 قضايا

أَحَشَفاً وَسُوءَ كَيْلَة؟ أمْ وَعْيَاً لِبِناءِ دَوْلَة؟

اكرم جلالمَليئةٌ هيَ كُتُبُ التأريخ والسِيَر بِذِكْرِ المُلوك والحُكّام ، وَقَليلة هيَ صَفَحات العِزّ حينما تَستذكر قادَةً رَفعوا لِواءَ الإصلاح وبناء الفِكر فَأناروا ظُلُمات مِنَ الجّهل بِأَنوار الوّعي لِبَعَثوا الأمَل في نُفُوس المُستَضعَفين فَأعتَقَوهُم مِن عُبودية الطّاغوت، وَسارُوا بِهِم نَحوُ فَجرِ الخَلاص. وعلى الرغم من كلّ الكُتب التي كُتِبَت وأطنان الحِبرِ التي سُفِحَت مازال السؤال يُحلّق فَوقَ رؤسنا، يَسأل عَن جَوابٍ في ثَنايا جَدليّة مَفادها هَلْ خُدِعْنا بالأحشف فَغَيّبوا الوَعيَ وَسَقَطَتِ الرّايَة؟ أمْ نَحنُ مّنْ سَعى خَلفَها عَن عِلْمٍ وَدِرايَة؟

لَقَد بَدأت المُكْفَهرّاتُ مِنَ الأيامِ تَتَوالی والحَوالِك مِنَ الخُطوبِ تَتَنادى والفِتَنُ تَتَلوّن فَكَثُرَ المُتَساقِطون جَهلاً وخَوفاً وَجَزَعاً وَطَمَعاً. لَقَد أقبَلَتِ الدُنيا بِخَيْلها وَعَبيدِها لِتَغْزُو القُلُوب وتُغْري النُفُوس وَلَم يَنْجُوَ مِنْ حَبائِلِها الاّ الثابِتُون، وما أقلهم.

أصبَحَ المُنزَلقون في وَحلِ عِبادَة الهَوى يُؤَلّهون الظّالِم ويُقْصُون العادِل وَيَنْحَنون للجّاهل، يَتَعَصَّبُون للعَشيرَة في الحَقّ والبّاطِل، حَتّى غَمَرَنا النِّفاق وضرَبَنا الشِّقاق، وَتَسابَقَ على خَيراتِنا السُرّاق. جاؤوا إلينا سِراع َوتَرَبّعوا على صُدُورنا كَما يَتَربَّع الأكَلَة عَلى القِصاع. تَشَبّثوا عَليمُوا اللّسان بِخُطَبٍ رَعناء وَشعاراتٍ جَوفاء، أصَمّوا أسْماعَنا بأحاديثٍ عَنْ زُهد عليّ عليه السلام وَعَليٌّ مِنهُم براء.

إبتَعَدوا عَنِ المَنطِقِ والحُجّة، فاستَخَفّوا واستَهانوا، جعلوا مِنّا سُخريّة مُسًليّة، أطعَمونا الأقاويل وَسَقونا الأباطيل، حَتى طالَ لَـيـل الغُمّة وانقَلَبَت الصُّورة، فَأصبَحَ تَغييبَ الحَقائق فَضيلة، وَتَشويه الجّمال فَنٌّ وَمَهارَة، وكتمان الحقَّ وأكل السحت شَطارة.

أصبَحَت الوَطنيّة عندهم (أي السُرّاق) قَميص عارٍ يُمَزّقونه لَيلاً وَيَرتَدونَهُ في النّهار، يَرفَعونَه عِنْدَ الحاجَة رايَةً وَشِعار، يَتَسابَقون كالقِطعان نَحو وَحل الذلّ والعَمالة، ويَمُدّون رِقابَهم كالخِراف دُونَ اعتراض أو صياح عَلّهُم يستميلوا عَطْفاً من يدي الذبّاح.

لَقَد أبدَعُوا في تَطبيق مَنهِجَ الصّراع وَتَفَنّنُوا في إستخدام أَدَواة الزّيف والخِداع، سياسة المُسْتَبدين وَمَنهَج ما أريكم الا ما أرى، عُنْفٌ فِكريٌّ قّمْعي مُغَلّفٌ بلباس الحُريّة والديمقراطيّة، إمتَهَنَه دُعاة الشرّ وَمُرَوجوا الفِتَن والأباطيل، فاتَّبَعَهُم أهلُ الجّهل والضّلال، وسارُوا على نَهجِهم مُصَفّقين مُطيعين خانِعين أذلّاء فَقَدوا ذَواتَهم وَتَحّولوا الى إمعات بإرادَتِهِم واختيارِهم، وأمّا النّاجون مِن هذا الإبتِلاء فَلا يَعدو نَصيبَ الأيتام في مأدَبة اللّئام. حَتّى وَصَلنا حَدّ مَحْوَ الذّات والإنقياد الأعمى، إمعية بما للكلمة من معنى.

هي هي مأساتنا يا أخوتي في أننا قد أتخمتنا التَبعيّة، ولَفّنا الخُنُوع والخُضُوع، وَتَسلّحنا بالصّمْتِ والدُموع، حتّى تَسَلّق على ظُهُورِنا النّكرات، لِنَشْهَدَ بَينَ الفَيْنة والأُخرى ظهور أفكارٍ ونظريات من رَحِمِ أحزاب وتَيّارات (وأقصد المنحرفة منها)، تَغيبُ عَنها الأفعال ويستعرضوا قواهم بالمقال، لِيَسقط في مَكائِدِها أهلُ الشّهوات والنّزَوات. أفكاراً تَغْرُزُ أنْيابها لِتَشُلّ العُقُول بِشِعاراتٍ ظاهِرُها مُقَدّس وباطِنُه سُمٌّ زُعاف وَلِتَسير بالأمّة نَحو المَزيد من التَشَظّي والإنقسام والأبتعاد عَن جَوْهَر الدّين، وَهذا لَعُمْري أعْظَم أنواع الفِتَن وأشَدُّها فَتْكاً بِجَسَدِ الأمة.

فالجَّهْل والغَفلَة والطَّمع أسبابٌ لصناعَة نِظامٍ فَلسَفيّ مُعوَج يَستَعينُ بهِ أصحاب المَنافِع مِن أجلِ اقتِناصِ الفُرَص وِتقسيم الحُصَص، لِتَثبيت أسسٍ مَغلُوطة تُغَلّف بغلافٍ شَرعي دَخيل لَيَسهُلَ تمريرها فَتَتحوّل بمرور الزمن الى حَقائِق ومُسَلّمات، بل الأدهی أنّ البَعضَ مِنها قد يَتَحوّل الى نَظَريّات لها جُمهورها ومأيِّدُوها٬ فَتَنشأ كيانات وتَبرز رُموز، مُسْتَنِدةً ومتكأةً على مَسنَدي الجَهل والغَفلَة.

إنّ التّحَجّر الفِكري والشُذوذ والتّطَرّف في تَبَنّي المَناهِج الحّركيّة إنّما هيَ مُقدّمات لِعُمليّة التّصفير المُمَنْهج للعقل الفَرديّ وإبقاءه خالٍ مِن الوَعي والحِكمَة وَحَصره في دائرة الجّهل الطّوعي، أو التّجهيل المُبَرمَج، ما يَستَلزِمُ تَحفيزَ الوَعيَ والفِكرَ المُستَنير الرّافض لِكُلّ المّفاهيم الدّخيلة والأفكار المُنحرفة التي جاء بها المستبد وبِشِعاراتٍ وَمُسميّات مُختلفة من أجلِ مُواصلَة التّسلُط والتَّجَبّر.

إنّ التّكامل الإنساني عندما يَتَجذّر في الوَعي الفَردي، والّذي هو جُزء من مَنظومات مُتداخِلَة تَعمَل مِن أجل بِناءِ وَعيٍ مُجتَمَعيّ، إنّما هُوَ الرّكيزة الأساسية الكَفيلة بِبَلورَة إتّجاهات تُؤسّس لِمَناخ نَهْضَويّ يَسيرُ بالأمّة نَحو التّكامل والرّقيّ، لذا فإنّ وَعيَ الأمّة مَنوطٌ بوَعي أفرادها، وأنّ الأزَمات التي تَعصِفُ بنا في وقتنا المُعاصر تَتَمَحوَر في غياب عناصر ومقومات بناء الإنسان الرسالي، الإنسان النموذج الذي اراده الله.

مِن هنا وُلِدَ الصّراع بَين عَناصر وَمُقوّمات بِناءِ الإنسان الواعي وبين ما يُصَدّر إلينا من قَوالب جاهزة نَتلقّفها من أجل صناعة إنسان خانع ذليل؛ إنّه صراعٌ بين الإنسان النَموذج والإنسان العاجز فكرياً، المُقَيّد وَالمُقَيِّد لنهضة الأمة والمُثبّط لِمَسيرتها نحو التكامل والرُقي والتّقدم. إنّ هذه القَوالِبَ المُستَورَدة قَد تَسبّبَت بإحداثِ شَرخٍ عَميق في المنظومة القِيَميّة والأخلاقية للأفراد والتي كانت كفيلة بالغاء الحسّ الوَطني وَطمسِ الهويّة الرّسالية وَمحو قُدسية الوَلاء والتّضحية. قَوالِبَ ألغَت الوَعيَ المُجتَمَعي وَعَمّقَت الإنقسام بَين طَبَقات المُجتمع الواحد والذي تَحَوّل الى تَكتّلات وأحزاب تحتكر القَرار السياسي وَتُسيطر على مُقَدّرات الأمة، وأما عامة الناس، فبين لاهث ومُطبّل وبين مُستَضعَف صامت يعاني الفقر والتهميش والإهمال.

سَرِقَةٌ في وَضح النّهار لأقْدَس ما أعطى الله جَلّ وَعلا وَهُو الفِكر والوَعي والإدراك، إنّها عَمَليّة مَحو وَمَسْخٍ للهَويّة الوَطَنيّة والإنتماء الفِكري والعَقائدي من خِلال التّغييب المُتَعَمّد للشرائع والأعراف بِشَكلٍ يُنذر بِخَطَر يُهدّد حاضِرَ وَمُستَقبل الأمة.

لا خلاص لنا مما نحن فيه إلا بنّهضة مجتمعية مرتبطة بمنهج التغيير الفكري الإيجابي لجميع الأفراد، منهج أساسه الحركة بوعي وبصيرة وليس الركود والإنكفاء، حركة ترفض الإستبداد بكل أشكاله ومسمياته، وتلك هي مسؤوليَّة كبرى ومسيرة طويلة لا تكتمل دون العودة الى الله والتزام الطاعة المطلقة من أجل البناء ومواصلة الطريق.

 

د. أكرم جلال

26 ذي الحجة 1440

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4741 المصادف: 2019-08-29 01:16:07