 قضايا

فشل الفلاسفة العرب

محمد ممدوحعادة ما تبدأ مواجهة المشكلات بالإحساس بوجودها أولاً ثم الاعتراف بها ثانياً ثم مواجهتها ثالثاً، أما فلسفة " كله تمام يا فندم" و"زوبعة فى فنجان" ودفن الرؤوس فى الرمال كل هذا مما يزيد المشكلات تعقيداً لأن هذه لا تُعد حلولاً أبدا، بل ولا أنصاف حلول، لأنها لا تعترف أساساً بوجود مشكلة بل تلتمس التبريرات وتفتعل المسببات مع اقتران تلك التبريرات على الدوام بالأمل فى انقضائها فى أسرع وقت.

هذا هو حال مشكلاتنا العربية، وهذا هو التوصيف الدقيق لواقعنا عربياً، مشكلات لا حصر لها كماً، ولا طاقة للضمائر بما كيفاً، حيث أزمات أخلاقية لامتناهية خلفت ورائها الجريمة والعنف وأغرقت مجتمعنا العربى كله فيما يمكن تسميته بـ" الفوضى الخلاقة "، وأفلحت النظم العربية المتعاقبة فى صناعة الإرهاب صنعاً على عينها، بجهل أو بوعى، ليست تلك هى القضية، ولكنهم أفلحوا فى استنبات الإرهاب فى أرضهم وعجزوا عن مواجهته، افتعلوا أسباب وجوده وغذوه بآليات استفحاله، ثم عجزوا عن ترويضه فانقلب السحر على الساحر، وعجز الساحر كل العجز عن ترويض سحره، وتالياً سقطت الأمة العربية فى بحور من المشكلات لا ساحل لها، وعجز المفكرون والفلاسفة عن الخروج بالأمة من هذه النكبات المتتالية، واستسلم الفكر للواقع، وانقلب الواقع على الفكر، وسرت الإتهامات بين الطرفين، الجماهير تلقى بالتبعة على المفكرين، والمفكرين يلقون بالتبعة على الواقع والجماهير التى أيدته، وضاعت الحقيقة بين الطرفين اتهاماً وتراشقاً وحرباً لا هوادة فيها.

من المسئول إذن عما آل إليه مصيرنا، وعما أصبح عليه حالنا، النخبة والفلاسفة، أم الواقع المتخندق والملتحف بالأنانية المفرطة وحب الذات، أم النظم الديكتاتورية الحاكمة عبر التاريخ، أم الشعوب التى استمرئت الفساد ثم استيقظت على حشرجة الموت وغرق الوطن.

مشكلات اقتصادية طاحنة، نسبة فقر ليس لها مثيل عالمياً، أزمات سياسية لا قبل للعقل بها، بل ولا قبل لأى ضمير تحت أى اعتقاد بها، بل ولا قبل للإنسانية ذاتها بها ...

أطفال سوريا وفلسطين واليمن وليبيا، حروب تشتعل فى كل مكان، وأزمات تضرب أوتادها وترسخ جذورها فوق كل شبر من أرضنا العربية، ولا حراك لساكن، لا ضمير، ولا صراخ، ولا ندم، بل هناك من يستغل هذه الفتن لمصالح محض شخصية ولدوافع حتماً أنانية ونرجسية وتسلطية، لا تنم سوى عن أسفل ما فى النفس البشرية من غرائز حيوانية.

هذا واقع أمة لا تكف عن الترديد بأنها خير أمة أخرجت للناس، وبأنهم هم الشهداء على الناس يوم القيامة، وبأنهم أكثر أهل الجنة، وبأنهم وبأنهم.. نسوا أن هذه الأمنيات كلها وجوبية وليست حتمية على الله، بما يعنى أنه سبحانه يوجب على تلك الأمة أن يكونوا خير أمة، وكأنه سبحانه يقول لهم " عليكم أن تكونوا خير أمة " دون أن يعدهم بدوام تلك الخيرية، والتى تسقط  دوماً عند سقوط أشراطها (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) أما إذا لم تحقق تلك الشروط الثلاثة فلا خيرية ولا شهادة ولا مزية لهذه الأمة.

إذا وصلنا إلى هذا الاعتراف بجرأة ومصداقية ومواجهة حتمية للذات فقد وقفنا على أول الطريق، وما بعده أيسر، البداية من الاعتراف بهذه المشكلات ثم صياغة آليات لحلها، لكن يبقى السؤال قائماً، من المسئول عما آل إليه مصيرنا عربياً اليوم؟

السؤال بحسن نية فقط لمواجهة الذات، للاستفادة من فلسفة التاريخ، لقراءة التاريخ فى الواقع، والواقع عبر التاريخ، تحديد المسئول بدقة يجعلنا نقف على الطريق الصحيح تجنباً لذات الأخطاء فى المستقبل وتصحيحاً لمسار المسئولية؟!

يُسئل عن هذه الأزمات كلها فى اعتقادى، الفلاسفة العرب، بكل أسمائهم الكبيرة، وبكل مؤلفاتهم الضخمة، كلهم أخطئوا، وكلهم فشلوا فى قيادة الأمة وتبصيرها بعيوبها وتقديم رؤى لعلاج مشكلاتها، كلهم قصروا فى الدور المنوط بهم، وكلهم تخلوا عن شرف قدسية العقل، لا أستثنى منهم أحداً، بداية من مالك بن نبى وبن باديس وصولاً إلى طه عبد الرحمن وحسن حنفى ومصطفى النشار، كلهم فى خندق واحد مع كامل احترامى لأشخاصهم جميعاً، فليس القصد أبداً التقليل من شأنهم – حاشا لله – ولا إنكار دورهم، ولا إسقاط فكرهم، بقدر ما هو توجيه النقد إلى الذات قراءة للواقع وواقعاً لقراءة مؤلمة، واستنهاضاً لضمائرهم وعزائمهم من جديد، لتقديم دور أكثر فاعلية لأوطانهم، ولتحقيق مصائر شعوب غلبت على أمرها.

لعل القارئ الكريم يتعجب متسائلاً ويتساءل متعجباً، هل نختزل مشكلات متراكمة مئات السنين فى أشخاص الفلاسفة وأسمائهم الرنانة  وهل يتحمل هؤلاء التبعة وحدهم ؟

والإجابة بمواجهة العقل أيسر ما يكون، نعم هم المسئولون مسئولية مباشرة أمام الضمائر الإنسانية، وأمام رب البرية، لأنهم عقل الأمة وروحها وقلبها النابض، وهل يستقيم جسد بلا عقل ؟ وهل تسرى المادة بلا روح؟!

لقد جاءت أدوار الفلاسفة العرب شبه هامشية، جاءت للإعلان عن أسماء لا مبادئ، عن أشخاص لا قيم، عن ذات لا آخر، لم يهتم الفلاسفة العرب يوماً بمبدأ بقدر ما اهتموا بصناعة اسم رنان، لم يسعوا لبناء الآخر كما سعوا إلى بناء الذات، لم يعتبروا يوماً بتضحيات الفلاسفة الذين أضاءوا السُرُج بحق لمجتمعاتهم، فقدموا الذات فداءاً للآخر، ورسخوا للمبدأ ولو على حساب الحياة ذاتها، وأحيوا أممهم على حساب حياتهم، وقدموا أرواحهم فداءاً لمجتمعاتهم.

هاكم سقراط، أحس بوجود مشكلة، ثم اعترف بوجودها، تلكم كانت إشكالية تبدل القيم وانهيار المبادئ على أيدى السوفسطائيين، فعزم على المواجهة، وأخذ ينتقل من منزل إلى منزل، ومن ساحة إلى ساحة، ومن فناء إلى فناء، ومن شارع إلى شارع، يصحح للناس مفاهيمهم، ويرسخ للشباب قيمهم، ويبث النصحية فى نفوس مستمعيه، معلناً رايات المبدأ لذات المبدأ، بحثاً عن الآخر لا الذات، وبحثاً عن الأنت لا الأنا، مقدماً بذلك مصلحة الدولة العليا فى تعليم أبنائها على أى مصلحة خاصة أو غنيمة شخصية، إلى أن ضاق به النظام الحاكم ذرعاً وارتئوا فيه الخطورة على استقرار الحكم لا استقرار الدولة، وجدوه معلناً لثورة ثقافية لم يعهدوا لها مثيلاً من قبل، فدبروا له المحاكمة الفكرية ذات التهم الثلاث الشهيرة ليرضخ سقراط أمام محكمة التاريخ لا تاريخ المحاكمة، ليقدم نفسه وروحه فداءاً للمبدأ وإرساءاً للقيم وتضحية فى سبيل الحقيقة، وفداءاً لوطنه الذى أحبه وتمنى له الخير رغم جفاء النظام الحاكم له.

وقدم سقراط روحه بنفس راضية، لم يجزع، ولم يفزع، لم يصرخ أو يبكى عند صدور الحكم بالإعدام، ولكنه فاجئ الحضور جميعاً بوصيتين، الأولى ألا يجزع أحد لأن الموت حق وما هو إلا سياحة أبدية فى ملكوت مبدع البرية، والثانية ألا تأخذهم الشفقة بأولاده إن هم ضلوا طريق القيم والمبادئ أو فضلوا المادة على الروح، ثم صعدت روحه المطمئنة راضياً مرضياً، غارساً اسمه فى قلب التاريخ وفى عمق الإنسانية.

ولكم يقف التاريخ طويلاً أمام العزيمة الأفلاطونية التى ما فتئت تبحث عن المجد الفكرى للدولة لا للفرد، الاستقرار والتقدم والرفاهية للدولة لا لشخص الفيلسوف، فنادى بحكم الفلاسفة حتى يتصرفوا بعقولهم فى شئون الحكم ورعاية المواطنين، ولم يقف عند حد الفكرة أو كتابتها فقط، وإنما قطع الصحارى المتلظية بحرارة الشمس مسافراً أكثر من مرة إلى بلاد عدة لإقناعهم بالفكرة ولدعم الحاكم فيها وتعليمه الفلسفة، ثم أنشأ أكاديمية يُخرج منها الفلاسفة ليكونوا وزراء وسفراء ومستشارين فى البلاط السياسى للدول، معرضاً نفسه فى كافة تلك المراحل للقتل أو التصفية بأى نوع، دون أن يعبأ بمصيره هو، بل كان مشغولاً فؤاده بمصير الجنس البشرى ما لم يحكمه الفلاسفة فعاش مناضلاً عن تلك الفكرة ومات فى سبيلها.

ولنا فى العصر الحديث الأسوة بكانط حينما واجه الأفكار الكنسية بكل شجاعة رافضاً الشكل الكاذب أو التدين الزائف، معبراً عن جوهر الدين لا عرضه، عن حقيقته لا شكله، عن لبه لا رسمه، مفضلاً ما تجره الحقيقة من متاعب على ما يجره النفاق من ملذات وطيب عيش ومعلناً للمبدأ على الحياة، فأى حياة غير جديرة بالإحترام ما لم يحكمها المبدأ ويصدع فيها الصادقون بالحقيقة.

واستمراراً على ذات النهج الكانطى فكرياً ونضالياً، جاء فشته مواجهاً للكنيسة من ناحية، حيث الثيوقراطية التى أفسدت الحياتين معاً، السياسية والدينية، العرش والمذبح، ومنادياً بالثورة ضد الاحتلال النابليونى الفرنسى لألمانيا، موقظاً وعى الأمة الألمانية وضميرها، وباعثاً لها من رقدتها، ومستنفراً لعزيمتها لتهب فى مواجهة الطغيان ومقاومة الاستبداد من ناحية أخرى.

وبذات النهج جاء الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر منادياً السلطات الفرنسية وصناع القرار بالتحلى بروح الإنسانية، والإعلاء من شأن القيم ومنح الشعب العربى الجزائرى الاستقلال، ثم كانت المفاجئة أن قاد المظاهرات فى الداخل الفرنسى لأجل هذا الهدف الإنسانى النبيل، مقاوماً بهذا الصنيع السلطة السياسية طاعة للسلطة الأخلاقية، وإعلاءاً من شأن القيم فوق المصالح الشخصية، فالحياة فى النهاية للمبدأ وليست للشخص، للقيمة وليست للأفراد، فاللروح أسبقية على البدن.

هذه النماذج كافة من الموكب الشريف للفلاسفة قدموا أرواحهم لأجل وطنهم تارة، ولأجل الإنسانية تارة أخرى، يحكمهم المبدأ وتسيطر عليهم القيم فى كل حركاتهم وسكناتهم، فلم ينظروا إلى الحياة الشخصية ولكن نظروا إلى القيم الأخلاقية، لم يعبئوا بمستقبلهم بقدر ما بحثوا فى مستقبل أوطانهم، لم يبحثوا عن غاية ذاتية بقدر ما ضحوا لأجل غاية إنسانية، فخرجت أقوالهم مطابقة لأفعالهم، وأفعالهم من ذات نبع أقوالهم، دون النظر إلى أى مصير يتهدد وجودهم، بل أعينهم متجهة فقط إلى الحق والحقيقة، إلى المبدأ والقيمة، وتلك على الدوام مهمة الفلاسفة وغايتهم، رسم خارطة الطريق لأوطانهم على أقل تقدير، أو اتساع نظرتهم للترسيخ لقيم إنسانية ومبادئ أخلاقية تسود الكون وتعم البشرية قياساً على هذا الدور المشهود لأولئك الصحب الكرام من الفلاسفة السابقين، علينا مواجهة الذات بمصارحة ومكاشفة، بحثاً عن دور الفلاسفة العرب المحدثين والمعاصرين، ماذا فعلوا للوطن؟، وباتساع نطاق السؤال أيضاً، ماذا فعلوا للبشرية؟!....

الحقيقة التى تثير اليأس والسخط، والتى لا مفر منها مواجهة للذات كما عزمنا منذ البداية، لم يفلح الفلاسفة العرب فى تقديم شئ يُذكر لا للقومية ولا للإنسانية....

نعم، لقد أحسنوا الصنع نظرياً، ولكنهم فشلوا كل الفشل عملياً، أياً كان سبب هذا الفشل، الساسة أم الجماهير أم هم ذاتهم، النتيجة واحدة، فشل التحقيق واقعياً، وفشل الإنتقال من النظرية إلى التطبيق.

مؤتمرات وندوات كثيرة، وعناوين براقة، تدور الرحى ولا طحن، لم يتعد نشاطهم حدود بضعة ندوات ومؤتمرات ورحلات بنذاتية عربية قومية، ابتسامات عريضة تملأ وجوههم فى الوقت الذى تغرق فيه أوطانهم فى بحار من الدماء، اهتمام بالغ واختلافات بالغة حول المقابل المادى لكتاباتهم وأفكارهم التى ينشرونها ككتب أو كمقالات للصحف والمجلات العربية، فى الوقت الذى تقبع فيه أوطانهم تحت حد سكين الفقر والجهل والمرض والعوز والإملاق، منتهى التناقض بين المبدأ وداعيه، ومنتهى الانتهاك لكافة القيم النظرية عملياً.

كفى تضليلاً يا سادة، فلن تتقدم الأوطان بالتضليل، ولن تنهض أبداً بالتهليل والتكبير والتصفيق الدائم للسادة صناع القرار، ولن تنبعث أوطاننا من رقدتها ما دمنا نُسبح بحمد السلطان، ما دمنا نركع ونسجد للمادة وحدها، بحثاً عن مصالح شخصية، ورفعة للذاتية ووضعاً لكل القيم والمبادئ التى تعارفت عليها الإنسانية.

وعلى الفلاسفة العرب ألا يغضبوا من هذه المواجهة، فهى مواجهة للذات تصحيحاً للمسير وصنعاً للمصير، فأنا لست ضد أحد، ولكننى فقط فى خندق الوطن، فى معية القومية، أدور معها حيثما دارت، أعادى كل من يعاديها، وأستنهض كل من يقف على الحياد، مهمتى فقط إيقاظ الضمائر، وبعث الهمة من جديد فى نفوس الجميع، وأول المقصودون بهذا البعث هم الفلاسفة، لأنهم أول القادرين على قيادة هذا البعث، وعلى صناعة تلك النهضة.

قولوا لنا يا سادة، الفلاسفة والجماهير على السواء، هل رأيتم فيلسوفاً يقود مظاهرة ضد المجازر السورية؟

هل رأيتم فيلسوفاً يبكى لأجل انتهاك المبادئ الإنسانية، قتل الأطفال وموتهم برداً وجوعاً وهدم البيوت وتفجير دور العبادة من مساجد وكنائس وهدم لمعاش الناس وأمتعتهم وتشريداً للأسر فى الشوارع والمخيمات ومقاساة البرد والحر !!

هل رأيتم فيلسوفاً يستنهض العزائم ويستنفر الضمائر طلباً لاستقلال شعبنا العربى الفلسطينى ؟ مثلما فعل فشته وسارتر، الأول طالباً لاستقلال ألمانيا والثانى مطالباً باستقلال الجزائر.

هل رأيتم فيلسوفاً من أصحاب المشاريع الفكرية يجوب الأقطار العربية بفاعلية، ويتواصل مع صناع القرار لتغيير الواقع البئيس لأمتنا العربية ؟!

لم يحدث أياً من ذلك، فقط مجرد مشروعات حبيسة الأوراق ومزينة لأرفف المكتبات دون أن نجد أدنى شعاع أمل للتنفيذ، فكانت النتيجة الحتمية لهذا التخاذل ما تعانيه أوطاننا اليوم من ضياع يستوجب عطف الأعداء وبكاء المحبين.

يبقى التساؤل الأهم، بعيداً عن التباكى واجترار الآلام، ما السبب الذى يقف وراء عجز الفلاسفة العرب عن القيام بدورهم الأتم على كافة الجبهات ؟ ثم ما الحل واقعياً للإرتقاء بدورهم وتفعيل مشروعاتهم على أرض الواقع؟!

أما السبب فلا يتعدى أربعة أسباب، يتمثل الأول فى الذاتية المفرطة التى تسيطر على الفلاسفة ذاتهم، فلم يتعاونوا فيما بينهم فكرياً برحم العلم وبقرابة الفكر وبمودة العقل، بل ساد بينهم الصراع، فكل منهم يبحث عن الزعامة والمصالح الشخصية البحتة دون النظر إلى المصلحة القومية، فأقصى أمنية للفيلسوف أن تهتم المجلات والجرائد بمقالاته ونشر آرائه، ويشعر فى ذاته بعظمة الجاهلية الأولى، ماذا قدمت كتاباتك أيها المفكر، لا شئ، ما وقعها على الأرض، لا شئ، هل غيرت المسير أو ساهمت فى صنع المصير ؟ إنها مجرد كتابات خرجت بحثاً عن الشهرة من ناحية، والربح من ناحية أخرى.

أما السبب الثانى فهو يُعد استمراراً للسبب الأول أيضاً حيث ركون الفلاسفة إلى السلطات الحاكمة على الدوام وتبرير أفعال السلطة بدلاً من نقدها أو تقويمها، ويتمثل السبب الثالث فى عدم وجود أى حرية فكرية تسمح بالجدلية الفكرية التى تنمو النهضة على إثرها، أما السبب الرابع فيتمثل فى وجود ديكتاتوريات عربية أو أنظمة استبدادية فى بعض بلداننا العربية تقضى على الفكر وتستنبت العنف كبديل غير شرعى للفكر المستنير.

تلك هى الأسباب التى أفضت إلى تخلى الفلاسفة عن دورهم الحقيقى فى صناعة عصر التنوير العربى، مما أفضى فى نهاية المطاف إلى تخلف عربى على كافة المستويات مع الأخذ فى الاعتبار كون الفلاسفة مدانون فى هذا الوضع لأنهم بطريقة أو بأخرى تسببوا فى وجوده، ولأن الحكام ما استقووا إلا بتخاذل الفلاسفة عن دورهم ورسالتهم الحقيقية، وما تراجعت أوطاننا إلا بتراجع دور الفلاسفة والفلسفة...

 ما الحل إذن؟

تلك المواجهة المصيرية للذات حباً لا بغضاً، ونقداً لا نقضاً، تفرض علينا أيضاً وضع تصور للخروج من الأزمة، لإعادة التوازن بين الفكر والواقع، بين الفلاسفة والجماهير، بين المفارق والمتحيز، بين الفيزيقى والميتافيزيقى، تصحيحاً لمسار الأمة وصناعة لنهضة وطن.

ويبدأ الحل من ثلاثة سُبُل متوازية ومتساوية القيمة، يتمثل الأول فى توحيد جهود الفلاسفة وعمل جبهة فلسفية للتحدث باسم القومية أولاً، وباسم الإنسانية ثانياً، لتصحيح مسار الطريق للوطن، تلك المهمة التى تحتاج إلى تضافر جهود جميع الفلاسفة لأجل اتمامها، إعلاءاً للمصلحة القومية على المصالح الذاتية، وللقيم الإنسانية على القيمة الشخصية، ويتمثل الثانى فى منح الساسة وصناع القرار لمساحات أكبر من الحرية الفكرية، لينمو الفكر وتتحرك المياه الراكدة فلسفياً، لأن صناعة النهضة لن تولد من رحم الديكتاتورية أو الاستبداد أبداً، بل هى وليدة الحرية والشورى والديموقراطية.

أما السبيل الثالث فيتمثل فى إعادة بناء النظم التعليمية فى الوطن العربى، لتركز على بناء الإنسان روحاً وفكراً ونفساً، ولتضفى القيمة المطلقة على الفكر وفعل التفلسف إجرائياً، ليشارك المجتمع ككل وفق هذه الرؤية التعليمية فى صناعة حاضره وبناء مستقبله.

تلك أهم معوقات الفلاسفة العرب عن صناعة النهضة العربية، وهاكم آليات الخروج من المأزق، بقيت فقط إرادة الفلاسفة وصدق الحكام، اللهم بلغت، اللهم فاشهد.

 

د. محمد ممدوح

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي
إنهم يفسرون الماء بعد الجهد بالماء
ويلقون باللوم على المثقفين

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4694 المصادف: 2019-07-13 03:42:32