 قضايا

الاجراءات القضائية في العراق القديم (2)

الدليل المكتوب: يوجد دليل للسماح للوثائق المكتوبة في المحكمة وكانت تتطابق مع معايير متفق عليها اجتماعياً وكما هي الحال مع الصيغ الشفوية والمدوّنة لابد من وجود دليل عليها ان الوثيقة وجدت بمعرفة الأطراف وموافقتهما. ففي الأزمنة القديمة كان الدليل يقوم على شهادة العين وان حضورهم كان يعدّ أساسياً وتكوينياً وقد استمر هذا الحال لفترة طويلة من الزمن. كما ان الوثائق نفسها تتطلب التوثيق ويتم ذلك عن طريق الختم. ويمكن استنتاج ذلك من الفترات البابلية القديمة تم ختم كل وثيقة قانونية وهنالك ايضاً الشهود عليها ولا يوجد أي قانون يؤكد على ان الرجل بأستطاعته استعمال ختم اخيه ألا أن الأهمية القانونية للختم واضحة من إعلان المبلغ في حالة الفقدان او الخسارة. وتم توثيق قضية في المحاكم تشير الى عقوبة لأمرأة لأنها فقدت ختمها . ويستعمل الختم عادة لكي يثبت حضوره وموافقته واستمر هذا الاسلوب لفترة طويلة ويمكننا ملاحظة ذلك في النصوص الخاصة لبيع الاراضي.علماً ان وجود وثائق قانونية يمكن تمييزها وأن الوثائق الأولى تثبّت على الحجر وظهر هذا الاسلوب مرة ثانية خلال فترة سلالة أكّد. وفي بعض الأحيان لوحظت مشاهد ايقونية محفورة . ولا يمكن دحرجة الاختام الاسطوانية على الحجر ولكن يمكن ان نشك بالنفاذ القانوني لهذه الوثائق على اقل تقدير كان لها دور كبير . وكانت تستعمل ايضاً في بيع الحقول والبيوت سنة 2500 ق.م وعثر على هذه الكتابات على الواح مستديرة مع ذكر تفاصيل حول الاموال التي تم بيعها وكذلك المدفوعات التي أدوها الى البائع الرئيس. وقد ذكر في الالواح دفع (بخشيش) الى الاقارب والجيران وكذلك للشهود.كما تم العثور على الواح طينية غير مختومة. ففي هذه الحالة يمكن معرفة دليل موافقة البائع من خلال كلمات تحدث بها حول الصفقة وفي بعض الاحيان كان هنالك موظف يحضر عملية البيع . وتعدّ الوثائق سجلات للأشخاص وهذا يمثل دليلاً على ذلك وإن الالواح التي كانت بوضع جيد تشير الى أنها كانت مأخوذة من دائرة السجلات المركزية حيث يتم خزنها هناك . اما الخطوة التالية فتأتي من نهاية السلالة الاولى وهنالك امثلة من كيرسو اذ تم العثور على وثائق تشير الى بيع بيوت إلا ان هذه الوثائق غير مختومة. وفي بعض الحالات نجد ان النص نفسه تعاد كتابته على الطين وتشير النصوص الى أن المبلّغ قد وضع الوتد في الحائط ووضع الزيت عليه وهنالك حركة رمزية أخرى إلا أنني أؤكد هنا بأن سلطات المدينة تتدخل بالموضوع كما أن المبلّغين غالباً ما يذهبون الى الشهود ويحضرون عمليات البيع ومن المحتمل جداً ان عمليات بيع العقار يسبقها إعلان خاص بذلك لإعطاء فرصة لأي شخص يهمه الموضوع ولم تؤكد النصوص لمن يعود الختم الذي طبع على الطين وربما يكون ذلك ختم المبلّغ وبعد ذلك يتم أخذ مصادقة السلطة العامة على الصفقة. وفي الالفية الثالثة من النادر ان نجد وثائق مختومة من قبل البائع وان هذا الضوء الذي نسلطه على الأختام الموجودة على وثائق البيع في الفترة البابلية القديمة ربما كانت مصنوعة من الخشب وتستعمل للصفقات الفردية لأنه لدينا أسماء الشهود الحاضرين في تلك المناسبة. ان ظاهرة ختم الشهود على اللوح يعكس التركيز على إبراز وجود الشهود في وثائق الالفية الثالثة وعندما يتم هناك دفوعات صغيرة فإنه يتم تسجيلها وهذا يعكس لنا اهتمام المجتمع كله حول انتقال ملكية الاراضي .

تعد وظيفة وضع الاختام علامة ودليل للتنازل عن الحق اذ ان هنالك اتفاق قانوني ثنائي اكثر مما يكون سجل مصدّق من جانب واحد وتم تنظيم هذا الأجراء خلال فترة اور الثالثة حيث كانت تطبق على الملكية. ويعدّ ذلك التزاماً يجب تنفيذه ولم يكن معروفاً قبل الفترة الاكدية . وتوجد إشارات مدوّنة تشير الى القروض والديون وليس عقد قانوني واحد وكان ينبغي تصديق أي قرض من قبل الشهود ومن دون شك يتم ذلك بموجب صيغة شكلية ولكن لا يوجد في نصوصنا ما يعطي تلميحاً للإجراءات المتّبعة كما أن مضامين العقود المدوّنة قانونياً تشير الى الروابط الاقتصادية وتوسيعها بين المجتمعات الحضرية والريفية وبالإضافة الى ذلك نجد عقود اجتماعية تتمتع بأهمية بالغة .

العقوبات

من الواضح لا يوجد هنالك أي استعمال لإجراءات معترف بها من قبل المجتمع ان لم يكن المجتمع في موقف يطبّق العقوبات على اولئك الذين ينتهكون الاعراف والقوانين او يتجاهلونها . وفي المجتمعات الصغيرة تعدّ العقوبات الاجتماعية وهي مواقف مشتركة غير مؤسساتية كافية ولكن بعد تطور الدولة بدأ هناك إجراء نقلت بموجبه هذه العملية الى الإدارة المحلية او المركزية كما ان تعقيد المجتمع أدى الى خلط مجاميع لا يمكن فيها تطبيق العقوبات الإجتماعية.

ولاحظنا سابقا إجراءات إداء القسم في سياق إدارة المحكمة وكذلك تعزيز عقود البيع عن طريق القسم وغالبا ما يؤخذ القسم أمام الاله أو الالهة . وتحت ظل نرام -سين تم إدخال الملك في القسم حيث يذكر في القسم (بأسم الملك) وأصبح ذلك جزءا مهما من العقود في فترة اور الثالثة وقد انعكس ذلك بإدخال اسم الملك في النصوص البابلية القديمة . ويصاحب القسم مجموعة من الطقوس الرمزية وكما هي الحال في السياقات الدبلوماسية والقضائية فإن القسم يعدّ جزءً اساسياً سواءً تم التعبير عنه أم لا وكانوا يخشون من غضب الاله الذي يقع على من يحنث باليمين. وفي الوقت الذي نجد نصوص من جنوب بلاد وادي الرافدين مكتوبة بصيغة مقتضبة فإن نصوص أخرى من مناطق محيطة مثل السوس او الفرات الاوسط تشير الى غضب الاله على من يحنث باليمين وربما يعتبر ذلك انعكاساً للقوة النسبية للتطبيقات الرمزية الشفوية والمكتوبة وقد تمت ملاحظة الإجراء نفسه فيما بعد في بلاد اشور حيث هنالك تهديدات أكثر خطورة تنتظر من يحنث باليمين .

الإصلاحات الملكية

بعد ذكر تفاصيل حول عمليات القانون في مجتمع بلاد وادي الرافدين لابد من القاء نظرة على القوانين التي جلبت الانتباه كثيراً حيث الأعمدة (42) من مسلة حمورابي الذي كان يعرف بملك العدالة تعدّ المصدر المعلوماتي الوحيد للتاريخ القانوني ولكنها في الوقت نفسه تثير اسئلة عديدة ينبغي الإجابة عنها وهنالك الكثير من الادبيات خاصة باللغة الألمانية وما ذكره المؤرخون القانونيون . ان احد المواضيع المهمة هو ما هو قانون حمورابي؟

وهل انه مجموعة قوانين وهل كان يعتبر تأليفاً أدبياً من دون تطبيق عملي أو شيئاً بين ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال لابد ان نقر أولا بأن نص حمورابي هو اطول نص قانوني وأكثرهم كمالاً من المجاميع الاربعة حيث أن هذه المجاميع تختلف في التفاصيل ولكن يجب اعتبارها موضوعاً واحداً فهي ليست قوانين إذا ما نعني بذلك أنها تعالج بصورة شاملة ومنهجية جميع جوانب القانون وإنما هي مجموعات لمواد فردية قسم منها منعزل والآخر مجتمع وذلك حسب الموضوع الذي تعالجه. ألا أن هذه المواد يمكن اعتبارها قوانين وبذلك تكون هذه القوانين قد ثبّتت مبادئ وممارسات يجب تطبيقها في إدارة القانو.ن وقد لاحظنا ان الآليات القانونية التي تعمل ضمن اطارها كانت موجودة قبل ذلك فهي إذاً تعديلات لهيكل موجود للقانون سواء كان مكتوباً ام لا وعلى كل حال تعتبر هذه اصلاحات . ولكن إذا ما نظرنا بتفاصيل أكثر في محتوياتها فإنه من الواضح انها تعد حقيبة مختلطة . وان قسم من القوانين موجودة لأنه من المعروف تقليدا ان نشملهم أما تلك الموجودة في قانون حمورابي فإنها تنظم حقوق الملكية للكاهنات وربما تعدّ إجابة للتغيرات للمجتمع المعاصر . وتفترض لنا هذه يد المصلح الملكي كما أن دور الملك كان واضحاً في بعض المواد التي تتخذ طبيعة اوامر تنفيذية وخاصة الشروط المتعلقة بتثبيت الايجار . وتختلف القوانين عن مؤشرات الإصلاح الأقتصادي فإنها تتعلق بإلغاء الديون وغير ذلك من المسائل . وتعمل القوانين على وضع قواعد للمستقبل وفي الحقيقة لا تعدّ هذه القوانين تجميعاً لقضايا فردية وكما لاحظنا بأن سجلات القضايا تم الاحتفاظ بها قبل السلالة الأكدية وتم أخذ محاكمة في جريمة قتل في نفر وتم استنساخ ذلك بإعتباره نصا مدرسياً. وعلى كل حال لا تعد القوانين وصفية وإنما توجيهية ومبادئ يجب اتباعها وعملت على خلق مبادئ عامة. فإذا ما كان هنالك حكم خاص يقع وراء أي مادة فإنه لا يشار الى أي مصدر خاص وهنا لا يشار الى الاسماء والأزمنة والأمكنة . فإن عملية اقتباس إشارة قضائية من قضايا فردية تمت الإشارة الى ذلك في سجلات محكمة اور الثالثة التي تدوّن عادة الاسباب التي دعت القضاة الى أتخاذ مثل هذا القرار بسبب أن الشهود تناقضوا عند إدلائهم بالشهادة. وحتى في قوانين حمورابي لا توجد الاّ توضيحات قليلة حول هذا الموضوع وهنالك سجلات من المحاكم تعطي اسباباً عديدة وكما ذكرنا ان قوانين حمورابي لم تعط تلك التوضيحات (المادة107) لأنه نكر وكيله المتجول ورفض قريته وهرب (المادة 136) وبسبب انها أخذت طفلا ثانيا من دون موافقة والديه ووالدته (المادة 194) وبسبب انه لم يعزز البيت الذي بناه بدرجة كافية (المادة 232) وفي بعض الفقرات هنالك قواعد خاصة بالتعويض. وهكذا فإنه من الواضح من هذا المستوى ان الهدف الاساسي هو وضع مجموعة قوانين قابلة للتطبيق بصورة عالمية في المستقبل أيضا ومن الممكن ان نلاحظ من المصطلحات التي وصفها حمورابي نفسه ووظيفته مثلما هو مثبت على المسلة . (المادة 196-9) وفي هذا السياق من المهم ان ندرك ان القوانين تم اعلانها من قبل الملك كما اعلن ايضاً المناطق التي ينبغي تنفيذ القوانين فيها .

مقدمة قانون حمورابي حول الرجل المخطئ

وهنالك مبادئ اساسية في القانون مثل العين بالعين والسن بالسن وهنالك ايضاً قوانين حول التعويضات التي تدفع والجرائم المرتكبة والتي عقوبتها تكون مالية وتؤكد قوانين حمورابي على الطبقة الاجتماعية وكأنما هذه القوانين تشير الى قانون الصحراء. ومن الواضح بأن قوانين حمورابي تمثّل حالة قانونية متقدمة جدا لأنها تتضمن قضايا عديدة تعمل على تنظيم الحياة في المجتمع. وتوجد امثلة عديدة منها المواد 42 و 55 و 62 ونجد انه في لارسا هنالك وثائق قانونية خلال فترة حكم ريم – سين تشير الى العقوبات ايضاً وهنالك ما يتعلق بالراعي وغنمه وفيما اذا فقدت الاغنام بسبب الجهل الذي اتصف به الراعي او ان الغنم تعرضت الى هجوم مفاجئ من قبل اسد او بسبب مرض مفاجئ .

تطبيق القانون

عملت هذه القوانين على وضع مقاييس وموازين معينة ومن الصعب ان نتصور في مثل هذه الحالات ان مواد القوانين لم يتم تجاهلها في ذلك الوقت وفيما بعد لم يكن لها أي تاثير في التطبيق القانوني. وقد عانى كل الباحثين الكثير من الصعوبات في وضع اصابعهم بثقة على النصوص الاولى وما كان يطبّق ميدانياً في مجال القضاء وبسبب ذلك ان كثير من البنود كانت تمثل القانون التقليدي. اما المضمون الدقيق للأمر الملكي كان موضوعاً لمناقشات حادة وعندما اعلمنا قضاة بابل انه في حالة المقاضاة بين خصمين فانهم يقومون بدراسة قضيتهم ويقوم بالحكم فيها طبقا لأمر سيدهم وهو الملك كما أن هنالك قاضي آخر أصدر حكمه طبقا لأوامر سابقة كانت موجودة أمامه مع الأخذ بنظر الاعتبار الأوامر التي كانت تصدر والتي تمثل قوانين ملكية يتم تدوينها وتطبيقها على ارض الواقع.

 

الدكتورة هبة حازم محمد مصطفى النعيمي

كلية الآثار – جامعة الموصل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4765 المصادف: 2019-09-22 02:21:33