 قضايا

خصائص التعليم منفصل الجنس

منى زيتونيعتبر نمط التعليم منفصل الجنس هو الأكثر انتشارًا في الدول العربية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وعادة لا توجد مدارس حكومية مختلطة في المدن في هاتين المرحلتين –عدا المدارس التجريبية في مصر، وبعض مدارس دول المغرب العربي–، حيث يقتصر تواجدها على المناطق النائية أو ذات الكثافة المنخفضة التي يصعب فيها على الدول تحمل تكاليف إنشاء مدرستين.

النتائج التربوية والنفسية المترتبة على الانفصال في التعليم

يرى بعض الباحثين عدم وجود مشاكل في التعليم المنفصل، بينما يرى بعضهم الآخر في هذا النمط التعليمي افتقاده للمنافسة، وأن التعليم المنفصل لا يؤهل للتجربة الجامعية ولا للحياة في المجتمع، ويؤدي إلى عدم المبالاة بالقيم الخلقية، وتبادل ألفاظ خارجة، وانشغال الطلبة والطالبات بالجنس الآخر نتيجة للحواجز الاجتماعية، والخجل من الجنس الآخر، والكبت وعدم قدرة الطلبة على التصريح بمشاكلهم.

ويمكن تلخيص الأسباب التي يستند إليها أصحاب الرأي المؤيد لتطبيق نظام الانفصال في التعليم في البلاد العربية، خاصة مع بدء مرحلة المراهقة -وذلك في ضوء الدراسات التي تمت في هذا المجال-  في الآتي:

1- اختلاف طبيعة وتكوين البنات عن البنين، وهذا يتطلب تعليمًا متنوعًا يتناسب مع طبيعة كل منهم.

2- البعد عن المشاكل.

3- تكون البنات أكثر ارتياحًا في النظام غير المختلط.

4- الانفصال أفضل من الناحية النفسية، حيث أن بعض الطلبة والطالبات بحكم تكوينهم النفسي لا يمكنهم الاندماج في المدارس ذات النظام المختلط.

5- الانفصال أفضل للحفاظ على الفتاة.

6- شرود الذهن وأحلام اليقظة لدى بعض التلاميذ والتلميذات مع بداية مرحلة المراهقة.

7- التكلف في المظهر لدى كل من الجنسين في المدارس المختلطة، ما يرهق الأسرة ماديًا، ويؤدي إلى ظهور بعض المشكلات المعيشية.

8- اختلاط الجنسين في مرحلة المراهقة يزيد من حدة المشكلات الجنسية لدى كل من البنين والبنات، والتي تؤرق حياتهم ويتمنون حلها والتخلص منها، ما يؤثر على العملية التعليمية بالسلب، فلا تؤتي ثمارها المرجوة، ومن ثم ينخفض المستوى العام لتلك العملية.

9- تطبيق التعليم المختلط لا يعتمد على أسس سيكولوجية وتربوية معينة، وإنما يرجع إلى أسباب اقتصادية بحتة لعدم توفر الموارد المالية والبشرية اللازمة لإقامة مدارس خاصة بكل جنس على حدة، وأنه إذا ما توفرت هذه الإمكانيات لم تعد هناك ضرورة لتطبيق هذا النظام التعليمي.

10- العادات والتقاليد التي تسود المشرق العربي باعتبارها مجتمعًا شرقيًا تحول دون الأخذ بنظام الاختلاط بين البنين والبنات، وخاصة في مرحلة المراهقة، والتي تعد مرحلة عمرية حرجة من حياتهم.

11- ويستند المؤيدون للتعليم المنفصل كذلك إلى ما لجأت إليه بعض الدول المتقدمة –مثل فرنسا– من استبدال نظام التعليم المختلط بنظام الفصل بين الجنسين في المرحلة الثانوية، وسمحت به فقط في كل من المرحلتين الابتدائية والجامعية.

أما عن وجهة النظر المؤيدة للانفصال في التعليم في الغرب، فهي أكثر رصانة وأكثر علمية، وترتكز على بعض الخصائص التي يراها المؤيدون له من الباحثين الأجانب، مثل التنظيم والجوانب التربوية والنمو المعرفي المتباين بين البنين والبنات واختلاف الاهتمامات والاستعدادات بينهم، وهو ما يمكن تفصيله في الآتي:

خصائص التعليم منفصل الجنس  -Single-education Properties

1- نماذج الدور Role- Models

يذكر جرَيندر (Grinder,1978) أن تعلم الدور الاجتماعي المرتبط بالجنس هو الاكتساب لأداءات الدور والاتجاهات التي تتطابق مع التوقعات الثقافية لكل من الذكورة والأنوثة، ويضيف ميشيل Mischel  إن معظم تعلم دور الجنس بالإضافة إلى كل الأنواع الأخرى من التعلم يحدث من ملاحظة النماذج.

ووفقًا لريوردان (Riordan,1990,pp.49-50) فإن الميزة الأولى التي يدفع بها أنصار التعليم منفصل الجنس هو أنه يمد البنين والبنات بدور أكثر نجاحًا لجنسهم، فالمعلمون والمعالجون وزملاء الدراسة من الجنس نفسه يصنعون نموذجًا للسلوك الملائم لكل التلاميذ –ذكورًا كانوا أو إناثًا– منذ الأعوام الدراسية الأولى، والمدارس منفصلة الجنس ربما بشكل خاص تكون مميزة للفتيات منذ أن أصبحت الفتيات أكثر تفوقًا في كل المواد، وبذلك أصبح باستطاعتهن الخدمة كنماذج دور ناجحة لزميلاتهن، بالإضافة لذلك فالمعلمون في مدارس الفتيات يكن غالبًا نساء.

على نطاق أقل لحد ما نجد أن السبب نفسه يطبق على مدارس البنين، حيث يكون متاحًا نماذج دور أكاديمي أكثر نجاحًا للجنس نفسه، وأنه لشيء جدير بالملاحظة بالرغم من ذلك أن نسبة المعلمين الذكور في كل مدارس البنين ربما تكون أقل دلالة من نسبة المعلمات الإناث في كل مدارس البنات!

على سبيل المثال، نجد فين Finn,1980)) يقرر أنه في أمريكا يكون 63% من المعلمين في مدارس البنين رجالًا مقارنة بـ 93% من المعلمات في مدارس البنات، بينما في إنجلترا تتكون هيئة التدريس في مدارس البنين من 77% ذكور وفي مدارس البنات من 87% إناث، وفي المدارس الأمريكية المختلطة الثانوية تكون نسبة حوالي 50% من هيئة التدريس ذكور بينما في المدارس الإعدادية العامة تكون نسبة أكثر من 85% من المدرسين إناث.

وتذكر إيلين بيرن (Eileen Byrne,1990,p.10) أنه تمت الإشارة عن طريق الباحثين الأكاديميين والمديرين ورؤساء المؤسسات التربوية إلى أن المشكلة الحقيقية التي تؤدي لنقص تسجيل الإناث في بعض المناطق هو النقص في نماذج الدور الأنثوي، حتى أن هذا يدفع البعض للقول إنه إذا كان لدينا هيئة تدريس من النساء أكثر فسوف يكون لدينا تلميذات أكثر.

وينتقل هذا التأثير للكليات، فقد وجدت ليزلي ميلر– بيرنال (1993, p.26 Leslie Miller-Bernal,) أن كليات المرأة تقدم نماذج دور أنثوي أكثر، وذلك لوجود عدد أكبر من النساء في هيئة التدريس، ما يؤثر بإيجابية أكثر في خبرات التلميذات.

لكن الذكور أيضًا قد ينجذبون إلى الأساتذة الإناث، ففي دراسة سيرز وهينيسي (Sears and Hennessey,1996,p.561) والتي كانت ردًا على وتوسيعًا لدراسة جروسبي وريريراي (Grosby and Reiraray,1993)  والتي وجدت أن تلميذات الكليات شعرن بتقارب تجاه الأساتذة الإناث أكثر من الذكور، بينما ركزت الدراسة الأصلية على كليات المرأة فإن هذه الدراسة تضمنت تلاميذ وتلميذات من كليات المرأة، وكليات مختلطة كانت سابقًا كليات للمرأة، وكليات مختلطة كانت سابقًا كليات للرجال، بالإضافة إلى جامعة كبرى، وتم دراسة الإحساس بالتقارب في ضوء تأثير نوع المعهد التعليمي وجنس الأستاذ وجنس التلميذ، ولقد وُجد أن التلميذات في كليات المرأة أحسسن بالتقارب نحو الأساتذة الإناث أكثر من الأساتذة الذكور، وكان هذا الانجذاب للأساتذة الإناث حقيقة بالنسبة للتلاميذ الذكور والإناث في المؤسسات الثلاث الأخرى. بالإضافة إلى ذلك فإن التلاميذ في الكليات التي كانت سابقًا كليات للمرأة شعروا بتقارب مع أساتذتهم أكثر مما شعر به التلاميذ في الجامعة أو الكليات التي كانت سابقًا كليات للرجال، وقد أوصت الدراسة بوجود أساتذة إناث في التعليم العالي لكلا الجنسين بعدما تأكدت الأهمية لذلك.

2- تطوير الدور الجنسي التقليدي Traditional sex- role development

غالبًا ما تكون هناك توقعات ثقافية جامدة فيما يتصل بالأدوار المتعلقة بالجنس، يذكر طارق جودت (1995، ص 18) أن تلك القوالب النمطية الجامدة لدور الجنس Sex-Role Stereotypes هي افتراضات مبسطة متصورة مقدمًا، وتعميمات عن سلوك متوقع من الذكور والإناث، وأنه يجب أن ينشأ الذكور والإناث اجتماعيًا ليمتثلوا للتوقعات الثقافية فيما يتصل بالذكورة والأنوثة على التوالي.

ذلك أن أصحاب نظرية التحليل النفسي، ومنهم براتفن برينر Brenner، يذكرون أن اكتساب الذكور لصفات وقيم الذكورة واكتساب الإناث لصفات وقيم الأنوثة يُعد أساسًا للشخصية السوية، حيث أن تطورات صفات الذكورة والأنوثة لدى الفرد يمكن أن تكشف لنا النقاب عن معدل وطريقة نمو الشخصية السوية لديه، ويؤيد ذلك المهتمون بالتنشئة الاجتماعية، حيث يرى جونس Jones,1978)) أن النمط الجنسي المناسب هام للصحة النفسية للفرد وفقًا للتقاليد الاجتماعية، كما أن السمات التي نطلق عليها سمات مذكرة أو تلك التي نطلق عليها سمات مؤنثة هي التي فرضها المجتمع وأجازها.

وتأتي أهمية تعلم سلوك الدور الجنسي المناسب، كما يذكر إبراهيم قشقوش (1981، ص 290) لأن البنات والأولاد الذين يمضون وقتًا طويلًا مع أفراد الجنس الآخر لا يستطيعون في بعض الأحيان تنمية الصفات أو الخصائص التي تتصل بجنسهم إلى الدرجة التي ينبغي أن تكون عليها هذه الصفات لديهم، ولا يستطيعون تحقيق تفهم جيد لما يمكن أن يكون متوقعًا منهم كرجال أو نساء بالنسبة لبقية حياتهم؛ نظرًا لأنه لم تتح لهم فرص كافية لاكتساب متطلبات القيام بأي من هذين الدورين.

كما يشير طلعت حسن عبد الرحيم (1987، ص 65) إلى أن اكتساب الدور الاجتماعي الجنسي السليم يعد من أهم مطالب النمو في مرحلة المراهقة، والتي يؤدي تحقيقها إلى سعادة الفرد، ومن ثم يجب أن يحرص نمط التعليم على مساعدة التلاميذ والتلميذات على اكتساب الدور الجنسي لكل منهم.

وتاريخيًا، فقد كانت الوظيفة المركزية لكل من المدارس منفصلة الجنس والمختلطة هي تطوير أدوار جنسية ملائمة لدى التلاميذ والتلميذات كجزء من الوظيفة الأبوية البديلة للمدرسة، حيث تقع على عاتق المدرسة المسئولية لتشجيع هويات ذاتية جنسية ملائمة بين التلاميذ.

ويصف هايد (Hyde,1971) المدارس منفصلة الجنس والمختلطة في هذه النقطة بأن المبدأ الأساسي في التعليم منفصل الجنس قد كان الاعتقاد بأن البنين والبنات يجب أن يعرفوا أنفسهم كرجال ونساء من خلال الخضوع لتربية أو تدبير ملائمين لاحتياجاتهم المختلفة والتزاماتهم، ولهذا فهذا التعليم يتم توصيله بشكل أفضل من خلال معلمين من الجنس نفسه، يُروا كنماذج للرجولة والأنوثة في المجتمع المدرسي، والذي تهيمن عليه قيم جنس واحد، بينما المبدأ الأساسي للتعليم المختلط هو الاعتقاد بأنه منذ أن أصبحت الحياة تربية مختلطة فالبنون والبنات يجب أن يذهبوا للمدرسة معًا، وذلك لينموا بشكل مستمر في الفهم الناضج والاحترام، ولهذا فلقد رُؤيت المدرسة المختلطة كأسرة متسعة أكثر من كونها معهدًا يلقن فيه الصغار المعرفة المكتسبة بالخبرة أو أسرار جنس واحد.

وعلى هذا فإذا كانت المدارس تعرض دروسًا عن كيفية العمل كذكور وإناث، فالمدارس منفصلة الجنس هي الأنجح في تشجيع الأدوار الجنسية التقليدية مركزة على الخصائص المميزة لكل جنس، بينما المدارس المختلطة على الجانب الآخر تميل لتدريس الأدوار الجنسية المساواتية في كل من النظرية والتطبيق، والتعليم المختلط بهذا الشكل يخدم الاحتياجات الذكرية والأنثوية التقليدية للتلاميذ بشكل أقل كفاءة.

بينما يرى تَياك وهانسوت (Tyack & Hansot, 1990,p.11) أنه ورغم معقولية احتجاجات مؤيدي التعليم منفصل الجنس في هذه النقطة إلا أن البعض منهم أحيانًا ما يقدم احتجاجات ساخرة، حتى لقد يقودهم خيالهم إلى إمكانية حدوث تماثل بين البالغين منافٍ للعقل، فهم يتخوفون من أن التعليم المختلط ربما يجعل الاختلافات التي قدرها وأوجدها الله بين الجنسين غير واضحة، حتى لقد تساءل هؤلاء إن الله قد خلق الجنسين مختلفين فلماذا نسعى لتغييرهما؟! وأضافوا أن التعليم المختلط سوف يعيد تشكيل عقول البنين والبنات دون الرجوع للاختلافات المتأصلة في طبيعتهم، وأنه سوف يحاول أن يجعلهم في النمط نفسه، والمحاولة سوف تكون بغير فائدة وضارة للجنسين.

ولا شك أن مثل تلك الدعاوى بها الكثير من المبالغة، كما أن هناك وجهة نظر مخالفة حول أهمية تطوير الدور الجنسي التقليدي، فمثلًا يذكر آشر وآخرون (Asher et al.,1974,pp.15-16) في دراستهم عن علاقات الصداقة في المدارس أنه يبدو أن إحداث العديد من الصداقات بين الجنسين على المدى البعيد تعتمد على إنقاص صرامة الدور الجنسي التقليدي، وأنه إذا كان البنون والبنات رُبوا ليمتلكوا معدلًا أوسع من الاهتمامات وليتمتعوا بمعدل أوسع من الأنشطة سيكون من المحتمل وجود صداقات بين البنين والبنات بشكل أكثر، إنها طريقة واحدة لزيادة علاقات الصداقة بين الأطفال ألا وهي بناء بيئة تربوية لكي تصبح احتمالات تطور وبقاء علاقات الصداقة أكثر، حيث يُوجد أطفال كثيرون ربما يعوزهم أصدقاء أو يكون لديهم عدد قليل منهم لأن البيئة لا تشجع علاقة الصداقة.

فهل يمكن اعتبار البيئة التربوية في المدارس منفصلة الجنس بيئة مشجعة للأطفال فيما بعد على بناء علاقات صداقة مع الجنس الآخر يسودها النضج والاحترام؟ أم أن تكوين مثل هذه العلاقات الناضجة لا يعنينا بأي حال من الأحوال؟!

 

3- مقابلة الفروق بين الذكور والإناث في الإقبال على المقررات المنهجية

Sex differences in curriculum opportunities

الفرصة للتعلم تتضمن أكثر من كونها أن يكون لديك حرية دخول المدرسة، وبنظرة تاريخية فلقد كان للفتيات وما زال لديهن حرية للوصول للتربية ولكن بشكل غير متساوٍ، ووفقًا لريوردان (Riordan,1990,p.53) فلقد كان الشكل الشائع للمناهج بوجه عام أن البنين والبنات يدرسون مقررات مختلفة حتى عندما يكون العدد الحقيقي لسنواتهم الدراسية هو العدد نفسه! ذلك أن كل المدارس منفصلة ومختلطة الجنس تقصر بعض المواد على تلاميذ من كل جنس، ولا زال هذا هو الوضع السائد في كثير من البلدان ومنها مصر، والتساؤل هو ما إذا كانت مثل هذه المقررات تتأثر بنمط المدرسة المختلطة أو المنفصلة؟

والوضع آخذ نحو الاختلاف في الغرب. تذكر سوزان كيرشنر وآخرون (Susan Kirshner et al., 1985, p.30) أن بعض المؤسسات التربوية في الغرب قد بدأت في تقديم تربية متماثلة للجنسين في المدرسة نفسها، ومن خلال المنهج الدراسي نفسه، رغم أن بعض التربويين يرون أن إعطاء مقررات المناهج التعليمية نفسها لكلا الجنسين يسهم في عدم تحقيق المساواة بينهما، بل يزيد من تعاسة الإناث حين يقرر لهن المناهج نفسها التي تكون مصممة أساسًا للذكور.

ويذكر ريوردان (Riordan,1990,p.53) أنه وبشكل نموذجي فإن قصر بعض المواد على جنس معين يطبق في المواد المهنية أساسًا، وبشكل أقل في العلوم والرياضيات والإنسانيات، فالتربية ما بعد الابتدائية للبنين، -ووفقًا لنادين بلاتو (Nadine Plateau,1995, p.52)- تمدهم بناءً على نشأتهم الاجتماعية بالمعرفة والمهارات الضرورية لتكاملهم في ميدان الإنتاج (العمل المهني)، بينما الفتيات دائمًا يُمنحن تربية مختلفة بناءً على حالتهن الاجتماعية، تساعدهن أساسًا في أداء دورهن التكاثري كربات بيت وراعيات للأطفال، وعلى سبيل المثال، فقد ذكر بين وسَيمون Benn and Simon,1972)) أن نصف المدارس البريطانية المختلطة والبالغ عددها الكلي 587 مدرسة يدرسون قصرًا بعض المواد للبنين (الأعمال الهندسية– زراعة الحدائق– أعمال النجارة– الرسم الميكانيكي الصناعي– البناء– صناعة الفخار– مساحة الأراضي)، وبعض المواد للفتيات (أشغال الإبرة– تصميم الملابس– الرقص– بيولوجية الإنسان)، والسبب الأكثر مثالية الذي عُرض كان أن مدرسي مواد الذكور رفضوا أن تشترك الفتيات في حصصهم الدراسية.

بينما فيما يختص بالمواد الأكاديمية، فقد ذكر ديل (Dale,1974, pp. 268-270) في هذا الشأن أن التعليم المختلط يبدو أنه يزيد الفروق بين الذكور والإناث في الاهتمام بمواضيع أكاديمية مختلفة؛ إذ إنه يزيد اهتمام البنين بالرياضيات والمواد العلمية وينقص اهتمامهم بالمواد الأدبية واللغوية، بينما يزيد اهتمام البنات بالمواد الأدبية واللغوية وينقص اهتمامهن بالعلوم الفيزيائية والرياضيات.

ويؤكد ريوردان (Riordan,1990,p.53-54) على هذه النقطة حين يذكر أن الفروق بين الذكور والإناث في تقسيمات المنهج تظهر أيضًا عندما يكون أحد الجنسين أو الآخر غير مشجع للتسجيل في مقررات خاصة، وعبر العالم يواصل البنون التقدم في الرياضيات والعلوم بشكل واضح، بينما الفتيات يُوجهن لمقررات في اللغات والإنسانيات، وبالطبع فإن هذه التوجيهات مستندة إلى القيم الثقافية للمنزل والمجتمع، كما أنها تعكس فرص العمل الخارجي. ولكن في الوقت نفسه نجد أن الممارسات المدرسية تعزز وتخلد هذه الاتجاهات الثقافية، حيث وجد أستن وبانوس (Astin and Panos,1969) من خلال دراساتهما لاختيار التخصصات في الكليات أن الإناث في كل كليات المرأة تختار تخصصات غير تقليدية ومقررات في الرياضيات والعلوم أكثر من النساء في الكليات المختلطة.

ويؤكد هول وساندلر Hall and Sandler,1982)) على الفكرة نفسها بقولهما إن الكليات المختلطة الأمريكية تمد بمناخ فصل دراسي بارد Chilly classroom climates، والذي يضع التلميذات في وضع غير مميز، وقد وجدا أن هذا المناخ البارد لا يشجع التلميذات على الممارسة في الفصل، ويخمد طموحات العمل لديهن، ويضعف ثقتهن في أنفسهن، ويمنعهن من التماس المساعدة خارج الفصل، ويسبب لهن التأخر أو تجنب فصول يرين أنها خاصة بالبنين فقط.

على العكس من ذلك، وكما يذكر أستن ((Astin,1977 فالتلميذات في كليات المرأة لديهن ثقة أعلى بأنفسهن، ويشاركن بشكل أعظم في كل من أنشطة الفصل الدراسي والأنشطة خارج المنهج، ولديهن رضاء أكبر خاص بخبراتهن الجامعية، كذلك لديهن طموحات مهنية أكبر.

ونخلص من تلك الآراء أن التعليم المنفصل -كما أظهرت الدراسات- وإن كان يدعم الفروق بين البنين والبنات في الإقبال على المقررات المهنية بما يتلاءم والتنشئة الاجتماعية المناسبة لكل من الجنسين، فإنه على العكس من ذلك يقلل تلك الفروق بين الجنسين فيما يختص بدراسة المواد الأكاديمية، ما يعد ميزة يتيحها ذلك النمط التعليمي خاصة بالنسبة للإناث.

4- التفاعل المتساوي بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي

Teacher-student interaction in the classroom

لعل من أكثر التساؤلات المطروحة حول بيئة الفصل الدراسي في الغرب "إلى أي مدى يؤثر جنس التلاميذ في التفاعل داخل الفصل الدراسي؟"  "How gender influences classroom interactions?"

وقد وصف كل من فين ورايس ودولبرج (Finn, Reis, and Dulberg,1980) الوقت الذي يقضيه التلاميذ في المدرسة حقيقة في تعلم أنشطة بالوقت المشغول "وقت الانخراط" Engaged Time تمييزًا له عن وقت الحصة Albcated Time، فبينما وقت الحصة هو وقت العمل المقرر فالوقت المشغول هو ذلك الوقت الذي يستمر فيه التدريس والتعلم داخل الفصل الدراسي، والفروق بين البنين والبنات في هذا الوقت المشغول تكون شائعة في الفصول الدراسية.

ويقترح بلاكستون (Blackstone,1976)  أن الفروق بين أداء البنين والبنات في المدارس الابتدائية المختلطة تستمد –على الأقل جزئيًا– من الفروق في توقعات المدرسين وسلوكهم.

وقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن التفاعل بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي يختلف حسب الجنس، على سبيل المثال، وجدت بلاتو (Plateau,1995,p.55) أنه في المدارس المختلطة توجد للمعلمين –ذكورًا وإناثًا– آراء وأحكام قبلية تعتمد على نوع التلميذ، وتكون شكواهم وتوقعاتهم من التلاميذ إيجابية أو سلبية اعتمادًا على نوع التلميذ.

كما وجدت هيلين سولومونز Helen Solomons,1976)) أن الفتيات بالصف الخامس في فصول مختلطة للتربية البدنية، واللاتي يؤدين مثل الفتيان أو أحيانًا أفضل منهم، لا يُلاحظن على أنهن ذوات مهارة عالية مثل البنين في مستواهن نفسه، وقد استنتجت أن الملاحظات المختلفة لأداء الفتيات إنما تعكس توقعات الدور الاجتماعي للفتيات.

كما أضاف سامبسون (Sampson,1990,p.25) أن مساهمة المعلم قد وُجدت لتكون الأساس للتفضيل في بعض المواد الدراسية فهي أساس لتفضيل البنين الرياضيات، وأن الممارسات التساؤلية المستخدمة من قبل المعلم قد ظهرت لتسود الافتراضات المختفية عن كفاءة التلميذ، وأنه مع البنين يكون هناك توقع لنتيجة قدرة التلميذ أو لتجريد وتطبيق ما يتعلمه، كما أن جنس المعلم -والذي يظهر ليلعب نموذج دور لكلا الجنسين– يظهر ما لتفاعل المعلم والتلميذ من أثر، فمع المعلمات الإناث يزيد قيد الطالبات في الرياضيات –أكثر المواد غير المفضلة لدى البنات– ومع المعلمين الذكور تتشجع القراءة لدى البنين.

ويشير ريوردان Riordan,1990,p.53-54)) إلى أن التلاميذ الذكور يتلقون عادة انتباهًا أكثر من المدرسين – سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا–  ومناقشات وتفاعل فصلي أكبر من البنات، ويمكن القول إن البنين ربما يكونون أفضل في المدارس الابتدائية منفصلة الجنس، والبنات ربما يكن أفضل في المدارس الثانوية منفصلة الجنس وكذلك الكليات، وهو مماثل لما استنتجه لوكهييد (Lockheed,1976) حيث قرر أن المدارس المختلطة تؤثر سلبيًا على البنين في المراحل الأولى وسلبيًا على البنات في المراحل المتأخرة والمدارس الثانوية، وذلك على أساس توقعات المعلمين.

إضافة للانتباه، فإن طرق التساؤل والثناء والمدح تختلف بشكل أساسي للبنات والبنين، فيذكر كل من سادكير وسادكير (Sadker & Sadker,1994) أن البنات يمتدحن بشكل بسيط على المحاولة، بينما يحاول المدرسون الاحتفاظ بالمدح للبنين حتى يستطيعوا أن يجيبوا إجابة صحيحة، وأخيرًا فإن البنين يشتركون في سلوكيات الفصل الدراسي مثل أسئلة وأجوبة الأسئلة أكثر من البنات.

وفي دراسة تمت في فرنسا قام بها كل من فيردي وموسكوني (Verdier & Mosconi, 1995, p.139) في أربع فصول، على التفاعل بين المدرسين والتلاميذ، أخذًا في الاعتبار نوع التلاميذ والمعلمين، تم فيها تصوير درس للرياضيات لمدة ساعة عن طريق جهاز فيديو وتم تحليله في كل فصل، وقد راعى التحليل ما يلي:

- عدد مرات الأسئلة التي يُنادى فيها التلميذ باسمه الأول بناءً على جنسه/جنسها.

- عدد التبادلات لكل تلميذ.

- الوقت الذي يقضيه المعلم في التفاعل مع كل تلميذ.

- محتوى التدخل والتعليمات.

وقد استنتج الباحثان من هذه الدراسة ما يعزز ويصدق على تلك النتائج المتحصل عليها من البلدان الأخرى، من أن المعلمين يميلون لأن يكون لهم تفاعل أكثر وأطول مع البنين منه مع البنات، وأن عدم المساواة في التفاعل تبدو أكثر وضوحًا في الفصول التي تدرس لها النساء من تلك التي يدرس لها الرجال -ولكنها فروق طفيفة جدًا–، وكل هذه العناصر الاختلافية غير المحسوسة يمكن أن تكون العوامل التي تشرح الثقة المحدودة بالنفس لدى الفتيات والتي لاحظتها المسوح والدراسات. وقد اقترح الباحثان طريقة ملاحظة ذاتية للمعلمين لمحاولة تجنب عدم المساواة في التفاعل الفصلي مع التلاميذ.

ولكن في دراسة أخرى عن الضغط النفسي المُلاحظ في المدارس الثانوية المختلطة في الريف الأيرلندي وجد بارنيكل  (Barnicle,1988,p.168) أنه كان من بين المصادر الرئيسية للضغط النفسي على العينة: نقص الاتصال الفعال مع الآباء والأقران والمعلمين، والذي ظهر في الشعور بالوحدة والعزلة المحتملة، وإن كانت الدراسة لم تجد فروقًا دالة بين الذكور والإناث في ملاحظاتهم وخبراتهم عن الضغط.

ومن هنا يرى أنصار التعليم منفصل الجنس أن الطريقة المثلى لإحداث هذا التفاعل المتساوي المنشود بين المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي هو أن يكون الفصل الدراسي قاصرًا على أفراد جنس واحد فقط، وهو ما لا يتوافر في نمط التعليم المختلط، وذلك حتى نتجنب افتراضات وتوقعات المعلمين من التلاميذ على أساس نوع التلميذ والتي تسود تفاعل المعلم والتلميذ في الفصل الدراسي المختلط، بينما تستند وجهة النظر المعارضة إلى أن عدم قدرتنا على تحسين الأوضاع التعليمية في بيئة التعلم لا يعد سببًا مشروعًا لفصل التلاميذ الذكور والإناث داخل الفصل الدراسي في المدارس المنفصلة، والكاتبة إذ تتفق مع ذلك الرأي الأخير إلا أنها ترى أيضًا أنه إذا لم يكن لدينا القدرة العملية على تطبيقه وتحسين الأوضاع التعليمية في بيئة التعلم لإحداث المساواة في التفاعل الفصلي بين التلاميذ من كلا الجنسين والمعلمين؛ فإن مدارس التعليم المنفصل توفر ميزة لا تتوافر للمدارس المختلطة في هذا الشأن.

5- آراء جنسية أقل في تفاعلات الأقران Less Sex stereotypes in peer interaction

يذكر لوكهيد (Lockheed,1982) أن التلاميذ يتفاعلون ليس فقط مع معلميهم لكن أيضًا مع التلاميذ الآخرين، والتفاعل مع الأقران يحدث أثناء اليوم الدراسي في كل من داخل وخارج الفصل الدراسي محققًا نسبة 29% من خبرات التلاميذ في الفصل الدراسي المثالي.

كما تشير العديد من الدراسات إلى أن التفاعل بين الأقران من الجنسين في المدارس يتضمن سيادة ذكرية وقيادة ذكرية وآراءً ذكرية ونقصًا في التعاون، هذه الدراسات تقترح –بالرغم من ذلك– أن التفاعل بين الأقران من الجنسين غير شائع حتى في المدارس المختلطة، برغم ذلك فيمكن لأي فرد أن يفترض سببيًا أن المشاكل المذكورة سابقًا لا تحدث في المدارس منفصلة الجنس، وقد وجد كل من كريزويل (Criswell,1939) وأشر (Asher,1973)  وسينجيلتون Singleton,1973)) أن البنين والبنات دائمًا يفضلون أصدقاء فصل من الجنس نفسه، ويرفضون الأطفال من الجنس المخالف، وأنه حتى عندما تتكون صداقات بين الجنسين فإنها تكون تقريبًا صداقات غير ثابتة.

وقد أظهرت دراسة أورينشتاين (Orenstein,1994) وجود نقص في مفهوم الذات لدى الطالبات في مواجهة سيادة البنين في فصولهن المختلطة، وقد ذكرت إحدى الطالبات أنها لا ترفع يدها في الفصل لكونها خائفة من أن تكون مخطئة، ولأنها ستكون مرتبكة، ما يبرز احتكار المساحات اللغوية والجسمية من قبل التلاميذ الذكور نتيجة لعدم المساواة بين الجنسين التي تبرز في المدرسة المختلطة خارج المنهج الدراسي.

كما توصل كاربونهيل (Carbonhell, 1984, p.44) إلى أن البنات يفشلن في إظهار صفتي الزعامة والقيادة في وجود البنين.

وأرى أنه نظرًا لأن التفاعل الحادث في المدارس المنفصلة يكون بين تلاميذ من الجنس نفسه، فإن تلك البيئة المدرسية تقضي نهائيًا على السيادة الذكرية التي تسود التفاعل المختلط بين الأقران من الجنسين في المدارس المختلطة، وبالطبع فإن هذا يحدث بشكل تلقائي نتيجة لفصل الجنسين في المدارس المنفصلة، وليس لوجود اتجاهات تربوية تساعد على حدوث تفاعل متساو بين الأقران من الجنسين، ولكن لهذا التفاعل المنفصل بين الأقران من الجنسين في المدارس المنفصلة أيضًا عيوبه حيث لا يعطي الفرصة لأفراد كل جنس للتعرف على أفراد الجنس الآخر وتكوين آراء صحيحة عنهم، والتي تعد خاصية من خواص التعليم المختلط كما سبق وأوضحنا في مقال سابق.

 

6- تقليص الثقافة الفرعية للمراهقين Reduce the adolescent subculture

في كتاب بعنوان مجتمع المراهقين The Adolescent Society وضع جيمس كولمان (James Coleman,1961) الفكرة بأن المجتمع الحديث قد خلق ثقافة فرعية للمراهقين؛ والتي تفضل جاذبية مادية وتضعف مكانة المكاسب التربوية، وتعوق التطور العقلي الأفضل للتلاميذ؛ لأنها تعمل على تشويش فكر المراهق وتبعثر اهتماماته، وتضع أشياء مظهرية -من المفترض أن تكون ثانوية- في موضع الأولوية في تحديد مركز المراهق بين أقرانه.

كما يشير ريوردان Riordan,1990,p.56)) إلى أنه في الأنشطة العادية في المدرسة الثانوية تميل العلاقات بين البنين والبنات لأن تزيد من أهمية جاذبية المادة والسيارات والملابس وتنقص من أهمية التحصيل في الأنشطة المدرسية والاهتمامات المعرفية، وأنه لمن الشائع الافتراض –سواء من قبل المربين أو الأشخاص العاديين–  أنه أفضل للبنين والبنات أن يكونوا في المدارس سويًا أثناء المراهقة إذا لم يكن أفضل لأدائهم الأكاديمي فعلى الأقل فإنه أفضل من أجل تطورهم وتوافقهم الاجتماعي، ولكن وكما يذكر كولمان (Coleman,1961,p.51) فالتعليم المختلط في بعض المدارس الثانوية ربما يكون ضارًا  بكل من التحصيل الأكاديمي والتوافق الاجتماعي؛ لأن معظم طاقة المراهقين لا تكون موجهة لأي من هذين الهدفين!

فما هي تأثيرات الثقافة الفرعية للمراهقين على النتائج الأكاديمية والنفسية الاجتماعية للتعليم؟

إن قوة الثقافة الفرعية للمراهقين ربما تنقص في المدارس منفصلة الجنس حيث تكون كل الأمور التي تلهي التلاميذ عن الدراسة أقل، وهذا التقليص لثقافة المراهقين ربما يزيد الاهتمام بالأمور الأكاديمية ويثري المناخ الصارم للمدرسة.

وقد وجد كل من شنيدر وكوتس (Schneider and coutts,1982) أن الثقافة الفرعية للمراهقين أكثر قوة في المدارس الكاثوليكية المختلطة عن مثيلاتها منفصلة الجنس، ولقد لاحظا اختلافات كبيرة في البيئات الاجتماعية النفسية للمدارس الثانوية المختلطة والمنفصلة الجنس؛ حيث قضى كل من البنين والبنات في المدارس منفصلة الجنس –وبشكل دال– وقتًا أطول في الواجب المنزلي خارج المدرسة، وكان هناك احتمال أكثر لأن يضيفوا ساعة إضافية في المدرسة للدراسة، وذلك مقارنة بتلاميذ المدارس المختلطة، ما يعكس زيادة اهتمام التلاميذ بالأمور الأكاديمية في المدارس المنفصلة.

7- الأمر والضبط Order and Control

بالرغم من أن ديل من أشد أنصار التعليم المختلط، إلا أنه قد توصل (Dale, 1969- 1971- 1974) إلى أن المدارس منفصلة الجنس تكون أكثر اهتمامًا من المختلطة بالضبط وقيم التعاون والنظافة والآداب.

كذلك وجد كل من شنيدر وكوتس (Schneider and Coutts,1982) دعمًا أساسيًا لفرض أن المدارس منفصلة الجنس تؤكد على الأوامر والالتزام والضبط بشكل أكثر من المدارس المختلطة، ولقد وجدا أيضًا أن البنات في المدارس المنفصلة تلقين تأكيدًا أعظم على الأوامر والضبط أكثر من البنين في المدارس المنفصلة.

ويدعم دورمان (Dorman,1997,p.8) نتائجهما نفسها في دراسته عن بيئة الفصل في المدارس الكاثوليكية بأستراليا، حيث كانت المدارس المنفصلة منظمة لأنها كانت مُدارة بإدارة دينية كاثوليكية، وتأكد من دراسته أن المدارس الكاثوليكية للبنات كان لها بيئة فصل أكثر إيجابية من مدارس البنين أو المختلطة، بينما كانت المدارس الكاثوليكية للبنين ذات بيئة سالبة مقارنة بمدارس البنات أو المختلطة، ولعل من الأسباب القوية لذلك كما يرى ريوردان (Riordan,1990,p.58-59) هو أن أغلب هيئة التدريس في مدارس البنات من الإناث، وهن يركزن على هذا الأمر وتشجيعه لدى البنات، بعكس المدرسين الذكور والذين يمثلون أغلب هيئة التدريس بمدارس البنين، كما أن البنين هم عادة صانعو الاضطرابات سواء في المدارس المختلطة أو مدارس البنين المنفصلة، وإن كانت هذه الطبيعة المضطربة للبنين يمكن أن تنقص في البيئة المختلطة وذلك على حساب البنات، لذا فإنني أرى أنه بوجه عام لا يمكن القول إن المدارس المنفصلة تتزايد فيها النواحي التنظيمية والضبط عن المدارس المختلطة، ومن ثم فأنا لا أتفق مع أنصار التعليم منفصل الجنس في تلك النقطة.

8- تفضيل الجماعات الدينية Religious Grounds preferring

يذكر ريوردان (Riordan,1990, pp. 59-60) أنه من الملاحظات العالمية بشأن التعليم المختلط أن التعليم المختلط يمثل مشكلة لبعض الجماعات الدينية، حيث تكون الفكرة أكثر إقلاقًا وأكثر بغضًا، وطبقًا لما ذكره ديلامونت (Delamont,1980) فهناك نتائج ذات اعتبار بأن المجموعات المسلمة المختلفة في بريطانيا تتضمن العديد من الآباء الذين لا يعتقدون في التعليم المختلط، بسبب أنه يعارض مبادئهم عن الفصل بين البنين والبنات، فبعد سن البلوغ يجب على الأنثى المحترمة ألا تكون بصحبة الذكور من غير أقاربها، وبهذا فالتعليم المختلط يصبح مشكلة.

وفقًا للإحصائيات فإنه بحلول عام 1975، كان يوجد أربعمائة ألف مسلم في إنجلترا وحدها، ولهذا فإن قيمهم كان من الصعوبة أن يتم تجاهلها، وفي العالم المتسع كان هناك أكثر من أربعمائة مليون مسلم، أغلبهم يرفض المدارس المختلطة، وأعدادهم اليوم قد تزايدت عن تلك الأعداد بملايين.

وكذلك الأمر بالنسبة للكاثوليك، ففي الجمهورية الأيرلندية على سبيل المثال، وطبقًا لدراسة هانون وآخرين (Hannon et al. , 1983) فإن الإجبارات الدينية تؤثر على البيئة الجنسية للمدارس للغالبية من السكان الكاثوليك، وقد قاومت الكنيسة الكاثوليكية في أيرلندا التعليم المختلط، ومن ثم فإنه ليس من المفاجئ إذن أن تكون 70% تقريبًا من المدارس الكاثوليكية في أيرلندا منفصلة الجنس.

فعلى حد قول تياك وهانسوت (Tyack & Hansot,1990) فإن الكنيسة الكاثوليكية قد رأت التعليم المختلط في المدارس الثانوية على أساس كونه انتهاكًا للفصل الملائم واللائق بين الجنسين، حيث ذكرت في تعاليمها عام 1957 عن التعليم المختلط "إنه غير حقيقي وفاسد لتربية المسيحيين ما يسمى بطريقة التعليم المختلط"، وقد جاء في رسائل بابوية أخرى عام 1951 (في قريش عبد الكريم، 1988، ص 38) "أن التعليم المختلط ذنب وكفر لأنه لا يعطي أي اعتبار للضعف الإنساني وإثارة الشهوة ضد الروح".

وعبر العالم نجد كذلك أن المدارس اليهودية والتي تخدم المجتمع اليهودي الأرثوذكسي (الشرقي) تبنت سياسة التعليم منفصل الجنس في مرحلة التعليم الثانوي، وبناءً على دراسة الحاخام جوزيف فيشر (Rabbi Joseph Fisher,1988) فقد وجد 151 مدرسة بنين فقط و96 مدرسة بنات فقط و 225 مدرسة مختلطة هي جزء من نظام مدرسة اليوم اليهودي.

9- التركيز على اهتمامات أحد الجنسين فقط، وذلك لاختلاف الاهتمامات بين الجنسين

هناك نتيجة مؤداها أن اهتمامات الأطفال أكثر ارتباطًا بالمفاهيم التقليدية لدور الجنس، وعلى سبيل المثال فإنه في الثلاثينيات من القرن العشرين قارن كل من تيرمان ومايلز (Terman & Miles) سرعة العمليات العقلية ودقتها للبنين والبنات واجدين أن البنين كان لديهم اهتمامات قوية بالأعمال الجريئة والمغامرة والأنشطة الجسمانية الشاقة والميكنة والأدوات والعلوم والاختراعات، بينما كانت اهتمامات البنات ترتكز على الشئون المنزلية والموضوعات الفنية الجمالية والأنشطة الداخلية التي تتطلب الجلوس والسكون وكذلك رعاية الأفراد.

كذلك وجد شير (Share,1963) أن أطفال الحضانة أبناء الأربع سنوات قضوا وقتًا أطول في منطقة الساحة، بينما قضت الفتيات وقتًا أطول في مناطق الرسم والكتب والعرائس، كما حكّم ماركل وآشر (Markell and Asher,1974) الذكورة والأنوثة لعدد 25 صورة، وأظهرت النتائج أن البنين كانوا أكثر اهتمامًا بصور الذكورة، والبنات كن أكثر اهتمامًا بصور الأنوثة.

وبناءً عليه يستند مناصرو التعليم منفصل الجنس لهذه النقطة في الدفع بأفضليته على التعليم المختلط؛ إذ إنه يساعد على التركيز على اهتمامات أحد الجنسين فقط، بينما نجد مؤيدو التعليم المختلط يدفعون بضرورة حمل البنين والبنات على أن يكونوا معًا؛ ربما بإمدادهم بأهداف غير مألوفة تساعد في التغلب على المسافة الاجتماعية بين الجنسين.

لكن مؤيدي التعليم منفصل الجنس -كما يذكر ريوردان (Riordan,1990, p.50)- يرون أن الاهتمام في المدارس المختلطة ينصب أساسًا على اهتمامات البنين دون مراعاة لاهتمامات وحاجات البنات، وفي هذا نجد شو (Shaw,1980) يقول إن المدارس المختلطة هي أساسًا مدارس بنين لحد بعيد لاهتمامها الأساسي باهتمامات البنين، وبناءً على هذا فمن المتوقع أن يكون هناك اختلاف أقل في اهتمامات البنين في نمطي المدرستين، لكن ماذا عن البنات؟!

وهنا أسجل اتفاقي مع أنصار التعليم المنفصل في أن المدارس المنفصلة للبنات هي البيئة المدرسية التي يتوافر فيها الاهتمام باحتياجات البنات، لأن اهتمامات البنات غالبًا ما يتم تجاهلها في المدارس المختلطة.

10- تطور أكاديمي واجتماعي أفضل للفتيات في المدارس منفصلة الجنس

يرى العديد من الباحثين من أمثال لي وبريك (Lee & bryk,1986)  وسبندر وسارة (Spender & Sara, 1980) أن الاختلافات بين التعليم المختلط والتعليم المنفصل سوف تكون أكبر للبنات منها للبنين، وأن البنات يكن في وضع مميز في المدارس المنفصلة أكثر من البنين، وأن التعليم المختلط ربما يكون محددًا للتطور الأكاديمي والاجتماعي للفتيات، وقد دلت أغلب الدراسات أن الفتيات يسجلن مكاسب عظيمة في التحصيل الأكاديمي عندما يلتحقن بمدارس منفصلة الجنس، وأنهن يسجلن في مواد أكثر ويكن أكثر نجاحًا من الفتيات في المدارس المختلطة، وذلك عبر ثقافات مختلفة.

على سبيل المثال، فقد خلصت دراسة ويليام كورنيلسون William Cornelison,1973)) إلى أن البيئة في المدارس المختلطة مطلوبة أكاديميًا بشكل أقل من البيئة في المدارس المنفصلة، خاصة مدارس الفتيات، كما أشارت العديد من الدراسات إلى انخفاض مستوى دافعية الإنجاز لدى البنات في المدارس المختلطة مقارنة بالبنات في المدارس المنفصلة للبنات.

ويكاد يكون مقطوعًا به أن التربية في المدارس المنفصلة تشجع النساء على دراسة والتميز في بعض المواد التي توجد نظرة تقليدية لها على أنها خاصة بالذكور مثل الرياضيات والفيزياء، كما وجدت تيدبول  Tidball أن النساء المتخرجات من كليات المرأة تبلغ فرصتهن في الحصول على الدكتوراة أو أن يكن قائدات في مجالهن ضعف فرصة النساء المتخرجات من كليات مختلطة، كما تذكر ليزلي ميلر- بيرنال  (Leslie Miller-Bernal,1993,p. 26) أن استفادة النساء من البيئة منفصلة الجنس ترجع إلى واحد أو أكثر من العوامل التالية:

-المؤسسات التعليمية للنساء تمد بنماذج دور أكثر لنساء ناجحات.

-هناك فرص عديدة لعلاقة القيادة في المنظمات بالحرم الجامعي، والتي تطور مهارات هامة لحياتهن بعد ذلك.

-البيئات تكون مدعمة للنساء، مشجعة لهن ليؤدين بإمكانياتهن الأعلى في أماكن هي بالأساس أماكن خاصة بهن.

-وجود مقررات تركز على المرأة بشكل أكثر.

وقد درس باركر (Parker,1976) تأثير التركيب الجنسي لفصول المدرسة الإعدادية في سلوك الفتيات، وأكدت نتائجه على أن الفتيات في الفصول المنفصلة كن أكثر ثقة وجزمًا من فتيات الفصول المختلطة، وإن كان هذا التأثير قد اختلف طبقًا للبيئة الاجتماعية.

كما توصل جونز وآخرون (Jones et al., 1972) إلى أن الفتيات يشعرن براحة نفسية أكبر داخل المدارس المنفصلة للبنات مقارنة بالمدارس المختلطة.

ودائمًا يوجد الرأي المعارض، فقد ذكر ديل (Dale,1969-1971-1974) أن الأكثر رضا عن أنفسهن ومدرستهن كن هن الملتحقات بمؤسسات التعليم المختلط، كذلك تشير هاتون Hatton  إلى أن التعليم المختلط يزيد من النزعات الاستقلالية للبنات، إذ يحررهن من اعتمادهن على أمهاتهن، ويجعلهن كذلك أقل قلقًا وأكثر هدوءًا، وللتعليم المختلط أثر طيب على البنين أيضًا فهو يجعلهم أكثر دقة وحزمًا مع أنفسهم.

بينما تختلف نتائج الأبحاث حول نجاح البنين الأكاديمي في المدارس المنفصلة للبنين والمدارس المختلطة، فأغلب الدراسات تؤكد أن البنين يتطور أداؤهم الأكاديمي في المدارس المختلطة أكثر من مدارس البنين، وفي هذا يقول ديل (Dale,1974) إن أداء البنين الأكاديمي أعلى في المدارس المختلطة بينما أداء البنات أعلى في المدارس المنفصلة، وهو لهذا يفضل التعليم المختلط بسبب التطور في الأداء الأكاديمي للبنين، ويذكر أن الرأي الذي استطاع تكوينه بحذر على أساس بحثه وأبحاث آخرين أن تقدم البنين ربما يتحسن عن طريق التعليم المختلط بينما تقدم البنات لن يُضار أو يتأثر.

بينما تشير دراسة أخرى لسارة– لافوس ,1992) Sara-  Lafosse) إلى أن البنين يميلون للاستفادة من كل من مدارس البنين والمدارس المختلطة، وهم يحصلون على فائدة في كلا المكانين من المعالجة المميزة، كما يميلون للاستقبال من كل من المعلمين الذكور والإناث.

ويشير أوستن ((Astin,1977,p.232 إلى أنه وبوجه عام تظهر دراسات التعليم العالي أن التلاميذ والتلميذات في الكليات المنفصلة أكثر كفاءة من التلاميذ في الكليات المختلطة، وذلك مع الأخذ فعليًا بكل الملامح في الحياة الجامعية.

وحتى ديل (Dale,1971-1974) والذي يُعد من أشد أنصار التعليم المختلط، قد استنتج من دراسته أن المدارس المختلطة البريطانية كانت أكثر نجاحًا من المدارس المنفصلة تقريبًا في كل ما يجلب التقدير والاحترام، بالرغم من ذلك فإن أغلب البيانات المدعمة –التي وجدها– لهذا التنافس هي اتجاهية واجتماعية وليست أكاديمية.

ويذكر مارش (Marsh, 1988a,b) أن التلاميذ في المدارس المختلطة لديهم مفهوم ذات أعلى من أقرانهم بالمدارس المنفصلة، وأن ذلك ليس على حساب التحصيل الأكاديمي، لكن مارش نفسه (Marsh,1989) –استنتاجًا على أساس بحثه– يرى أنه لا تُوجد فروق بين تلاميذ المدارس المنفصلة والمختلطة في الأداء الأكاديمي أو في الاتجاهات أو السلوكيات، كما يؤكد عدم وجود اختلافات لنمط التعليم المنفصل أو المختلط لكل من البنين والبنات.

وباستقراء نتائج الدراسات السابقة، أرى أن أغلبها يكاد يُجمع على أن فوائد نمط الاختلاط الاجتماعية والأكاديمية تعود على البنين، بينما تكون البنات أفضل أكاديميًا واجتماعيًا في المدارس المنفصلة.

11- زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم

إحدى المزايا للتعليم المنفصل التي ينادي مؤيدوه بها لأجلها، هي قدرته على زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم، فعلى سبيل المثال، في تقرير لليونسكو عام 1990 يؤكد باجلا- جوكالب Bagla-Gokalp، وبناءً على ما ورد في مسحه المتسع، أن النقص في مدارس منفصلة للفتيات يعد من مشاكل البنية التحتية والخدمات عبر العالم، ويؤكد أنه يجب تشجيع الجهود الرامية لتربية وتعليم الفتيات بواسطة التكيف مع آمال الآباء، والإمداد على سبيل المثال بتربية منفصلة الجنس، إذا كان هذا هو المطلوب، ما سيزيد من فرصة الفتيات في التعلم.

لكن أنصار التعليم المختلط من أمثال إيلين بيرن Eileen Byrne,1990,pp.12-13)) يرون أنه إذا كان التعليم المنفصل له تلك الميزة للفتيات فهم يتوقعون أن تكون معدلات القيد والاستمرار في التعليم أعلى للنساء في الدول التي تكون فيها أغلبية المدارس منفصلة الجنس، لكنه بمقارنة دولتين من الدول المتطورة مثل أيرلندا وإيطاليا بدولتين ناميتين مثل الأردن وأفغانستان نجد العكس تمامًا، كما أنه بمقارنة الدول العربية بمصر نجد أن مصر كان لديها معدلات قيد للإناث أعلى بشكل غير تقليدي في التعليم الصناعي أكثر من كل الدول العربية، بينما كانت كل الدول العربية الأخرى لديها تعليم منفصل الجنس بينما ليس لها نسبة الالتحاق العالية من الفتيات بالتعليم نفسها، فزيادة قيد وتسجيل الفتيات كما يرى أنصار التعليم المختلط إنما يرجع دائمًا لعوامل أخرى غير نمط المدرسة.

كذلك يذكر غوش  وطالباني Ghosh & Talbani,1996,p.165) ) أن المبادئ التي تستنكر التعليم المختلط إنما تقود لانسحاب الفتيات، حيث لا تُوجد في الدول النامية تسهيلات مادية تمكن من إنشاء مدارس منفصلة لهن، حتى وإن كانت أكثر تفضيلًا.

ولكنني أتفق مع أنصار التعليم المختلط في أن زيادة فرص قيد وتسجيل الفتيات في التعليم ترجع دائمًا لعوامل اجتماعية وثقافية عديدة في المجتمعات، ولا يمكن إرجاعها إلى نمط المدرسة وحسب.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4740 المصادف: 2019-08-28 15:33:50