يترتب على ذلك تداعيات وانعكاسات ثورية في مجال المعلوماتية والصناعات الحاسوبية والحواسيب أو الكومبوترات الكمومية أو الكوانتية، مما سيتيح لنا أن نتحرر من القيود الحالية وننجز أخيراً القوة الحقيقية، التي ما تزال نظرية لحد الآن، للأنظمة الكمومية أو الكواتية في شتى المجالات.

يعتقد بعض العلماء الشباب أن تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية هو المصدر أو النبع الحقيقي لقوة الحسابات والحواسيب الكمومية أو الكوانتية وهي القاعدة لما يعرف بالغرابة الكمومية وعليه ينبغي سبر أسرار هذه النظرية ومعرفة أسرار تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية لمعرفة الحدود الفاصلة بين الفيزياء الكلاسيكية والفيزياء الكمومية أو الكوانتية وما يتعداهما. ولقد استخدم هؤلاء العلماء الشباب كل ترسانة العلوم الرياضياتية المعاصرة لاختبار كل النماذج الموجودة أو المفترضة والممكنة في نطاق تعدد المقاربات ما أدى إلى انبثاق غابة من تداخل السياقات الكمومية المختلفة تحتوي على كافة التنويعات من تداخل السياقات مثل : لغة المعلوماتية Langage de l information، والرسومات البيانية الفائقة hypergraphie، والرياضيات الطوبوغرافية mathématique topollogique، الخ.. كما استغل نظرية، كوشن ــ سبيكر واستلهم منها، عدد من العلماء لاختبار قوة وفعالية وصلاحية نماذجهم في التداخلات السياقية الكمومية أو الكوانتية شبيهة بتلك التي أجراها العالم بيل Bell في ستينات القرن الماضي لإثبات صحة مبدأ التشابك بين جسيمين أوليين في ميكانيك الكموم أو الكوانتوم بتجربته الشهيرة وبنفس الطريقة التي استخدمت في تكميم قوة التشابك، يمكن تكميم كثافة تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية من خلال إعادة الصياغة بحيث تغدو نظرية تداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية شكلانية عامة ومعممة لرؤية الاختلافات والتنويعات بين مختلف النماذج الفيزيائية الحتمية التي جاءت بها الفيزياء الكلاسيكية، إلى جانب النماذج العشوائية في الأساس، أو الأنماط العشوائية جوهرياً modèles fondamentalement aléatoires، وهكذا بات بالإمكان اختبار تداخل السياقات في النظريات الكلاسيكية وفي الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، وفي الكمومية الفائقة supra quantique، وربما التوصل إلى مدخل للفيزياء الجديدة المستقبلية وقد يتفتق ذهن العلماء عن فرضية تقول أن الضوء ناجم عن تداخل سياقات ما فوق كمومية أو كوانتية contextualité plus que quantique ومعرفة سر وماهية التذبذب أو التقلب الكمومي أو الكوانتيfluctuation quantique فالتذبذب أو التقلب الكمومي أو الكوانتي، في صيغته التقليدية، هو حالة ظهورٍ مؤقت للجسيمات دون الذرّية إلى حيز الوجود، وكما ينص مبدأ عدم التحديد (مبدأ اللا دقة) لهايزنبرغ، فإنه يُعتبر مرادفاً لتذبذب الفراغ. ينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مُقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد إحدى الخاصيتين بدقة متناهية، ذات عدم تأكد ضئيل، يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيمٍ أولي. صاغ المبدأ العالم الألماني هايزنبرغ عام 1927. فعلى سبيل المثال من الممكن ظهور زوجٍ من الجسيمات المترابطة خلال مدة قصيرة جداً من الزمن. يمكن توضيح مبدأ عدم التحديد بيانياً من خلال عملية محاكاة حاسوبية أو كومبيوترية، يُطبَّق هذا المبدأ على الزمن والطاقة كذلك (الطاقة هنا تمثل معادلة آينشتاين E=mc2). ويُطبَّق هذا المبدأ على الزمن والطاقة كذلك ولكن لحسن الحظ، عندما تكون الكتلة كبيرةً جداً (مثل الأجسام المرئية) يُصبح مبدأ عدم التحديد واللاحتمية indétermination وكذلك التأثير الكمومي صغيراً جداً، وحينها يمكن أن تُطبّق قوانين الفيزياء الكلاسيكية. يُسمى الزمكان الخالي في الفيزياء الكلاسيكية (الأجسام الكبيرة) بالفراغ، وهو ساكنٌ تماماً، ومع ذلك فإنه في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية(الأجسام دون الذرّية) يُصبح الأمر أكثر تعقيداً بكثير وهو أبعد تماماً عن كونه ساكناً وفارغاً فهو مليء بالجسيمات الافتراضية. فالفراغ الكمومي هو مجرّد حالة خاصة من الحقل الكمومي أو الكوانتي( يقابل ذلك بعض الجسيمات). إنه حالةٌ ميكانيكية كمومية تكون فيها الحقول الكمومية غير مثارة، أي لا توجد أيّة جسيماتٍ، لذا تكون هي الحالة الأقل فعاليةً (أقل طاقة ممكنة للجسيمات) في الحقل الكمومي. وهنا نعثر على التفاعلات التي تحصل في الفراغ الكمومي في المستوى الإحداثي للزمكان (المكان والزمان)، حيث تنبثق أزواجٌ من الجسيمات من العدم ثم تقوم هذه الجسيمات بفناء بعضها البعض وفقاً لمبدأ اللادقة L’ incertitude.

البحث عن الكأس المقدسة في الفيزياء المعاصرة:

هل هناك حقاً كأساً مقدسة Le Graal في الفيزياء الحديثة يبحث عنها العلماء كما يبحث المسيحيون عنها في الميثولوجيا الدينية ؟ يبدو أن هذه الفكرة هي المحفز الأساسي والأول، والفكرة المرشدة والموجهة، لمجموعة العلماء الشباب الجدد في سعيهم لتجاوز معوقات الفيزياء الكلاسيكية وهي فيزياء النسبية وميكانك الكموم المتنافرتين والتي يصعب، إن لم نقل يستحيل، جمعهما وتوحيدهما، وهو الحل الذي راود منذ قرن وربع القرن مخيلة العلماء في كل العقود وعلى رأسهم أينشتين نفسه. فكل ما قدمه وجربه العلماء الشباب من نظريات ومفاهيم ثورية تجديدية جريئة يهدف بالأساس إلى العثور على الوسيلة الأنجع للتوحيد في نظرية واحدة هي نظرية كل شيء تجمع النسبية والكوانتوم أو ميكانيك الكموم، والتي ستحيط بالكون المرئي برمته من اللامتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر، من الكوارك إلى النجوم والمجرات والسدم والحشود المجرية.

لم يكن هذا الحلم وليد الأمس فلقد هيمن على فكر وحياة ونشاط وعمل وأبحاث آينشتين طيلة أربع عقود ولغاية وفاته ولم ينجح، لا هو ولا غيره، في تحقيق ذلك الحلم. والمشكلة تبقى ماثلة أمام الجميع وقابلة للفهم لكن الحل اللازم لها يفلت من بين أيدي العلماء، فكلما وجدوا حلولاً ومقترحات ونظريات تنتج عنها لانهائيات كثيرة وتناقضات ومفارقات وتحديات وتساؤلات جديدة تعيق إنجاز النظرية الشاملة والموحدة. فمن جهة هناك نظرية النسبية العامة التي تعرف وتصف الجاذبية أو الثقالة باعتبارها خاصية من خصائص الزمكان L’ حسب التعبيرespace-temps الاينشتيني، والذي ينحني ويتحدب تحت تأثير الكتل، والذي يصف تماماً وبدقة الكون المرئي على نطاق اللامتناهي في الكبر وفي مستويات الطاقة العليا الفائقة . ومن جهة أخرى هناك الميكانيك الكمومي أو الكوانتي الذي يصف بدقة تامة ويتوقع ما يوجد في، وما يكون عليه، عالم اللامتناهي في الصغر من مستوى مادون الذري، أي عالم الذرات والإلكترونات والفوتونات والجسيمات الأولية الأخرى . بيد أن العالمين اللذين تصفهما هاتين النظريتين لايتوافقان على الإطلاق وليس بينهما مشتركات . أحدهما يتمركز في فضاء أومكان مسطح وساكن أو ثابت، والآخر في حيز مكاني محدب وديناميكي متحرك . أحدهما يسلم أمره للصدفة والاحتمالات ويمنحهما دوراً جوهرياً أساسياً مؤثراً، والآخر لا يعطي أي مكانة أو يعير أية أهمية أو قيمة للاحتمالات والصدفة، فهي غير موجودة في قاموسه. أحدهما يرى الزمن وكأنه معلم بسيط من معالم التطور، بينما يراه الآخر كأنه عنصر مركزي ثابت لا يتغير باتجاه واحد يسميه "سهم الزمن" المتجه من الماضي نحو المستقبل. ولكن ماهو موقع الثقالة او الجاذبية الكونية؟ وهي التي تحتل الشخصية الأساسية الرئيسية في النسبية العامة؟ لامكانة ولا دور لها ولا أي وصف في الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، باختصار فإن دعامتي الفيزياء الحديثة غير متوافقتين وغير متساوقتين على الإطلاق بالرغم من أن من المفترض أنهما يصفان نفس العالم .

يمكن أن نتقبل هذا اللاتساوق بينهما ونعتبره واقع حال لا محيد عنه والثمن هو التخلي عن البرنامج التوحيدي الكبير للفيزياء النظرية، الذي شغل بال العلماء طيلة قرن ونيف. فمنذ غاليله، في القرن السادس عشر، كانت كل نظرية جديدة تزيح وتحل محل النظرية القديمة وتكون أوسع وأكثر عمومية وشمولية، ولقد نجح العلماء في توحيد جزيئات نظرية كالتوحيد بين الكهرباء والمغناطيس في صيغة عرفت بالكهرومغناطيسية ثم أدخلت في الميكانيك الكمومي بدون معوقات أو صعوبات كبيرة. وكانت الجاذبية النيوتنية قد احتوتها وتجاوزتها النسبية العامة. وفي كل مرة يصاغ إطار نظري جديدة له قوانينه ومعادلاته الرياضياتية، يكون أوسع وأشمل وأكثر استجابة لاحتياجات العلماء التنظيرية وكانت النتائج خصبة وواعدة ولقد عبر عن ذلك آينشتين نفسه حين قال: يجب مواصلة هذا البرنامج فهو في غاية الأناقة والجمال . وذلك في رسالة بعضها لزميله هيرمان ويل Hermann Weyl سنة 1923.

ولكن لاتزال هناك ظواهر كونية مشتركة لايمكننا اليوم وصفها وفهمها بدون الثقالة الكمومية أو الكوانتية gravitation quantique، وكأمثلة على تلك الظواهر اللغزية : استحالة أن نعرف ما يحدث داخل الثقب السود، ولا فهم ولادة الكون المرئي ولا شرح ووصف تكوين الجسيمات الأولية . ومنذ أكثر من قرن كانت هناك عدة محاولات لإجراء المصالحة والجمع بين الشقيقتين اللدودتين، وإن الإبحار في محيط النظريات التي ادعت ذلك يغرقنا في لج عميق كما أغرقت أسماء علماء عباقرة فطاحل وشخصيات فذة. بدأ السعي الجدي منذ العام 1918 مع عالم الرياضيات والفيزيائي اللامع هيرمان ويل Hermann Weyl.وتابعها آينشتين وثيودور كالوزا Theodor Kaluza، ووآرثر إيدنغتون Arthur Eddington، وروجر بنروز Roger Penrose، وأندريه زاخاروف Andrei Sakharov، وستيفن هاوكينغ Stephen Hawking، وكارلو روفيللي Carlo Rovelli، وليونارد سوسكايند Leonard Suuskind، وآلان كونس Alain Connes، ولقد اعتقد العديد من هؤلاء وغيرهم أنهم كانوا على وشك تحقيق الهدف. مثلما هو الحال عندما تفتقت ذهنية العلماء في ثمانينات القرن الماضي عن نظرية جاءت غاية في التعقيد والغرابة والجمال والأناقة في نفس الوقت، وكانت نظرية فاتنة ومغرية وهي نظرية الأوتار théorie des cordes، ومن ثم الأوتار الفائقة théorie des super cordes، مع قرينتها التوسعية التي أعطتنا النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات modèle standrd de physique des particules، ونظرية التناظر الفائق théorie de supersymétrie، وتخيلوا عالماً أو كوناً مكوناً من عشرة أبعاد مكانية وبعد زمني بحيث تكون الجسيمات الأولية الأصغر في الكون عبارة عن أوتار في غاية الصغر بطول 10-32 من المتر تتذبذب كأوتار آلة الكمان الموسيقية، مولدة عدد لامتناهي من الجسيمات الأولية المتنوعة. ومع ذلك بعد الحلم فشلت هذه النظرية الثورية في تحقيق الهدف المنشود ألا وهو توحيد داعمتي الفيزياء المعاصرة.

اليوم وفي نهاية العام 2019، تغير كل شيء . الوسط الفيزيائي في حركة دؤوبة ونشاط محموم، والتجارب الجديد قادت إلى صياغة العديد من النظريات الفيزيائية الجديدة التي يمكن أن تعد بديلة للنسبية العامة كما يقول كارلو روفيللي الأستاذ في جامعة مرسيليا في فرنسا وهو أحد كبار الفيزيائيين النظريين. لقد بلغ مسرع ومصادم الجسيمات الكبير LHC التابع لوكالة الفضاء الأوروبية سيرن CERN الواقع على الحدود الفرنسية السويسرية قرب جنيف، طاقته القصوى سنة 2015 ولم يعثر على أي شيء يشير إلى الجسيم الفائق التناظر particule supersymétrique، ولا الثابت الكوني الذي يحدد سرعة التمدد والتوسع الكوني الذي تم قياسه وظهر أنه موجب في حين أعتقد أغلبية الأخصائيين في نظرية الأوتار الفائقة أنه سالب.

وكذلك جاء اكتشاف الموجات الثقالية أو موجات الجاذبية ondes gravitationnelles، ولقد توصل العلماء إلى أن الموجات الثقالية والموجات الكهرومغناطيسية الناجمتين عن تصادم نجمتين نيوتريتين تنتقلان بنفس السرعة، والحال إن جزء كبير من النظريات البديلة للنسبية العامة تنبأت أن سرعة هذين النوعين من الموجات مختلفة . بقيت نظرية بديلة على قائمة التنافس وهي نظرية الجاذبية الكمومية أو الكوانتية الحلقية la gravitation quantique à boucles، وهي الثانية بعد نظرية الأوتار الفائقة ضمن نظريات كل شيء المرشحة كبدائل . فبدلاً من النظر إلى الجاذبية باعتبارها تأثير ناتج عن تشوه الزمكان la déformation de l espace-temps، فإن نظرية الجاذبية الكمومية الحلقية تعتبرها بمثابة تجلي أو تمظهر لحقل ثقالي أو مظهر من مظاهر حقل الجاذبية manifestation du champs gravitationnel. لم يتمكن أي من العلماء المناوئين تعريض هذه النظرية إلى وضع صعب أو دحضها من خلال نتائج التجارب المختبرية التي أجريت عليها، والحال إن المشاكل النظرية أعتبرت جوهرية وأساسية في سنوات الثمانينات، وقد تم حل الكثير منها، ويجري البحث اليوم عن توقعات وتنبؤات كمومية أو كوانتية لمقارنتها مع التجارب، والجدير بالذكر أن هذه النظرية هي من أطروحات العالمين الإيطالي كارلو روفيللي والأمريكي لي سمولين Lee Smolin، وهذا الأخير شن هجوماً كاسحاً يعتبر بمثابة إعلان حرب، على نظرية الأوتار الفائقة المنافس الرئيسي لنظريته، بعد أن كان أحد أقطاب نظرية الأوتار الفائقة سابقاً وتخلى عنها.

كل ذلك لا يمنع من فتح طريق أخرى. ففي نهاية سنوات التسعينات، وعلى إثر تجربة مدوية أجراها العالم الفيزيائي المختص بنظرية الأوتار الفائقة، خوان مالداسينا Juan Maldacena، إتضح منها أنه، في بعض الأكوان النظرية المبسطة، فإن جميع النتائج والتأثيرات التي عزيت لقوة الثقالة أو الجاذبية الكونية يمكن أن توصف بأنها ظواهر كمومية أو كوانتية تحدث على حدود أو تخوم هذا الكون، حيث لا وجود لأي أثر للجاذبية أو الثقالة، وبالتالي ولدت إمكانية لإجراء مصالحة بين الميكانيك الكمومي أو الكوانتي مع النسبية العامة ولكن في كون مبسط ونظري. استبشر الكثيرون بالخير وظنوا أنهم باتوا قريبين من الهدف المنشود كما يقول العالم جوزيف بولشنيسكي Joseph Polchinski من معهد كافلي في كاليففورنيا، وواصل الإعراب عن رأيه قائلاً :" كان الاكتشاف من القوة بمكان بحيث شعر أغلب الفيزيائيين أن كل شيء سوف يتحقق قريباً وبسرعة . لكن أدى ذلك فقط إلى ظهور ولادات لأوليات عدد من النظريات الفرعية، مثل نظرية العالم الهولندي إريك فيرلندي Erik Verlinde، التي وصفت الجاذبية بأنها تمظهر أو تجلي ماكروسكوبي لظواهر ميكروسكوبية كامنة، أو نظرية خوان مالداسينا وليونارد سيسكايند اللذين افترضا مسلمة تقول أن تلك الظواهر الميكروسكوبية هي بالتحديد تشابكات كمومية أو كوانتية. أما الجزء الآخر من العلماء فلم يقدموا شيئاً يذكر بعد. فالأمر برأي كارلو روفيللي، يحتاج لمعادلات جديدة أكثر متانة وإتقاناً وجمالاً وأناقة". فاستبدال نقطة بوتر صغير لا يكفي للوصول إلى حل على حد تعبير نيكولا جيسين Nicolas Gisine المختص بالكموم في جامعة جنيف، الذي يعتقد إن على النسبية العامة والميكانيك الكمومي، ليس فقط التحرك ومغادرة منطقة الجمود فحسب، بل عليهما أن يحدثان ثورة في داخلهما، فنحن بحاجة لأفكار جديدة".

في ظل مثل هذه الأجواء المتأججة والهائجة إنطلق الجيل الجديد من العلماء في مقاربة جديدة غير مالوفة سابقاً المتمثلة بعزل الظواهر الأكثر غرابة في النظرية ودفعها إلى ابعد ما يمكن لمعرفة ورؤية ما يتعدى الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وذلك إنطلاقاً من " السببية" causalité واللامحلية la non –localité، وتداخل السياقات الكمومية أو الكوانتية contextualité، وهي محاولة في طريقها لفتح آفاق جديدة نحو الثقالة الكمومية الصعبة المنال حالياً . ومع مفهوم السببية تقدمت هذه الحركة الجديدة كثيراً منذ اكتشاف هذا التراكب الكمومي أو الكوانتي الغريب بخصوص السبب والنتيجة والعلة والمعلول، إذ وجد الباحثون فيها باباً للولوج من جديد إلى النسبية. فالسببية هي نقطة تلاقي وتوافق بين النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتوم.كما يقول آليكسي غرينباوم Alexei Grinbaum، "وهنا على وجه التحديد يسمح الكموم أو الكوانتوم بشيء في الزمكان لا نستطيع شرحه". ويوضح العالم كاسلاف بروكنر Caslav Brukner المختص بالموضوع في جامعة فينا، قائلاً :" لو وضعنا جسم هائل الكتلة في وضع تراكب سببي، فإن المسافات الزمانية المكانية أو الزمكانية spatio-temporelles بين الأحداث داخل حقل ثقالي أو مجال جاذبية champ gravitationnel للجسم المعني، ستصبح تشابكية intriquées أي تتشابك مع موضع أو موقع الجسم المذكور". والتكنولوجيا المتقدمة حالياً سوف تسمح قريباً باختبار صحة هذه الفكرة مختبرياً وتجريبياً على أشياء أو أجسام كممومية أو كوانتية أكثر ضخامة، وسوف نصل قريباً إلى درجة عالية من الدقة كافية لدراسة كتل بمستوى إلكترونين ويستعد العالم الشاب سوغارو بوس Sougaru Bose للتحضير لهذا النوع من التجربة في جامعة كولج أوف لندن .

وهناك أمل، رغم التشوش والذهول الطاغي، في التوصل قريباً إلى نظرية كل شيء أو الغرق مرة أخرى في السراب والوهم والبدء من جديد من نقطة الصفر بحثاً عن الكأس المقدسة في الفيزياء.

 

د. جواد بشارة

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4690 المصادف: 2019-07-09 11:54:19