 قضايا

القيادة في عالم متغير

محمد عبد الكريم يوسفعندما يتغير العالم نحتاج إلى نوع جديد من القادة  . لقد تغير العالم بالفعل .

قيل الكثير وكُتب الكثير عن التغيير وأهمية القادة  أينما كانوا بهدف التكيف مع المتغيرات التي تحدث في العالم . في الحقيقة ، يتم تسليط الضوء على أن فكرة القدرة على التكيف مع التغيير هي السمة الأكثر أهمية للقيادة . يجب أن نكون منصفين إذ يحاول العديد من القادة بإخلاص إجراء التعديلات اللازمة على شخصياتهم حفاظا على مناصبهم ومواقعهم .

لكن بالنسبة للجزء الأكبر من القادة  فإن التصورات القديمة التي عفا عليها الزمن والبالية في معظم الأحيان والتي تحيط بالقيادة ترفض بعناد الرحيل . يحاول القادة الكبار إظهار الرغبة في أن التغير مع المتغيرات العالمية ليصبح أكثر سيطرة و تأكيد سلطتهم بطريقة أكثر إقناعًا من أجل ضمان قيام الموظفين  بقبولهم بالنسخة الجديدة و "التسليم" بأنهم القادة الصالحون لكل زمان ومكان. هذه إحدى طرق ووسائل وغايات التغيير  . لكن عقلية "القيادة والسيطرة" القديمة للزعماء والقادة هي ذاتها لم تتغير  . في عالم اليوم ، هذا النوع من القادة لا يصلح  وليس فعالا ويشبه إلى حد بعيد محاولة إسراف الحوت بالغطس . وهذا لا يصلح للأسف في عالم السياسة والمال والأعمال .

إن الالتباس الذي يجربه القادة في المؤسسات الحكومية  في خضم ثورة نشاز "الخبراء" الذين لا يبخلون بأحدث صيحات الموضة والبدع في مجالات الإدارة والتنمية والتطوير لن يقود إلا إلى المزيد من الإرباك والفوضى ويشبه إلى حد بعيد من يصر على تقليد سير غيره فينسى مشيته . القيادة في عالم متغير دائم التغيير تحتاج إلى عقول متغيرة ومواكبة ومقاييسها دائمة النشاط والحيوية والحركة في عالم دائم التغير .  القيادة ليست مهمة سهلة في هذا الكون الذي يشبه قرية عالمية حيث اصطدام الثقافات والمفارقات هو القاعدة. يقع  جزء كبير من المشكلة في أن هناك تأكيدًا مفرطًا على "ماذا" و"لماذا " و "كيف" تكون القيادة على حساب تعزيز فهم أعمق للبيئة المتغيرة التي تحدث فيها القيادة . وتكون نتيجة ذلك أن هذه الممارسة أصبحت منقطعة عن النظرية الأساسية للقيادة  من خلال إهمال ماهيتها وخصائصها وطريقة عملها وهذا بدوره خطير للغاية  لأننا نستخدم عن غير قصد تقنيات وممارسات قديمة في مواجهة سيل من المشكلات والتحديات الجديدة المتغيرة وهذا يقود إلى نتائج كارثية على المدى القريب والمتوسط والبعيد . ويبدو أن كل ما يتم انجازه ينتهي بنا في نهاية المطاف إلى الدوران في الدائرة المفرغة حيث الدوران مثل الطاحون في نفس المكان من دون إحداث تقدم أو أدنى تغيير . يركز هذا النوع من القادة على الإسراع في انجاز الأعمال وكأنهم في سوق استهلاكية ليس غايتها التركيز إلا على الانجاز في الوقت المحدد دون التركيز على المحتوى . وبذلك تكثر الأخطاء والمراجعات والتعديلات ويتحول العمل إلى سوق لاستهلاك الحلول السريعة . لقد غزت القوانين التي لا يمكن دحضها وكتيبات النصائح عالم القيادة وكله على حساب الأداء الجيد والحقيقي والمقبول . و نتيجة لذلك ، أصبح جزء كبير من القياديين  أحادي النظرة وخيالي لا معنى له  والأسوأ من ذلك كله يصبح  القائد منفصلا عن الواقع لا علاقة له بالآخرين .

ما الذي يحتاجه القادة  لمواجهة هذا  الاتهام؟

هناك مجالان أساسيان يحتاج أي قائد فعال إلى استكشافهما وفحصهما وفهمهما. وهذان المجالان يتطلبان العمل الدائم والمستمر   و هما :   التركيز على أنفسهم وعلى سلوكهم  .  يعرف القادة الأذكياء معنى ذلك  ويعملون عمدا وبشكل فطري  للحصول على فهم أفضل لهذين المجالين .

القيادة لا تتعلق فقط "بما تفعله" بل في "من أنت". لقد امتلكت الشخصية القيادية فعل القيادة . و ظهرت مهارات الأشخاص في اقتصاد الاتصال  في قائمة الخصائص والمهارات التي يحتاجها القادة . والقادة الذين يستخدمون القوة  في حل المشكلات  يحصلون في أغلب الأحيان على مكاسب قصيرة الأجل .في العصر الحالي لا ينجح مثل هذا النهج على المدى الطويل ، وعندما يتعرض لمزيد من التدقيق يكشف دائمًا عن عيوب متعددة إذ يشعر الموظفون بأنهم غير راضين وغير آمنين ويفتقر نظام هؤلاء القادة للابتكار والمشاركة و المرونة  والتيارات القاعدية القوية ويعج بالبيئة السامة تمامًا.  الريادة في عالم اليوم حيث تتصادم الحدود الجغرافية والثقافية والاقتصادية  ليست سهلة أو مهمة بسيطة . يعمل القادة الأذكياء بجد لفهم أنفسهم مما يعني استكشاف معتقداتهم ومبادئهم وانحيازهم وحيزهم ودوافعهم . لم تعد المناظر الطبيعية الداخلية اختيارية لقادة اليوم . صار عليهم تعلم الكثير من المهارات الخارجية وإتقانها .

كيف يمكن لقادة العالم حاليا الانخراط في هذا العالم المتغير ؟

على القادة أن يتعلموا ويدركوا كيف تغير العالم وكيف يستمر في التغيير .عليهم تطوير أنفسهم  بما ينسجم وهذا التغيير وعليهم أن يميزوا بين العصر الحديث وعصر ما بعد الحداثة . وعليهم معرفة الكثير من المصلحات الجديدة التي تحدث الارتباك لدى القائد التقليدي . ويمكن مقاربة المسألة وفقا لما يلي :

أولاً ، هناك عالم خبير  في مختبره يرتدي قميصا أبيض اللون يمثل الثقافة الحديثة ويشكك بالثقافة التقليدية السابقة التي سادت فيها سلطة رجال الدين  وتقاليدهم وطقوسهم وقواعدهم المطلقة ويشعر أنه يتفوق عليهم بقدراته وطاقاته وقادر على حسن الاختيار والفهم يقف منتصبا وفخورا وجريئا يتسم بالصبر والأناة والعقلانية ويستمتع بالتكنولوجيا وممارسة التقدم العلمي  .

يعتمد العصر الحديث على الإثبات والعقلانية والقيادة تعكس طريقة التفكير الثقافي للعصر. تعكس القيادة الفعالة والناجحة الفكر الثقافي للعصر الذي توجد فيه .

ثانيا، هناك موسيقى الروك التي تمثل ثقافة ما بعد الحداثة . والإنسان التقليدي  يشعر بخيبة أمل وشك عندما يتعلق الأمر بالعالم الحديث وكل ما يمثله . ويتعارض موقف الإنسان التقليدي مع موقف محب موسيقى الروك في كل شيء تقريبا  لكن على الإنسان أن يدرك أن عالم ما بعد الحداثة هو عالم الروك وعلى القائد أن يدرك هذه الحقيقة جليا حتى يعالج الأمور بفعالية . هناك أربعة أشياء يجب فهمها  في عالم ما بعد الحداثة .

ما بعد الحداثة تشكك في اليقين و قادتها كذلك:

اليقين الموضوعي والحقائق المطلقة يتعرضان للهجوم في سلوك ما بعد الحداثة.  وتعتقد مرحلة ما بعد الحداثة  أن اليقين ليس على شيء وأن الشك هو مصدر المعرفة والتطور والسير نحو الأمام وأن الحقائق المطلقة خرافة لا يمكن الوثوق بها بأي حال من الأحوال .

ما بعد الحداثة حساسة للسياق و قادتها كذلك:

في عالم اليوم التنوع هو القاعدة  والتنوع يخلق عددا لا يحصى من السياقات ويجب على القادة الأذكياء أن يدركوا هذه الحقيقة وعليهم قبولها والسعي لفهم هذا التعقيد . وهذه المهمة ليست سهلة لأنها تقلق راحة من يقوم بها وعلى القائد أن يتكيف مع البقع الرمادية على حساب الأبيض والأسود . 

ما بعد الحداثة تفهم "العمل الجماعي" بطريقة مختلفة وقادتها كذلك:

في هذا العالم المتنوع والمتعدد الثقافات علينا أن نفهم كيف نشكل فريق عمل جيد ومتطور ويواكب متطلبات ما بعد الحداثة . في الماضي كان تشكيل الفريق من الأمور الميسرة لأن كل أعضاء الفريق متشابهون وينتمون لنفس السياق الفكري ويعملون على نفس الموجة وكانت عبارة الفريق الناجح تطلق على الفريق المطيع الذي ينفذ ما يطلب منه من دون ضجيج . حاليا لم يعد الأمر بهذه البساطة ، وعلى القائد أن يتكيف مع المتغيرات الجديدة  وقبول التغيير والتنوع لم يعد أمرا اختياريا وحيث أن التغيير يفرض نفسه وبالطريقة التي يريدها فعلى القادة أن يكونوا على نفس المستوى من وصار بناء الفريق الفعال من الأعمال الشاقة حاليا خاصة وأن عبارة " افعلوا كما أريد " لم تعد موجودة بنفس الصدى الاستبدادي السابق . على القائد تحضير نفسه لقبول تحديات التغيير أكثر من أي وقت مضى والتدرب على المتطلبات والمهارات القيادية الجديدة وغير المألوفة . 

ما بعد الحداثة تقدر التجربة الذاتية وقادتها كذلك:

يركز تفكير ما بعد الحداثة  على "هنا والآن" أي على التجربة الحالية . كما يعتمد على التعلم التجريبي الذي يشرك الشخص في العمل على أنه بالغ الأهمية. ويحتاج القادة إلى الدخول الكامل في هذه العملية التعاونية بطريقة غير محدودة وغير خاضعة للرقابة . إن محور هذه العملية هو الفرد ، وكذلك "الجماعة" .  سوف يحتاج القادة إلى أن يكونوا رواة للقصص  وقد تصبح هذه السمة علامة فارقة للقائد أو  الرئيس التنفيذي .يدرك القادة الأذكياء أهمية سرد القصص في تحقيق التماسك التنظيمي والنجاح في المؤسسات . في فكر ما بعد الحداثة ، يُطلب من القادة الاستماع باهتمام أكبر إلى القصص والاستعداد لرواية المزيد من القصص. القصص وسيلة لتبادل التجارب وبالتالي يتكون لديهم القدرة على تقديم رؤى جديدة  وزيادة الوعي  وتعزيز الإبداع والتعامل مع المتغيرات و التعقيد وعدم اليقين.

في فكر ما بعد الحداثة يجد القادة أنفسهم يعالجون قضايا لم يفكروا فيها من قبل في مقاربة القضايا الكثيرة التي تواجههم في أعمالهم . إن تعزيز قيم ما بعد الحداثة يعزز قيم الشفافية والإصلاح المؤسساتي ويساعد القادة في استكشاف قيم ومفاهيم جديدة غير مألوفة ومعالجة الإشكاليات الطارئة بروح الفريق بحيث يأخذ كل فرد دوره الفعال في المؤسسة .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.................................

المراجع

Global Leadership in a Changing World - ResearchGate

https://www.researchgate.net/.../256041286_Global_Leadership_in_a_Chang.

Leadership for a Changing World - Exponent Philanthropy

https://www.exponentphilanthropy.org/.../TeenPhilanthropyCafe-Leadershi...

Effective leadership in a changing world | G. Boseman ...

https://www.researchgate.net/.../305397859_Effective_leadership_in_a_chan.

Leadership in a Changing World | SpringerLink

https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-94-009-1573-2_8

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4739 المصادف: 2019-08-27 09:28:26