 قضايا

كيف يتم التحكيم الإلهي في العراق القديم؟

يتم بادئ الأمر الأعلان الأحتفالي بالأتهام أو النقض، ويتخذ الإجراء الثاني اتجاه عكسي معاكس للأول حيث يتم توضيح نقطة بنقطة كما يتم إيجاد كل ما يدين المتهم، ويتم قرار التجريم في كثير من الأحوال إن لم يكن في كل الأحوال في حالة غياب المذنب والذي يتم إحضاره أثناء مراسيم إجراء التحكيم الإلهي، ومن مهمتها توثق لنا نصوص ماري كيفية سير وإجراء التحكيم الإلهي وهي النصوص الوحيدة التي تذكر لنا تفاصيل ذلك أثناء فترة حكم نبوخذ نصر ويتم ذكر كل ما يجري .

هناك العديد من الرسائل التي تذكر التفاصيل بعد التحكيم الإلهي والتي تعرّفنا وتنقل إلينا ردود أفعال الذين حضروا وعاصروا الحكم الإلهي (حكم الإله)، وهنا يجب أن نذكر إن نصوص ماري هي الوحيدة من هذا النوع، في حين ان النصوص البابلية لا تشير إلا إلى قرار اللجوء إلى التحكيم الإلهي .

أ - الإثباتات الرسمية:

إن الحالة الأكثر تكاملاً هي التي وردت في الرسالة (A. 1251) للأمير Subram حيث ان كل طرف يقول شيء يناقض الآخر كلمة بكلمة . فالفعل في صيغة Permansif "الماضي المستمر" يؤكد استعمال الأداة أو أداة التوكيد lu : lu nadin " تجد نفسها أنها قد أعطيت " .

ففي الرقم 254 [A 350] نجد الإثبات بسيطاً إن لم يكن الأكثر بساطة . ويكتفي الخطاب بإعلان الحقائق باستعمال الفعل المضارع، ولا توجد أية إشارة قواعدية لتوكيد الإعلان . أما في الرقم No. 253 [A 4187] تستعمل الأم في أحاديثها أفعال في صيغة المنصوب ولكن بالصيغة الحقيقية أي بأستعمال النفي عندما يتضمن الكلام التكذيب والعكس بالعكس . والتعبير له صيغة مستقلة لكنها لا تتضمن جملة تابعة .

في الرقم AEM 1/2 الرقم 488 [A. 267] خضعت المرأة المشكوك فيها إلى استذكار الأحداث الماضية :

" قبل أن  يتزوجها Sin-iddinam (أو قبل أن يتزوجني) قال نعم للأب وللابن. وعندما كان غائباً أرسل لي أخباره عن طريق ابن Asqudum، وهذا الأخير قال لي: (أريد أن أتزوجك) وقد قبّل شفتاي ولامسني إلا أنه لم يجامعني، وقلت له: (لا يمكنني أن أرتكب خطيئة تجاه Sin-iddinam ) . ففي البيت الذي كنت فيه لم أفعل ما لا يتوجب فعله لسيدي ".

وفي الرقم No. 249 [A. 457] تم التعبير عن قرار الأتهام بأستعمال سلسلة من الأفعال في صيغة المنصوب تم تقديمها من قبل Summa وتم استعمال الأفعال على الضد من صيغتهم الحقيقية أي التعبير بصورة إيجابية لما يجب إثبات صفته الخاطئة .

لنكون أكثر دقة في الدوافع الحقيقية التي تؤدي إلى اللجوء إلى التحكيم الإلهي فقد ورد ذلك في الأستجواب. وقد كشُف النقاب عن نوعين من النشاطات في رسالة 23 Subram و A 1251 حيث تم توجيه السؤال إلى أولئك الذين يجب تغطيسهم في النهر وإصدار صيغة الحكم وأخذ تراب من المدينة في أياديهم epir alim sati lilqu-ma . والإجراء متماثل مع انتخاب دعامة مادية خاصة عندما يتعلق الأمر بمدينة ويطلب kirbanum، والذي ذكر في الرقم No. 254 [A. 380] موازي للاستجواب الذي تم في ماري وقبل أن يعلن Iddin-lltim مطالبته (أو ادعاءه) فإن زوجته التي أكملت الغطس في النهر رأت نفسها أنها تسكب الماء على يديها وقد أعلنت بصيغة معينة لم يتم إعلامنا عنها . وهناك تعبير في اللوح اذ تم استعمال ظرف الزمان mustertam الذي يفصل الفعلين بحيث أنه لا يدعو إلى أن الوقتين قد تزامنا ...

ب- اختبار التحكيم الإلهي:

في بلاد وادي الرافدين هناك تحديد للتحكيم الإلهي فقط في الماء . وأوضح (جان بوتيرو) بكل جلاء مشروعية اللجوء إلى التحكيم الإلهي إلى إله النهر وإن تفسيره يعطي أهمية أكبر لقوة العزامة أو الرُقية أو التعويذة  أكثر مما يعزوها إلى القوى العادلة. ويبدو هذا التوضيح اللامع غير قابل للنقاش بالنسبة للألفية الأولى إلا أنه وجد حدوداً له ولا يبدو هناك أي تحكيم إلهي في تلك الفترة باستعمال النار، علماً أن الموت بالحرق تؤيده الكثير من الوثائق، ولكن ضمن المدوّنات المتوفرة لدينا يشكّل غياب أي نوع آخر من التحكيم الإلهي مشكلة ويجب الأخذ بالحسبان التوضيح الشامل لهذه الظاهرة وتأويلها.

إن الفعل الرئيسي الذي يشير إلى المشاركة في التحكيم الإلهي هو Saium والذي ترجمه (جان بوتيرو) بالفعل "يغطس" وإن الناس الذين يتوجب عليهم أن " يغطسوا " لأي سبب كان يطلق عليهم تسمية "sulum" وبهذه الكلمة اقترح (جان بوتيرو) أن يكون معناها " فريق الغطس " . وفي الرقم 249 [A 457] لا يمكن أن تشير كلمة sulum إلاّ إلى الأشخاص .. ومع الإبقاء على المعنى الذي قدمه (جان بوتيرو) أعتقد بأن المصطلح يعود (يرجع إلى) Sula2um وهي صياغة متماثلة مع rubaum أو suharum وهنا صيغة أخرى هي PURAS تستعمل لتشير إلى الناس وكذلك إلى الأشياء .

كما أن كلمة sulaum تعني "الغطاس المهني" أو على أقل تقدير الشخص الذي يغطس، وربما يعني ذلك الشخص الغطاس الذي يعرض خدماته للآخرين .

ومن السمات الأساسية للتحكيم الإلهي في ماري هو التغيير أو التعويض الدائم من قبل الغير بالنسبة للشخص الذي يخضع للتحكيم الإلهي . إنهم ليس الأمراء الذين يغطسون وإنما الناس في مدنهم، فقد تم تمثيل Subram وHaya-Sumu من قبل sulum التابعين لهم . والملكة نفسها Zalmaqqum، وعلى الرغم من الاتهامات الثقيلة الملقاة عليها نراها أنه تم الاستعاضة عنها أو استبدالها بسيدة أخرى من صديقاتها . وفي الرقم No. 254 [A 380] نجد أن Iddin-lltim أرسل زوجته إلى النهر بدلاً عنه . وفي الرقم No. 253 [A 4187] فإن الأم تغطس بدلاً من ابنتها . ومهما كانت الحالات التي تم ذكرها في القوانين فإننا نؤكد على التطبيقات الجارية منذ الفترة السابقة .

وقد أوضح (جان بوتيرو) الطريقة التي يتم فيها التحكيم الإلهي وهي طريقة بسيطة جداً حسب اعتقاده . ويبدو أنه يتم اقتياد الشخص أو الفرد المعني إلى حافة نهر وعرة أو منحدرة hursanum ويغطس . فإذا خرج من الماء فإنه سوف يعدّ بريئاً . ولكن في هذه الحالة نجد أن الاختبار أبعد من أن يكون قابلاً للتحمل ولا نفهم لماذا يمتنع عنه الكثير على الرغم من خطورة العقوبة وبصورة خاصة هل يتوجب أن نفكر أن أبطال lli-Estar كانوا ضعفاء للقيام بغطس بسيط وهل يمكننا أن نجد أناساً قادرين على ذلك ؟ فهل نعتقد أنهم يتراجعون إذا ما طُلب منهم ذلك ؟ ولهذا من دون شك  فان القوانين تجابه حالات رفض التحكيم الإلهي . وفي الحقيقة في كل مرة نؤكد عليها هناك نوع من الأداء الجسمي الذي يُنجز .

أما من ناحية القوة الرياضية التي يحتاجها التحكيم الإلهي فقد تمت ملاحظتها في النص القانوني وتتمتع هذه الناحية بأهمية استثنائية . وحسب هذه الوثيقة التي تتعلق بحقل تنازع عليه يترتب على خدم الملاكين (من أجل إقامة حقوق أسيادهم) أن يدفعوا مسمنة (قرص) ويقومون بالعبور (أي عبور النهر) فإن غطاس بسيط لا يقدر على ذلك .

ويترتب تفحص الرقم No. 249 [A. 457] بشيء من التفصيل وهو نص صريح، إذ يتعلق الأمر باللجوء إلى المساعي الحميدة من قبل أناس معنيين من أجل الناس الضعفاء حيث يتم إغطاس (تغطيس) Sulum من سبعة أشخاص : رجل مسن وستة من النساء، اثنتين من النساء يغطسن (ويخرجن) (ittasi) ثم يغطس الرجل المسن (العجوز) " وفي دواخل الإله " ipsur بعد عن (80) قياس ثم يخرج . إن التعبير ipsur يجب فهمه على الفور مع ما يحدث للأم Marat-Estar في الرقم No. 253 [A 4187] وتسقط داخل الإله، وتموت، ثم لا "ipsur" .

ان الواقعتين متعاكستين ففي الحالة الأولى المعنى السياقي ينص على " انه نجح في الاختبار " أما في المعنى الثاني " انه اخفق في الاختبار " .

ولكن ماذا يعني الفعل Pasarum ؟ يقترح (بوتيرو) ان معناه هو " يخلِص، ينقذ " وهناك استعمال خاص يعني " يشق الماء ليتقدم " إلا ان المسألة  معقدة .

أ - هناك سياقات يبدو فيها الفعل Pasarum أنه فعل حركة .

" قل لسيدي: هكذا (تحدث) Habdu-Amim خادمك" .

Ami-Esnb ابن واراد، رجل ipsur Mislan (لـِ / نحوي / تجاهي) قادم من Saggaratum . وينبغي على سيدي استجوابه . نرى إذن الذهاب تحت الماء " يكون قريباً للمعنى ولا يمكننا الأفتراض ان الأمر يتعلق بالجذر PSR " يمر أو يعبر دون أن يُرى أو يشاهد " .

ب- من ناحية أخرى نجد Pasarum في سياق قانوني حيث يكون فيه معنى اللجوء إلى التحكيم الإلهي دون اعطاء أية تفاصيل، فالتعبير ipsur (NP) متبوع بخطاب طويل يرفض اتهاماً بالزنا، وفي هذه الحالة تم استعمال Pasarum وكذلك umma-mi . وفي هذا السياق تم استعمال Pasarum كفعل خبري .

من المحتمل أن الحل يمكن أن نجده في AEM / 1/2 No. 488 حيث ان المعنى واضح هنا وهو : " أنها نجحت في إثبات الإثباتات الآتية ..." إذن يعد معنى Pasarum (يبرئ) من تهمة أو من سجن، ومن الممكن أن يكون أصل التعبير الكامل وهو raman-su pasarum لذلك نترجم المثال الموجود في A. 4162 " برأ نفسه وجاء من sagaratum " .

ويتضمن هذا الإثبات عدم " الغطس والخروج " وإنما هو " السباحة تحت الماء " . في وقت معين، أو طول معين . وهذا يعكسه تعبير " داخل الإله " فهذه ذات دلالة إذ نقول في No. 249 [A. 457]g useridu " جعلناه ينزل " أو " أنزله " أي هنا أنزل الزوجة الثانية . والتعبير جعلناها تذهب إلى العمق . وعندما ذُكر أن الزوجين أو المرأتين الأولتين في الوثيقة No. 249 [A. 457] تغطسان وتعودان إلى السطح مباشرة وأنهما جرّدا من حقوقهما أو امتيازاتهما . أما الثالثة فقد غرقت . ويتم البدء عادة  بتغطيس الأشخاص الأقوياء أو الاحتفاظ بالآخرين إلى النهاية . وقد  أدت توسلات العجوز بإعفاء النساء الثلاثة الآخرين (11 . 17-2) . وعلى كل حال إذا نجحن فيما ينتظرهن والذهاب إلى بعد معين أو السباحة فإن مبلغ أدائهن لا يكفي، ... ولا حاجة بطلب إيقاف العمليات .

ينبغي أن تقدم كل هذه التفاصيل التقاليد العامة السابقة للوضع في الماء وهو ما تحدث به القانون الآشوري الوسيط لنقول أنهن يستطعن أو لا وجود لهن ... ومن الممكن أن تكون الملاحظات غير ذات جدوى في No. 254 [A. 350]، إذ أكد الحاكم أرسل كل من الرجل والزوجة إلى الملك والزوجة التي غطست ثم صعدت أو خرجت (1.28) . إن هذه "التقاليد الأولية " مشهودة في الرقم No. 249 [A. 457] حيث قيل ان الرجل العجوز " أقام 80 قياساً " ومن المحتمل إذن ان على الذي يخضع للتحكيم الإلهي أن يكون على بعد معين من النهر وضمن شروط معينة . وعلى كل حال إذا كان الامر متعلقاً وبكل بساطة بوضع الرأس تحت الماء وإخراجه سوف لا نفهم وجود شهود رسميين من نمط ebbum الذين يكمن دورهم في تقييم حقيقة العمل وبصورة خاصة لتبرير أي نقص أو إخفاق .

 

الدكتورة هبة حازم النعيمي

كلية الآثار جامعة الموصل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4767 المصادف: 2019-09-24 03:43:34