 قضايا

وهبة طلعت أبو العلا ونظرية الوجود المقلوب (8)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثامن عن وهبة طلعت أبو العلا ودوره في صياغة نظرية الوجود المقلوب، حيث نستأنف بقية حديثنا عن الحكم الأمريكي الأول للعالم وفي هذا يقول وهبة طلعت : ولهذا، لتعلم أيها الإنسان أن الفكرة القائلة بأن هذا العصر قد اتسم بكونه عصر التحرر من الاستعمار أو عصر الحريات، كما سمي في الغالب، هي فكرة زائفة مخادعة للجنس البشري كله – فحقيقة الأمر الخفية أو المقلوبة هي أن الاستعمار أو الاحتلال العسكري قد رحل وحل محله نوع آخر من الاستعمار السياسي وما يقترن به أو يترتب عليه من صور الاستعمار الأخرى . فبدلا من تبديد الجهود في احتلال العالم احتلالا عسكريا، فرضت أمريكا علي العالم أن يحكم نفسه بنفسه، ولكن  لصالحها هي . فالكل ينفذ سياسية عليا هي السياسة التي يراها حكام العالم، الذين يعتبرون في الآن عينه، ومن اعتبار آخر، الأب الروحي له، والتي تكون سياسة مرسومة ومدبرة سلفا والكل لا يملك إلا القيام بتنفيذها باعتبارها السياسة التي تدار ضد الكل من اعتبار، ولصالح الكل من اعتبار آخر .

وهنا يقرر وهبة طلعت أن أمريكا قد خطت بتقسيمها للعالم خطوة أخري ربما أبعد بكثير من تقسيماتها السابقة. فهي لم تقصر هذا التقسيم علي حد تقسيم الدول فيما بينها أو حتي علي حد شطر الدولة الواحدة – ما دام ذلك ممكنا- إلي شطرين أحدهما ينضم إلي أمريكا العلنية، والآخر إلي أمريكا الخفية، وإنما خلقت القسمة حتي بين أفراد الشعب الواحد علي نفس النظام السابق الذي يطلق عليه الآن اسم نظام فرق تسد. هذا يفسر السر في انقسام الشعب الواحد إلي طوائف عديدة متناقضة – وذلك قد يكون بسبب الجهل وقصور الإدراك، أو قد يكون مرده إلي التجاهل والقسر أو الإجبار أو حتي المنفعة – يمكن حصرها في نهاية المطاف في طائفتين رئيستين إحداهما تمثل عنصر السلب، والأخرى تمثل عنصر الإيجاب، وإحداهما تدعو، علي سبيل المثال، إلي التمسك بالماضي ونبذ كل ما هو جديد وافد، والأخرى تدعو، علي سبيل المثال، إلي نبذ الماضي والانفتاح علي كل ما هو جديد، إحداهما رجعية أصولية، والأخرى تقدمية، إحداهما محافظة، والأخرى متحررة . ولا شك في أن هذا التناقض الكامن في جدل السلب – الإيجاب جعل كل الطوائف المختلفة المتصارعة في داخل الشعب الواحد تراقب بعضها البعض وتصارع بعضها البعض وتجهض بعضها البعض في ظل شعارات وهمية كاذبة وخادعة ولا تخدم في النهاية إلا مصلحة القوة الأعظم أو السوبر باور الوحيدة كما تطلق علي نفسها الآن .

يقول وهبة طلعت: وأنا لا أملك عزيزي الإنسان إلا أن أحذرك من عدم الوقوع في شرك هذه الطائفة، أو تلك، ومن الانخداع بهذه الشعارات، أو تلك، أو حتي بهذا التغير، أو ذاك . فكل تغير يحدث علي أرض الواقع أصبح تغيرا محسوبا ومدبرا سلفا الغرض منه تغيير الواجهة السياسية ليس إلا، لأن جوهر السياسة الخفي يكون ثابتا دوما وباستمرار . فالكل، كما ذكرت، ينفذ في الخفاء سياسة واحدة مرسومة سلفا، أما العلن ( أو الواجهة ) فهو الذي يتغير فقط . هذا التغيير لا يعني سوي إسقاط لافتة قديمة، ووضع لافتة جديدة تجذب الأنظار إلي حين، غير أنها سرعان ما تصبح قديمة في نفس اللحظة التي توضع فيها، ومن ثم تستمر إلي حين ثم تستبدل بلافتة أخري جديدة، سوعان ما تصبح بدورها قديمة ... وهكذا . ويكفيك للتحقق من صدق هذا – عزيزي الإنسان – أن تنظر إلي سائر الحكومات التي قامت، وستظل تقوم، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واعتلاء أمريكا لعرش العالم . وسرعان ما ستجد أن هذه الحكومات لم تكن سوي واجهات أو لافتات تحل الواحدة منها محل الأخري تباعا  . هذا التغير في اللافتات لم يحدث أي تغير جوهري في محيط الواقع الذي ظل تقريبا كما هو، أعني ظل خاضعا لمبدأ السلب – الإيجاب، الهدم – البناء، لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت . والولايات المتحدة الأمريكية هي وحدها التي جعلت الواقع يثبت هكذا أعني يتوقف تقدمه عند نقطة واحدة لا يتعداها إلا بمعرفة الولايات المتحدة أيضا . لقد جعلت العالم يتوقف في مكانه من خلال إخضاعه لمبدأ لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت، أما هي فقد سارت إلي الأمام في تقدم مضطرد فاقت به العالم بمئات بل وبآلاف من السنين، ومن خلال هذا التقدم تخلصت من القديم الذي فسد وبلي، واستبدلته بالجديد الذي ستظل دوما تستبدله بكل ما هو جديد حتي تحقق دوما وباستمرار تقدما فريدا وحقيقيا وأصيلا، بدلا من تحقيق شئ من التغير أشبه بترقيع الثوب القديم أو بتغيير قطعة في جهاز تلفاز قديم سيبلي حتما ويصبح خردة في أسرع وقت .

في ضوء تجريد العالم هكذا من سائر أنواع التسليح وعدم السماح له بالحصول عليه إلا بقدر محسوب كما يري وهبة طلعت، وفي ضوء تقسيم العالم علي هذا النحو، كان من الطبيعي أن تحكم أمريكا قبضتها علي العالم – إلي حد ما – خاصة من الناحيتين العسكرية والسياسية . وإذا كنت قد أشرت في ثنايا حديثي السابق إلي الأهداف التي حققها حراس العالم من وراء ذلك، فسوف أحاول فيما يلي، توخيا للوضوح والدقة، وإعادة تلخيص هذه الأهداف في النقاط التالية كما يري وهبة طلعت :

أولا :  إن تجريد العالم من السلاح في الخفاء قد مكن أمريكا من إحكام قبضتها عليه إلي حد كبير، هذا علي الرغم من أنها لم تكن تملك في ذلك الحين كافة المقومات التي تمكنها من مراقبة ما يدور في العالم كله علي الأقل، الأمر الذي اضطرها إلي الاعتماد بكيفية ما علي سائر الدول . هذا التجريد من السلاح ينسحب علي سائر دول العالم، باستثناء قلة قليلة حرمتها أمريكا من وسائل التدمير الشامل – أقصد من الأسلحة النووية – وتركتها تنتج الأسلحة التقليدية ذات الخطر المحدود . هذه الدول هي التي أطلقت أمريكا عليها – لأسباب سيأتي ذكرها – اسم الدول الكبري وهي تضم بصفة خاصة دول أوروبا الغربية . هذه الدول هي الدول الصديقة لأمريكا العلنية في العلن، وهي أيضا وفي نفس الوقت الدول التي تعتبرها أمريكا عدوها الحقيقي الذي تتفنن في إجهاضه دوما وباستمرار بطريقة خفية أو غير مباشرة تحت ستار التحالف الدولي الذي سيأتي الحديث عنه فيما بعد .

ثانيا :- إن تقسيم أمريكا للعالم مكنها من تنفيذ الوجه السلبي – الخفي لسياستها تحت اسم مستعار هو الاتحاد السوفيتي . فبينما راحت أمريكا تخدع العالم في العلن مدعية أنها الدولة التي قامت لإحلال السلام والرفاهية والعدالة والإخاء بين بني البشر قاطبة، راحت أيضا وفي نفس الوقت تنفذ نقيض هذه السياسة في الخفاء وذلك تحت ستار المعسكر الشرقي الذي تتزعمه روسيا في العلن، والذي يدور في حقيقة الأمر في فلك أمريكا الخفية . هذا هو جدل السلب – الإيجاب، الهدم – البناء، لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت، إنه الجدل الذي يمثل عصب السياسة الأمريكية التي بمقتضاها تحكم العالم .

ثالثا:- هذا التقسيم مكن أمريكا من جعل سائر دول العالم رقباء (جواسيس) علي بعضهم البعض، ومدمرين لبعضهم البعض، باعتبار أن هذا التقسيم قد حول كل دول العالم إلي أقطاب بعضها موجب، والآخر سالب، الأمر الذي خلق التنافر والصراع المستمر بين الجميع، وذلك تحقيقا لمصلحة أمريكا أولا قبل كل شئ .

رابعا :- إن هذا التقسيم قد مكن أمريكا من أن تجعل سائر دول العالم تبدو في العلن كما لو كانت تحطم نفسها تحطيما ذاتيا، كما لو كانت هذه الدول نفسها هي المسؤول عن الصراعات التي تنشأ بينها باستمرار، الأمر الذي جعل أمريكا تبدو في العلن كما لو كانت بعيدة كل البعد عما يحدث من صراع بين الدول، هذا علي الرغم من أنها هي التي تدبره وتحركه في الخفاء تحقيقا لجدل لا تدعه يعيش، ولا تتركه يموت .

خامسا :- إن هذا التقسيم مكن أمريكا في نهاية المطاف من تحويل العالم أجمع إلي دولة واحدة مقسمة إلي ولايات أمريكية في الخفاء – غير أمريكية في العلن وتحتم عليها جميعا تنفيذ سياسية خفية واحده (مختلفة في العلن) لا تخدم في النهاية إلا المصالح الأمريكية نفسها التي تهدف أساسا إلي جعل العالم بأسره يتوقف عن التقدم – أو حتي يسير إلي الوراء من أجل أن تحقق أمريكا مزيدا من التقدم يجعلها تترك العالم وراء ظهرها بملايين السنين، ويجعلها بالتالي تكعن في المزيد من إحكام قبضتها ليس علي هذا العالم فحسب، بل علي الكون كله إن أمكن .

هذا لا يعني أن أمريكا تحاول تحويل سائر أقطار العالم إلي أقطار أمريكية عن طريق المحاولة التي يمكن أن يطلق عليها اسم أمركة Americanization  غير الأمريكيين، إن العكس هو الصحيح يري وهبة طلعت ؛ بمعني أن أمريكا لا تهتم علي الإطلاق بأمركة غير الأمريكيين أعني تحويلهم إلي ولايات أمريكية متشابهة . ونفس الأمر ينطبق حتي علي سائر الطوائف الأمريكية المختلفة التي تعيش في داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها . فأمريكا تتركهم يعيشون علي هواهم، يعيشون كيفما اتفق، يعيشون بكل سلوكياتهم، ومعتقداتهم المختلفة والتي كثيرا ما تكون متناقضة بصورة صارخة، وهي تستمد من تناقضاتهم التي تظهر نماذج تتعامل في ضوئها مع سائر المجتمعات، باعتبار أن سكان الولايات المتحدة الأمريكية هم نخبة ممثلة من سائر بقاع العالم، ومن ثم فهم يمثلون نموذجا أو خليطا فريدا من سائر البشر أو البشرية نفسها . هذا يعني أن أمريكا – أو حراس العالم – ترحب دوما باختلاف وتناقض حتي الطوائف التي تعيش في داخلها، وهي لا تخشي علي نفسها من ذلك، فكل شئ تحت التحكم أو السيطرة حتي أن بدا متناقضا في الظاهر، لأن كل شئ في يد الصفوة، في يد حراس العالم الذين يملكون تحريك وتوجيه كل شئ سواء في داخل الولايات المتحدة نفسها أو حتي في العالم أجمع . هذا بالإضافة إلي أن التناقض سواء داخل أمريكا أو حتي خارجها هو شئ يرحب به حراس العالم دوما . فلكما زادت حدة التناقض بين الدول أو حتي في داخل الدولة الواحدة كلما سهل ذلك من مهمتهم في خلق صراع السلب – الإيجاب، الذين يتفننون دوما في خلقه أو صنعه من عدم أعني حتي في حالة عدم وجوده .

في ضوء ما سبق، يعلق وهبة طلعت فيقول : دعني أذكرك من جديد عزيزي الإنسان بأنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أو، علي وجه الدقة، منذ امتلاك أمريكا لوسائل التدمير الشامل لم تعد هناك قوة عظمي أو سوبر غيرها، وليست هناك قوة غيرها تمتلك وسائل التدمير الشامل، وليست هناك حادثة تقع في العالم – يستثني من ذلك الاحداث الطبيعية التي لا دخل للإنسان فيها كالزلازل والبراكين ... وغيرها – إلا وتكون مرتبة لها سلفا وبكل خفاء . ولهذا يجب عليك عزيزي الإنسان ألا تصدق ما يقال في العلن عن وجود قوي عظمي خلاف الولايات المتحدة الامريكية . فحكاية وجود دول كبري Great  -  عظمي super –  هو اختراع أمريكي لإنقاذ ماء وجه الدول التي كانت حقا دولا كبري في أبان آخر عصور توازن القوي التقليدية مثل ، بريطانيا وفرنسا وغيرهما . فأمريكا لم تشأ أن تسحب البساط مرة واحدة من تحت هذه الدول في أعقاب اعتلائها لعرش العالم حتي تأمن جانبها في العلن وإلي حين . ولهذا خلعت عليها هذا اللقب المزعوم الذي ستسحبه منها، كما سأوضح فيما بعد، بعد ذلك بسنوات . كما يجب ألا تصدق ما يقال في العلن عن وجود دول أخري تمتلك أسلحة نووية يمكنها أن تهدد بها الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي، لأنه إذا حدث ووجد سلاح نووي ذات قوة تدميرية شاملة في أي دولة من الدول، يجب عليك أن تدرك علي الفور أن هذا السلاح موضوع في تلك الدولة بمعرفة الولايات المتحدة وأنه موضوع تحت سيطرتها التامة، كي يخدم أهدافا أمريكية خفية معينة كأن ترهب به دولة أو دولا أخري أو تضغط به علي دولة أو دول أخري، أو تشيع به الهلع النووي حتي تستجيب سائر الدول وتنفذ السياسة الأمريكية التي يراها حراس العالم ملائمة وتحقق مصلحة أمريكا أولا وقبل كل شئ . وفي النهاية يجب عليك عزيزي الإنسان ألا تصدق أن هناك خلافات حقيقية بين الولايات المتحدة الامريكية وسائر دول العالم . فحقيقة الامر الخفية أو المقلوبة هي أن الخلافات التي نسمع عنها بين الحين والآخر بين أمريكا وبعض الدول ليست سوي خلافات علنية مزعومة الغرض منها – وهذا علي سبيل المثال لا الحصر – جعل العالم ينخدع ويصدق في العلن أن هناك حرية فعلية في هذا العالم، وأن الهالم ليس محكوما، وأن لكل دولة الحق التام في قبول أو رفض السياسة الامريكية، ومن ثم يصبح جاهلا بالحقيقة الخفية أو المقلوبة التي مؤداها أن الخلاف العلني ليس سوي خلافا ظاهريا مزعوما الغرض منه إلقاء ستار من الغموض – الذي هو من طبع السياسة التي يديرها حكام العالم – وكذا جعل العالم يعيش في وهم الحرية حتي لا يبصر أنه محكوم في الخفاء وأنه يستحيل عليه الخروج عن الإطار الذي حدد له سلفا . هذا الحكم الأمريكي الاول للعالم لم يكن حكما عسكريا – سياسيا فحسب، بل اتخذ أيضا طابعا اقتصاديا... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4767 المصادف: 2019-09-24 03:40:41