 قضايا

الترجمة في العراق القديم

حسيب الياس حديدالترجمة نشاط فكري وإبداعي يقوم على أساس اكتساب المضامين المعرفية والعمل على نقل هذه المضامين بطرق شتى يتم اختيارها من قبل المترجم ، ولابد من ان يكون نقل المضامين متكاملاً . وفي الحقيقة لا تعدّ مهمة الترجمة مسألة يسيرة وإنما هي مسألة معقّدة ومتشعّبة ودقيقة . وتستلزم الترجمة بصورة عامة اجادة نظامين لغويين مختلفين وهنا تظهر امكانية المترجم وقدراته .وعندما يتعلق الامر بالترجمة الدبلوماسية بين مختلف البلدان في هذه الحالة تأخذ الترجمة مساراً مهماً لان الترجمة في هذه الحالة تبرز اهميتها في العلاقات الدولية ومدى تأثيرها على مسار تلك العلاقات.

فالترجمة الدبلوماسية من اصعب انواع الترجمات نظراً للخصوصيات التي تتسم بها دون سائر الانواع الاخرى.ومن اهم خصائصها انها لغة دقيقة تعج بالمصطلحات المفردات المتخصصة والاستعارة وكل الفنون البلاغية. وتضيف هذه السمات الكثير من الصعوبات لعملية الترجمة. وبناءً على ذلك يتوجب على المترجم الدبلوماسي نقل المعنى بكل امانة ودقة ولهذا السبب تعرف الترجمة الدبلوماسية بالترجمة المفرداتية او المصطلحية . ويهتم هذا النوع من الترجمة بنقل الأفكار مع التركيز على البحث عن مرادف لكل كلمة ، ويحاول المترجم جاهداً نقل فكرة النص المراد ترجمته والحفاظ على حرفيته ومدلوله .

وتتصف الترجمة الدبلوماسية بالأمانة العلمية لأن المترجم ينقل معنى النص الدقيق المراد ترجمته ، وهذا لا يعني أن المترجم يتصرف بالنص كما يشاء, على العكس من ذلك يحافظ على روح النص دون المساس به . ولتحقيق النجاح في هذا المجال لابد من توفر قطبين رئيسيين هما الإبداع والمعرفة الفنية . فإذا كان الإبداع في هذه الحالة الدقيقة موهبة الكتابة باعتبارها سمات فطرية فان المعرفة الفنية لا تعد فطرية وإنما ينبغي تعلمها ومن الممكن تدريسها. وتعتمد جودة الترجمة الدبلوماسية على الصياغة الملائمة حصرياً التي تقدم للقاريء ما يمكنه فهمه دون عناء. والترجمة قديمة قدم الانسان وقد وردت في النصوص القديمة في العراق القديم. حيث كانت هناك علاقات دولية بين مختلف الدول التي كانت قائمة في تلك الفترة ونظرا لاختلاف اللغات لابد من ان يكون للترجمة نصيب مهم من اجل اقامة العلاقات بين تلك الدول. ففي العراق القديم حظيت الترجمة والمترجمون بعناية الحكام والملوك العراقيين القدماء في مختلف العصور التاريخية ، واولوها من الاهتمام الكبير ما يعطي انطباعا عن خطورة ودور هذ الوظيفة ، وبلغت مكانة المترجم الاجتماعية شأناً عظيماً حيث خصصت له أماكن سكن ضمن اجنحة القصور الملكية ، كما انتدب المترجمون للمشاركة في الحملات العسكرية التي قادها أولئك الحكام على مناطق عديدة من الشرق الأدنى القديم ، فكان لحضورهم الدور الفاعل في وصول الحملة الى أهدافها ومبتغاها وتحقيق نتائجها ، من خلال التفاهم مع قادة تم اسرهم خلال الحملات العسكرية واستنطاقهم واخذ معلومات منهم بما يتعلق بخصوص الثغرات الموجودة في مفاصل العدو ونقاط ضعفه ودكها في النهاية ، كما كان للمترجمين دور في عقد العديد من المعاهدات السياسية بين ملوك العراق القديم ونظرائهم من ملوك وحكام وامراء دول الشرق الأدنى القديم ممن لم يكونوا يجيدوا لغة احد الأطراف المتعاقدة ، فكان المترجم بمثابة همزة الوصل بين الطرفين ، ويمكننا ان نلاحظ صعوبة ما وقع على عاتقه من جهود حثيثة في سير وخطوات المفاوضات وامضاء بنود المعاهدة وابرامها .

وقد اطلق السومريون القدماء على الترجمة او الشخص الذي يقوم بالترجمة مصطلح ( ايمي بآل (EME-BAL) ومعناها قلب اللسان، أي قلب اللسان الى لغة أخرى .

واما في اللغة الأكدية جاءت كلمة الترجمة بنفس الصيغة العربية - نسبيا – تقريبا كما هي الحال في اللغة السومرية ، فأطلق عليه مصطلح:  (LISANU-NATALKUTU) .

في حين وردت كلمة الترجمة في اللغة الاوغاريتية بصيغة (draguman) (أي الترجمان)، وكذلك جاءت في الكتابات الاشورية القديمة والبابلية الحديثة بصيغة (ragamu)

أهمية الترجمة في العراق القديم

هنالك مثل سومري ينص على :"لا يمكن للمترجم ان يكتب له النجاح اذا لم يجد اللغة السومرية" هذا يدل على اهمية الترجمة ومكانة المترجم في العراق القديم. ومنذ فترات مبكرة من تاريخ العراق القديم تطلب الامر الى وجود صنفا من الكتبة والمترجمين targumaahnu لاداء مهامهم في نشر متطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، فضلا عن حاجة البلاط الملكية بشكل خاص لمعرفة طبيعة التوجه السياسي لمختلف الاقوام المجاورة والتعرف عن عاداتهم وتقاليدهم من خلال عملية ترجمة النصوص وتحويلها الى اللغات العراقية القديمة في ذلك الوقت ، وعلى هذا الأساس وقع على عاتق هذا الصنف من الكتبة والمترجمين الالمام بلغتين او اكثر ليتمكنوا من أداء مهمتهم بالشكل المطلوب  .

وفي العصر الاشوري الحديث كانت القصور الاشورية تضم بين كوادرها الكتبة من الذين كانوا يجيدون ترجمة بعض اللغات آنذاك. .

وربما كتبت بعض المعاهدات بين الملوك الاشوريين وبعض الملوك في البلدان المحيطة ببلاد اشور او مع الحكام الذين اقروا بالسيادة الاشورية عليهم بلغتين وخطين ، وكانت النُصُب ثنائية اللغة تنقش بلغة وخط اهل البلاد الاصلية واللغة الأكدية بالخط المسماري.

وقد اكتشف في مدينة الوركاء رقيم بهذا الخصوص يعود الى فترة الاحتلال الأخميني وهو عبارة عن تعويذة قام بكتابتها احد الكتبة بالآرامية ثم سطر تحتها ترجمة بالخط المسماري واللغة الاكدية .

ونظراً لأهمية الترجمة وعظيم شأنها خصص ملوك العراق القديم اجنحة في بلاطات قصورهم خاصة للمترجمين اللذين كانت تقع عليهم مهام الترجمة للسفراء المعتمدين والقادمين الى القصور والتفاهم مع ملوك بلاد الرافدين ، فكانت مكانتهم جليلة حيث تم شمولهم بالامتيازات الخاصة التي كان الملك يغدق عليهم في أوقات ومناسبات خاصة ـ حتى انهم كانوا يتلقون الحوافز اسوة بموظفي القصور الاشورية ، والدليل على ذلك ما وصلنا من النمرود والذي يطلق عليه من قبل الباحثين اصطلاحا بـ (قوائم الخمر من النمرود)..

ولم تتوقف حركة الترجمة عند هذا الحد وانما شملت الجوانب الادبية والدينية وترجمة القصص ويذكر انه بعد ان استقر الاكيدون في بلاد الرافدين وبدأت ملامح تأثيرهم الحضاري تنضج ووجدوا ثروة طائلة من الأفكار تجسدت بالنصوص الدينية والاسطورية. .

لم يكن للأكديين ، القادمين من البادية ، ثقافة تكفي لتغيير المعتقدات الدينية التي بلورها السومريين لمئات السنين واستبدالها بما كان عندهم من معتقدات دينية ، فقد وجدوا امامهم ديانة تزخر بالادب الديني الرفيع المدون على عشرات من الرقم الطينية تزخر بها معابد المنطقة ، ولكن هذا لا يعني انهم اكتفوا بما وجدوه لدى السومريين لكنهم تأثروا بشكل كبير وأضافوا اليه بما يتناسب مع معتقداتهم الدينية. .

ولهذا بدأ الاكديون بترجمة ما تمت كتابته من السومريين من نصوص دينية إذ مثلت القصص والاساطير جزأ مهما من النتاج الادبي العراقي القديم ، فقد جمعت هذه الكتابات بين روعة التعبير وسعة الخيال وبرهنوا انهم ذوي إمكانيات لغوية غزيرة وخيال خصب وواسع ، فهم آمنوا بوجود الهة خارقة القوة وهي قادرة على عمل أي شيء حتى انهم ايقنوا بوجود صراعات بين الالهة نفسها. .

كذلك ذكر في بعض الترانيم عن افتخار (شولكي - احد الملوك) اتقانه فنون الكتابة ومعارفها وبضمنها الموسيقى والعرافة ، كما اكد ان أي من الطلبة في زمانه لم يستطع ان يفوقه في اجادة الكتابة والترجمة ، وان (نيسابا) الاهة الكتابة منحته الذكاء والحكمة ، ففي ترنيمة له ذكر انه رسخ لمدرسة الكتابة تقاليد دائمة . كذلك تباهى انه الوحيد من بين افراد بلاط قصره الذي يستطيع ان يتكلم بعدة لغات كالعيلامية والامورية فضلا عن اتقانه كتابة السومرية – لغته الام .وربما ان كل من اور نمو وكوديا اجادوا اكثر من لغة أيضا. .

والدليل الأكثر أهمية بهذا الخصوص هو اهتمام اشور بانيبال بالنشاطات العلمية والكتابية هو مكتبته الشهيرة التي اكتشفت في نينوى قرب قصره (تل قوينجق) فقد ورد في رسالة كان قد أرسلها احد الكتبة الى الملك اشور بانيبال بان الملك كان يشارك شخصيا في تحديد ووضع الالواح والرقم الطينية في مجموعته الخاصة لمطالعتها في المكتبة وورد على لسان الكاتب الى ان جميع النصوص التي اقترح الملك وضعها في جناحه تستحق الحفظ الابدي كما ورد في رسالة اخرى عن تكليف كاتب كان قد امره الملك اشور بانيبال بالبحث عن الرقم من مختلف الأماكن في البيوت وفي معبد نابو في بورسبا لجلبها الى مكتبته وامر الملك مراقب المعبد وكهنته ليضعوا تحت تصرف هذا الكاتب أي لوح يراه مناسبا لاخذه الى مكتبة القصر في نينوى.

مما تقدم يمكننا ان نختصر موضوع الترجمة في العراق القديم بالتأكيد على بعض الحقائق التاريخية التي وردت في المصادر التي تناولت هذا الموضوع. وهنا يمكننا القول ان للتوزيع السكاني في العراق القديم والسبق الحضاري للسومريين الذي تختلف لغتهم عن مجاوريهم الأكديين الذين لحقوا فيما بعد بالاستيطان في بلاد الرافدين دوراً بارزاً في ظهور ما يعرف بـ (الثنائية اللغوية)، لكن السومريون هم اول من ابتدع الكتابة المسمارية ونصوصهم الدينية والمضامين الأخرى ذات الأهمية الدور البالغ في ضرورة ترجمتها الى اللغة الأكدية واضافة ما يزيل اللبس والغموض للمكون الرافديني الثاني خصوصا في المناهج والمدارس . ومن هذا المنطلق ظهرت الحاجة الى إيجاد وسيلة للتفاهم بين شعوب متباينة لغاتها ادت الى ظهور الترجمة ووظيفة المترجم.

ويذكر ان وظيفة المترجم ظهرت في بلاد الرافدين منذ الالف الثالث ق .م وذلك استنادا الى المصادر المسمارية ذات العلاقة ولا حظنا ان للمترجم مكانة اجتماعية مميزة ومتميزة انعكست على وضعه في السكن والرعاية والاهتمام من قبل حكام وملوك العراق القديم. كما دعت الضرورة الى ان يكون المترجم حاضرا في ساحات المعارك والحملات العسكرية التي قادها حكام وملوك العراق القديم. حيث كان المترجم هو العنصر الأهم في امضاء بنود العديد من المعاهدات السياسية بين حكام وملوك العراق القديم ونظرائهم من الدول المجاورة .

وبعد ذلك كله نستنتج ان للترجمة تأريخ طويل وانها ظهرت منذ عصور مبكرة في تاريخ بلاد الرافدين. ومن خلال ما تقدم ظهرت اهمية الترجمة في العلاقات الدولية من جهة واهمية المترجم من جهة اخرى فضلا عن المكانة التي يحتلها المترجم في تلك الفترة والرعاية المتزايدة التي تلقاها من لدن حكام وملوك العراق القديم.

 

ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد

........................

المصادر:

-        Boack,J.: A Concise Dictionary of Akkadian,Harrassowitz,Verlag,Wiesbadens,2000,p. 400

-        Luckenbill D.: Ancient Records of Assurian and Babylonian, New York,,1927,p.986

-        Sasson,J.M.: Civilization of Ancient Near East,Vol.:IV,New York,1995,p.2267

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

احسنت النشر يا دكتور حسيب. انها مقالة رائعة ومفيدة .

جلال حكمت
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاخ الاستاذ جلال حكمت على هذا التعليق والشكر موصول لادارة صحيفة المثقف مع اطيب تحياتي
الدكتور حسيب حديد

الدكتور حسيب الياس حديد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4739 المصادف: 2019-08-27 09:52:45