 قضايا

الاستلاب الوظيفي في زمن الثورة الصناعية الرابعة

علي اسعد وطفةمن الصدمة إلى التوازن ومن اليأس إلى الأمل

"بفضل القوة الهائلة للتكنولوجيا الرقمية، سقطت الحواجز الصمّاء التي كانت تفصل بين البشر، كالبعد الجغرافي واختلاف اللغات والافتقار المزمن للمعلومات، وتحررت القدرات الإبداعية الكامنة لبني البشر على شكل موجة هادرة جديدة تزداد قوّة دون انقطاع. وأصبحت هذه القدرات الضخمة تحت تصرف كل البشر وباتوا قادرين على تحريرها بلمسات أصابعهم "

من كتاب تشارلز كيترينج "العصر الرقمي الجديد» وإعادة صياغة مستقبل الشعوب.

بدأت بوادر إعصار الثورة الصناعية الرابعة تنذر بتغيرات عاصفة لم يشهد لها التاريخ الإنساني مثيلا من قبل. إنها عصف شديد الوطأة بكل ما عرفته الإنسانية من خبرات وتجارب وأنظمة وأفكار وقيم، وسقوط مروع لكل الأنظمة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها المديد. إنها حالة من الانفجار الحضاري الشامل في مختلف أنماط الوجود الإنساني الذي ينذر بزوال جميع الأنظمة الاجتماعية والفكرية التي سادت عبر التاريخ الإنساني. إنه صورة مذهلة من صور الانصهار النووي بين ثورات متدافعة في مختلف مظاهر الوجود، انصهار تتقاطع فيه الثورات المعرفية بالطفرات التكنولوجية وتتحد ثورات الاتصال بالثورات المعرفية ليحدث نوع من الاندماج الأسطوري العجيب بين ثورات مدهشة في مختلف العلوم الإنسانية والفنون والعلوم الدقيقة . وتتحد هذه الثورات جميعها في صورة نظام معقد فائق الذكاء يفوق كل ما أبدعته الإنسانية من حكايات وأساطير وأوهام. وهي بعبارة واحدة حالة من التزاوج بين الذكاء البشري والذكاء الآلي بطريقة عبقرية ليس لها مثيل أو نظير.

وما على المرء إلا أن يطلق لخياله العنان في وصف معجزات الثورة الصناعية وسيرتد ومض الخيال خائبا مسحورا. وتلك هي المرة الأولى في التاريخ التي يضعف فيها الخيال الإنساني عن قدرته على وصف صيرورة التغير في الحياة الإنسانية لأن ما يجري من حوادث واختراعات يفوق كل أشكال التخيل ويرتد قاصرا عما نحن إليه آيلون في زمن الاندماج الثوري الرهيب بين مختلف الثورات الإنسانية في مختلف المجالات العلمية والوجودية.

فنحن نعيش اليوم في عالم متفجر بالذكاء الاصطناعي الذي يشكل الفضاء الذي نعيش فيه والذي يحيط بنا في كل مكان وفي كل لحظة من لحظات وجودنا، حتى في لحظات نمونا العميق وأحلامنا التائهة في ظلام الليل. ويتمثل هذا الذكاء الاصطناعي في تدفق هائل من المخترعات الذكية في عالم افتراضي عجائبي لم يسبق له مثيل، مثل: أجهزة تحديد المواقع (GPS) وبرامجه، والسيارات ذاتية القيادة، والطائرات المسيرة ( بدون طيار)، وبرمجيات الترجمة، والحاسبات الذكية، والروبوتات المذهلة، والطابعات ثلاثية الأبعاد، وأنترنيت الأشياء، والنانو التكنولوجي، والطبابة الرقمية بالحاسبات الذكية، والمحاماة البرمجية، ووسائل التواصل الاجتماعي المذهلة، والفضاء السيبرنتي، والمكتبات الرقمية، والسفر الافتراضي في دائرة الزمان، والمحاكاة الافتراضية في كل الأشياء.

ومن أجل تقديم تصور سردي بسيط للعالم الافتراضي الذي نشارف أن نعيش فيه في مستقبل قريب جدا ضمن فضاء سيبراني يدور كل شيء فيه حول الإنسان وسنستعير وصفا أدبيا لأحد الكتاب الذي يصف صورة من الحياة اليومية في عالم الثورة الصناعية الرابعة التي تدق علينا الأبواب بكل ما هو مدهش ومثير وعجيب بقوله:

" تستيقظ في الساعة السادسة صباحا، بعد نوم عميق على انغام ساعتك الذكية، في ذات اللحظة تدب الحياة في بيتك، في غرفة النوم تبدأ الإضاءة في ساعة من الصباح تستنير الغرفة ذاتيا، ويبدأ الحمام بالاستعداد كي تأخذ حمامك الصباحي المعتاد، وكذلك الحال في المطبخ. وبعد أن تنتهي من إفطارك تبدأ بارتداء ملابسك التي فصلت على مقاسك، وبعدها يبدأ محرك سيارتك بالعمل في الكراج استعدادا للذهاب للعمل. تحاول الاتصال بكبير المهندسين بالمصنع الذي تملكه، ولكنك تفاجأ بأن بطاريته على وشك النفاد، لكن الهاتف يعطيك تنبيهاً بأنه لا داعي للقلق فعملية استبدال البطارية تتم الآن داخلياً دون مشاكل. تستلم رسالة على هاتفك تفيد بأن إحدى الآلات في المصنع قد تعطلت وأن عملية التصليح الذاتي قد بدأت بالفعل وأنها ستنتهي خلال ساعة تقريباً. ليس من الضروري أن تذهب يوميا الى المصنع فالمصنع يدير نفسه بالكامل ويعتني بنفسه في كل الحالات الطارئة التي قد تستجد، وأن اليوم ذاهب هناك لمجرد الرغبة بالذهاب لا أكثر. هذا ليس فيلم من أفلام الخيال العلمي، نحن في عالم ما بعد الثورة الصناعية الرابعة، حيث أن كل ما تحتاجه مصّنع لك حسب طلبك ومن أجل زيادة رفاهيتك".

وتتميز الثورة الصناعية الرابعة بفكرة محورية مفادها: "أن العالم يدور حولك " فكل شيء مصمم لك وحدك ومن أجلك ». ففي ذاك الزمن، وهو قاب قوسين أو أدنى من يومنا هذا، سيقوم الزبائن باستخدام تطبيقات برمجية على هواتفهم الذكية للحصول على أي سلعة استهلاكية، ويكفي للمرء ببساطة أن يسجل مواصفات المنتج الذي يريده ليقوم المصنع بتصنيعه على المقياس وإرساله على الفور إلى أمكان السكن والعمل بصوة مبسطة لا عناء فيها. فعلى سبيل المثال "لو أن هاتفك الذكي عرف موعد نهاية عمره الافتراضي في المستقبل القريب، فسيقوم الهاتف بإعطاء ملاحظة للمصنع والذي سيقوم بدوره بتغيير مستويات انتاجه ليعكس المعلومات التي منحها إياه هاتفك الذكي. بمعنى آخر فإن عملية التغذية الراجعة الخاصة بالمنتجات المصنعة ستكون ذاتية مما يساعد المصنع بشكل تلقائي على تطوير طريقة تصنيعه". وبمجرد أن يتوقف هاتفك الذكي عن العمل فستجد هاتفا آخر جاهزا تم تصنيعه خصيصاً لك ليحل محله على الفور، وسيكون الهاتف الجديد على نفس الشكل الذي تفضله والذي كان عليه هاتفك القديم المفضل[1].

وفي مثال آخر: " عندما يدخل الزبون (امرأة أو رجل) إلى مخزن البيع، يبدأ بانتقاء الزي المطلوب (الموضة) من الصور المعروضة عليه، ثم يختار نوع القماش المطلوب، ليدخل بعد ذلك إلى «غرفة القياس»، وهي غرفة سرّية مغلقة تشبه غرف التصوير الضوئي القديمة وتحتوي على عدد من «الكاميرات الرادارية» المثبتة في أماكن مناسبة من الجدران والتي تلتقط مقاس الجسم بطريقة تجميع أكبر عدد من النقط لمحيطه بطريقة «المسح الضوئي». وبهذا يتحول محيط الجسم إلى شبكة من النقاط المتوزعة في الفراغ ثلاثي الأبعاد. وخلال دقائق قليلة تنتهي عملية القياس لتنتقل البيانات إلى أجهزة القصّ والخياطة الذكية بحيث يتم الانتهاء من صناعة القطعة المناسبة خلال دقائق". [2] وهذه الأمثلة غيض من فيض عن التطورات الحادثة في مجال الصناعة والإنتاج والتكنولوجيا في الزمن القادم.

وكما هي فرص الثورة الصناعية الرابعة فهناك تحديات جسام، ولا تعدو أن تكون الصورة التي قدماها أكثر من الوجه الجميل لهذه الثورة، فلكل ثورة، كما لكل شيء في الوجود جانبين أحدهما يومض بالضياء وآخر ينكمش في الظل والعتمة، ولا تشكل الثورة الرابعة استثناء إذ تحمل في ثناياها كثيرا من الويلات وفي طواياها كثيرا من الإكراهات التي لن تروق لكثير من بني البشر. وفي هذا الوجه المظلم تكمن إشكاليات العطالة عن العمل والاغتراب الإنساني أو ما يسمى بتشيؤ الإنسان، وقضايا الضياع وفقدان الإنسان لذاته في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، والانقسام الطبقي الحاد، والحروب الاقتصادية، والأزمات الخطيرة في الحياة والمجتمع. وفي هذا البحث سنتوقف لمقارية التحديات التي تتعلق بسوق العمل وفقدان الوظائف وما ينجم عن هذه القضية من إشكاليات وقضايا إنسانية واجتماعية. والسؤال الرئيس الذي تطرحه دراستنا هذه: كيف ستؤثر الثورة الصناعية في سوق العمل؟ وهل يمكن في النهاية تحقيق التوازن في ميدان العمل مع مرور الوقت؟ وهل تحمل الثورة الصناعية في طياتها حلولا للمشكلات التي تطرحها في هذا الميدان؟

مفهوم الثورة الصناعية الرابعة:

تتميز الثورة الرابعة بقدرتها الهائلة على تدمير الحدود القائمة بين الأشياء، إنها نوع من التوجه لصهر مكونات الوجود في بوتقة واحدة تحيل الكون الذي نعيش فيه إلى كرة واحدة تتمازج فيه الثورات وتتكامل فيها الأشياء وكأنها كتلة واحدة من الوظائف والتكوينات، إنها باختصار تلغي الحدود الفاصلة بين كل ما هو فيزيائي ورقمي وبيولوجي وإنساني.

استخدم مفهوم الثورة الصناعية لأول مرة من قبل المؤرخ المعروف أرنولد توينبي (Arnold Toynbe) في كتابه "محاضرات في الثورة الصناعية" عام 1884 ([3]). ويرى توينبي في كتابه هذا أن الثورة الصناعية كانت تعبيرا عن تنامي في قوى الإنتاج الميكانيكية وأن هذه القوة أصبحت ثورة فقط لأنها تضافرت مع إرادة سياسية تنزع إلى القبول بالتغيير[4]، وترافقت بتغيرات اقتصادية ورأسمالية جوهرية وتحولات اجتماعية نوعية. وكما يرى الكاتب فإن الثورة الصناعية لم تكن مجرد تسارع في النمو الاقتصادي فحسب بل كانت نتاجا لعملية تنمية اقتصادية واجتماعية متضافرة في إحداث هذا التحول الكبير[5].

بدأت الثورة الصناعية الرابعة فعليا مع بداية الألفية الجديدة، ولاتزال هذه الثورة مستمرة حتى الآن. وهي تقوم على عدد من الركائز الحضارية التي تمثل في الاندماج بين عدد من الثورات العلمية أهمها: التقدم في مجال الهندسة الوراثية، والإنترنت، وابتكار الطابعات الثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي، والعملات الافتراضية، وإنترنت الأشياء، وغيرها. وتتسم هذه الثورة بدمج التقنيات التي ظهرت قبل ذلك، بالشكل الذي تمحى فيه الخطوط الفاصلة بين المجالات الفيزيائية والرقمية والبيولوجية ([6]). وهناك ثلاثة أسباب تجعل هذه التحولات متفردة في طبيعتها ومتميزة، وليست مجرد امتداد للثالثة. هذه الأسباب هي" سرعة التغيير، ونطاقه، وتأثير هذه التحولات في النظم السائدة.

ويرى كثير من المؤرخين أن الثورة الصناعية الأولى (1770-1880) بدأت في بريطانيا في عام 1770 وذلك مع اختراع المحرك البخاري. واستخدام الطاقة البخارية في الانتاج الصناعي. وقد أدى هذا الاختراع دورا كبيرا في معالم الحياة في ذلك الزمن وأحدث حالة ثورية هائلة في الانتاج والتصنيع. وتحت تأثير هذا الاختراع تحول المجتمع من مجتمع زراعي اقطاعي إلى مجتمع صناعي بامتياز ([7]). ويبين المؤرخون أن العصر الصناعي الأولى قد اعتمد على طاقة الفحم كقوة انتاج رئيسة واعتمدت هذه الطاقة في تسيير القطارات التي أصبحت بفضل المحرك البخاري وسيلة النقل الرئيسية في ذلك الزمن. وامتد هذا التأثير ليشمل صناعات النسيج والحديد والصلب والسفن التي بدأت باستخدام المحرّكات البخارية في أدائها الصناعي.

وقد أسهم اكتشاف الطاقة الكهربائية في تفجير الثورة الصناعية الثانية (1880-1960) وقد شاع استعمال المصباح الكهربائي اعتبارا من 1880، وانتشر استخدام الطاقة الكهربائية في المجال الصناعي على نطاق واسع ([8]). ومع بداية القرن العشرين، بدأ استخدام المحركات الآلية والكهربائية في مجال السيارات والقطارات وشكل هذا الاستخدام تحولا جذريا في مفهوم الحياة. وبعد ذلك تقاطرت الإنجازات العلمية بظهور الهاتف والإذاعة والتلفزيون والطائرة. وقد استفادت الثورة الصناعية الثانية من الطاقة الكهربائية في تعزيز الإنتاج الضخم، وكان ذلك أهم سماتها، وبدأ ذلك مع إبداعات )هنري فورد( الذي ابتكر في عام 1908 خط الإنتاج الشامل لصناعة السيارات. " واستمرت الثورة الصناعية في اختراعاتها تدريجيًا، فدخل العالم عصر الميكنة بشكل موسع. وقد أدت الثورة الصناعية الثانية إلى تغيير أنماط حياة الإنسان على وجه الأرض. فإلى هذه الثورة يُنسب شكل النظام الاقتصادي الدولي الذي نعيشه حاليا. ويمكن القول إن هذه الثورة كانت اللبنة الأساسية لشكل النظم الاقتصادية الموجودة على مستوى العالم "([9]).

أما الثورة الصناعية الثالثة فقد بدأت في عام 1960، واستمرت حتى عام 2000 وكانت للحواسيب والروبوتات اليد الطولى في توجيه مسارات هذه الثورة، التي عرفت لاحقا بتسميات متعددة مثل الثورة الرقمية وثورة المعلومات والثورة المعرفية وثورة الاتصالات. أما أعظم إنجازات الثورة الثالثة فكان استخدام الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الرقمية، "مما جعل الهوة تزداد اتساعاً بين الدول المتقدمة والدول التي تحاول جاهدةً اللحاق بالتطورات المتسارعة. لذا فالمراقب التاريخي يستطيع أن يرى اتصالاً بين الثورات الثلاث بحيث بدأت بميكنة الإنتاج، ثم ضخامة الإنتاج، ثم أتمتة الإنتاج"[10].

وفي ظل هذه الثورة اصبح التواصل المجتمعي، ونقل وتخزين وتداول المعلومات والبيانات منفتحا بدون حدود. وتطور العالم الافتراضي بتفاصيل مذهلة، ابتداء من العاب الاطفال ومرورا بالغرف الصفية والمختبرات الافتراضية، وانتهاء بالفضاء. واحتلت الأنظمة الذكية والروبوتات مكانة متقدمة في الصناعة إلى الدرجة أن العديد من الأعمال والمنتجات أصبحت تنفذ من خلال الروبوتات والأنظمة الذكية، ابتداء من التصاميم المعمارية وانتهاء بدراسة الفضاء واعماق البحار. وبدأ الذكاء الاصطناعي يحل محل الإنسان في كثير من الأعمال، وتطورت صناعات وعلاقات صناعية قائمة على هذه المعطيات. كما توسع الإنسان في استعمال مواد وانظمة جديدة من خلال انظمة رقابة وتحكم واتصالات محمولة، مما اتاح الفرصة للمنافسة العالمية على مستوى الوظيفة الواحدة والعمل الواحد. واصبح التواجد الفيزيائي الفردي في مكان العمل ليس ضرورياً في كثير من الاحيان. وهذا اعطى فرصة جديدة لتطوير العقلية العلمية والتكنولوجية والفكرية والثقافية المجتمعية، واستلزم كل ذلك اعادة النظر في برامج التعليم المدرسي والدراسات في كليات الهندسة والعلوم والاجتماع، وفتح آفاقاً غير محدودة للتعلم عن بعد والتعلم الالكتروني في شتى المواضيع، وجعل الانترنت مكتبة عالمية مفتوحة. كل ذلك للتماهي والتجاوب مع التغيرات المرافقة للثورة الصناعية الرابعة.

ويتضح في هذا السياق "أن سرعة الاختراقات العلمية الحالية لا يوجد لها مثيل في التاريخ البشري، إذ نرى بأعيننا تطور التقنيات الرقمية بسرعة مذهلة مقارنةً بالثورات الصناعية السابقة. واستطاعت هذه التطورات الجديدة أن تقلب موازين ومفاهيم التكنولوجيا السائدة إلى عهد قريب . فما كان ينظر إليه على أنه تكنولوجيا متقدمة تم نسفه تماماً وأصبح بلا فائدة اقتصادية، فنحن نرى بلايين البشر يتواصلون بواسطة الهواتف المحمولة مع إنترنت ذات سرعات خيالية، وقدرات غير محدودة للوصول إلى المعلومة، إضافةً إلى إنجازات تكنولوجية غير مسبوقة في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والمركبات الذاتية القيادة، والطباعة الثلاثية الأبعاد، وتقنيات النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم المواد، والحوسبة الكمومية" [11].

اختفاء الوظائف الشركات:

ويشير شواب إلى التدفق التكنولوجي الذي سيغمر العالم بقدرته الفائقة، مثل: الحوسبة الفائقة، والهواتف اللوحية المتنقلة، والذكاء الاصطناعي، والإنسان الآلي، والسيارات ذاتية القيادة، والطب الدماغي، والهندسة الجينية، تشير شواب إلى أن هذه التغييرات البعيدة المدى واضحة في كل مكان بيئتنا وبسرعة هائلة. وأكد شواب خلال كلمة الافتتاح على أن "الثورة التكنولوجية التي سنستقبلها قريبا ستغير نمط حياتنا وعملنا وعلاقاتنا الاجتماعية بشكل كامل. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن التقدم التكنولوجي يشكل عموما المصدر الرئيسي للتقدم الاقتصادي، إلا أنه كان وما زال يولد أيضا قلقًا وتوترات ثقافية عبر التاريخ. فالتغيرات التكنولوجية المفاجئة تثير تساؤلات حول التأثير الذي يمكن أن تمارسه على سوق العمل والأجور، وتثير نقاشًا قلقا حول زيادة مخاطر انعدام الأمن الوظيفي وتعميق التفاوت الاجتماعي وتكريس البطالة "التكنولوجية" الجماعية[12].

وينبئنا تاريخ الاكتشافات العلمية التكنولوجية أن الابتكارات الصناعية الرئيسية، مثل المحركات البخارية والكهرباء، وخط التجميع، يمكن أن تؤدي دورا سلبيا ومدمرا أحيانا في الاقتصاد والحياة المجتمعية. فهي قد تسبب خسائر كبيرة في الوظائف على المدى القصير، على الرغم من أن هذه الخسائر يمكن تعويضها على المدى البعيد من خلال إيجاد وظائف ذات جدوى كبيرة وأكثر إنتاجية وأكثر قدرة على تقديم تحسينات ملموسة في نوعية الحياة. مثلما حدث عندما حلت الرافعات مكان العمال ولكنها في الوقت نفسه وخلال فترات ليست قصيرة أوجدت وظائف جديدة بالنسبة للمهندسين والممولين والتجارب وفي قطاع الخدمات. هذا وتبين الوقائع والأحداث القريبة أن التقنيات الجديدة التي عرفناها في ظل الثورة الثالثة (ثورة الأنفورناتيك والمعلوماتية) قد أوجدت أيضا وظائف جديدة، مثل: المبرمجين ومهندسي الكمبيوتر، ومهندسي المعلوماتية، وهندسات التصميم، وعشرات الوظائف التي تتعلق بالبرمجيات وتحليل المعلومات.

يعد مفهوم الثورة الصناعية الرابعة من المفاهيم المستخدمة كثيرا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس وفي مجال نشاطات رجال الأعمال. هذا وتصف بعض الدراسات الحديثة كيف ستقوم الثورة الصناعية الرابعة بتشكيل مستقبل التعليم والجنس والعمل وكيف ستعمل على إعادة توظيف القوى العاملة وتنظيمها بصورة مختلفة.

ويخبرنا تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في دافوس عام 2016 ([13]) حول مستقبل التوظيف أنه "وفقا لتقديرات الخبراء فإن 65٪ من الأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة الابتدائية اليوم سيحصلون على وظائف غير موجودة الآن. ويتضح أيضا مابين (80-70)% من المهن والأعمال والوظائف ستختفي خلال العشرين سنة القادمة، صحيح أنه ستتوافر فرص عمل كثيرة، ولكن توفرها سيتطلب وقتاً أطول من ذلك. على صعيد الزراعة، سيقوم إنسان آلي قيمته 100 دولار فقط بالزراعة في الحقول بحيث يتحول مزارعو العالم الثالث إلى مدراء لمزارعهم بدلاً من الكدح طيلة النهار بحراثتها وسقيها.

وتبين إحصائيات أوردتها المجلة الأمريكية فورتشن (Fortune) إن 50% من الشركات العالمية تم استبدالها بشركات جديدة كل 5 سنوات. و أن متوسط العمر الافتراضي للشركات (بقائها في السوق) كان في حقبة السبعينيات من القرن الماضي 70 عام؛ أما الآن فقد تقلص إلى 15 عاما. وتبين التقارير أن المحامين الشباب في الولايات المتحدة لا يستطيعون الحصول على عمل اليوم، لأن برنامج أي بي إم واتسون القانوني يقدم لك مشورة قانونية في القضايا العامة الأساسية خلال ثوان بدقة تصل نسبتها إلى 90% وهي أفضل من المشورات التي يقدمها 70% من المحامين العاديين وبناء على هذا التقدم في الذكاء الاصطناعي فإن عدد المحامين سيتناقص في المستقبل إلى نسبة 90% ولن يتبق سوى المتخصصين منهم.

وقد يكون الأمر أكثر إيلاما في المجال الطبي وتأثيرا في تغييب مهنة الأطباء وتقليص مجال عملهم. فعلى سبيل المثال: تقوم الشركات الطبية اليوم باختراع جهاز طبي يعمل على تطبيق برنامج على الهاتف النقال، حيث سيكون بإمكان الفرد أن يفحص بنفسه شبكة العين، وعينة من الدم، وقياس عملية التنفس في آن واحد. ويتمكن هذا الجهاز من تشخيص 54 مرضا بصورة دقيقة. والمدهش في هذا الاختراع أنه سيطرح بأثمان بخسة حيث يمكن لأي إنسان على هذا الكوكب أن يحصل عليه ومن ثم أن يجري تحليلاته الطبية المتطورة والدقيقة بالمجان تقريباً، وهذا يبشر بوداع مؤكد للمستوصفات والمستشفيات. ويضاف إلى ذلك أن برنامج "واتسون" الطبي يستطيع تشخيص مرض السرطان بدقة متناهية بل و أفضل من تشخيص البشر أربع مرات. وسيكون الحاسوب في العام 2030 أكثر ذكاء من أي إنسان عرفته البشرية كما تنبئ التوقعات المستقبلية.

وليس اختفاء الوظائف هو ما يقلق ويخيف فحسب بل اختفاء الشركات الصناعية والاقتصادية وزوالها . فالذكاء الاصطناعي يهدد الشركات التقليدية بالزوال والانقراض أيضا . ففي عام 1988، كانت شركة كوداك توظّف 170 ألف موظفا وتبيع 85% من الصور الورقية في العالم! بعدها بسنوات قليلة، أفلست الشركة وفقدت قوتها التنافسية بشكل كبير جدا. وما حدث لشركة كوداك، سيحدث لكثير من القطاعات في السنوات العشرة القادمة، وهذا الأمر سيكون مخيفا جدا في السنوات القادمة، ولاسيما في العقدين الثالث والرابع من القرن الحادي والعشرين. ويلاحظ في هذا السياق أن البرمجيات ستدمر كثيرا من الصناعات التقليدية في مدة زمنية تتراوح بين خمس وعشرة سنوات. فشركة Uber أكبر شركة تكسي في العالم اليوم، وهي لا تملك سيارة واحدة. وشركة Airbnb أكبر شركة فندقية في العالم، وهي لا تملك عقارا واحدا.

ولن يقتصر تأثير الثورة الصناعية الرابعة فقط في معدل خلق الوظائف، ولا في نسبة إحلال الوظائف الجديدة محل الوظائف القديمة، وإنما سيمتد أيضاً إلى نوعية المهارات المطلوبة لأداء الوظائف، وستزداد نتيجة لذلك فجوة المهارات وفي مثل هذه البيئة المتغيرة للتوظيف يصعب التنبؤ بنوعية المهارات المطلوبة في المستقبل، ومن دون الفهم الصحيح لنوعية المهارات والتعليم المطلوب مستقبلاً لن يستطيع الأفراد والشركات والحكومات تحقيق الاستفادة القصوى من مزايا الثورة الصناعية أو حتى مجرد تفادي الآثار الجانبية غير المرغوبة فيها.

مخاوف مشروعة:

يشكل اختفاء الوظائف مصدرا كبيرا للقلق والخوف بين السكان. ومخاوف الناس إزاء التقدم التكنولوجي المرتقب تختلف وتتنوع، ويمكن تصنيف هذه المخاوف عمومًا إلى ثلاث فئات: مخاوف تتعلق باستبدال العمال بالآلات لتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف، ومخاوف تتعلق بالعواقب والآثار السلبية الأخلاقية التي يحملها التقدم التكنولوجي، وأخيرا مخاوف تتعلق بعملية تباطؤ التقدم الاقتصادي الذي قد يصل إلى حدّ الركود الاقتصادي[14].

ويرى بعض المحللين الاقتصاديين أمثال (Mokyr, 2015 Vickers, Ziebarth,)[15] في مسار تقييم تاريخي للتجارب في مجال التقدم التكنولوجي أنه على الرغم من المخاوف التي تثيرها هذه التغيرات والاضطرابات القصيرة الأجل التي تحدثها فإن التقدم التكنولوجي طويل الأجل قد يكون مفيدا وإيجابيا في حركة التقدم الإنساني.

ففي خلال الثورة الصناعية الأولى، كان القلق يولد من مستجدات العمل الذي يجرد العمال من إنسانيتهم ويغتربهم. أما اليوم فإن الخوف الأكبر هو عالم يكون فيه غياب، أو تغييب الوظائف، هو المصدر الأكبر للخوف والقلق، لأن البطالة هي أخطر أنواع الاغتراب الإنساني المعاصر. فالبطالة تشكل اليوم مصدرا رئيسا للخوف والقلق وانعدام الأمن الاجتماعي. ومن جهة ثانية ما زال الانطباع بأن عصر التقدم التكنولوجي الكبير ما زال حاضرا، وفي هذا الصدد يشير روبرت جوردون (Robert Gordon) [16]عالم الاقتصاد الأمريكي، في كتابه "صعود وهبوط النمو الأمريكي" إلى أن نمو الاقتصادات الغربية سوف يتباطأ تحت تأثير متغيرات: ركود التعليم وتراجعه، والشيخوخة السكانية، والديون الكبيرة التي تثقل كاهل طلاب الجامعات والحكومة[17].

ويشير التقرير الاقتصادي لمنظمة التعاون والتنمية المتعلق بمستقبل التوظيف إلى أن التكنولوجيا الجديدة المتمثلة في الذكاء الاصطناعي والأتمتة والرقمنة ستؤدي إلى تغييب عدد كبير من الوظائف التقليدية المعهودة. وكما هو معروف لقد سبق للآلة أنها أقصت العمالة اليدوية وحلت محلها في أداء عدد كبير من المهام التي يقوم بها العمال المتخصصون ولاسيما هذه التي كانت تتطلب قدرا محدودا من الكفاءة العلمية والمهارة وذلك بدرجة أكبر بكثير مما كان متوقعا (OCDE, 2013)[18]. وضمن هذه الرؤية فإن التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي المعاصر سيؤدي فعليا إلى زيادة احتمال إحلال الأتمتة الآلية مكان عدد كبير جدا من الوظائف الفنية والمهنية.

في يناير 2017، كشفت دراسة أجرتها شركة (McKinsey & Company) [19] إن 30% من الوظائف التي تشمل 60% من المهن سيتم حوسبتها تقريبا. وأشار كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا إن 80 مليون وظيفة في الولايات المتحدة و 15 مليون وظيفة بريطانية يمكن أن تكون وظائف تقوم بها الروبوتات الذكية[20]. وفي عام 2013، أظهرت دراسة أجراها أكاديميون من جامعة أكسفورد بعنوان "مستقبل التوظيف" على 702 وظيفة مشتركة أن بعض المهن مثل: مهن البيع التجاري والمتاجر، ومهن حسابات الضرائب، والتحكيم الرياضي، مهن معرضة لخطر الزوال أكثر من غيرها ولاسيما المهن العلمية هذه التي تخص علماء النفس، وأطباء الأسنان، والأطباء بعامة. وهذا التوقعات تأتي على سبيل المثال وليس الحصر [21].

وفي هذا الشأن حول تأثير الأتمتة الآلية والذكاء الاصطناعي في سوق العمل، نشر الاقتصاديان الأمريكيان دارون أسموغلو (Daron Acemoglu) من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (M.I.T.,) وباسكوال ريستريبو (Pascual Restrepo,) في جامعة بوسطن (Université de Boston) دراسة بعنوان " السباق بين الآلة والإنسان" (The Race Between Man and Machine) تبين أنه من المحتمل أن يؤدي التشغيل الآلي إلى خلق وظائف جديدة وأفضل بحيث سيعود مستوى البطالة والأجور في نهاية المطاف إلى مستوياتها السابقة. وهذا يعني الذكاء الاصطناعي لن يكون مخيفا إلى هذه الدرجة، وذلك لأنه يؤدي إلى توليد وظائف جديدة[22]. ولكنهما بعد أقل من عام عدلا رؤيتهما بدراسة رصينة نشرت في المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية (National Bureau of Economic Research) بعنوان "الإنسان الآلي والعمل" (Robots and Jobs)، وقد وُصفت هذه الدراسة من قبل صحيفة New York Times بأنها "الدليل على أن الروبوتات تفوز بالسباق في الوصول إلى العمالة الأمريكية ". ويتضح في ضوء الدراسة الثانية (الإنسان الآلي والعمل) أن البحث الأول كان ممارسة نظرية وتمرينًا مفاهيميًا، ولكن البحث الثاني الذي نشر من المكتب الوطني (NBER) اعتمد بيانات حقيقية ومعطيات واقعية منذرا بمستقبل للعمالة أكثر تشاؤماً. في هذا البحث الأخير فوجئ الباحثان برؤية زيادة ضئيلة للغاية في عدد الوظائف في المهن الجديدة التي يمكن أن تعوض خسائر الوظائف في التصنيع، وبينوا هذه المرة وبطريقة ميدانية أن مثل هذه الزيادة في الوظائف الجديدة يمكن أن تحدث، ولكن في الوقت الحالي وجد عدد كبير من الموظفين أصحاب الياقات الزرقاء الذي لا يحملون شهادة جامعية أنفسهم خارج سوق العمل بصورة نهائية[23]. وقد عقب أسموغلو (Daron Acemoglu) على جريد النيوز تايم بقوله: " وبالنتيجة حتى لو حدثت هناك زيادة في الأجور سيكون هناك خسارة في هذه العملية، ويجب أن ننتظر وقتا طويلا جدا كي يستعيد المجتمع عافيته جراء الحضور الواسع للأتمتة الآلية في سوق العمل ".

في كتابهما "عصر الماكينة الثانية: العمل، التقدم، والازدهار في زمن التقنيات البارعة" (« The Second Machine Age: Work, Progress, and Prosperity in a Time of Brilliant Technologies »)، يقرّ إريك برينجولفسون (Erik Brynjolfsson)، الأستاذ في كلية سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأندرو مكافي (Andrew McAfee)، بأنه في " قلب الرأسمالية يكمن مفهوم التدمير الخلاق "( Au coeur du capitalisme existe le concept de destruction créative). وقد اتضحت هذه الظاهرة من خلال التقدم التكنولوجي الذي يصول ويجول الآن في الوسط الإنساني. أدت الابتكارات مثل البخار والكهرباء وأجهزة الكمبيوتر وغيرها كثير إلى تغيرات جذرية في الطريقة التي نفكر فيها ونعمل بموجبها كما أثرت في طبيعة المهن التي يقوم يؤديها البشر.

هذه التطورات الهائلة في "الروبوتات" وغيرها من التقنيات الرقمية تسبب القلق الفعلي بين العاملين وفي وسائل الإعلام. فهناك الكثير من الخوف المبرر، فعلى سبيل المثال، يرى كثيرون أن الروبوتات لن تدمر الوظائف الموجودة فقط، بل ستكون الأفضل في أدائها بالمقارنة مع البشر في معظم أو كل المهام المطلوبة في المستقبل، وهنا يكون الأسوأ. وهذه ليست أكثر من نصف الحقيقة فالروبوتات يمكنها في حقيقة الأمر أن تؤدي دورها بشكل أفضل في عدد من الوظائف والمهام المكلفة بها، ولكن وبالمقابل سيكون أداء البشر أفضل في كثير من الوظائف الأخرى[24].

إنه من السهولة بمكان اليوم الإشارة إلى الوظائف المهددة بالتغير التكنولوجي، ولكن من الصعوبة بمكان حتى على الاقتصاديين وعلماء المستقبل تحديد الوظائف الجديدة التي ستظهر، وما إذا كان من يريدون شغلها مؤهلون فعليا لملئها وما إذا ستكون أجورهم مرضية كفاية.

يرى برينجولفسون (Brynjolfson) وماكافي (McAfee) أن كلمة محاسب (calculator) كانت عنوانا لمهنة وظيفية حقيقية حيث كان الموظف المحاسب بقوم بمعالجة أعمدة طويلة من الأرقام. وعندما أخترع الحاسوب (Ordinateur) اختفت مهنة المحاسب واختفت معها مهام أخرى تتصل بالحسابات مثل علماء البيانات: ذلك لأن أجهزة الكمبيوتر بدأت تعالج أطنانا من البيانات الضخمة من المعلومات بسرعات خيالية ودقة مثالية. ومن ثم فإن الحاسب نفسه أوجد عددا كبيرا من المهن التي تتعلق بتكنولوجيا الحاسب وبرمجته ووظائفه. وهذا يعني في النهاية أنه في الوقت الذي يتم فيه القضاء على الوظائف القديمة عن طريق الأتمتة الآلية فإن الاقتصاد يستمر في خلق فرص عمل جديدة وصناعات جديدة لم تكن موجودة من قبل.

ويمكن القول هنا وفي هذا السياق أن الوظائف التي يمكن قياس أداءها أي هذه التي تستند إلى قواعد واضحة ودقيقة يمكن أن تؤتمت وهي مرشحة أكثر من غيرها للأتمتة الآلية. أما المهن التي ستكون آمنة ومستقرة في المستقبل وبعيدة عن خطر الأتممتة هي الوظائف والمهن التي لا تستطيع الآلات أن تقوم بها. وهناك ثلاثة مجالات يتميز فيها البشر ويتفوقون على الآلة وهي: الجهود والنشاطات الإبداعية، والتفاعلات الاجتماعية، والوظائف التي تتطلب مهارات بدينة وقدرة على الحركة.

العدالة الاجتماعية:

تشكل مسألة العدالة الاجتماعية مصدر قلق وجودي واقتصادي بالنسبة للشعوب والأمم في زمن الثورة الصناعية الرابعة. وتبين الدراسات في هذا الصدد أن أكثر المستفيدين وظيفيا في الثورة الرابعة هم اصحاب المواهب الفكرية والفنية من المخترعين والمساهمين والمستثمرين وهو ما يفسر اتساع الهوة في الثروة بين أولئك الذين يعتمدون على رأس المال او العمل. لذا ستكون التكنولوجيا واحدة من الأسباب الرئيسية لركود الدخل، أو حتى تراجعه بالنسبة لغالبية السكان في البلدان ذات الدخل المرتفع، حيث يزداد الطلب على العمال ذوي المهارات العالية في حين ينخفض الطلب على العمال الأقل تعليما والأدنى في مستوى المهارات. ويتضح في هذا السياق أن الطلب في سوق العمل سيكون من نصيب على اصحاب المهارات العالية وسنخفض الطلب بوتائر متسارعة على عير المؤهلين علميا وفكريا [25].

ولا يبخل الخبير الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز Maynard Keynes (1930)) في تقديم النصيحة حول سؤال المصير إذ يقول:" في مرحلة الانتظار علينا أن نتخذ الاستعدادات البطيئة لمواجهة مصيرنا عبر تشجيع فنون الحياة وممارسة الأنشطة الخلاقة ". ويرى كينز في هذا السياق أن التكنولوجيا تسمح بتركيز أكبر للثروة على عدد أقل من الأفراد والمؤسسات العالمية. وقد أظهر تقرير نشرته منظمة أوكسفام (يناير 2017) أن 8 أشخاص فقط يملكون من الثروة ما يعادل الثروة التي يمتلكها 3.6 مليار أي النصف الأفقر من سكان الكوكب. ويوضح التقرير أن 5 من هؤلاء الأشخاص الأغنى في العالم يديرون شركات التكنولوجيا والمعلوماتية[26].

ويعتقد غاي ستاندنغ Guy Standing الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية والإسرائيلية بجامعة لندن، أن زيادة الفوارق الاجتماعية واتساع الهوة الطبقية بين الناس ستؤدي إلى ولادة طبقة جديدة يطلق عليها كلمة جديدة "بريكاريا " " precariat"[27] وهي توليف لغوي جديد يجمع بين كلمتي البروليتاريا prolétariat والهشاشة précarité، ويمكن أن نترجمها بالبروليتاريا الرثة، أو العمالة الهامشية، أو العمالة المتحولة. ويصف ستاندنغ في كتابه عام 2011، الكيفية التي عززت فيها العولمة المنافسة في الأسواق على حساب الأمن الوظيفي. حيث بقيت الأجور الحقيقية راكدة لعقود، وأصبح العمل "المرن" « flexible » هو المعيار في الحصول على العمل، وقد أدى هذا إلى حرمان ملايين الناس حول العالم بدون أمن وظيفي أو دخل مالي آمن بوصفه مصدرا الاستقرار أو بدو شعور بالحرية والاجتماعية أو إحساس بالدلالة والمعنى. ويحذر ستاندنغ من مخاطر تزايد العمالة الهامشية "البريكاريا" " precariat" على الاستقرار في المجتمع، ويتبه إلى محاذير تزايد مخاطر التطرف السياسي.

وفي مواجهة هذه الوضعية يطالب ستاندنغ بوضع استراتيجية فعالة ومتدرجة لإعادة توزيع الثروات الاقتصادية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ الأمن الوظيفي، لحماية المجتمع وترسيخ لحمته السياسية والاجتماعية. ويمكن أن نقع على مثل هذا التصور الاستراتيجي في يوتوبيا (Utopia) توماس مور Thomas More عام 1516، أي قبل 500 عاما حيث يعتقد توماس مور أن ارتفاع الدخل في المجتمع يؤدي دوره كترياق ضد الانحرافات والجرائم ويشكل مناعة طبيعة ضد كل أشكال الاضطرابات في المجتمع. والفكرة هنا بسيطة إلى حد كبير إذ يجب على الدولة أن تخصص راتبا لكل شخص راشد في المجتمع بغض النظر عن وضعه المهني. ويرى أصحاب هذه الرؤية أن هذه الاستراتيجية ستوفر شبكة أمان حيوية لجميع المواطنين كما تؤدي إلى إزالة نظم الاستحقاقات غير الفعالة القائمة حاليا في المجتمع. ولكن هذه الفكرة تعرضت للنقد الكبير من قبل عدد كبير من الاقتصاديين الذين يرون أن هذا النهج صعب المنال ولا يمكن تحقيقه ومن شأنه يؤدي إلى التكاسل ويضعف إرادة العمل في المجتمع[28].

ويعتقد بعض الباحثين بأنه يمكن لمعطيات الأتمتة الاصطناعية في مضمار الثورة الصناعية الرابعة أن تحدث تغييرا جوهريا في وضعية العمل وقد تؤدي إلى إلغاء الشعار المعروف "العيش من أجل العمل"، واستبداله بشعار "الحياة من أجل الترفيه" وممارسة الهوايات، فعندما تؤدي الآلات الذكية معظم الأعمال والوظائف في المجتمع، يمكن للمواطنين تكريس مزيدا من الوقت للعمل التطوعي، وريادة الأعمال، والعيش مع الأسرة، والمشاركة المدنية، والنشاطات الإبداعية.

يلاحظ المراقبون أنه على أثر الأزمة المالية التي ضربت جنوب أوروبا في عام 2008، ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب لتصل إلى نسبة تراوحت ما بين 50% و 60%، وهذا يعني أن حوالي نصف جيل الشباب وجد نفسه خارج سياق العمل بلا أهداف ومن غير حرية اجتماعية أو كرامة إنسانية أو قدرة على المشاركة في المجتمع، ومثل هذه الوضعية ترقى إلى مستوى المأساة. ومع خطورة هذه الوضعية ومأساويتها يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن هناك عمل يحتاجه المجتمع؟ ألا يوجد أطفال في فصول مدرسية مكتظة ويحتاجون إلى معلمين وخدمات تعليمية؟ ألا يوجد هناك أشخاص مريضون ويحتاجون إلى علاج؟ ألم يكن هناك مباني مدرسية تحتاج إلى ترميم أو تجديد؟ ألم تكن هذه المجتمعات بحاجة إلى تشكيل البنية التحتية وتجديدها؟

هذه الأسئلة كما تمت صياغتها تأخذ في الغالب طابعا أدبيا. فالمجتمع لا تنقصه مشكلات ليعالجها ولا فرصا ليشارك فيها. فالمسألة ليست هنا في مناحي هذه الأسئلة المتفرقة إنها مشكلة صميمية تتعلق بالبنية الاقتصادية الاجتماعية في المجتمع والتي تعاني من الإخفاق. وهذه الوضعية تشجعنا على التفكير في مستقبل التكنولوجيا الجديدة التي تتمثل في الذكاء الاصطناعي والأتمتة الذكية وهذا التفكير يتناول كل القوى الاجتماعية التي يمكن أن تشارك بطريقة يستطيع معها المجتمع تجاوز هيئته القديمة.

فالفعالية الحقيقة للدخل الأساسي في المجتمع مهمة جدا، لأنه مع غياب الدخل الأساسي وضماناته من قبل الحكومات سيعاني المجتمع من غياب الأمن والحرية الاجتماعية، وسيكون عندها مجتمعا سيئا للغاية. وفي عديد من البلدان: الولايات المتحدة، وفنلندا، والهند، وإيطاليا، وأوغندا، وكندا وغيرها، التي تشهد تطبيق برامج تجريبية لاختبار فكرة الدخل الأساسي. يتضح أن شروط الحياة قد تحسنت في مستويات الغذاء والنشاطات التربوية والاقتصادية وانخفضت نسبة الأمراض والديون[29].

ومن التجارب المهمة في هذا المجال يشار إلى التجربة الكندية حيث يتلقى 4000 شخص في أونتاريو حوالي 17000 دولارا كنديا في السنة دون شروط أو قيود[30]. وعند إطلاق هذا المشروع التجريبي، قالت رئيسة وزراء أونتاريو كاثلين وين (Kathleen Wynne) إن مثل الخطة كانت ضرورية للرد على "التحديات الجديدة" التي فرضها التطور الحديث. وتصف كاثلين وين هذه المرحلة بأنها مرحلة تحمل في طياتها درجة كبيرة من اللايقين والتغيير.

وما هو أدهى وأشد أن التحديات التي تواجهها المجتمعات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين لا تقف عند حدود هذه التي يفرضها التقدم التكنولوجي للثورة الصناعية الرابعة، فالعالم سيواجه تحديات مخيفة ومتزامنة مع التحديات التكنولوجية لهذه الثورة الصناعية، مثل: تغير المناخ (changements climatiques)، النمو السكاني (croissance démographique)، شيخوخة السكان (le vieillissement de la population)، مقاومة المضادات الحيوية (résistance aux antibiotiques)، وتزايد عدم المساواة، وهذا كله غيض من فيض قادم.

وفي مواجهة هذه التحديات كثيرا ما تعتقد بعض الدول أنها يمكنها مواجهة هذه التحديات بصورة منفردة ولكن الحقيقة الدامغة هي أن أياً من هذه الدول لن يستطيع مواجهة هذه التحديات بمفرده، ولا حتى مجموعات منفصلة من الدول، فالمواجهة يجب أن تأخذ طابعا عالميا كي تتمكن البشرية من مواجهة المصير الإنساني بصورة عامة.

كيفيات المواجهة:

ويبشر كلاوس شواب[31] (Klaus Schwab)[32] رئيس المنتدى الاقتصادي بمستقبل متفائل حيث سيصبح الابتكار التكنولوجي، وكذلك قدرتنا على استغلاله، محركًا قويًا للنمو الاجتماعي والاقتصادي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف ستواجه هذه المسألة من قبل الحكومات والعمال؟ ليس أمرا صعبا تقديم إجابة عن هذا السؤال الجوهري، كما يرى كراهام مارتن (Graham Brown-Martin) إذ يتوجب على الأفراد وبمساعدة الحكومات اتخاذ وضعية استراتيجية يتجنبون فيها الوظائف التي يحتمل أن تختفي أو تستبدل بالأتمتة أو بـ"الروبورات" أو غيرها من الأجهزة. ويتوجب عليهم الالتزام بتجديد وتحديث مهاراتهم المهنية والعلمية على مدى الحياة، سواء من خلال الاطلاع والحصول على دروس إضافية عبر الإنترنت أو التعلم في المؤسسات العلمية وفي المعاهد مباشرة. ولا بد من القول هنا: "بأن مبدأ التعلم مدى الحياة، والمرونة، والتعليم المستمر، وإعادة التعليم، والتعلم الذاتي تشكل العناصر الأساسية في مواجهة تحديات الأتمتة والإحلال الآلي للوظائف. وهذا يعني في النهاية السباق الدائم مع الذكاء الاصطناعي والروبوتات الاصطناعية المستقبلية"[33].

ويتوجب على الحكومات من ناحية أخرى خلق مناخ موات يمكن أصحاب المشاريع ورجال الأعمال من تطوير أعمالهم على النحو الذي يمكن المؤسسات الجديدة من ابتكار وظائف جديدة، وهنا يجب أن نعلم أن دور الحكومات لا يكون في إبطاء وتيرة التقدم التكنولوجي وتعطيلها بل يجب أن يكون في مساعدة المؤسسات الصناعية والتجارية وسوق العمل ورجال الأعمال والعمال على تحقيق أعلى درجة تطور ممكنة، وتمكينهم من توليد استراتيجيات جديدة تواكب هذا التطور وتحافظ على مكانة الإنسان فيه في مواجهة خطر الأتمتة الآلية والحضور الكبير للذكاء الاصطناعي.

في مواجهة هذه المعضلة الناجمة عن التقدم التكنولوجي، طرح الملياردير الأمريكي مارك كوبان (Mark Cuban) أفكار جريئة حول مستقبل التوظيف، إذ يرى أنه في العقود المقبلة ستكون الأتمتة هي القاعدة الأساسية التي تسود في مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مواجهة ذلك سيزداد الطلب على المفكرين والمبدعين والمبتكرين الذي يتفوقون في مجالات الفنون الليبرالية المتنوعة. ويرى كوبان أيضا أن مستوى التغيير الذي سنراه في مجال الوظائف في السنوات الخمس أو العشر القادمة سيتفوق على ما شهدناه خلال السنوات الثلاثين الماضية، وفي الوقت الذي سيحتل فيه الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وضعية مركزية في الحياة الاجتماعية والصناعية، سيكون هناك مزيد من متطلبات الخبرة في مواضيع مثل اللغة الإنجليزية، والفلسفة، واللغات الأجنبية. ووفقا لتوقعاته، فإن بعضا من أكثر المهارات المطلوبة اليوم، مثل كتابة البرامج الحاسوبية ستعتمد في النهاية على الأتمتة، ولكن مهارات التواصل والتفكير النقدي ستصبح أكثر أهمية وأكثر منعة[34].

خاتمة - أو بارقة أمل:

يحمل لنا المستقبل في طياته الألفية الثالثة ما يفوق قدرتنا اليوم على الفهم، وما يتجاوز إمكانية التصديق، والأخطر أن حوادثه المحتملة قد تفوق قدرة البشر على التخيل. فهناك تغيرات مذهلة قد تفقد الإنسان توازنه الاستراتيجي في مواجهة التغيرات التي تعصف بمختلف مظاهر الكينونة والوجود. وفي تأثيرها على الأفراد، فإن الثورة الصناعية الرابعة "لن تغير فقط ما نقوم به ولكنها ستغير أيضا ما نحن عليه. انها سوف تؤثر على هويتنا وجميع القضايا المرتبطة به: خصوصيتنا واستقلاليتنا وأفكارنا وأنماط استهلاكنا، والوقت الذي نكرسه للعمل والترفيه، وكيف نطور عملنا، ومهاراتنا وكيف نلتقي بالأخرين ونطور علاقاتنا معهم .

وفي المستوى الوظيفي – دون غيره - كما قدمنا أعلاه، فإن الوظائف تتجه إلى الاختفاء والشركات إلى الاندثار، فالجديد يولد والقديم يموت من غير احتواء. والعالم يتغير والذهنيات تتبدل، وكأن الإنسان في عصف من جحيم التغير والتبدل والاختراع، التي يتحجر فيها الإنسان إلى حالة من التشيؤ والانصهار في عالم مادي تحكمه الآلات المدججة بالذكاء الاصطناعي. وإذ كان الإنسان في العصور القديمة يناضل كي لا يكون عبدا فعليه اليوم أن يناضل كي لا يكون آلة كما يقول أحد الحكماء.

ففي العالم الجديد كما أشرنا من المتوقع أن تهيمن الوظائف الجديدة المستقبلية للثورة الرابعة في العقود القليلة القادمة ولاسيما في مجالات: الذكاء الاصطناعي، وصناعة الروبوتات Robotics، وتكنولوجيا النانو Nanotechnology، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وعلم الوراثة، والتكنولوجيا الحيوية. ويتوقع أصحاب العمل والصناعات الحصول على مهارات تربوية تتمثل في القدرة على الإقناع، والذكاء العاطفي، والقدرة على تعليم الآخرين وتأهيلهم إنسانيا وأخلاقيا. لقد أدرك أرباب العمل بالفعل قوة الفنون الحرة في تحفيز ريادة الأعمال وتطوير "المهارات الفردية" والاستجابة لمتطلبات السلامة في عملية الإنتاج والتوزيع[35].

وفي مواجهة هذا العالم المتدفق بالذكاء الاصطناعي فإن المجتمعات الإنسانية مطالبة اليوم بوضع استراتيجيات مضمخة بالأمل في مواجهة التحديات وتمكين الفرص في إقامة مجتمعات عادلة خلاقة. وهي معنية ضمن هذه الاستراتجيات الجديدة أن تقدم جوانب مضيئة في مجال احتواء مختلف التحديات ولاسيما مسألة الاغتراب الرقمي وتنامي الحضور المكثف للذكاء الاصطناعي وذلك لحماية الإنسان من الآثار السلبية للثورة الصناعية الرابعة.

وفي المجال التربوي فإنه لمن الواجب على الأنظمة التربوية في العالم أن تطور استراتيجيات جديدة لمواجهة مختلف التحديات الناجمة عن الثورة ولاسيما تحديات اختفاء الوظائف والعمل على تأهيل الناشئة تأهيلا مستقبليا يعتمد على احتمالات الذكاء الاصطناعي وتمكين الناشئة من الخبرات والمهارات والمعارف التي يمكنها أن تواكب حركة التطور التكنولوجي الهائل في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين. وفي الختام نقول بأن الإنسان استطاع حتى يومنا هذا أن يجد لكل معضلة مخرجا عبر تاريخه الطويل وهو بطاقته اللامحدودة وإمكانياته المذهلة لقادر على أن يحقق المستحيل، وكلنا أمل أن تجد الإنسانية طريقها المستنير في المحافظة على الكينونة الإنسانية في معركة البقاء والمصير.

 

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

...........................

قائمة المراجع:

سلام أحمد العبلاني، وعود الثورة الصناعية الرابعة منعطف هائل في تاريخ البشرية، (الافتتاحية) مجلة التقدم العلمي، مجلة الكويت، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018،

محمد عبد القادر الفقي، الثورات الصناعية الأربع: إطلالة تاريخية، مجلة التقدم العلمي، مجلة علمية فصلية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018.

محمد نجيب السعد، الثورة الصناعية الرابعة.. هل نحن مستعدون؟ جريدة الوطن العمانية، 6 فبراير، 2016.

George Anders, You Can Do Anything: The Surprising Power of a “Useless” Liberal ArtsEducation (New York: Little, Brown and Company, 2017).

Acemoglu D (MIT), Restrepo P (Université Boston), The Race Between Man and Machine:

Eric Hobsbawm, Industry and Empire – The Birth of the Industrial Revolution (New York: The New Press, 1968.(

Eric Schmidt & Jared Cohen , The New Digital Age: Reshaping the future of People,Nations and Business،(United States: Alfred A. Knopf، 2013)

Frey C.B., Osborne M.A., The Future of Employment - How susceptible are jobs to computerisation, Université d'Oxford:

Graham Brown-Martin, L'Éducation et la quatrième révolution industrielle, Préparé pourGroupe Média TFO, août 2017..

Mokyr, Joel, Chris Vickers, et Nicolas L. Ziebarth, The History of Technological Anxiety and the Future of Economic Growth: Is This Time Different? , Journal of Economic Perspectives, 29(3) 2015.

Robert Gordon « The Rise and Fall of American Growth: The US Standard of Living since the Civil War » (Princeton University Press, 2016 ).

Arnold Toynbee, Lectures on the Industrial Revolution (London: Rivingtons, 1884).

[1] - محمد نجيب السعد، الثورة الصناعية الرابعة. . هل نحن مستعدون؟ جريدة الوطن العمانية، 6 فبراير، 2016،. متوفر: http://alwatan.com/details/97392

[2] - Eric Schmidt & Jared Cohen , The New Digital Age: Reshaping the future of People,Nations and Business،(United States: Alfred A. Knopf، 2013)

[3] - Toynbee, Arnold, Lectures on the Industrial Revolution (London: Rivingtons, 1884).

[4] - Eric Hobsbawm, Industry and Empire – The Birth of the Industrial Revolution (New York: The New Press, 1968).

[5] -ibid.

[6] - محمد عبد القادر الفقي، الثورات الصناعية الأربع: إطلالة تاريخية، مجلة التقدم العلمي، مجلة علمية فصلية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018، ص9.

[7] - المرجع السابق، ص9.

[8] - المرجع السابق، ص9.

[9] - المرجع السابق

[10] - سلام أحمد العبلاني، وعود الثورة الصناعية الرابعة منعطف هائل في تاريخ البشرية، (الافتتاحية) مجلة التقدم العلمي، مجلة علمية فصلية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي العدد103 - أكتوبر 2018،

[11] - سلام أحمد العبلاني، وعود الثورة الصناعية الرابعة منعطف هائل في تاريخ البشرية، مرجع سابق.،

[12] Graham Brown-Martin, L'Éducation et la quatrième révolution industrielle, Préparé pourGroupe Média TFO, août 2017. URl:

https://www.groupemediatfo.org/wp-content/uploads/2017/12/FINAL-Education-and-the-Fourth-Industrial-Revolution_FR.pdf

-[13] عقد المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية في 23 يناير الجاري، وحضر المنتدى الذي استمر 4 أيام، زعماء سياسيون ورؤساء دول من أكثر من 40 دولة وأكثر من 2500 مسؤول حكومي ورؤساء شركات وأكاديميين من أكثر من 100 دولة. وناقش المشاركون آثار وتحديات "الثورة الصناعية الرابعة" على البشرية، كما ناقشت الاجتماعات الوضع الأمني العالمي، والنمو الاقتصادي ومشاكل البيئة، والنقاط الساخنة المتعلقة بالتحولات الاجتماعية وغيرها من المواضيع.

[14] Graham Brown-Martin, L'Éducation et la quatrième révolution industrielle, op.cit.

[15] Mokyr, Joel, Chris Vickers, et Nicolas L. Ziebarth, The History of Technological Anxiety and the Future of Economic Growth: Is This Time Different? , Journal of Economic Perspectives, 29(3) 2015, P 31-50. url:http://pubs.aeaweb.org/doi/pdfplus/10.1257/jep.29.3.31

[16] Robert Gordon « The Rise and Fall of American Growth: The US Standard of Living since the Civil War » (Princeton University Press, 2016 )

[17] Robert J.Gordon ,The end of economic growth, , Prospect Magazine, janvier 2016. URl:

https://www. prospectmagazine.co.uk/magazine/growing-pains-united-states-end-of-economicgrowth- productivity.

[18] Briefing de politique de l'OCDE sur le futur de l'emploi, mai 2016.

[19] Harnessing automation for a future that works, McKinsey, janvier 2017. url:

http://www.mckinsey.com/global-themes/digital-disruption/harnessing-automation-for-a-futurethat-works

[20] Labour’s Share - discours par Andy Haldane, Économiste en chef, Bank of England, novembre , 2015 . http://www.bankofengland.co.uk/publications/Pages/speeches/2015/864.aspx

[21] Frey C.B., Osborne M.A., The Future of Employment - How susceptible are jobs to

computerisation, Université d'Oxford. url:

http://www.oxfordmartin.ox.ac.uk/downloads/academic/The_Future_of_Employment.pdf

[22] Acemoglu D (MIT), Restrepo P (Université Boston), The Race Between Man and Machine:

Implications of Technology for Growth, Factor Shares and Employment, MIT, mai 2016.url:

https://economics.mit.edu/files/13179

[23] Acemoglu D (MIT), Restrepo P (Université Boston), Robots and Jobs, Evidence from the US

Labor Market, National Bureau of Economic Research, mars 2017. url:

https://irs.princeton.edu/sites/irs/files/event/uploads/robots_and_jobs_march_3.17.2017_final.pdf -

[24] Graham Brown-Martin, op.cit.

[25] - محمد نجيب السعد، الثورة الصناعية الرابعة، مرجع سابق.

[26] Une économie au service des 99 %, Oxfam, janvier 2017. url:

https://www.oxfam.or g/fr/rapports /une-economie-a u-service-des-99

[27] Précariat est un néologisme de la sociologie, formé à partir des mots précarité et prolétariat, et définissant les « travailleurs précaires » comme une nouvelle classe sociale.

[28] Graham Brown-Martin, op.cit.

[29] Universal Basic Income Pilot Schemes, Futurism . url:

https://futurism.com/images/universal-basic-income-ubi-pilot-programs-around-the-world/

[30] Projet pilote portant sur le revenu de base (mai 2017). URL:

https://www.ontario.ca/fr/page/projet-pilote-portant-sur-le

[31] Professor Klaus Schwab was born in Ravensburg, Germany in 1938. He is Founder and Executive Chairman of the World Economic Forum, the International Organization for Public-Private Cooperation.

[32] The Fourth Industrial Revolution: url:

https://www.weforum.org/agenda/2016/01/the-fourth-industrial-revolution-what-it-means-andhow-to-respond/

[33] Graham Brown-Martin. Op.cit.

https://www.groupemediatfo.org/wp-content/uploads/2017/12/FINAL-Education-and-the-Fourth-Industrial-Revolution_FR.pdf

[34] - Billionaire Predicts Liberal Arts-Driven Future, Inside Higher Ed, mars 2017. url:

https://www.insidehighered.com/quicktakes/2017/02/20/billionair e-pr edicts-liberal-arts-drivenfuture

[35] - 48 George Anders, You Can Do Anything: The Surprising Power of a “Useless” Liberal ArtsEducation (New York: Little, Brown and Company, 2017).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4693 المصادف: 2019-07-12 13:06:07