 قضايا

إلى أي مدى الفلاسفة متسامحون؟

علي رسول الربيعيقدم لنا راولز المنظور الأكثر تطرفًا وبعيدًا عن التسامح عندما صاغ العبارة:

"يجب أن تطبق الفلسفة مبدأ التسامح على نفسها"

 في عالم يفتقر إلى بوصلة أخلاقية، أصبح التسامح الفضيلة الرئيسية في عصرنا. ويجب أن يكون المرء متأثرًا بالقبول العالمي لهذه افضيلة التسامح. لا أحد يعارض ذلك، على الأقل على مستوى تأكيدات هذه الفضيلة. يعترف الجميع بقيمة التسامح وأهميته. لقد تُورثنا من خلال مفكري التنوير مثل لوك وفولتير فكرة التسامح حتى اصبحت الفضيلة الرئيسية في عصرنا.

 ليس في نيتي أن أشكك في هذا الإجماع النادر على المسائل الأخلاقية، ولكن ما يذهلني لا تزال هناك فجوة بين التسامح كفضيلة معترف بها علناً وممارسة التسامح. هل نحن متسامحون كما ندعي؟ لا يتعين على المرء بالضرورة أن يستمتع برؤية خاطئة للأمورأو قبولها  لكي يسأل نفسه عما إذا كان متسامحا بقدر ما يتباهى المتسامحون. كما أنه قد يُصدم المرء إذا ما أتهمهُ الآخرون بأنه غير متسامح. لكن ماذا عن الفلاسفة؟ كيف تسامحهم؟ وعليه أود أن أسأل:

هل الفلاسفة متسامحون؟

 نادرا ما يطرح السؤال: ما مدى تسامح الفلاسفة أنفسهم؟ يمكن للمرء أن يميل إلى الاعتقاد بأن الفلاسفة متسامحون، لا سيما إذا لاحظناهم في المؤتمرات الفلسفية، حيث يستمعون إلى مجموعة واسعة من الموضوعات، ومن وجهات نظر مختلفة. فتبدو مثل هذه المؤتمرات التي تحمل هذا التنوع هي مثال للتسامح. على هذا الأساس يمكن ألقول أن الفلاسفة  متسامحون، ويفتحون عقولهم على وجهات نظر مختلفة عن وجهات نظرهم  دون أن نكون عنيفين.

 ومع ذلك، أرأن الفلاسفة ليسوا متسامحين بالقدر  الذي يعلنون عنه . وللتذكير بهذا، وتأكيده لا يحتاج المرء إلا إلى إلقاء نظرة على تاريخ الفلسفة وكذلك حالتها في الحاضر: اشتهر، الفلاسفة في تاريخهم، في أغلب الأحيان، بخلافاتهم وخصوماتهم ومعاركهم. على سبيل المثال لا الحصر: هل كان أفلاطون متسامحًا مع السفسطائيين، أومع الشعراء ؟ ماذا عن تسامح أرسطو مع أفلاطون، أو القديس أوغسطين تجاه ما يعرفون بالمتبرعين والبيلاجيين المسيحين، أبن رشد في موقفه من الغزالي، ألبرت الكبير تجاه  أبن رشد، لايبنز مقارنة مع لوك (كأنصار معترف بهم  للتسامح) فولتير نحو روسو، كانط أزاء  فيخته، فيخته مع شيلينج، هيجل وشيلينج، نيتشه  ضد شوبينهاور، هايدجر مع هوسرل وهوسيرل مع هيدجر، أدورنو وكارناب مقابل هيدجر، وهلم جرا. ليس لدي متسع من الوقت، ولا مكان لأخوض فيه التفاصيل التي يمكن أن تملأ المكتبات، لكنني أزعم أنه نادراً ما بدا أن الفلاسفة كانوا متسامحين تجاه وجهة نظر الآخرين، ولاسيما خصومهم، والأكثر من ذلك أنهم ظهروا غير متسامحين أيضًا حتى أزاء أولئك الذين ادعوا أنهم يسيروا على خطاهم، كما ادعى فيخته أن يتبع خطى كانط وهيدجر تجاه بهوسرل.

 لقد ظل هذا الحال مستمرا في الوقت الحاضر، حتى لو بدت مناقشاتنا أكثر تهذيبًا وهدوءًا: فهل الفلاسفة التحليليون متسامحون حقًا تجاه الفلاسفة القاريين، والعكس صحيح؟ وأيضا  الجماعاتيون في مواجهة الليبراليين؟ الهوسرليون والهيدجريون؟ في الواقع، إن بعض الهيدجرين غير متسامحين للغاية تجاه هيدجريين أخرين، ونجد أن هذه الانقسامات تحدث في كل مدرسة فلسفية تقريبا.

أريد أن أضرب مثالا على ذلك في شخصية هانز جورج غادامير الذي أدعى أنه يتبنى الفلسفة الأكثر تسامحًا، حتى أنه زعم أن التسـامح هو "روح علم التأويل"، وهو بالفعل أحد أكثر الفلاسفة تسامحًا في تاريخ الفلسفة، لكن هل كان كذلك بالفعل في مناقشاته الملحمية مع معاصرين له  مثل هابرماس أو بتاي أو دريدا؟ لست متأكداً من ذلك، لأنه في جميع مناقشاته، كانت غريزته الأولى، مثل باقي البشر، هي الدفاع عن آرائه.

بعض أسباب التعصب النسبي للفلاسفة

 على افتراض أن مسحي السريع للغاية يشير إلى وجود فجوة محتملة بين نظرية وممارسة التسامح من جانب الفلاسفة، وعليه يمكن للمرء أن يستفسر عن أسباب هذا التعصب النسبي.

1) يبدو أن الحقيقة والمنطق غير متسامحين بشكل جوهري، وهكذا تعامل الفلاسفة دائمًا مع قضايا العقل والحقيقة والخطأ. من المؤكد هناك العديد من وجهات النظر المختلفة حول العقل والمعرفة، ولكن الحقيقة لا تحمل شيئًا  يقبل التسامح: فشيء ما، أوعبارة، هي أما صحيحة أم لا. يمكننا تقديم أمثلة بسيطة  تؤكد ذلك : 

"2 + 2 = 4." هذا صحيح، والمطالبة بخلاف ذلك ستكون جنون. لا يمكن للفلاسفة أن "يتسامحوا" مع هذا الجنون (بخلاف أعتباره مرض من نوع ما). وربما ينطبق الشيء نفسه على المبادئ الأساسية للمنطق: إما أن يفكر المرء بعقلانية ومنطقية أو لا يفعل ذلك.

 وينطبق الحال على مسائل الواقع. فهل يمكن للمرء أن يتسامح مع الرأي القائل بأن الشمس تدور حول الأرض؟ بالطبع لا، حتى لو كان الرأي المعاكس هو الذي أثار التعصب في أوقات ما، وكان عنيفًا إلى حد ما.

نحن نميل إلى أن نكون أكثر تسامحًا بشأن وجهات النظر أو " رؤية العالم ". ولكن يبدو هنا، قدر ولو ضئيل من عدم التسامح أمرًا لا مفر منه: إلى أي مدى يجب أن نكون متسامحين تجاه أولئك الذين يستمتعون بعلم التنجيم ويعتقدون بالخيمياء؟ ما مدى تسامح الليبراليين تجاه الماركسية؟ أذ يعتقد بعضهم أن الماركسية أقرب إلى التنجيم، لأنها بدون أي أساس واقعي، أو أن الواقع يدحضها.

ما مدى تسامح بعض الفلاسفة  تجاه الدين؟ أن بعضهم، إن لم يكن معظمهم، متدينون، لكن يعتقد الآخرون أن الدين ليس سوى وهم على العلم واجب محاربته  وأن ألا يتسامح معه ( وخير مثال على عدم التسامح تجاه الدين المؤلفات التي أمامي الآن مثل كتب:  دينيت ودوكينز

 Dennett, Breaking the Spell: Religion as a Natural Phenomenon (New York: Penguin, 2006); and R. Dawkins, The God Delusion (London: Bantam, 2006(

أو مثلا الموقف المشهورللفيلسوف الألماني المعاصر هانز ألبرت في مطالبته الشهيرة  بإغلاق جميع كليات الدين أو اللاهوت في الجامعات الألمانية. فإلى أي مدى يمكن  الحديث عن التسامح هنا؟

2) الطبيعة الحجاجية للفلسفة تجعلها غير متسامحة مع الحجج السيئة. إن الفلسفة بطبيعتها  هي حوالي 90 في المئة حجج و 10 في المئة  فقط رؤية (النسبة الدقيقة مفتوحة للنقاش). يمكن للمرء أن يتقبل بعقل مفتوح أنواعا مختلفة من الحجج، ولكن من الصعب جدًا على الفيلسوف قبول حجة معيبة أو فاسدة منطقياً:  فقد يصيح الفيلسوف انه الهراء  عندما يواجه حجة لا أساس منطقي لها. يمكن للمرء أن يتظاهر، في الممارسة العملية، باحترام وجهات نظر الآخرين، ولكن من الصعب داخليا قبول حجة لا يعترف بها أنها صحيحة. يمكننا القول بهذا الصدد، إن الفلاسفة محترفون مدربون على توضيح العيوب في الحجج. فكيف يمكن أن يزدهر التسامح في مثل هذه البيئة؟

3) الفلسفة والأيديولوجية. على الرغم من إصرار الفلسفة على المنطق والحجج، فمن الواضح بما يكفي للقول:  أنها  في الواقع تعتمد اعتمادا كبيرا على أيديولوجيات، التي ليست دائما تدعمها الحقيقة، أو يثبتها المنطق. وهذا ما يجب أن يؤدي إلى مزيد من التسامح من قبل الفلاسفة. لكنني أزعم أنه، على العكس من ذلك، أن هذا يجعل الفلاسفة أقل تسامحًا ودفاعًا عن قناعاتهم الأساسية. يميل الفلاسفة إلى الدفاع عن أيديولوجياتهم حتى النفس الأخير، كأنهم يقولون فليأتي الجحيم أوالفيضان. قد يكون لذلك علاقة بحقيقة أنه من الأصعب التحقق من صحة أيديولوجية فلسفية. بالنسبة لجميع المقاصد والأغراض، لا يوجد في الأخير سوى القليل من النهايات في المناقشات الفلسفية: لا يوجد أي حد أدنى، ولا يوجد أي صراع تجريبي أو حقائق تجريبية. وعليه، يمكنني القول هنا: كلما زاد الانضباط  والألتزام الأيديولوجي، كلما كان التسامح أقل. قد يكون ليس هذا هو الحال دائمًا، لكن دائماً هذا الخطر موجود.

ما أخلص اليه بأختصار: أن نظرة عامة على الفلسفة تشير إلى أن الفلاسفة أقل تسامحًا مما قد يتصور المرء. يعود ذلك الى بعض أسباب: فمن ناحية، التزامهم بقضايا الحقيقة والمنطق والحجج  ما يجعلهم ربما غير متسامحين لما يرون أنه وجهات نظر سخيفة أو معيبة؛ ومن ناحية أخرى، فإن الطبيعة الأيديولوجية  للفلسفة في الغالب تؤدي في حد ذاتها دورا في جعل الفلاسفة أقل انفتاحًا على وجهات النظر المختلفة أو المعارضة.

التسامح باعتباره بداية عصرنا وشكواه

 لماذا أكتسب التسامح هذا الرواج والأنتشار في عصرنا ؟ بالتأكيد هذا له علاقة بتاريخ البشر أو التاريخ العالمي. يكمن السبب الأول الواضح  كنتيجة أو أحد عواقب الحرب العالمية الثانية. فبعد المآسي التي لا معنى لها في الحربين العالميتين، أصبحت فضيلة التسامح مطلب حتمه الزمن، فقد أنطلقت الدعوات: علينا أن نقبل خلافاتنا بدلاً من شن الحرب على بعضنا. ويمكن القول أنه من الصحيح أيضًا كان هناك ترويج سابق للتسامح في أعمال الفيلسوف البريطاني جون لوك والفرنسي فولتير الذي  جاء ردا على حرب الثلاثين عامًا بين الطوائف المسيحية في اوربا،حيث  كانت هذه الحرب سببا اساس في ظهور دعوات وفلسفات التسامح. يكمن السبب الثاني لأنتشار دعوات التسامح في زوال الاستعمار، ولاسيما افتراضه الأساس بأنه لا يوجد سوى طريق واحد للحضارة، يجب أن تقبل به و تتفق عليه جميع المجتمعات "الرديئة" أو المتخلفة الأخرى. هذا الانفتاح على تعددية الحضارات لم يتعزز إلا من خلال عملية العولمة والأعتراف بالتنوع اللغوي والديني والثقافي والإثني المتزايد في جميع المجتمعات. فمجتمع مترابط كمجموعة متطابقة متجانسة من المعتقدات لم يعد موجوداً. وهكذا أصبح التسامح فضيلة قصوى إذا أراد المرء تجنب الصراع والعنف. بأعتبار أنالتسامح أفضل من الحرب.

ومع كل ذلك لايمكنني الاً أن أشير الـى أن هناك جانب سلبي لهذا التسـامح: فقد أصبح التسامح الفضيلة الرئيسة لعصر "نسبي".  أذ لم يعد هناك  من أحد يهيمن على الحقيقة ولا على نظام القيم. وقد أدى هذا إلى مأزقنا  في "ما بعد الحداثة" بعواقبه العدمية. بالأضافة الى الصعوبات المعروفة للنسبية،  هناك التناقض الذاتي الذي لايمكن حله للانقسام المنطقي في النص،و لحجة، والنظرية، ويثير كل هذا مشاكل هي: (1) إذا لم تكن هناك حقيقة، فلا قيمة حقيقية للالتزام بها، لماذا يجب الاعتراف بالتسامح كواحدة منها؟ (2) ) ألا يتجاهل هذا "التسامح العالمي" حقيقة أن بعض الحقائق والقيم أفضل من غيرها وأنه لا يمكن للمرء أن يتسامح مع كل شيء، من الناحية النظرية وكذلك في الممارسة العملية؟ ألا توجد  هناك حدود واضحة لما يمكن للمرء تحمله؟ فمما لا شك فيه، تم الأحتفاء، الى جانب التسامح بـ " الآخر" باعتباره قيمة في حد ذاته. ولكن يجب تحديد هذا "الآخر" إذا كان يجب أو من المطلوب  أن يكون له أي مضمون:  أن آخر الحقيقة هو الباطل، وآخر السلام هو الحرب، وآخر الخير هو الشر، ولا يرى المرء بسهولة لماذا يجب اضفاء قيمة عليهما أو أمتياز لهما.  وعليه الآخرية والاختلاف- التي تبشر بهما مابعد الحداثة-  ليسا كافيين في حد ذاتهما.

فكرة التسامح يمكن أن يكون لها حلقة تحذيرية

نود جميعًا أن نشيد بالتسامح ونعلن أنفسنا متسامحين، لكن هذا لا يخفي حقيقة أن التسامح يمكن أن يكون له بعد مهين. عادة، نحن "نتسامح" مع الأمور التي لا نتفق معها ولا نريد التعامل معها. كان فولتير مدركًا لهذا عندما قال: أنا لا أفهم هذه أو تلك الثقافة، فهي بعيدة جدًا عن ثقافتي، لكنني "سأتسامح معها" طالما أنها لا تسبب أذىًا واضحًا وتزعج سلامي.

أعتقد، في هذا المعنى،  يمكن أن يتسامح الفلاسفة التحليليين مع الفلاسفة القاريين، والعكس صحيح، ويتسامح الجماعاتيون مع الليبراليين، والملحدون المتحمسون مع المؤمنين، وما إلى ذلك. أيً أن ما يقوله خصومهم أو يفعلونه أو يؤمنون به، هو عار بالنسبة لهم، لكنهم سيتسامحون معهم رغم ذلك. وينطبق هذا على المجتمع ككل. تدّعي بعض الدول أنها منارات للتسامح، لكنها تقرر حظر البرقع، أوحتى وشاح الرأس، الذي  قد يكون مقبول في أحسن الأحوال، لكن يبقى يُنظر إليه بعين الشك. يدل هذا على الحد من التسامح أو وضع حدود للتسامح في الممارسة العملية.  أنها في الواقع، وفي أغلب الأحيان، هي فضيلة وأقل من كونها طريقة للتصالح مع الآراء والممارسات التي يحترمها المرء: أنا لا أحب ما تفعله أو تقوله، لكنني "سأسمح معه". هذا هو السبب في ضرورة تعزيز فضيلة التسامح من قبل الآخرين مثلها مثل فضيلة الاحترام والكرم. يجب أن يكون الاحترام مكملاً للتسامح لأنه يستلزم أن نحترم أيضًا ما هو متميز وربما متفوق من وجهة نظر أخرى. الكرم مطلوب أيضًا، حتى لو كان نادرًا ما يذكر أو يتم تناوله في الفلسفة. أو كما قال موسى بن ميمون في كتابه  "دلالئل الحائرين" إن الكرم نعمة الخير لأولئك الذين لا يستحقونه. وأن هذه النعمة  في حقيقتها فيض من الله علينا، والله هو من يمنحها على الحقيقة. ويمكننا  تقليد ههذا الكرم. 

وفي النهاية اشكر القارى على تسامحه الكريم.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4695 المصادف: 2019-07-14 06:07:28