 قضايا

الفيلسوف بيتر سلوتردايك والعنصرية في ألمانيا

رائد عبيسشغل الفيلسوف بيتر سلوتردايك منصب مستشار جامعة الفن والتصميم في كارلسروه، يظهر دائماً على التلفزيون الألماني ولديه لقاءات كثيرة، وهو يتبنى آراءه حول مجموعة واسعة من القضايا الأيديولوجية والثقافية المعاصرة.

بعد الانتهاء من دراسته الجامعية، أمضى سلوتردايك السنوات بين عامي 1978 و1980 يدرس على يد الصوفي الهندي بهاجوان شري راجنيش، وهي فترة وصفها لاحقًا بأنها "لا رجعة فيها" عن كتاباته اللاحقة. بدأ سلوتردايك في نشر سلسلة من المقالات والأعمال الفلسفية، ولفت انتباه الجمهور لأول مرة في عام 1983، مع نشر كتابه " نقد العقل الساخر"، في هذا الكتاب يستمد سلوتردايك من أفكار المفكرين الألمان، مثل فريدريش نيتشه، ومارتن هايدجر، ومن الممثلين البارزين للنظرية النقدية الألمانية في القرن العشرين مثل ماكس هوركهايمر، وتيودور أدورنو.

مرددًا على نقد هوركهايمر وأدورنو لعصر الأنوار في عملهم "جدلية التنوير" سعى سلوتردايك إلى دفن التنوير، وليس الثناء عليه، والنتيجة هي نقد صارخ  للتنوير والفكر العلمي، مشتركًا مع هايدجر بذلك، ويشير سلوتردايك إلى أن الفكر الغربي قد ضل عندما أحتضن شكوك سقراط العقلانية.

يعلن سلوتردايك أن قيم التنوير في العصر الحديث، قد تدهورت وانخفضت إلى "وعي كاذب مستنير"  وإن محاولات التنوير لفهم العالم وتحسينه، قد تم إبطالها بفظائع ارتكبت في القرن العشرين  والمجتمع ممكن - كل ما تبقى لنا هو شظايا".

ويؤكد أن خيبة الأمل الحديثة في مُثُل التنوير المتمثلة في العقلانية، والعلوم والمساواة، والعدالة قد تحولت إلى سخرية في الفصل الافتتاحي من نقد العقل الساخر، أوضح سلوتردايك أن الماركسية هي أحد المرشحين الرئيسيين لتصنيفه "الوعي الخاطئ المستنير".

تماشياً مع رفضه للأسلوب العلمي والتحليل التاريخي، ومع ذلك فإن سلوتردايك غير ملزم بإثبات أطروحته بهذا البعد، وهو نفسه يقول أن كتابه لا ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. واعتمادًا على "الموقف المرح" للمفكرين في مرحلة ما بعد الحداثة، أعلن أن عمله "عمل ترفيهي وتسلية : ليس الكثير من العمل مثل الاسترخاء " يتم حل الصعاب التقليدية للفكر الفلسفي مباشرة بواسطة سلوتردايك الذي يسعى إلى "إعادة دمج القدرة الحقيقة للأدب والسخرية والفن مع الخطاب العلمي، لا توجد أي فكرة أصلية واحدة يمكن العثور عليها في الحجج المطوّلة والهادئة التي تدور في كل كتابه نقد العقل الساخر  Critique of Cynical Reason ليس من المستغرب أن يكتشف التنقيب الذي قام به سلوتردايك عن التنوير أن نقطة النهاية المنطقية هي التقليد المسيحي المتمثل في التعاسة والقنبلة النووية.

 حتى هنا، فإن سلوتردايك يعيد الشعور بالضيق والتشاؤم العالميين لأحد مرشديه، ثيودور أدورنو، الذي كتب: "لا توجد نظرية عالمية تقود" أشار مقال "موقع الاشتراكي العالمي" إلى أن عضو مجلس إدارة البنك المركزي الألماني تيلو سارازين استخدم في مقابلة مع مجلته قوالب نمطية عنصرية و"لغة مرتبطة عادة بأحزاب اليمين المتطرف.. لإثارة الكراهية ضد طبقات المجتمع الأكثر ضعفًا - العاطلين عن العمل والفقراء - وعلى وجه الخصوص، ضد السكان الأتراك والعرب " في مقابلته، جمع سارازين التحريض العنصري ضد "الغزاة" الأجانب مع الكليشيهات المعادية للسامية.

دخل الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك في الجدل الدائر حول هذه المسألة، من خلال دفاع مفتوح عن التصريحات العنصرية التي أدلى بها سارازين، في مقابلة نشرت في مجلة ثقافية أوروبية بارزة تيلو سارازين هو عضو منذ فترة طويلة في الحزب الاجتماعي الديمقراطي، وكان لعدة سنوات عضوًا بمجلس الشيوخ عن ائتلاف مجلس الشيوخ للحزب الديمقراطي الاشتراكي اليساري في برلين. بعد بضعة أشهر فقط من تعيينه في اللجنة التنفيذية للبنك المركزي الألماني، أطلق سارازين تصريحات ضد الفقراء والمجتمعات المحرومة اجتماعياً، وعلى الأخص مجتمعات المهاجرين في ألمانيا. 

دافع سلوتردايك الفيلسوف والإعلامي المعروف، عن آراء سارازين في مقابلة مع مجلة سيسيرو السياسية الألمانية، ينتقد سلوتردايك أولئك الذين ينتقدون سارازين بوصفهم انتهازيين. قد يعتقد المرء أن دائرة صناع الرأي الألمان، قد تحولت إلى قفص من الجبناء الكاملين الذين يشكون ويتشائمون ضد أي انحراف عن قواعد القفص " يعلن سلوتردايك ويواصل التأكيد على أن سارازين لفت الانتباه إلى "الوجود الذي لا يمكن إنكاره لعدم وجود إرادة للتكامل مع بعض الأوساط التركية والعربية في برلين".

وفقًا لما قاله سلوتردايك، حتى رئيس البنك المركزي الألماني، أكسل ويبر، أثبت أنه لم يكن "محصنًا من طاعون الانتهازية" لأن ويبر وجه بعض الانتقادات لتصريحات سارازين بعد نشرها في الواقع، رأى ويبر نص سارازين ولم يفعل شيئًا لمنع نشره، يخلص سلوتردايك إلى أن انتقاد آراء سارازين من قبل العديد من المعلقين في وسائل الإعلام يدل على "عمق تغرقنا في المستنقع اللغوي".

إن المحاولة المخادعة التي قام بها سلوتردايك بحسب منتقديه، للتأكيد على أن النقاش حول التعليقات التي أدلى بها سارازين ينطوي على نوع من "الارتباك اللغوي" هو أمر سخيف، لا يمكن أن يكون هناك أي لبس حول المصطلحات المستخدمة من قبل سارازين، إذ أن أي شخص مطلع على التطور الإيديولوجي لـ سلوتردايك لن يفاجأ تمامًا بتعليقاته ومع ذلك، فإن السرعة والفظاظة التي تدخل بها لتقديم دعمه لسارازين لافتة للنظر.

وهنا نؤكد أن الفلسفة هي بعيدة عن العنصرية، ولكن التماهي مع النقد السياسي يدخل الفيلسوف والناقد طرق الانحياز الذي هو مناقض للعقلانية والموضوعية والتي يجب أن يتحلى بها الفيلسوف، تبعاً لمعنى الفلسفة ذاتها، صحيح أن الفلسفة ربما فقدت معناها التقليدي الا أنها تظهر على الدوام الميل المنصف في حكم الأشياء ومنطقيتها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4766 المصادف: 2019-09-23 04:21:33