 قضايا

ما بعد الانسانية (Transhumanism).. مقدمة تعريفية

في ظل سيادة قول لا شيء مستحيل أمام قدرات الإنسان في تطوير العلم، بدأ الحديث عن ما بعد الإنسانية في عصر الما بعديات، فما المقصود بـ ما بعد الإنسانية؟ هل هو علم قائم بذاته أم مجرد خيال علمي؟ وهم أم أمل؟ وما بُعده الآيديولوجي؟ وكيف يرى مفكرو مابعد الإنسانية  دورهم في صناعة تاريخ الفكر البشري؟

في بداية القرن الحادي والعشرين، وبفضل التقدم السريع في مجال العلوم التقنية، أصبح من السهل تقديم مشروع علمي من شأنه تحقيق الأمل في تحسين القدرات الإنسانية-والتحسين هنا لا يعني التطور-، وفي الوقت نفسه، لا يمكن انكار إن مسألة التحسين لم تعد قضية علمية فحسب، إذ تتنافس فيها مجموعة من الشركات التي تدرك مدى الايرادات المالية التي يمكن تحقيقها من خلال العمل بهذا المجال.

تعد مابعد الإنسانية حركة فكرية ثقافية فلسفية وأخلاقية تؤكد على تحسين القدرات الإنسانية من خلال تطوير التقنيات التي لها القدرة على فعل ذلك، وتضم مجموعة من الأفكار والقضايا، منها: الانثروبولوجية، المعرفية، الأخلاقية، والسياسية، في مناقشة موضوعات أخلاقيات البيولوجيا، ولا يمكن انكار أن هذه الموضوعات تعد ظاهرة مركبة ومعقدة، إذ بالامكان دراستها من وجهات نظر متعددة، لهذا نجد المهتمين بها من تخصصات واهتمامات مختلفة من اجل تحسين القدرات الإنسانية، وتحقيق ما يسعون إليه على وفق الشعارات التي ينادون بها: "عقول أفضل، أجساد أفضل، وحياة أفضل" .

يسعى علماء ما بعد الإنسانية الى الدراسة المستمرة للتصاميم الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والتنمية الثقافية والمهارات والتقنيات النفسية لتحسين الحالة الإنسانية، إلا أن تركيزهم واضح على أولوية التكنولوجيا التي لا غنى عنها لتحقيق ذلك، وهذا ما يجعل منها حركة آيديولوجية تُمثل صورة للادعاء بأن التكنولوجيا أصبحت الأنطولوجيا للمجتمع الغربي الحديث .

يحاول القائلون بـ مابعد الإنسانية أو على الأقل من يدافع عن حقهم الى تعزيز أنفسهم وذريتهم من خلال مجموعة متنوعة من المساعي التكنولوجية بشكل رئيس مثل الهندسة الوراثية التي تساهم بتمكين الآباء ليس بالكشف عن مرض ابنائهم فحسب، إنما في اختيار السمات الشخصية المرغوبة لهم وكذلك العمل على تحسين الإنسانية ضمن الاحتمالات الآتية: إطالة عمر الإنسان بشكل جذري من خلال إبطاء أو إيقاف عملية الشيخوخة، والقضاء على الأمراض (الوراثية والمعدية على حد سواء)، وزيادة القدرات الفكرية والعقلية والجسدية والعاطفية للإنسان، كذلك يعتبر استعمار الفضاء والذكاء الاصطناعي المتقدم أيضاً من الموضوعات المتكرر ذكرها في الفكر مابعد الإنساني .

ولعل أبرز فلاسفة ما بعد الإنسانية هو بوستروم Nick Bostrom، ففي مقالته المعنونة "تاريخ فكر مابعد الإنسانية"، يؤكد أن الجذور الفلسفية والثقافية لأطروحتهم، والرغبة في اكتساب قدرات جديدة تعد قديمة قدم الحضارة الإنسانية، إذ تبدأ مع الأساطير السومرية (حوالي 1700 ق.م.) المتمثلة بأسئلة الخلود، فضلاً عن سعي مفكري العصور الوسطى المسيحية للسيطرة على الطبيعة مروراً بـ "معرفة فرانسيس بيكون" التي ولدت الثورة العلمية إلى الفلسفة المادية لعصر التنوير، ويتضمن أيضاً تأكيد إيمانويل كانط على العقلانية، والفلسفة النفعية لجون ستيوارت مل، والنظرية التطورية التي أقترحها دارون في أصل الأنواع (1859)، والتنبؤات بشأن التحكم في علم الوراثة التي طرحها هالدين عالم الكيمياء الحيوية في عام  1923م  وألدوس هكسلي في رواية "العالم الشجاع" للعام 1932م. إن هذه الأمثلة تعمل على ربط ادعاء بوستروم بأن ما بعد الإنسانية هو التجسيد الناتج عن سعي الإنسان لتجاوز ذاته .

وكما ذُكر سابقاً، إن هناك العديد من العلماء والباحثين ممن لديهم خلفيات مهنية متنوعة ينتمون الى هذه الحركة، لعل أبرزهم:

1- الفيلسوف بوستروم Nick Bostrom .

2- عالم الاجتماع والأخلاقيات البيولوجية جيمس هيوز James Hughes.

3- المخترع ورجل الأعمال راي كورزويل Ray Kurzweil .

4- مُنظر تقنية النانو ك. إريك دريكسلر K. Eric Drexler  .

5- أخصائي الطب الحيوي أوبري دي جراي Aubrey de Grey .

6- الناقدة الأدبية لما بعد الحداثة كاثرين هايلز N. Katherine Hayles  .

7- الفيزيائي الحيوي ورجل الأعمال غريغوري ستوك Gregory Stock.

8- الفيزيائي وعالم الرياضيات فريمان دايسون Freeman Dyson.

9- روبرت فريتاس Robert Freitas( خبير نظرية النانو الطبي).

10- رالف ميركل Ralph Merkle  (عالم أبحاث في علوم الأرض وعلوم الكمبيوتر).

11- باحث المستقبل والروبوتات هانز مورافيك  Hans Moravec.

فضلاً عن شخصيات أخرى تسعى بشكل حثيث على تبسيط أفكار ما بعد الإنسانية لتقديمها للجمهور، لعل من بينها الفيلسوف البلجيكي جلبرت هوتوا الذي قدم قراءة تتضمن خلاصة لما بعد الإنسانية وتحول الانسانية، والجدل القائم حولهما، إذ يتم فهم الاثنين من خلال الإشارة إلى الشيء نفسه، ومع ذلك يجب على القارئ أن يدرك أن هناك تفسيرات متنوعة لمصطلحي "ما بعد الإنسانية" و"تحول الانسانية"، وهذا ما حاول هوتوا تمييزه، اذ تعد دراسته واحدة من أهم الدراسات التي اهتمت بهذا الموضوع، وما يميزها عن الدراسات الأخرى، هو أن المؤلف يقدم للقارئ العام والمختص، معاً، مادة معرفية علمية بأسلوب مبسط، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تكون مدخلاً لكل من يريد الأطلاع على الجدل الراهن المرتبط بعلاقة الإنسان بعلم الوراثة والتقنيات الحديثة والنانو تكنولوجيا، فضلاً عن الموضوعات الأخرى التي تشغل مابعد الانسانية .

 

د. قيس ناصر راهي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قبل كل شيء، المصطلح الإنكليزي transhumanism لا يعني ما بعد الإنسانية.. !!؟؟

This comment was minimized by the moderator on the site

في الكتابات الغربية عن الموضوع المذكور يتم استعمال transhumanism وposthumanism ، نعم، كمعنى حرفي هناك اشكال، لهذا وضعت المقابل باللغة الانحليزية، ويمكن ترجمته ب تحول الانسانية او الانسانية الانتقالية او عبر انسانبة، لكن كدلالة اصطلاحية في الفكر الغربي لا يوجد تمييز بين ما بعد الانسانية وتحول الانسانية، لهذا استعملت ما بعد الانسانية، ويمكن مراجعة ابحاث جلبرت هوتوا وهي متوفرة بصيغة الكترونية او ابحاث بوستروم. تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4694 المصادف: 2019-07-13 03:44:15