 قضايا

صورة الكون المرئي العلمية والثيولوجية

جواد بشارةلجأ الناس إلى ثلاث مقاربات في محاولاتهم لمعرفة سر الطبيعة  والواقع والكون والخليقة، وهي: الدين، والفلسفة، والعلم. في البدء استحوذ الدين على مواضيع وجودية أساسية للبشر من قبيل لماذا يوجد الكون والحياة بهذه الصيغة وليس بصيغة أخرى مغايرة أو مختلفة؟ وكيف ومتى وأين ولماذا وجد الكون والحياة والوجود برمته ومن الذي أوجده؟ وقدم رؤيته وقصته الخاصة المليئة بالخرافات والأساطير عن خلق السماوات والأرض وآدم وإبليس  والشياطين والملائكة والجن وثبت ذلك في نصوص دينية قيل عنها أنها منزلة وأضفيت عليها القدسية، خاصة في الديانات السماوية الثلاثة الكبرى اليهودية والمسيحية والإسلام، كما جاء في قصة سفر التكوين التوراتية وأخذتها عنها المسيحية والإسلام. ومنذ العصور القديمة تدخلت الفلسفة في هذا المضمار وتناوله العديدة من الفلاسفة مما خلق صراعات بين المؤسسات الدينية ورجال الدين من جهة والفلاسفة، خاصة المناوئين للرؤية الدينية، من جهة أخرى.

كانت البداية الحقيقية للتفكير المخالف  لنظرية الفعل الإلهي، سواء من قبل آلهة الإغريق  المتعددة أو الإله الواحد التوراتي  المسيحي الإسلامي، مع أول شخص يمكننا أن نصفه بصاحب التفكير العلمي وهو الفيلسوف السابق للحقبة السقراطية وهو آناكسيماندر Anaximandre 615 -536 قبل الميلاد. وهو أول من بحث عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ظواهر طبيعية تحدث في الطبيعة وبحث عنها في الطبيعة نفسها وليس عند رغبات الآلهة المزاجية.  في ذلك الوقت كان حتى أكثر الناس معرفة وتعمقاً وتأملاً يعتقدون أننا نعيش في كون محصور بين محيطين أو مكانين منبسطين أحدهما يوجد تحت أقدامنا وهو الأرض، يمتد في جميع الاتجاهات، من حولنا، والآخر يوجد فوق رؤوسنا وهو السماء. وكان الناس يرون ويلمسون أن كل شيء يسقط من فوق إلى تحت على الأرض فلو لم تكن النجوم والقمر معلقة بالسماء بشيء ما فلماذا لا تسقط على الأرض؟. ولماذا لا تسقط الأرض نفسها نحو الأسفل؟ هل يوجد شيء ما تحتها يسندها؟ بعض الأساطير الخرافية قالت أن الأرض تستند على ظهر سلحفاة عملاقة . ولكن من يسند السلحفاة ويمنعها من السقوط نحو الأسفل؟ فتخيلوا عدداً هائلاً لامتناهي من السلاحف العملاقة، الواحدة تحت الأخرى مهمتها إسناد الأرض ومنعها من السقوط نحو الأسفل، نحو الهاوية الكونية. أدرك آناكسيماندر  أن الناس بحاجة لثورة مفاهيمية ضرورية لصياغة نظرية مقنعة عن الكون يتفادون فيها هذا الحل العبثي  المتمثل بعدد لانهائي من السلاحف. فقال إن الأسفل ليس إتجاهاً كونياً بل مجرد اتجاه نحو الأرض فالقانون يجب أن يكون كل شيء يسقط نحو الأرض وليس نحو الأسفل ما يعني أن الأرض ليست مسطحة تشبه القرص وتسبح في الفضاء  بل كروية، وإن السماء موجودة فوق رؤوسنا وتحت أقدامنا، وهي أول صورة كسمولوجية شبه علمية مخالفة للرؤية الدينية. وقال إن الشمس تشرق من الشرق وتغيب في الغرب وهذا أمر طبيعي فيزيائي لأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس، و لا حاجة للآلهة كي تخلق يومياً شمساً جديدة في كل صباح تؤدي دورها في خدمة الأرض كما ساد الاعتقاد  آنذاك. كان فكر آناكسيماندر أكثر ثورية من أفكار خلفه كوبرنيكوس.

هدف العلم هو اكتشاف  الحقائق والقوانين وآليات عمل الطبيعة عن طريق المشاهدة والرصد والتجربة والتفكير والتأمل العقلي حيث جاء العلم بمنهجيته النقدية والبحثية التجريبية وأدلى بدلوه في هذه المواضيع الحساسة ما أجج مرة أخرى صراعاً دامياً مع الدين والمؤسسات الدينية ورجال الدين في جميع الأديان، لأنهم رأوا فيه خطراً محدقاً ينسف رواياتهم ويثبت بطلانها. لابد من الاعتراف بأن العلم والدين وجهان من وجوه الحياة الاجتماعية وكان الثاني هو المهيمن والمنتصر على مدى قرون طويلة، أما الأول فقد بدأ متردداً ومتخوفاً في باديء الأمر، مع العلماء والفلاسفة الإغريق وعند الفلاسفة والعلماء العرب، ثم اعتلى مقدمة المشهد المعرفي في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر وصار يصيغ الأفكار بطريقة أو بأخرى ويغذي ذهنية ورؤية البشر للواقع والحياة والطبيعة والكون. استمر الصراع  والحرب بين الجانبين، العلم والدين، لفترة طويلة من الزمن وأسيلت دماء وزهقت أرواح وخرج العلم دائماً منتصراً من تلك الحرب الضروس. 

تبدأ القصة قبل 13.8 مليار عام في اللا مكان واللا زمان، عندما كانت هناك نقطة صغيرة شديدة الكثافة والحرارة والضغط، لا أحد يعرف سبب وجود الكون بهذه الحالة، إحدى الفرضيات أو النظريات العلمية التي تسمى (الأكوان المتعددة) تتحدث عن تصادم كونين مشابهين لكوننا هي التي أنتجت هذا الكون، وأخرى تشير إلى أن الكون في حالة تكرار وتعاقب فهو يتوسع ثم يصغر أو ينكمش ويتقلص ثم يتوسع ثم ينكمش ويصغر، وتسمى بفرضية (الكون المتذبذب). حدثت اختلالات وتقلبات أو ارتجاجات كمومية كوانتية fluctuations quantiques في تلك النقطة  singularité  المسماة " الفرادة"   مما أدى لتوسّعها تدريجيًا فيما يشبه الانفجار في حادث يسمى الانفجار العظيم ومن هنا بدأ كل شيء، فقد نتج عن الانفجار الطاقة والمادة ونسيج الزمكان (الزمان والمكان)، ونشأ كون متبعثرأو نوع من الحساء البلازمي، لا يوجد فيه أي عناصر كيميائية أو أي تركيبات أو أجسام وكل مافيه هو الظلام والحرارة والضغط الكثيف ومن ثم ظهرت بعض الجسيمات المادية الصغيرة جدًا التي تسمى الكواركات والليبتونات، ومن ثم انبثق الضوء، وفيما بعد القوى الكونية الأساسية أو الجوهرية الأربعة ــ الثقالة أو الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة أو القوية. الكواركات هي العناصر الأساسية لتشكيل البروتونات والنيوترونات، والليبتونات هي العناصر المشكلة للإلكترونات. وجراء التصادم أفنت جميع الجسيمات المتضادة، أي المادة والمادة المضادة، بعضها بعضًا، ولكن التفوّق الضئيل  لعدد الليبتونات على الكواركات كان له الفضل بنجاة مليارات الإلكترونات واختلال التوازن الذي كان من الممكن أن يجمِّد الكون إلى الأبد وألا تتشكل المجرات والنجوم والكائنات الأخرى  بما فيهم نحن البشر.

وبفعل وتأثير الجاذبية أو الثقالة والضغط تشكلت أولى النيوترونات وأولى البروتونات خلال  المليون سنة الأولى  التي أعقبت الانفجار العظيم ثم تكونت أول نواة في تاريخ الكون إثر تفاعلات كمومية  للمكونات والجسيمات الأولية وهي نواة الهيدروجين H.

تكاثرت ذرات الهيدروجين تدريجيًا، وتحت الضغط الكبير حدثت أول عملية اندماج نووي في التاريخ، إذ اندمجت نواتا ذرتا هيدروجين مشكِّلَتين ثاني العناصر الطبيعية الهيليوم He ومولّدتين طاقة حرارية هائلة تقدر بملايين الدرجات. وفي الحقيقة فإن هذا الاندماج صنع نجمًا. فـنواة النجوم هي خليط من الهيدروجين والهيليوم ووقودها الذي يبقيها على قيد الحياة هو التفاعلات النووية.

قام قلب النجم بإجبار العناصر على الإندماج، وهكذا و في داخل النجوم  تفاعلت العناصر واندمجت لتنتج عناصر الطبيعة بالترتيب واحدًا تلو الآخر، فقد اندمج الهيدروجين مع الهيلوم فتشكل العنصر الثالث (الليثيوم) ثم اندمج الهيدروجين مع الليثوم فتشكل العنصر الرابع (الباريوم) ثم الخامس فالسادس فالسابع وهكذا . المقصود هنا هو اندماج نووي (أي نواة مع نواة) وليس تفاعل كيميائي (تبادل وارتباط إلكترونات). وهكذا تشكّلت معظم العناصر الطبيعية اللازمة لتشكيل الحياة لكن فقط عندما وصلت العملية إلى العنصر الـ 26 وهو الحديد Fe بدأ هذا الأخير بالتراكم في نواة النجوم بسبب ثقله، بعض النجوم الفائقة العملاقة تستهلك وقودها النووي  في أواخر عمرها فتنفجر في ما يعرف بالمستعر الكبير السوبرنوفا  ومن أشلاء النجم المنفجر تتشكل المذنبات والكواكب، وهناك نجوم صغيرة وأخرى متوسطة مثل شمسنا ولدت بعد مرور مليارات السنين في أعقاب الانفجار العظيم فالشمس ولدت بعد 4 مليار سنة ونيف من حدوث البغ بانغ. فيما تجمعت أشلاء النجم العملاق المنفجر  حول الشمس وتشكلت منه الكواكب، كعطارد والأرض والمريخ والمشتري وغيرها، بعضها غازي وآخر صخري ولم يكن أي منها كوكباً صالحاً للحياة في باديء الأمر. نظامنا الشمسي له مايماثله من الأنظمة الشمسية التي تعد بمليارات المليارات في كل مجرة وحول كل كوكب هناك وتوابع تسمى أقماراً تدور حول الكوكب  مثلما يدور الكوكب حول شمسه المركزية في النظام الشمسي . وعندما بردت الأرض  ووصل إليها الأوكسجين من أحد النيازك الذي ارتطم بها  تكونت المياه  وتشكل الغلاف الجوي  . ويعتقد أن نيازك آخر اصطدم بالأرض وكان يحمل  جزيئات الــ DNA و RNA التي تكونت من بروتينات أولية قادمة من الفضاء في محيطات الأرض، وهي عملية تم تقليدها ومحاكاتها علمياً ومختبرياً. 

لم يستسلم الدين بسهولة لهذا السيناريو العلمي واستمر بقوة السلاح  والعنف يفرض رؤيته الثيولوجية الخرافية عبر المؤسسات الدينية والكنائس  ويعاقب جسدياً ومعنوياً من يخالفها ويصر على أن هناك خالقاً لهذا الكون ولهذه الحياة هو " الله" ولكن أين هو " الله"؟ في أي مكان في الكون؟ هل هو في داخله أم خارجه؟ يجيب رجال الدين أن الله ليس محدوداً بمكان أو بزمان، فهو الأول بلا بداية فلم يوجد شيء قبله، لأن ليس هناك قبل، ولا معه، فهو سابق لكل شيء، و لا يجوز تشييئه أو تحييزه، أي حصره بحيز مكاني كما يقول المجسمة وإنه لا يتحول ولا يتغير ولا يتنقل فلا مكان له ولا أوان و لايمر عليه الزمان . فمن كان بمكان فهو شاغل لذلك المكان ومتناهي بتناه المكن وهي صفات للكائن المحدود والله بلا حدود. هناك نصوص دينية تقول بأن لله مكان " وعلى العرش استوى" لكن علماء الدين حاولوا تأويل ذلك النص وإبعاد شبهة التحييز المكاني لله والحال إن هناك تقول أن هناك ملائكة تحمل العرش الإلهي وعددهم ثمانية كما جاء في النص الديني ولا يمكن تأويل ذلك لأنه نص صريح. بعض العلماء نزه الله عن الجلوس على العرش واعتبروا ذلك التعبير مجازياً بينما تمسك السلفية بحرفية النص ومعناه وقالوا بجلوس الأنبياء إلى جانب الله يوم القيامة وهذا يعني إضفاء صفة التجسيم على الله .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4766 المصادف: 2019-09-23 04:17:46