 قضايا

الدولة والهوية الوطنية في العراق ومهمة البديل الوطني

ميثم الجنابيإن إحدى القضايا الأكثر تعقيدا وجوهرية بالنسبة للعراق الحالي تقوم في كيفية إرساء أسس العلاقة السليمة بين فكرة الدولة وفكرة الهوية الوطنية. وإذا كان لكل مرحلة تاريخية أولياتها ولكل حالة سياسية مهماتها الكبرى، فإن أولية فكرة الدولة الشرعية والهوية الوطنية العراقية هي مفتاح حل أزمته البنيوية الدائمة. ليس ذلك فحسب، بل وأنها المقدمة الضرورية لتدقيق المهمات السياسية الكبرى من اجل دفع العراق صوب استكمال كيانه السياسي الجغرافي، والوطني الاجتماعي، والتاريخي الثقافي. فهو الثالوث الذي تتوقف على كيفية ترتيبه وتطويره آفاق ومستويات وخطوات تقدمه اللاحق.

فعندما ننظر إلى تجربة ما بعد الاحتلال وبداية الاستقلال الأولي الفعلي بعد خروج قوات الاحتلال الأمريكية من العراق، فان الحالة الأكثر بروزا في عرقلة تكامله الذاتي تقوم في ضعف مركزية الدولة وضعف الهوية الوطنية عند قواه السياسية ومكوناته القومية والثقافية.

فقد كشف التحول العاصف بعد إسقاط الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية بأيدي قوى خارجية عن ضعف قواه السياسية "الداخلية" و"الخارجية"، واغتراب اغلب مكوناته، وتحطم البنية التحتية للدولة والمجتمع والثقافة، وانهيار القيم. ووجدت هذه الحالة تعبيرها السريع في اشد الأشكال لاعقلانية وتخلفا في ميدان الصراع من اجل السلطة كما كان ذلك جليا (وما زال يفعل بصورة واعية وغير واعية) في المواجهات الدموية واستفحال مختلف أشكال ومستويات الصراع القومي والعرقي والديني والطائفي والجهوي والفئوي.

فقد أبرزت سنوات الصراع الهمجي إثناء وبعد الاحتلال الأمريكي الحقيقة القائلة، بان اغلب دوافع هذا الصراع كانت تتمحور حول السلطة وليس الدولة، أي غياب أو اضمحلال فكرة الدولة. فقد كان جفاف فكرة الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي مصدر العطش الكبير الذي عانى ويعاني منه العراق. وليس مصادفة أن يكون صعود نجم المالكي وثيق الارتباط بشعاره السياسي، الذي احتوى على فكرة الدولة بشكل عام والشرعية بشكل خاص. بمعنى استجابته وتمثله للمزاج الاجتماعي والوعي السياسي. والاهم من ذلك إدراكه الواعي لطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها العراق والمهمات السياسية الكبرى التي يواجهها.

وقد يكون من السابق لأوانه الحديث عن إدراك منظومي عميق ومتكامل في الوعي السياسي العراقي الحالي لأهمية وقيمة مركزية الدولة والهوية الوطنية بالنسبة للأمن والاستقرار والتطور الديناميكي، إلا أنها أصبحت جلية على الأقل في مستوى الحدس الوطني والاجتماعي. وهو حدس تراكم في مجرى الصراع الدموي وغير العقلاني لسنوات ما بعد الاحتلال وحتى يومنا هذا. ومن خلاله بدأت تتضح ملامح الخلل الكبير في بنية الدولة العراقية الحديثة.

فقد كان تاريخ الدولة العراقية الحديثة جزء من زمن السلطة. الأمر الذي تسبب في نهاية المطاف في صعود الراديكالية السياسية وهيمنتها على الوعي الاجتماعي والممارسة السياسية. ولم يكن ذلك معزولا من الناحية التاريخية عن طبيعة التجزئة الداخلية المتراكمة في بنية الوجود الاجتماعي والنفسي وهيمنة البنية التقليدية (العشائرية)، بوصفها الوجه الآخر لانعدام التاريخ السياسي الطويل في ظل السيطرة العثمانية. وحالما ظهرت في العصر الحديث إمكانية الظهور الجديد للعراق القديم، فان صعود "ملك مستورد" كان التعبير الأكثر دقة عن انعدام "مرجعية عراقية" نابعة من تحسس وإدراك كينونته الذاتية.

لقد حاولت الملكية الجديدة حل إشكالية الدولة والهوية العراقية لكنها فشلت واندثرت بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وعوضا عن ملكية عرجاء جرى إنتاج جمهورية كسيحة فتحت الأبواب العريضة أمام صعود ومغامرات الراديكالية السياسية، التي تجسدت لاحقا في سلسلة انقلابات انتهت باستحكام الدكتاتورية البعثية – الصدامية. ولم تكن هذه الأخيرة في الواقع سوى المسخ الجديد الذي جسد بصورة نموذجية تقاليد "لقرون المظلمة" في "عقود مظلمة". بمعنى عجزها عن بناء فكرة الدولة الشرعية الحديثة والهوية الوطنية المحكومة بقوة القانون والدستور. وبالمقابل "نجاحها" في بناء مركزية السلطة.

لقد أدى هذا الاستبدال المشوه للعلاقة بين الدولة والسلطة إلى استمرار الضعف الذاتي الدائم للنخبة السياسية. الأمر الذي ما كان بإمكانه أن ينتج غير نفسية وذهنية السلطة وأولويتها على فكرة الدولة. وكما أدى ذلك في الماضي إلى تحول فكرة السلطة وأولويتها في الخطاب والممارسة (الحزبية) إلى مرجعية خفية وراء سلوك المغامرة السياسية قبل الرابع عشر من تموز عام 1958 وبعده، أي إلى مأساة وانحطاط العراق الحديث والمعاصر، فإنه يمكن أن يؤدي إلى استعادة نفس التجربة الفارغة، أي إلى اجترار زمن الانحطاط.

لقد كشفت التجربة السياسية الكبرى للعراق على امتداد خمسة عقود متتالية من هيمنة الفكر والممارسة السياسية الراديكالية عن طبيعة الخلل بين فكرة الدولة والسلطة والأمة. فقد حولت الفكرة والممارسة الراديكالية الوطن والدولة والمجتمع والإنسان إلى أشياء تابعة للسلطة. من هنا صعود الأطراف والأقلية والهامشية كما كان ذلك جليا في الصدامية، باعتبارها النموذج "التام" لهذا النمط الراديكالي السلطوي. وليس مصادفة أن تبرز غريزة السلطة بقوة مبالغ فيها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية عند الأطراف والهامشية كما هو الحال عند مختلف "جمهوريات الإسلام" الطائفية السياسية و"فيدراليات" العرق الكردية. وإذا كانت الأولى قد تعرضت إلى هزيمة ساحقة، فان بقاء الأخيرة على حلبة الصراع يجعل منها حجرة العثرة الأخيرة الواقفة أمام مهمة استكمال ثالوث الجغرافيا السياسية والاجتماع الوطني والتاريخ الثقافي الموحد للعراق.

بعبارة أخرى إننا نقف أمام محاولة استعادة نفس التجربة الفارغة، أي أمام نفس القوى الهامشية والاطرافية التي عاشت وتعيش بمعايير جوهرية السلطة على الدولة، والعائلة على الجماعة، والقبيلة على المجتمع، والعصابة على المؤسسة. بينما البديل يفترض وجود مركزية الدولة والهوية الوطنية، أي أداة وأسلوب صنع الثبات والتراكم العاملين بمعايير المستقبل.

إن العمل بمعايير المستقبل في المرحلة التاريخية التي يمر بها العراق تفترض صياغة مشروع جديد يذلل خلل ما بعد الصدامية في بنية الدولة والنظام السياسي. والصيغة العامة له تفترض القضاء على "ديمقراطية" المحاصصة "التوافقية" و"الشراكة" وما شابه ذلك، بوصفها الوجه المحسن للطائفية والعرقية السياسية. من هنا أهمية وقيمة المشروع الحقيقي البديل المبني على أسس مركزية الدولة وفلسفة الهوية الوطنية العراقية. إن تنفيذ هذا المشروع يستلزم بدوره تجسيد المهمات الكبرى التالية:

1- إعادة كتابة الدستور بطريقة قانونية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار التجربة السياسية للعراق الحديث وما بعد الصدامية. 

2- إعادة النظر بطبيعة النظام السياسي وتحديده بصورة دقيقة وقانونية.

3- الاستعاضة عن النظام البرلماني بالنظام الرئاسي على الاقل لمدة عشرين سنة.

4- بناء علاقة ديناميكية وشرعية بين مركزية الدولة وسلطتها التنفيذية من جهة، وبينهما وبين سلطة المحافظات من جهة أخرى. مع ما يترتب عليه من إلغاء للفيدرالية (لاسيما وانه لا وجود فعلي لها إلا بالاسم) ثم إلغاء تدريجي لفكرة الحكم الذاتي ومختلف أشكال البنية التقليدية المتناقضة مع فكرة الدول الحديثة ومشروع المواطنة التامة والحقوق الدستورية المتكافئة.

5- الاهتمام الخاص بالتربية والتعليم من خلال وضع برامج علمية بعيدة المدى مهمتها تأهيل الفرد والمجتمع والدولة للانتقال الشامل صوب اقتصاد العلم والتكنولوجيا الحديثة ومجتمع المعلومات.

6- الاهتمام الأولي والأكبر بالزراعة من خلال وضع وتحقيق برامج متكاملة لتغيير البنية التحتية للريف والفلاحين باتجاه نقلهما إلى مصاف الزراعة الصناعية الحديثة.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4748 المصادف: 2019-09-05 04:02:57