 قضايا

الثقافة من منظور ثوري

تاريخياً، نشأت الثقافة مع نشوء الزراعة، فالزراعة خلقت شروط استقرار البشر، وأعطت إحساس عام لديهم بوجود شيء جديد، وبأنهم انتقلوا إلى نوع من التحضر، أي إلى التثاقف.

إنّ طلائع البشرية من الفلاسفة والمفكرين بدأوا يعيرون اهتماماً بهذه الظاهرة، منذ أمد بعيد، ومع ذلك لم تتوطد الثقافة بالشكل الذي نعرفه الآن إلا في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، حيث ظهرت الثقافة كمفهوم علمي.

وفي حقيقة الأمر، فإن وضع مفهوم محدد للثقافة يعد أمراً شاقاً، فمفهوم الثقافة مفهوم إشكالي ظل مدار جدل واسع بين مدارس فكرية واتجاهات سياسية واجتماعية عديدة[*]، ولا يزال كذلك حتى يومنا.

وفي تصورنا فإن أولى الأوليات لبناء مقاربة موضوعية حول الثقافة وملابساتها تكمن في تحديد المنهج، الذي على ضوئه تُصاغ مجمل الأفكار والآراء والمواقف.

ونحن في مقاربتنا هذه نعتمد المنهج السوسيولوجي، الذي يفسّر الثقافة باعتبارها عملية اجتماعية تاريخية مرتبطة بوسائل إنتاج الحياة المادية للمجتمع، وما تفضي إليه من منظومة الأفكار والتصورات والمعتقدات والوجدان والقيم والعادات والتقاليد وأنماط العيش.

وترتبط الثقافة أيّما ارتباط بالوجدان. وفي لغتنا العربية، تأتي كلمة الثقافة من الفعل ثقف، وثقف الشيء أي صقله وهذبه.

والثقافة ليست مجرد مستودع للذاكرة أو تصورات تجريدية أو مجالاً للإبداع الأدبي أو الفني أو الفلسفي فحسب، بل هي أيضاً مجال للصراع المادي.

يمكن تصنيف الثقافة إلى: ثقافة سائدة وثقافة مَسْودة. الثقافة السائدة هي ثقافة القوى المسيطرة على السلطة والثروة. بينما الثقافة المَسْودة، هي ثقافة الجموع الشعبية الواقعة تحت سيطرة النُظُم السياسية والفئات الاجتماعية النافذة.

الثقافة مجالاً للصراع السياسي:

إنّ الصراع سمة الوجود، وتشمل الطبيعة والاجتماع البشري. ويتمحور الصراع في عالم الاجتماع البشري حول المصالح المادية أو ثنائية السلطة والثروة، ويتبدى في أشكال مادية وأشكال تعبير ثقافي ــ أيديولوجي.

لذا سعت النُظُم السياسية لإخضاع المجتمع عبر اعتماد آليات السيطرة الخشنة وآليات السيطرة الناعمة (الهيمنة)، كما يفيد بذلك إنطونيو غرامشي [**].

وتتحقق السيطرة الخشنة من خلال استخدام القوة العارية (الجيش والشرطة والمخابرات...إلخ)، بينما تتحقق السيطرة الناعمة (الهيمنة) في الاحتياز على أدوات التأثير الثقافي والإيديولوجي (التلفاز، والمذياع، والمدرسة، والجامعة، والسينما، والمسرح، ودور العبادة...إلخ).

من هنا تكتسب معركة الوعي أهميتها الحاسمة في حياة المجتمع، كما وتتجلى العلاقة الوطيدة بين السياق الثقافي والسياق السياسي، وبالتالي بين الثقافة والثورة، فالثقافة ليست قيمة محايدة، أو حالة استعراضية، بل هي موقف من قضايا الشعب، وأبعاد الزمن الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

الثقافة والثورة.. أي علاقة؟

العلاقة بين الثقافة والثورة، علاقة جدلية، فالثورة بدون ثقافة أو فكر أو وعي يضبط إيقاعها تبقى فعل عفوي عشوائي لا يحقق نتائج فعلية، والثقافة بدون مضمون أو انحياز اجتماعي تصير ديكوراً أو شكلاً تعبيرياً متعالياً على الواقع.

تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن الثورة هي حالة من التفجُّر الاجتماعي العفوي للجماهير المُفَقرة والمُعطلَّة والمقموعة، بيد أنّ هذا التفجر يظل في حاجة دائمة وملحة إلى الوعي لترسيم المهام وتحديد المطالب وصياغة المشروع الثوري المنسجم مع المصالح الجمعية لعموم الشعب؛ فضلاً عن مواجهة الدعاية التضليلية التي تبثها القوى المضادة وأشكال الخطاب الرجعي الزائف الذي يحاول القفز على مطالب الشعب وإعادة إنتاج الظلم الاجتماعي بصور جديدة أو مُستحدثة.

"فالثورة في الواقع فرضت الثورة في الفكر والثقافة، هذا ما يمكن تلمّسه حين التدقيق في مجريات الواقع. وربما بدأ الأمر عبر التجربة، فقد أظهرت الثورة للشباب الذي خاضها الحاجة الكبيرة للوعي، حيث اكتشف أن التمرد وحده لا يكفي لتحقيق التغيير، بل يجب فهم كيف يمكن أن تتطور الثورة لكي تنتصر، وما هو البديل الذي يحقق مطالب الطبقات الشعبية؟"[1].

وفي حقيقة الأمر، فإنّ تفجر الثورة على ذلك النحو العفوي للجماهير الشعبية، كان ردة فعل تجاه سياسات الإفقار والتهميش والاستبعاد، ومن الخطأ أن نُحاكم ــ اليوم ــ هذا الفعل الجماهيري العفوي بأثر رجعي. فضعف الوعي لدى الجماهير ناتج عن عوامل وظروف مفروضة وليس بإرادة ذاتية من قبل الجماهير نفسها، حيث" ظهر واضحاً أن النظم الاستبدادية قد عملت على تدمير ليس الوعي السياسي فحسب، بل والثقافة عموماً"[2].

لقد قام النظام الآفل طوال سنين حكمه المتطاولة بتجريف منظومة التعليم بمختلف مراحله، حتى باتت مخرجاته من أشباه الأميين. وألغى منظومة الثقافة ومساقات الإنتاج الثقافي، ناهيك عن هشاشة وغياب البنى التحتية للثقافة، فلا وجود لمسارح، ولا دور نشر، ولا دور سينما، ولا مؤسسات بحثية، كل هذا يجري في ظل انصباب الإنفاق العام على دعم الجيش والمؤسسة الأمنية التابعة للنظام السابق ومصلحة شؤون القبائل. وتتجلى المفارقة أن هذه الثلاث الجهات تستأثر بنسبة تصل إلى 40% من الميزانية العامة للدولة في حين لا تحظى الثقافة سوى بـ 0.25% أو ربما أقل من ذلك!!

لم يقف الأمر عند هذا الحد الفاجع، بل أقدم النظام الآفل على اتخاذ جملة من الاجراءات؛ بغية السيطرة على المجتمع واستلاب وعيه، عبر تدجين المثقف وقمع الفكر النقدي وضرب العمل السياسي وخنق الحريات ومصادرة المجال العام وإفساد القيم وتوظيف الدين في السياسة وممارسة العنف الرمزي عبر وسائل التربية ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، وإنتاج خطاب استلابي يعزز من روح الاتكالية وقيم الاستمرارية وإيصال الجماهير إلى قناعة "ليس في الإمكان أبدع مما كان"!!

وتتخذ عملية استلاب وعي الجماهير حيث يلجأ الجهاز الدعائي للقوة المسيطرة إلى بث الإحباط واليأس في نفوس الناس، وتحطيم الصورة المعنوية لحراك الشعب الناهض نحو التغيير، وينساق البعض بوعي أو بدونه في مجرى هذه العملية من خلال إطلاق الأحكام التعميمية الإطلاقية على الحراك الشعبي وإدانته دون فهم موضوعي لطبيعة الظروف المتولدة، والتوقف فقط عند الأشكال الخارجية للظواهر دون ملامسة جوهر تلك الظواهر وأسبابها الحقيقية، ناهيك عن ربط تلك الأسباب بالنتائج.

ولمواجهة هذا الوضع يتطلب وجود مثقفين ثوريين يرتبطون بالجماهير ويمارسون دورهم التاريخي في تنوير المجتمع وإحلال الوعي التغييري محل الوعي الزائف.

صور المثقف وأدواره:

المثقفون أو (الأنتلجنسيا)، بطبيعة الحال، ليسوا كتلة متجانسة ولا يشكلون طبقة واحدة، بل ينطوون على صور وأدوار متباينة، فلكل طبقة مثقفيها، فهناك المثقف الذي يدور في فلك السلطة، وهناك المثقف المنحاز للشعب، وهناك المثقف الذي يعيش في برج عالٍ.

فكيف بدا المثقف اليمني في سياق الثورة والصراع الجاري؟؟

لقد أبانت ثورة 11 فبراير الشعبية وسيرورتها عن حالة انكشاف للمثقف وللنخب السياسية والاجتماعية بوجه عام، وظهر المثقف اليمني في خمس صور:

الصورة الأولى: مثقف السلطة:

ينسلخ مثقف السلطة عن انسانيته ويخون مجتمعه ليتحول إلى بوق للسلطة، يبيع ضميره لقاء حفنة من المال ليؤدي دوراً تجميلياً للنظام، أو يسوغ الممارسات الاستبدادية والسياسات الجائرة.

هذه النوعية من "المثقفين" تمارس استلاب لوعي الناس لصالح بقاء السلطة، "فتحاصر العقل في صينية الطعام المعد سلفاً داخل مطبخ السلطة".

كما تمارس أيضاً الحرب النفسية ضد الشعب، بإنتاج خطاب التضليل والتزييف، وإدانة الثورة وتصويرها بأنها مؤامرة كونية وأنها أفضت إلى الفوضى والدمار والتطرف. وكأنَّ الشعب قبل الثورة كان يعيش في نعيم مُقيم.

وفي حقيقة الأمر فإن الفوضى والدمار والتطرف كانت، طيلة فترة حكم النظام السابق، في حالة كمون وتكسوها قشرة رفيعة، وما إن انهار النظام طفت على السطح واستفحلت في ظل غياب البديل.

الصورة الثانية: المثقف الانتهازي:

المثقف الذي يتنقل من موقع إلى موقع نقيض حسب اتجاه الريح، كلاعب السرك، ولا يجد في ذلك حرجاً، لأنه ببساطة مثقف انتهازي ينتهز أي فرصة بغية تحقيق منفعة ذاتية على حساب الموقف الأخلاقي.

هذه النوعية من المثقفين هي الغالبة، ونلاحظها بوضوح في سياق الاعتمالات الحاصلة في البلاد.

الصورة الثالثة: المثقف الانعزالي:

ينأى بعض المثقفين بأنفسهم عن الصراع وقضايا المجتمع، ويلوذون بالانعزال كممر للهروب السهل من تعقيدات الواقع ومسؤولياتهم تجاهه.

يتخذون موقفاً موارباً في لحظات الانهيار الوطني وانسحاق المجتمع بين رحى الحرب؛ ظانين بأنّ الوقوف في المنتصف هو الموقع السليم بالنسبة لهم ويضمن لهم راحة البال و الضمير.

لذا تجدهم مهجوسين بالحياد، يستخدمون لغة فخمة وخطاب وعظي متعالٍ، ويعجزون عن فهم تناقضات الواقع وملابساته، فضلاً عن عجزهم الذاتي عن وضع تصور منطقي وواقعي لمعالجة مشاكل الناس؛ لذا ينصرفون إلى بناء عالم من اللغة والتجريدات النظرية مُنزوعة الصلة بالواقع.

إنّ هذا الموقف الهُلامي (موقف اللاموقف) يصب في آخر التحليل في مصلحة القوى المضادة للشعب، لأنه موقف يمارس تزييفاً للحقائق ويقوم بتوجيه أذهان الناس باتجاه معين، فيثبط الشعب عن خوض معركته داعياً به إلى التسليم بالأمر الواقع ليدرأ بنفسه عن دفع ثمن حريته، والمعنى أن يظل رازحاً تحت نير الاستبداد والقمع وإلى الأبد...!

الصورة الرابعة: المثقف الضوضائي:

على الرغم من أنّ هذا الصنف من المثقفين يقفون في لحظات ما مع الحراك الشعبي؛ إلا أنه يضر أكثر مما يفيد، لأنه مُنحكماً للعواطف وللرغبات وللانفعالات الطارئة، دون فهم موضوعي لشروط الواقع وملابساته.

ففي مرحلة الزخم الشعبي وتنامي الحركة الجماهيرية يندفع هذا المثقف ويبتهج ويضفي طابع القداسة على الشعب، فيغرق في تمجيده وكيل المديح له.

بينما يُصاب باليأس والسأم في لحظات انحسار المد الشعبي، فيَعْمَد إلى إدانة الشعب والانتقاص منه وما هو أكثر من ذلك.

لقد رأينا كيف تحوّل فرح المثقف هذا إثر اندلاع ثورة الشعب مطلع عام 2011م، إلى حالة يأس وقنوط عندما أفضت هذه الثورة إلى نتائج لم تكن في الحُسبان..!!

فيسارعون إلى رسم طابع سوداوي للواقع الراهن، وإشاعة حالة من الاحباط في الأوساط الجماهيرية.

في كل الأحوال ليس بمُستطاع هذه النوعية من المثقفين أن تعي الطبيعة الجدلية للمزاج الشعبي ولا أسباب الاندفاع وأسباب الانحسار، لأنهم ببساطة بعيدون عن المنهج العلمي.

فالمنهج العلمي "يفرض تتبع ورصد مزاج الجماهير دون تشويه لحقيقته، أي دون أن نخضع ذلك لرغباتنا وأحلامنا. والوقوف ضد المزاج غير الثوري، لدى الجماهير، وكشفه أمامهم باعتباره أثراً من آثار الأوضاع المتخلفة التي نسعى إلى التخلص منها. (...) فالموقف من المزاج قبل الثورة، يختلف عن الموقف منه أثناء الثورة وبعد تسلم السلطة."[4]

لأن المزاج الجماهيري مزاج عفوي، إذا لم ينحكم إلى التنظيم الثوري وتقوده طليعة واعية فإنه غالباً ما يقع فريسة التوظيف السياسي للخصم أو يُمنى بالفشل.

ويتجلى مظهر آخر من سلوك هذه النوعية من المثقفين في الانحكام إلى الصوت الصاخب والضجيج العالي، في هذا الصدد يورد د.ياسين سعيد نعمان وصفاً دقيقاً بالقول: " كم هي مخيفة الأصوات الصاخبة التي لا سقف لها .. أصحاب هذه الأصوات لا يستقرون على حال، وفي نهاية المطاف يستقرون في حضن الخصم الذي يثورون عليه.. يتحكم فيهم الغضب والحنق تجاه كل شيء، وتتملكهم الحماقة التي تجعلهم يرون كل شيء خاطئاً طالما أنهم لا يتصدرون المشهد ولا يتحكمون به. كثير من الثورات عانت من هذه الظاهرة باعتبارها العاهة المخادعة التي لا تُكتشف إلا وقد دمرت الثورات، وتسجل كثير من التجارب الثورية أن هذه العاهة كانت السبب الأساسي فيما أصابها من انتكاسات."[5]

لقد انتهى بكثير من تلك الأصوات في حضن الخصم والشواهد على ذلك عديدة.

الصورة الخامسة: المثقف العضوي:

المثقف العضوي هو ذلك المثقف الملتزم الذي يتخذ موقعاً من الصراع الاجتماعي، ويتبنى موقفاً منحازاً للجماهير، فيعمل على تنوير المجتمع وتثويره بالوعي الجديد، وفي الآن ذاته يواجه الدعاية التضليلية التي تبثها القوى المضادة، أي أنه يعمل على نشر الوعي المطابق للواقع (الوعي الفعلي)، ويواجه الوعي المفارق للواقع (الوعي الزائف).

وإذا قمنا بعملية تقصٍ وبحث لهذا النموذج من المثقف في واقعنا اليمني، فلن نجد إلا القلة القليلة.

وعلى الرغم من قلة هؤلاء فالأمل معقود عليهم في ممارسة النضال ضد مراكز الأيديولوجية المسيطرة ومواجهة أشكال الوعي العصبوي بتلاوينه المختلفة (الطائفي والجهوي والقروسطي) بتبني خطاب وطني ديمقراطي يرتكز على الهوية الوطنية الجامعة والقواسم الحضارية والمادية المشتركة لأبناء المجتمع.

ولا تتوقف مسئوليته عند هذا المستوى، بل تبرز مهمة أخرى في سياق الوضع اليمني الراهن، ولابد أن يضطلع بها، والتي تتمثل بمواجهة الثقافة الانهزامية وحالات الإحباط، ببث روح الأمل في أوساط الشعب وتبشير الناس بالآفاق الرحبة، ودحض الأوهام الثقافوية والأساطير الاستشراقية التي تزيّف الوعي وتثبّط العزائم.

أوهام ثقافوية وأساطير استشراقية:

يسود في أوساط النخب الثقافية ودوائر البحث الأكاديمي منظوراً ثقافوياً تجاه المجتمع وثقافته وقيمه ومظاهر سلوكه. وينزع هذا المنظور الثقافوي إلى إدانة المجتمع ووصفه بأنه مجتمع محافظ وماضوي، وتحميله مسئولية تخلفه وتأخره وسيادة التطرف في أوساطه.

هذا المَنزع الوصفي التقريري، يريح نفسه من عناء البحث والتقصي وذلك بتبني الصيغ الاختزالية السهلة وإصدار الأحكام القطعية دون ملامسة الجوهر، فيكتفي بـ"النقر على السطح"، بينما المطلوب "الحفر في العمق" ــ بتعبير المفكر التقدمي العربي ياسين الحافظ ــ وذلك باستكناه أسباب وعوامل التخلف والتأخر بهدف وضع معالجة موضوعية.

إنّ التخلف لم يكن ــ أبداً ــ نتاج قرار ذاتي أو رغبة قمينة من المجتمع عينه، أو يعد سمة خالدة أو ماهية ثابتة، بل هو نتاج ظروف موضوعية اقتصادية وسياسية واجتماعية فُرضت على المجتمع، التي من أبرزها: التنمية المشوهة بفعل التبعية والتبادل اللامتكافئ، وتسيد الريع في التكوين الاقتصادي وانعكاس ذلك على العلاقات الاجتماعية حيث يسود نظام اجتماعي رعوي يقوم على ثنائية (السلطان / الرعايا) فالناس ـ في هذه الوضعيةـ لا يُعاملوا كمواطنين لديهم حقوق وتقع عليهم واجبات في إطار عقد اجتماعي توافقي، بل يظلوا مجرد رعايا تابعين.

فضلاً عن ذلك، فإن النظم القمعية صادرت المجال العام وألغت الشعب كفاعل سياسي، وانتهجت سياسات الإفقار والنهب والقهر، وأعادت تشكيل الوعي بما يلبي حاجتها إلى البقاء والديمومة عبر ممارسة الهيمنة الثقافية في وسائل الإعلام الرسمية، وعبر السيطرة الأمنية على الجامعة ــ أو عقل الأمة وفقاً للمفكر اليمني الكبير د.أبوبكر السقاف ــ ومحاصرة الفكر النقدي، وتأطير الذهنية العامة في إطار نظام معياري قائم على التحريم والتجريم والتسليم، واعتماد المناهج والوسائل الدراسية على التقلين والحفظ والمحاكاة وليس على التفكير والتحليل والابتكار والإبداع.

إن المنظور الثقافوي إنما هو ترديد صدى بائس للمنظور الاستشراقي الذي يخلع على مجتمعاتنا تصاوير نمطية.

إذ يدأب مستشرقون غربيون على القول بأن مجتمعاتنا مجتمعات بدائية (بربرية) تقوم على "إدارة التوحش" في علاقاتها الاجتماعية. وأنها مجتمعات تذررية (انشطارية) تنشطر على أساس العصبيات الأهلية والطائفية والجهوية.

ليؤسس هذا المنظور مقولات ثقافية أشبه باليقينيات كـ: (الاستثناء العربي، والاستبداد الشرقي، والاستعصاء الديمقراطي)، والخلوص إلى القول بأن هذه المجتمعات غير مؤهلة للديمقراطية.

إنّ القول بوجود علاقة ماهويّة لمجتمعاتنا بظاهرة التطرف والعنف، هو قولٌ زائف بل وكاذب، فالتطرف والعنف ظاهرة تاريخية عامة عانتها كل المجتمعات في الدنيا، وهي في المقام الأول تعبير عن حالة احتجاج سلبي تجاه ظروف الواقع، ويستحيل تجاوزها بغير إحداث تغييرات بنيوية في طبيعة تلك الظروف باتجاه تحقيق التنمية الشعبية، تلك التنمية التي يُشرَك الشعب فيها بشكل فعلي على مستوى التخطيط والتنفيذ والنتائج.

الثقافة والأحزاب .. نقد وتقويم:

يعتبر غرامشي الحزب السياسي بمثابة "العقل الجماعي".

فمما لا شك فيه أن الأحزاب السياسية تتحمل المسؤولية العظمى في تسييس الجماهير وتوعيتها بقضاياها، غير أن التجربة الثورية اليمنية والعربية عموماً أظهرت عجز هذه الأحزاب عن القيام بدورها هذا.

لنعيد النظر كرّةً أخرى إلى مشهد الثورة منذ 2011م:

انفجرت الثورة بشكل عفوي نتيجة أوضاع وظروف موضوعية تتمثل بـ: الجوع والفقر والبطالة واللامساواة الاجتماعية والقمع والعبث بالمال العام وإهدار الكرامة الإنسانية، وظل الفعل الثوري مفتقراً للتنظيم والتخطيط حتى بعد أن التحقت الأحزاب المعارضة به، نظراً لانحكام هذه الأحزاب لأسلوب المساومة السياسوية في مقاومة النظام، بالتركيز على الإصلاحات في النظام الانتخابي أو في أحسن الأحوال إجراء إصلاحات جزئية في بنية النظام السياسي ليتهيأ المجال أمام إشراك قوى المعارضة في السلطة دون مسّ جوهر السياسات الاقتصادية والاجتماعية الجائرة.

وكما انعكس هذا الدور سلباً على مسار الثورة ومآلاتها، فقد انعكس ايضاً على مستوى الإنتاج الثقافي، فالملاحظ مثلاً أنه لم يترافق مع المسار الثوري خلال السنوات المنصرمة إنتاج ثقافي إبداعي حقيقي. ومع ذلك فإنّ المجال لا يزال متاحاً؛ ذلك لأن الثورة لا تزال في مخاض، الأمر الذي يتطلب القيام بثورة ثقافية لتتكامل مع الثورة الشعبية.

استشراف الثورة الثقافية:

إنّ الأثر الفكري والثقافي للثورة لا يزال يختمر ويتشكّل، ذلك لأن الثورة بطبيعتها وطبيعة التحديات والمهام الجسيمة والمتعددة التي وضعتها على جدول أعمال اليمنيين أفضت بها إلى "سيرورة ثورية طويلة الأمد".

وبالنظر إلى حقائق العصر المستجد والانفجار المعلوماتي التكنولوجي الذي اكتسح أرجاء العالم، فقد أفقد هذا الاكتساح، مرة واحدة وإلى الأبد، قدرة النظم السياسية الاستبدادية على احتكار المعلومة والاحتفاظ بما كان يسمى بـ "أسرار الدولة"؛ بفعل الإعلام الفضائي ووسائط الفضاء السيبراني كـ (المواقع الإلكترونية والفيسبوك وتويتر ومختلف منصات التواصل الاجتماعي)، وهو ما يسَّر امتلاك الحيز الافتراضي العام وممارسة حرية الكلام والنقاش العام دون قيود سلطوية.

بل إنّ هذه الوسائط الجديدة صارت بمثابة سلطة موازية وقوة ضغط جبارة على صناع القرار، وباتت تمثل نسقاً جديداً من الرقابة، أو وفقاً لمانويل كاستيل بـ"المجتمع الشبكي".

وعلى الرغم من أهمية هذا الانجاز التاريخي العاصف، إلا أنه لا يزال يواجه تحدي الإفلات والتحرر من التأثيرات الدعائية التي تبثها الأجهزة الأمنية، ولن يتحقق ذلك التحرر إلا بالتثقيف النوعي وامتلاك المنهج القادر على تمييز القضايا الفعلية من القضايا المفتعلة وتفريز الشعارات الصادقة من الشعارات البّراقة أو المُخاتلة.

يمكن القول وبإطمئنان كبير أن الثورات قد قدحت في الوعي العام الدافعية نحو التغيير والجديد والمستقبلي وضداً على كل ما هو محافظ وبالي ومتقادم.

إذن المهمة الملحة اليوم هي خوض ثورة ثقافية، ثورة تقوم باستكمال مهام التغيير انطلاقاً من إعادة بناء الثقافة الوطنية.

إعادة بناء الثقافة الوطنية:

الثقافة الوطنية هي مجمل الخصائص والسمات المادية والروحية للمجتمع.

وتتم عملية إعادة بناء الثقافة الوطنية عبر مستويين أساسيين:

الأول: استلهام القسمات المشرقة من تراثنا التاريخي والحضاري.

والثاني: التفاعل الخلاق مع معطيات العصر وحقائقه من منطلق الوعي الكامل بالأولويات، وبما يلبي المصالح العامة للشعب وتطلعاته في الحرية والتنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة.

إن إعادة بناء الثقافة الوطنية تتضمن الأخذ بسياسات ثقافية عديدة، وفي مقدمتها:

- بلورة خطاب وطني ديمقراطي متجاوز للعصبيات (الطائفية والمناطقية والقبائلية)، ويؤكد على الهوية الوطنية الجامعة لليمنيين.

- إعادة تصميم المناهج التعليمية لجميع المراحل الدراسية بما يتسق مع قيم الإبداع والتفكير الحر ومجمل القيم الجديدة وضرورة الاستفادة المثلى من إنجازات العصر.

- إيلاء أهمية قصوى لوسائل الإنتاج الثقافي وأشكاله الإبداعية: الفني والأدبي والفكري والعلمي. وكذا الصناعات الثقافية الشعبية التي تدخل في إنتاج الثقافة والفنون، كالصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية، بحيث تؤدي الثقافة دوراً تحفيزياً في استنهاض الروح الوطنية وتجديد الوجدان الجماهيري بغية تحقيق الأهداف المنشودة.

- العناية بالفولكلور والإنهاض به نظراً لأهميته الحاسمة في بعث روح الشعب نحو الانطلاق والتطور والإبداع.

- وضع خطط وطنية استراتيجية لمحو الأمية ومكافحة التطرف والعنف والغلو.

- تخصيص نسب عادلة وكافية من الناتج المحلي الاجمالي لدعم الثقافة والتعليم وبناء البنى التحتية الخاصة بهما.

- وضع تشريعات تكفل حرية الإبداع والبحث العلمي وحرية التفكير والتعبير.

- إشاعة ثقافة الحوار الديمقراطي وتكريس التوافق الوطني وقيم التعايش والتنوع والقبول بالآخر.

- تطبيق ما ورد في وثيقة مخرجات الحوار الوطني، ومن ذلك ما ورد بخصوص الثقافة والتعليم ومختلف مجالات التنمية.

ختاماً، نود التأكيد "على أنه ليس بالنضال الثقافي وحده، أو نشر الثقافة الثورية وحدها ـ على الأهمية البالغة لذلك يتحقق التغيير المنشود. وليس المثقفون وحدهم كمثقفين هم القوة الاجتماعية القادرة على تحقيق هذا التغيير بل لا حماية ولا تطوير للثقافة كثقافة، بالعمل الثقافي وحده.

وإذا كان الثقافي يعاني من وطأة واستبداد السياسي المهيمن الراهن. فلا خلاص للثقافي ولا تحرير له إلا ببديل سياسي يحمل رؤية ثورية للسلطة والمجتمع. ولهذا فلا سبيل للمثقفين كي يقوموا بدور إيجابي فعال في التغيير المنشود، بغير الانخراط في النضال السياسي، بغير الانغماس في رحم المجتمع المدني بتجسيد المثقف الجماعي." [6]

كما يستحيل بناء المجتمع المتقدم والمتطور ثقافياً، بدون التحويل الاقتصادي والاجتماعي وتوظيف أحدث ما توصل إليه العلم في عصرنا الحاضر.

 

عيبان محمد السامعي ــ كاتب وباحث سوسيولوجي من اليمن

....................................

الإحالات والهوامش:

[*] لا يوجد تعريف محدد ومتفق عليه لمفهوم الثقافة، وقد وصل عدد تعريفات الثقافة إلى أكثر من 200 تعريف وفقاً لبعض الباحثين..!

[**] أنطونيو غرامشي (1891-1937)، مفكر ومناضل ماركسي إيطالي.

[1] سلامة كيلة، مجلة الجديد، العدد: 14،ت: 1/3/2016م، ص108.

[2] المرجع نفسه، ص108.

[3] سلامة كيلة، زمن الثورات ـ الفرضيات والأزمات الأولى، القاهرة، ط1/2015م، ص115.

[4] زكي بركات، في سبيل الوعي العلمي، دار الفارابي، بيروت، ط1/1980م، ص40.

[5] د. ياسين سعيد نعمان، إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة.

 [6] محمود أمين العالم، إشكالية العلاقة بين المثقفين والسلطة، مجلة النهج، العدد 17، 1987، ص112.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4746 المصادف: 2019-09-03 11:29:44