 قضايا

تمايز الخطاب بين الفلسفة والأدب

حنان اوراقكثيرة هي التصورات التي ترى بأن الخطاب الفلسفي، متمايز عن الخطابات الأخرى، أولا باعتباره خطابا عقليا، منطقيا، وثانيا لكونه يتوسل البرهان والتدليل في رحلته لطرح الحقيقة.

لأن اتخاذ الفلسفة للكتابة المنضبطة الصارمة، وبعدها عن الذاتية، ثم سعيها المستميت نحو غايتها الصريحة، يحدد بشكل ما قدرتها المتفردة على كشف المعضلات والوقوف على جوهر الأمور.

تقول آريس مردوخ في كتابها "نزهة في غابة الأدب: (الكتابة الفلسفية ليست شكلا من أشكال التعبير الذاتي بل تنطوي على كبح منضبط للصوت الداخلي. بعض الفلاسفة يطيب لهم الحفاظ على نوع من الحضور الشخصي في أعمالهم (...) لكن الفلسفة في نهاية الأمر تمتاز بصوتها الصلب غير المشخصنَ)(1).

 إلا أن الجرد الدقيق لكتابات مجموعة من الفلاسفة، يشي بحضور تلوينات اللغة وتقنياتها. لهذا تعددت المقاربات التي تبحث في مستويات التداخل، أو لنقل إمكانيات التداخل ، بين القول الفلسفي وأنماط التعبير الأخرى، وصلت إلى حد إعادة الإستشكال حول:

 هل وجود جنس تعبيري تنفرد به الفلسفة، هو حديث حالم، لا يقترب من الحقيقة في شئ؟ وأن التقاطعات التي بالإمكان رصدها بكتابات بعض الفلاسفة، هي فلتات وإستثناءات يمكن الوقوف على أسبابها ودوافعها؟ أم أن الفلسفة تحتاج اعتماد الخيال أحيانا لتتميم غاياتها ؟، بمعنى آخر هل استعارة الفلسفة لآليات الخطاب الأدبي، يحيد بها عن جوهرها؟ وبالتالي يشكل خيانة للخطاب العقلاني الذي تتبناه؟ أم أنه نافذة يوازن فيها الفيلسوف بين الأفكار، وبين ما يتأجج داخله من صور ذهنية، ليقترب من مستويات فهم العامة؟

بحسب التصنيفات المأخوذ بها، تمثل كل من الفلسفة والأدب مجالين مختلفين، لا إمكانية للخلط بينهما. فالأولى تتأسس على نسق حجاجي، مجرد، ومتماسك. في مقابل الأدب الذي يمتلك مساحات شاسعة من الذاتية، والزخم العاطفي. وبرغم ما قد نستجليه من مستويات التباين هذه إلا أنه أحيانا يصعب رسم حدود واضحة، فاصلة بينهما. باعتبار أنهما معا يمثلان مظهرا من مظاهر الوجود الإنساني.

 بشكل ما، نحن مجبرون على الاعتراف بهذا الاختلاف. وأيضا الإقرار بمستويات الاقتراب .

وقد اقترح الأستاذ والباحث عبد الرزاق الدواي، إعادة التفكير من جديد في الخطاب الفلسفي، باعتباره خطابا منفتحا على المتخيل. يستخدم آليات التمثيل والتخييل، كنوع من الاستدلال لإيصال الحقيقة. فاعتبر التمثيل قدرة ذهنية عند الإنسان، مثلما ذهب في ذلك الفيلسوف كانط .إذ جاء في كتابه نقد العقل الخالص:<< إن ما يملكه الإنسان من قدرة على رسم الخطاطات الذهنية، وعلى التمثيل والتصوير والتأليف بين العلاقات والأشياء، فن خفي ومدفون في أعماق النفس البشرية. وسيبقى دائما من الصعب أن ننتزع من الطبيعة أسرار الكيفية التي تشتغل بها هذه القدرة، ونعرضها مكشوفة أمام الأعين.(2)<< فالفلسفة الكانطية على ما يبدو، وإن علّت من مقامات العقل، فقد احتوت مظاهرا للخيال، حتى وإن بدت مظاهرا خفية، ضبابية وغامضة. 

ناهيك عن أنه عن طريق المتخيل، يصير بإمكان الخطاب الفلسفي، اختزال محدودية العقل البشري اتجاه اللامحدود. بمعنى آخر أن المتخيل بمستوى ما، يتيح التفكير في عالم المعقولات والموضوعات الميتافيزيقية، بصورة قريبة للتناول .

ولعل من أبرز الفلاسفة الذين استثمروا هذه الآلية في خطاباتهم هو أفلاطون، فبرغم العقلانية التي يعرف بها نسقه الفلسفي، إلا أن هناك وجها آخر آخذه عليه تلميذه أرسطو، وهو لجوؤه للخيال كوسيلة للتدليل على أفكاره وشرحها. فمن خلال "الجهورية" مثلا، يختزل أطروحاته السياسية والاجتماعية، ومن خلال "أسطورة الكهف" يعيد إنتاج إشكالية العلاقة بين الحقيقة والواقع، والتدليل على أن فكرة حقيقة الوجود التي تنشدها الفلسفة ،هي خفية وعصية على الإدراك، كل ذلك بمزاوجة متقنة للفكر باللغة، لمستويات صارمة من التعبيرية، وأخرى إشارية بامتياز.

الواضح أن عالم المثل الأفلاطوني لم يتيسر له إلا باستخدامه أقصى درجات الخيال، بل يمكن إجمال القول في أن أهمية المتخيل هنا، تبرز في كونها رصت عناصر الفلسفة الأفلاطونية بتماسك ملفت.

ولا يمكننا مغادرة هذا السياق، دون الإشارة أيضا إلى التشبيه الديكارتي الشهير للفلسفة بالشجرة، كمحاولة منه للدلالة على ماهيتها. برغم أنه يدعو في فلسفته إلى الإقصاء التام للخيال ،و الاستناد على العقل وحده لإدراك الحقائق .

كما أن بعض الفلاسفة مثل أرسطو سبينوزا، ابن رشد وآخرون، قد عبروا عن فكرة تفاضل الناس في طرق التصديق والإدارك. بالتالي اللجوء للمتخيل لم يعد مجرد ترف لغوي، وإنما حاجة ماسة، يتمكن الفيلسوف عبرها من بسط أفكاره للعامة. ولو أن التصورات الجديدة ،التي أنتجتها الإهتمامات الأخيرة حول إشكال المتخيل في الخطاب الفلسفي، تعتبر أن لجوء الفيلسوف لهذه التقنية هو دليل على ضعف مشروعه الفكري، وعجزه عن إيصال نسقه الفلسفي ليس إلا .

إذن التداخل بين القول الفلسفي والقول الأدبي، تداخل حاصل لا يمكن إنكاره .التساؤل الذي يطرح ذاته هنا هو ما مستويات وحجم هذا التداخل ؟ فإذا كانت العبارية في الخطاب الفلسفي تمكنه من أن يكون قولا محكما، مصرحا به ، باعتبار أن القول العباري قول مبسوط ، حقيقي وجلي في آن واحد. وأن الإشارية تختزل معانيه وتثريها، باعتبار أن القول الإشاري قول مجازي المعنى مضمره. فما الدرجات التي تضمن لهذا الخطاب الفلسفي التوازن دون أن تستهدف خصوصيته وتهدمها؟

تقول ايريس مردوخ :<< ينبغي على الفيلسوف المتمرس في صنعته الفلسفية ،أن يحاول توضيح مقاصده بالضبط ، وأن يتجنب التفخيمات البلاغية الطنانة وغير المجدية(3) <<.

يميل قول الأديبة آيريس هنا، إلى أنه يجدر بالقول الفلسفي أن يميل للقول العباري ما أمكنه ،بعيدا عن كل إشارية ومجازية مبالغ بها .

ويقول عبد الباسط لكراري في كتابه "دينامية الخيال" في حديثه عن كتاب "نظرية الشعر عند الفلاسفة من الكندي حتى ابن رشد" للدكتورة ألفت محمد كمال الروبي:<< أن هؤلاء الفلاسفة وضعوا القوة المتخيلة في منزلة وسط بين الخيال والعقل(4)<<

بما يعني أنه في خطابات بعض الفلاسفة، قد تم الإعلاء من المتخيل المرتكز على نوع من الاشارية والمجاز.

في حين يتناول الكاتب عبد الرحمان طه، بالحديث المكانة البيانية للقول الفلسفي بين الأقوال الأخرى عامة. مدققا في نسب التداخل والتفاوت التي أسلفنا الحديث عنها. فيخلص إلى أن أقصى درجات العبارية هي التي تتحقق في القول المنطقي، وأقصى درجات الإشارية هي التي يحتلها القول الصوفي. وأن أجناس القول الأخرى سواء كانت أدبية أو علمية، يتفاوت فيها حضور العبارة والإشارة بنسب مختلفة ، فاصلا في ذلك بين نوعين من الفلسفة، ما سماه بالفلسفة الطبيعية، ويقصد بها الدائرة التي تجمع أهل المجال التداولي جميعا، في مقابل الفلسفة الصناعية -والتي هي لاحقة عن الأولى-، والمقصود بها هنا حين تصير الفلسفة صنعة نتيجة ارتفاع مستوى التمرس والاشتغال. بمعنى آخر نتيجة التطور الذي يحصل بالوعي الفلسفي.

هذا الفصل في الطبيعة يخلق بالضرورة تباينا في حضور العبارة والإشارة في الخطاب الفلسفي حيث تبين أن الفلسفة الصناعية، لا تحقق أي قدر من التوازن البياني، لأنها تفصل تداوليا بين كل من الإشارة والعبارة. في حين أن الفلسفة الطبيعية، فلسفة متوازنة بيانيا، لا تقر بامتياز استعمال الواحدة على الأخرى أو العكس، إنما توجب نوعا من التوازن بينهما. ليس على مستوى الكم طبعا، وإنما على مستوى التساند والتكامل في الوظائف فتغلب الاشارة حينا والعبارة حينا آخر(5).

هكذا يبدو أن القول الفلسفي في مد وجزر مستمرين، ليس قولا عباريا خالصا ولا قولا إشاريا خالصا ، وإنما هو قول جامع موازن لهما معا على وجوه مختلفة، متباينة ومتفاوتة.

تقول آريس مردوخ :<<واذا ما كان الفيلسوف أي فيلسوف، يجود في طريقة كتابته، فتلك مزيّة تحسب له بالتأكيد وستجعله على قدر كبير من الغواية، التي تدفع الآخرين لدراسته .غير أن الكتابة الفاتنة لن تجعل منه فيلسوفا أفضل(6)<< .

إذن فلربما هذا الاندساس الخفي تارة، الجلي تارة أخرى، لآليات اللغة والمجاز في ثنايا الخطاب الفلسفي، لا يحط من قدر الفلسفة، بقدر ما يمدها بنوع من الحيوية، ويضمن لها بل يجعلها ربما أكثر إشراقا.

 

تحرير: حنان أوراق

......................................

المراجــع:

(1) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 23

(2) عبد الرزاق الدواي، التخييل والتمثيل في الخطاب الفلسفي ص 136

(3) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 22

(4) عبد الباسط لكراري، دينامية الخيال –مفاهيم وآليات الإشتغال- منشورات اتحاد كتاب المغرب، ط الأولى 2004 ص

(5) عبد الرحمان طه، فقه الفلسفة ، الفصل الاول القول الفلسفي بين العبارة والاشارة

(6) آيريس مردوخ، في غابة الأدب، ترجمة وتقديم لطيفة الدليمي، دار المدى، ط الأولى 2018 ، ص 20ق

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

دمت متألقة الأستادة حنان، وأضيف أن طبيعة الخطاب الفلسفي تمليه خصوصية الواقع والمتلقي

محمد الأرطب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4739 المصادف: 2019-08-27 09:49:04