 قضايا

مدخل إلى الجذور السياسية والفكرية للخطاب السلفي

عدنان عويدإن السلفية بأبسط صورها في الخطاب الديني بشكل عام، تشكل موقفاً فكرياً وسلوكياً من الحياة، يقوم على اعتبار الماضي المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للأخلاف. وهذا الموقف ذاته نجده في الخطاب السلفي الإسلامي بشكل خاص أيضاً. حيث يُعتبر الخطاب الإسلامي بكل ما يتضمنه من قضايا مادية وفكرية وقيميّة حدثت في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، هو منطلق البداية والنهاية لمنظومة حياة الإنسان عموماً. أو بتعبير آخر إن تلك المرحلة التاريخية التي عاشها الرسول والصحابة والتابعون وتابعو التابعين بكل قيمها المادية والفكرية والأخلاقية، هي المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما جاء فيما بعد داخل حياة المسلمين. وبالتالي فكل جديد لا يتفق مع هذا الوجود، هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن السلفية كمنهج ورؤية وطريقة حياة  في ضوء هذا الموقف السكوني والجمودي والوثوقي، لم تأت بشكل عفوي، وإنما هي تتكئ على نص مقدس يتمثل في أحاديث للرسول يُشك في أمرها، إذ لا يمكن لنبي عظيم مثل محمد (ص) الذي غير مجرى التاريخ أن يقول أو يقر بها، كالحديث القائل : (خير القرون القرن الذي أنا فيه ثم الذي يليه ثم الذي يليه.). أو الحديث القائل: (أصحابي كالنجوم الساطعة بأي منهم اقتديتم اهتديتم.). لذلك فإن اعتماد أصحاب التيار السلفي الجمودي على هذه الأحاديث وهي أحاديث أحاد، (ظنية) جاء لتأكيد هذا الموقف السلفي الجبري الجمودي من الحياة،  متجاهلين  كل ما حدث من أمور في الدولة والمجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول مباشرة وصولاً إلى انهيار الخلافة الإسلامية ذاتها، وهي أمور أو أحداث لا تمت في معظمها إلى تعاليم الإسلام ولا قيم الرسول بصلة. فهل من المعقول على سبيل المثال لا الحصر، أن يكون القرن الذي وجد فيه الرسول وخاصة بعد وفاته هو خير القرون، وكانت هناك حروب الردة، ومقتل سعد بن عبادة لكونه لم يبايع أبا بكر وعمر، واتهموا الشيطان بقتله بذريعة أنه بال واقفاً،. ثم مقتل عمر بن الخطاب، و قيام الفتنة الأولى في الإسلام التي أدت إلى مقتل عثمان بن عفان. ثم قيام الفتنة الثانية بين علي وعائشة في (حرب الجمل). أو قيام معركة صفين بين علي ومعاوية على السلطة وظهور الخوارج. وهل من المعقول أن يكون كل أصحاب الرسول كالنجوم الساطعة يقتدى بأي واحد منهم، ومنهم من قتل عثمان وهو يقرأ القرآن، أو يحرض على علي بن أبي طالب في معركة الجمل وصفين ويقوم بقتله فيما بعد، وهل من المعقول أن ينهب معاوية الخلافة بقوة السلاح وشراء الضمائر ويحولها إلى ملك عضوض وهو من كتبت الوحي، ثم ينقلها إلى إبنه يزيد المعروف بسلوكياته المشينة ويأتي في مقدمتها فضيحة (وقعة الحرة) وغيرها من مفاسد يندى لها الجبين، هذه المفاسد التي صرح بها "معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية" بعد أن توفي والده يزيد، حيث اعتلى يومها المنبر وقال مخاطباً جمهور المسلمين : (أنتم أولى بأمركم فاختاروا من أحببتم ... أيها الناس إن جدي نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه وهو علي بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته المنية فصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بخطاياه، ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك، وركب هواه وصار في قبره رهيناً بذنوبه وأسيراً بجرمه... وقد قتل عترة رسول الله، وأباح الحرم وخرب الكعبة. وما أنا بالمتقلد ولا بالمحتمل تبعاتكم فشأنكم وأمركم..). (1).وهل من المعقول أن يكون من النجوم الساطعة الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي مزق القرآن وهو مخمور وخاطبه إن سألك ربك يوماً من مزقك، قل له يا ربي مزقني الوليد، وهو من قتله أخوه لمجونه!. وأخيراً أحب أن أنهي مسألة هؤلاء النجوم بموقف للخليفة الأموي " عمر بن عبد العزيز" عندما جاءت إليه عمته "فاطمة" بنت مروان مبعوثة من الأسرة الأموية الحاكمة تطالبه بأن يعدل عن مصادرة ممتلكاتهم التي سماها مظالم، فرفض وأصدر وثيقة (التأميم)، أو المصادرة وهو يقول مشبهاً ثروة البلاد بالنهر الذي هو حق للجميع ولا يجوز امتلاكه أو حيازته لأحد: ( إن الله تعالى بعث محمداً رحمة لم يبعثه عذاباً للناس، ثم اختاره له ما عنده... فترك لهم نهراً شُربهم به سواء. ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فترك الأمر على حاله وعمل عمل صاحبه. فلما ولي عثمان اشتق من ذاك النهر نهراً. ثم ولي معاوية فشق منه انهاراً، ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك وسليمان حتى أفضى الأمر إليّ وقد يبس النهر الأعظم ولن يروى أصحاب النهر أو يرضوا حتى يعود إليهم النهر الأعظم إلى ما كان عليه.). (2).

إذا كان هذا بعض ما جرى في قرن الرسول من أحداث يندى لها الجبين، وتعتبر من الناحية القيمية عاراً على تاريخ الإسلام والمسلمين معاً،  فكيف الحال بالقرنين التاليين بعد قرن الرسول، وهما القرنان اللذان فُجرت فيهما العصبيات القبليات بين اليمانية والقيسيّة من جهة وبين العرب والشعوب المنضوية تحت راية الإسلام والخلافة الإسلامية (الموالي) من جهة ثانية، ورفعت فيها السيوف وحكم فيها الخصيان  من أجل السلطة وشهوتها. ولتوضيح الأمر أكثر في مسألة هؤلاء النجوم الساطعة بالنسبة للتابعين وتابعيي التابعين من القرون الأخيرة اللاحقة لقرن الرسول، فلنعد إلى كتاب السيوطي (تاريخ الخلفاء) لنرى كيف تحول الكثير من الخلفاء إلى أدوات بيد الأعاجم بعد أن أهملوا قيادتهم للخلافة وانغمسوا في شهوات السلطة بين إماتهم وخصيانهم، وكيف راح الكثير من فقهاء الإسلام يفسرون النص المقدس ويؤولونه ويضعون الأحاديث على لسان الرسول خدمة لمصالح السلطة الحاكمة أو ضدهم، أو خدمة لمصالحهم هم أيضاً كتيار مدخلي وجدوا في تقربهم من السلطة وخدمتها باسم الدين تحقيقاً لمصالحهم الأنانية الضيقة. وكذلك كيف راحت الانحرافات الفكرية والعقيدية تظهر في القرن الثاني والثالث للهجرة المباركين بأهلها من سلفنا الصالح، حيث ظهر الكثير من الفرق والمذاهب الإسلامية التي شوهت الدين وحرفته عن مقاصده الحقيقة التي جاء من أجلها، كما يذكر ابن تيمية وأبو حامد الغزالي. (3). ثم مع انتشار المد الصوفي ألطرقي بشكل خاص منذ القرن الحادي عشر ميلادي مع سيطرة المماليك وصولاً إلى السلطنة العثمانية العتيدة بنهجها المليّ.

إن السلفية في صيغتها الوثوقية وفقاً لهذه المعطيات، هي برأيي ظاهرة تاريخية بامتياز، وكان وراء ظهورها جملة من الظروف الموضوعية والذاتية، ساهمت في استفحال أمرها، وبالتالي تجذرها وتبلورها فيما بعد. فمنذ أن بدأ الخلفاء الأمويون وفيما بعد العباسيون يحاربون الفكر المعتزلي القدري الذي كشف سيطرتهم على الخلافة بغير وجه حق، وسوء استخدامهم لها بقدرتهم وإرادتهم وليس بأمر وقدره الله كما يدعون، ومنذ أن بدأت الشيعة تفرض نفسها على الساحة السياسة كقوة تطمح بالسلطة من خلال اتكائها على النص المقدس ذاته تفسيراً وتأويلاً بأحقية آل البيت للإمامة، ثم بسبب تأثر بعض زعامتها بالفكر المعتزلي وخاصة في مسألة الإيمان بدور العقل وحرية الإرادة. ومنذ أن وصل المأمون إلى الخلافة وسخر كل سلطته لخدمة الفكر المعتزلي وعلم المنطق والفلسفة، وراح المؤمنون بهذا التيار العقلاني من مشايخ عصره يمارسون قمعهم للتيار السلفي الذي ساد لسنين طويلة باسم السلطة المؤمنة بالجبر والتي كانت وراء مقتل (غيلان الدمشقي، ومعبد الجهني، وجعد بن درهم)، حيث وجد أصحاب التيار القدري زمن المأمون والمعتصم والواثق الفرصة سانحة للانتقام من التيار السلفي والتنكيل به، بل وإصدار فرمان من الخليفة المأمون نفسه يمنع فيه استخدام النقل والاعتماد على العقل. فأمام كل ذلك نقول: عندما حدث الانقلاب السني في زمن المتوكل كما سيمر معنا راح أصحاب التيار السلفي يمارسون القمع من جديد على أصحاب التيار القدري، وهذا ما عبر عنه "الجاحظ" بكل وضوح بقوله: (إن ما قام به المعتزلة  من عداء لأهل السنة زمن الـمأمون، جاء رداً على عداء أهل السنة للمعتزلة والتنكيل  برجالات فكرهم مثل الجعد بن درهم- وغيلان الدمشقي- ومعبد الجهمي)، في العصر الأموي... ثم يتابع في موقع آخر برده على أهل السنة: وعبتم علينا تكفيرنا إياكم  واحتجاجنا عليكم بالقرآن والحديث، وأنتم أسرع الناس إلى تكفيرنا وإلى عداوتنا). (4). من هنا راحت السلفية تطرح نفسها فكراً وسلوكاً في الساحة السياسية والفكرية للدولة الإسلامية كتيار وحيد دون منافس، وكفرقة ناجية بشر بها الرسول كما يدعون.

قبل أن نتطرق إلى المرحلة التاريخية التي تجذر فيها التيار السلفي كتيار وحيد وفرقة ناجية، لا بد لنا أن ننظر في الإرهاصات الأولية التاريخية والسياسية والفكرية لهذا التيار منذ وصول الأمويين إلى السلطة، وقبل أن يتحول أيضاً إلى مشروع فقهي وكلامي قائم بذاته على يد المذاهب الفقهية السنية الأربعة، وعلى يد تيار المتكلمين الأشاعرة والماتريدية، ويأخذ كل هذه الاستطالة التاريخية’ ويمتلك كل هذه القوة في التأثير على الوعي الشعبي، ويحقق كل هذا الحضور في تاريخ الفكر الإسلامي حتى اليوم.

 

د. عدنان عويد - كاتب وباحث من ديرالزور سورية

..........................

1- د. حسن ابراهيم حسن- تاريخ الإسلام –ج1- دار الجيل – بيروت ط3- 1991- ص152 .

2-الدين في المجتمع والدولة – ندوة – مركز دراسات الوحدة- 1990- ص209.

3- حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية- الفارابي – بيروت- 1980 ط3- ج1- ص 364.

4- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة  - القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005-ص 45و55.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4693 المصادف: 2019-07-12 03:16:59