 قضايا

طقوسية التثقيف وإدارة تحديات المستقبل

علجية عيشيقول مفكرون إن الإنسان بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة في إطار العولمة يعيش أزمة المعنى وتعب الرموز اجتماعية كانت أم ثقافية، وهو بذلك يظل يعيش أزمة الوجود، فإذا أراد الشعب أن يفتخر في يوم من الأيام بمستقبله كما يقول أحد الزعماء فلا يمكن أن يتحقق له ذلك بمجرد إطالة أمد الماضي أو الحاضر، فلو أننا حاولنا تشكيل الألفية الثالثة على هذا الأساس فإننا سنفشل، وسيكون ثمن هذا الفشل أي البديل لإحداث التغيير في المجتمع هو الظلام

لم يكف علماء الإجتماع الحديث عن نظرة سوسيولوجيا المستقبليات في علاقة العولمة بتحولات الأنساق الإجتماعية والثقافية واشتغالها في إعادة تشكيل المجتمعات وبنيتها الطبقية وفق شروط عالمية، فالعولمة كمفهوم تظل إشكالية لا تبحث فقط في ما كتب في نطاق الثقافة العالمية وما يتصل بها من إيديولوجيات متضاربة، وإنما هي تمثل ذلك المسكوت عنه في تمثلات الناس، فثمّة من يتحدث عن ثقافة "الفيتنس" وهي التحول الفجائي لأشكال الترفيه والإنغماس في المتع، والتغيير المتكرر لماركات اللباس لدى النساء والرجال، فتغير المدتمع شكلا ومضمونا، ظاهريا وباطنيا، فما تزال الأنتروبولوجيا تطرح حياة المجتمعات وتغيرها من جيل لآخر، فالعوامل الثقافية لها قدرة التاثير في السلوكات، والسلوك يختلف من مجتمع لأخر كما تقول النظرية الإجتماعية التي ترى أن المجتمع لم يعد متأثرا بالمعتقدات والمفاهيم السائدة في كل مجتمع، لأنه حقق قدرا من الحداثة، إلا أنه خسر نفسه ، لفقدانه تلك القيم، وتلك هي مأساة الحداثة كما قال عالم الإجتماع والفيلسوف الألماني جورج زيمل، لأن الإنسان بصفة عامة والمثقف بصفة خاصة في إطار العولمة يعيش أزمة المعنى وتعب الرموز اجتماعية كانت أم ثقافية، وهو بذلك يظل يعيش ازمة الوجود، وجوده في الساحة وكيف يدافع عن الهويات الثقافية وعدم فسخها أو اجتثاثها من أطرها المحلية.

كلما تجدد الحديث عن المثقف العربي إلا وتطرح علاقته مع السلطة، وكأن المثقف العربي يعيش أزمة المعنى، بدليل أنه اصبح يطرح عدة إشكاليات في إشكالية واحدة هي: كيف يتشكل الآخر اجتماعيا وثقافيا في حياتنا الإجتماعية والثقافية؟ وماهي الصورة التي يمكن اختيارها للآخر؟ وماهي مجالات حضوره في المخيال العربي؟ أما كيف صورته عبر الآخر، فهي كما يرى جينارو جيرفازيو وهو باحث إيطالي يساري، عمل كأستاذ مختص في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر بجامعة ماكوري بأستراليا، بأنها رؤية مختلفة عن المثقف في علاقته مع السلطة، وطرحت في هذا المجال اسئلة عديدة مثل: هل يمكن لعالم الإجتماع أو عالم السياسة أن يكون مثقفا؟ وكيف يمكن تحاوز فكرة "الثنائية" في المقاربات العلمية، كالقول بالتجديد والتقليد، الفردي والجماعي، المحلي والعالمي، وهل تقبل العولمة بكل ماهة محلي؟ خاصة في مجال الثقافة واللغات.

 فكل الكتابات كما يقول الخبراء في حاجة إلى صياغة دقيقة عبر تحديد المفاهيم، أما المنهج فهو في حاجة إلى أن يميز من تقنيات البحث، فالمؤرخ مثلا وحده يعتمد على المنهج التاريخي في دراسة الأحداث التاريخية ومسار الشخصيات التاريخية، وعالم الإجتماع وحده يعتمد على المنهج العلمي، كلّ حسب تخصصه، إلا أنهم يلتقون في قاسم مشترك وهو العمل الميداني، إلا أن بعض الكتابات ترى أن ما يعاب على عالم الإجتماع هو أنه يتبع أكثر مما يبدع، والقضايا الكبيرة يطرحها أكثر من هم خارج الإختصاص، ويمكن القول أن المثقف هو من يطرح هذه القضايا التي تخص المجتمع ثقافة وسياسية واقتصادا، لأنه يحشر نفسه في كل القضايا ويرى نفسه عين المواطن التي يبصر بها، فهو تنويريّ بأتم معنى الكلمة، ويسعى لأن يحقق السلام وينشره في الكون كله، انطلاقا من روح التحضر العميقة الجذور.

 ولعل الوضع الحالي للمثقف يقود إلى الحديث عن الوسط الثقافي الذي وصفه إدوارد سعيد في كتابه "الإستشراق" بالظاهرة التي سيطر فيها العالم الغربي على ثقافة الشعوب غير الغربية (العرب والمسلمين بالخصوص)، البعض يرجع هذه السيطرة إلى إخفاق جامعة الدول العربية في تكوين جماعات الضغط العربي ، مع التحفظ على عبارة "اللوبي"، لأن فهم الجماهير لمعظم القضايا محدود جدا، ولأن هذه الجامعة وهذه الجماعات لم تعمل على تثقيف الجماهير بشكل جيد أو بوجهة نظر معينة، الفجوة حسب المحللي ن بين المطامح والواقع ، فأن تعتمد دولة عربية ما على شركة أدنبية في إنجاز مشاريعها، فهذه المطامح لا محالة تنتهي بخيبة الأمل.

كتاب "إدارة تحديات المستقبل" لمؤلفه جونتر فورتيله وهو عبارة عن جدول أعمال سياسي واقتصادي للقرن الواحد والعشرين ذكر فيه المؤلف ما يزيد عن تجارب 18 شخصية استثنائية، معظمها شخصيات غربية، ماعدا شخصيتان عربيتان وهما الرئيس المصري حسني مبارك والحسن الثاني ملك المغرب، وهذا الكتاب واحد من الكتب التي تحدثت عن قادة وزعماء تمكنوا من تقديم رؤية استشرافية للمستقبل البعيد، وحققوا لبلادهم ومؤسساتهم إنجازات استثنائية، كون البشرية تعيش في خضم تغيرات ذات ابعاد، تغيرات تختلف عن التغيرات الثورية التي بنتها مسيرة التاريخ، بل هي التغيرات التي تجري حاليا في ظل الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا والحراك الشعبي في الجزائر وفي السودان، أصبح الكثير من الناس أو الشعوب يشعرون بعدم الأمان، نعيب على الكاتب طبها لأنه استثنى الجزائر محررة الشعوب وقائدة الثورات التي تحدت كل الصّعاب في تقرير مصيرها ومصير الشعوب، ومواقفها إزاء القضايا المطروحة.

 ولا ننسى موقف الرئيس الراحل هواري بومدين وهو يرد على الرئيس نيكسون في إحدى القمم حول شمال العراق، فقد ذكر المؤرخ عثمان سعدي سفير سابق ببغداد، كان رد بومدين: " نحن العرب نرى أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتف بإسرائيل واحدة فنراها تعمل على تأسيس إسرائيل ثانية في شمال العراق، فكان الرئيس نيكسون قد اشطرب في كلامه، وكانت النتيجة أنه اسرائيل ثانية لم تسجل في نهاية القمة، حخشب شهادة المؤرخ عثمان سعدي لم لم يحدث أبدا أن أثار رئيس دولة عربي المسألة الكردية بالعراق مع رئيس الولايات المتحدة، كما اثارها الرئيس هواري بومدين، وهو القائل: " إن تاريخ الشعوب ليس إلا سلسلة من المعارك المتنوعة تخرج ظافرة من معركة لتدخل مزودة بسلاح جديد إلى معركة جديدة، فإدا كنا قد خرجنا من معركة الاستقلال فإن دلك إلا سلاحا لابد منه لخوص معركة أخرى هي معركة النهضة والرقي والحياة.

 نستشهد هنا أيضا ما قاله فيرناندو هنريك كاردوس رئيس البرازيل سابقا وهو من بين الشخصيات التي ورد اسمها في هذا الكتاب، في الصفحة 121 من الكتاب ، عندما عرض برنامج البرازيل للقرن الـ:21، قال: "إذا أراد الشعب أن يفتخر في يوم من الأيام بمستقبله فلا يمكن أن يتحقق له ذلك بمجرد إطالة أمد الماضي أو الحاضر، فلو أننا حاولنا تشكيل الألفية الثالثة على هذا الأساس فإننا سنفشل، وسيكون ثمن هذا الفشل اي البديل لإحداث التغيير في المجتمع هو الظلام"، إلا أنه يضيف ومن باب التفائل بالمستقبل: " نحن قادرون على القيام بالكثير في واقع الأمر، ومعرفة نوع المجتمع الذي نرغب فيها، غير انه لابد من غثارة التساؤل عما يمكن ان نصنعه لكفالة استخدام المعرفة والثقافة في خدمة البشرية، وإن كان كلام هذا السياسي فيه شيئ من الحقيقة لأن الجيل الحالي يتطلع نحو المستقبل عن طكريق التغيير، إلا أنه ربط الماضي بحاضره ومنهما يسير نحو المستقبل، كما نراه في الحراك الشعبي الجزائري الذدي هوة عبارة عن نوفمبر جديد ضد استعمال داخلي تحركه ايادي خارجية، من الصعب طبعا التعرف على المشاكل، بين أن الصعوبات تطفو عندما يتعلق المر بالبحث عن بدائل لواقع الحال المستهجن القائم، خاصة وأن هذا المشاكل تحمل أبعادا مأساوية.

 

علجية عيش

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4752 المصادف: 2019-09-09 12:36:20