 قضايا

لمن ننتمي حضاريا؟

عدنان عويدلمن ننتمي؟.. سؤال مشروع يطرح نفسه علينا اليوم تحت مظلة ما نعيشه من ضياع وعدم استقر في هويتنا، أو انتمائنا إن كان هذا الانتماء للديانات السماوية وما شكلته من مواقف في حياة مجتمعاتنا من تفكك وتذري وصراعات دموية ليس بين أصحاب الديانات السماوية الثلاثة فحسب، بل وبين أصحاب مذاهب الديانة الواحدة وخاصة بالنسبة لنا نحن المسلمين في وقتنا الحاضر. أو انتمائنا للحضارات الأقدم في تاريخنا، كالحضارة الآرامية والكنعانية والفينيقية وكل امتداداتها في بلاد النهرين ومصر وشمال أفريقيا. أو انتمائنا للقومية العربية التي تعتبر برأي امتداداً تاريخياً للكثير من مكونات المجتمع العربي قبل الإسلام. إلا أن هناك من حاول من بعض المسلمين القول بأن الإسلام قد جب كل ما قبله وأنه ذو بعد أممي، وفي المقابل هناك من الكتاب والباحثين من أكد هذا الانتماء القومي لهذه المكونات وأن الإسلام ساهم في بلورة العروبة وتعميمها على بعض المكونات الاجتماعية والحضارية التي انتمت تحت لواء الإسلام وخاصة في المشرق العربي، وذلك من خلال لغة القرآن أولاً ثم تأكيد القرآن والرسول على مسألة العروبة من حيث نزوله كما يقول النص القرآني: (إنا انزلناه قرآناً عربياً)، أو تأكيد الرسول على عروبته بقوله: (أنا خيار من خيار)..

على العموم أعتقد أنه السؤال الأكثر إشكالية وتعقيداً، وهو بحاجة للكثير من الهدوء والتبصر للإجابة عليه.

لا شك أن الديانات السماوية الثلاثة قد انبثقت من صلب حضارتنا القديمة في سورية، أو بتعبير آخر قد نزلت في قلب هذه الحضارة القديمة. والديانات الثلاثة بمجموعها تنتمي إلى الإسلام في مفهومه الواسع، حيث أن الإسلام ليس خاصاً بالمسلمين الذين ينتمون إلى المحمدية فحسب، بل هو يشمل كل هذه الديانات، من منطلق أنه يدعو إلى التوحيد من جهة (....مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). (الحج-78)، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. (- سورة البقرة، الآية 128). هذا وهناك آيات كثيرة تدل على الجوهر الإسلامي للمسيحية واليهودية) ، (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، (سورة آل عمران - الآية 52 ).. الخ

ثم أن الدين في جوهره موقف طبقي من العلاقات الاستغلالية القائمة في المجتمع، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). (القصص 5). لذلك نرى أول من آمن بهذه الديانات هم الفقراء والمحرومون من جهة ثانية.

وهي أي الديانات الثلاثة موقف أخلاقي جديد ومتطور ومتمم للقيم الأخلاقية السابقة، وهذا ما اكد عليه الدين الإسلامي من جهة ثالثة: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (الأنبياء – 107). (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). (حديث).

بناءً على ما جئنا عليه أعلاه، وهي القضايا المرتبطة بمفهوم الإسلام والدعوة إلى التوحيد والتركيز على القيم الأخلاقية والعدالة،  تبقى أمور الحياة اليوم القابلة للتطور والتبدل مثل  الزراعة والصناعة والتجارة والفن والأدب والتكنولوجيا وغير ذلك، فهي أمور يتداولها الناس فيما بينهم وفقاً لمصالحهم وابداعاتهم الشخصية، على أن لا يخرج هذا التداول عن المقاصد الأساسية للدين، وهي خير الناس وعشيهم الرغيد. فأمور الناس كما يقول النص المقدس شورى بينهم، وهم أدرى بشؤون دنياهم. (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (سورة الشورى – 38). و(أنتم أدرى بشؤون دنياكم). (حديث).

نقول: إذا كان أمر دنيانا هكذا حسب النص الديني، فهذا يعني أن من يحدد انتماءنا وعيشنا المشترك هو مصالحنا المشتركة وقضايا دنيانا، وطالما أن هذه المصالح ليس لها علاقة بالدين ولا يمكن ان يشكل الدين منطلقاً حاكماً لها إلا في حدود الجوهر الإنساني، فلما لا نتكئ في حياتنا اليوم على الجذور التاريخية لحضارة أجدادنا التي تشكل بالضرورة امتدادنا التاريخي، ونقطة التقائنا المشترك. وبالتالي أين الخطأ إن قلنا نحن ننتمي إلى الآراميين والفينيقيين والآشوريين والبابليين والفراعنة  والكنعانيين. الذين أوجدوا أول أبجدية وحرف في التاريخ.. وأول من استخدم المحراث والمنجل في التاريخ،.. وأول من صنع السفن والزجاج وعرف الألوان في التاريخ، وأول من زرع حقول القمح وطحن القمح وخبزه في التاريخ.. وأول من حنط الموتى وساهم في تخليد الإنسان وعظمته في التاريخ.. وأول من أوجد نوتة موسيقية وطور في الوتر الموسيقي ومقاماته في التاريخ...وأول من راح يبحث عن سر الخلود في التاريخ... وأول واول وأول.. من عرفته البشرية وعرفت فيه معنى الحضارة .

هذا هو جذر انتمائنا التاريخي الذي أصابنا معه قطع تاريخي سكوني حال دون تواصلنا واستمرار هذا التواصل معه تاريخيا  بفعل عوامل كثيرة داخلية وخارجيه، وفي مقدمة هذا العوامل يأتي من جعلوا بداية التاريخ ونهايته مع ظهور الإسلام، فهل من المعقول أن نترك هذا التاريخ وهذه الحضارة لنلتحق بداعش وأخواتها ممن عمل على تدمير الإنسان وحضارته وأولها حضارتنا العربية العريقة وحتى الإسلامية منها تحت إسم الكفر والخروج عن الدين، بعد أن حصروا تاريخنا كله بالقرون الهجرية الثلاثة الاولى. وكل ما قبلها وما بعدها عند هذه القوى السلفية بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.؟؟؟!!!!.

فلنتق الله في حضارتنا .. حضارة أجدادنا ونعود كي نتكأ على جذورنا العريقة كي نبني مستقبلنا، وهذا الاتكاء لا يعني في دلالاته أن نعيش منجزات حضارتنا القديمة بعجرها وبجرها، وننافق لها بعد أن تجاوز كل منجزاتها الزمن وسبقتنا أمم الأرض في التطور العلمي بكل سيئ، بل نعيش عظمة هذه الحضارة روحياً وعقلياً، وأن نستلهم عظمتها في نفوسنا وعقولنا وأعمالنا من أجل بناء حاضرنا ومستقبلنا، فمن ليس له جذور ثابتة في الأرض لن يكون له ساق وأغصان وأوراق وبالتالي ثمار..

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الدكتور عدنان عويد على هذا المقال الرائع.

انا لست رجل دين و لا متخصص في علوم الدين و لكن مقالات الاخ المفكر الدكتور ماجد الغرباوي التنويرية دفعتني للتنقيب في امور الدين و بالاخص آيات القرآن لانه مرجع المسلمين عموماً . فشكراً له و لكل الكتّاب التنويريين على انارة عقولنا التي يغلفها فقه السلف الصالح!!!.

نعم اتفق معك من انه كان اجدادنا العظماء قبل الاسلام قد ابدعوا و بنوا لهم حضارات ينحني لها التاريخ. و لكن للاسف الشديد بعد مجيء الاسلام كان المسلمون يحملون ثقافة الصحراء و البداوة و التخلف و لم يفهموا دينهم بالشكل الصحيح لذلك كانت النتائج كارثية. لذلك كل امم الارض تطورت و تقدمت مع مرور الزمن الاّ نحن (العرب) بقينا نراوح في مكاننا؛ قال فلان و ذكر علاّن. و هذا الشيء له اسبابه:

1- الدين تحول من دين ايماني لعبادة الله الى دين سياسي هدفه الحكم مغلفاً بأسم الدين.

2- اصحاب المذاهب و المتاجرة بالدين و الدمار الذي حلّ بنا. لقد دمروا روح الدين بشكل لا يستطيع العقل تقبله. علماً ان الله حذّر المسلمين من تفتيت الدين و هنالك الكثير من الايات في هذا الصدد.

الروم 32
من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون

بينما ان الله يقول "اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا—".

3- اننا لم نفهم الدين بالشكل الصحيح ابداً. و هذه نقطة مهمة جداً جداً لها انعكاساتها على واقعنا الذي نعيشه حالياً.

اسئلة كثير تطرح نفسها بقوة و تحتاج الى اجابات شافية ؛ منها:

هل ان الدين يأمرنا ان نكره اصحاب الديانات الاخرى و كذلك المشركين ؟؟ ماذا يقول الله:

الحج 17
ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد

الاية اعلاه تشمل الكل المؤمنيين و اصحاب الديانات الاخرى و المجوس و المشركين ؟؟؟. ان امرهم متروك الى الله؟؟. هل نحتاج الى مترجم لكي يفهمه المسلمون و مرجعياتهم المتخلفة.

هل الدين وراثي ؟؟. ماذا يقول الله؟؟؟.

الحجرات 13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير

الاية اعلاه تخاطب الكل و تقول بشكل صريح و فصيح من ان الانسان الاكثر "كرماً و تقديراً" عند الله هو الانسان "التقي" و ليس الانسان القريب او البعيد من عائلة الرسول. و التقوى هنا تعني كل القيم السامية من عدل و صدق و امانة و حب و مساعدة الناس ----الخ.

4- الدين فيه الحرية الكاملة للايمان او عدمه. ماذا يقول الله.

البقرة 256
لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم

الكهف 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا

و بالرغم من ان الاية اعلاه تتكلم عن نقيضين و هما "الايمان و الكفر" و لكنها تقول " انا اعتدنا للظلمين ناراً—" و ليس للكافرين. و هذا معناه ان الدين الاسلامي دين تسامحي و ان الله يحاسب الانسان على ظلمه لاخيه الانسان اكثر مما يحاسبه على الكفر بدينه. و شكراً مرة اخرى.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4743 المصادف: 2019-08-31 00:28:47