 قضايا

غاندي وموقفه من الدين والسياسة

معراج احمد الندويإن المهاتما غاندي رمز للوطنية الهندية وروح الإستقلال. دعا هذا القائد العظيم إلى السلام والمحبة والاحترام المتبادل بين الناس. قام بنشر اللاعنف لأجل تحقيق أهدافه السياسية، وفي إطار هذه النظرية اختار النضال السلمي ضد الاحتلال وعدم التعاون معه بدلا من التعذيب والإضطهاد.

إن غاندي يعتبر الشخصية الأكثر الهاما للحركات الداعية للحرية وجمعيات الحقوق الدينية. يحمل غاندي العديد من الألقاب الدالة على سمو مكانته ومنزلته عند المثقفين. فهو في الهند لقب أبوالهند، بجانب لقبه الشهير "المهاتما" الذي يعني الروح العظيم.

لقد كرس المهاتما غاندي حياته لنشر سياسة المقاومة السلمية أو اللاعنف واستمر على مدى أكثر من خمسين عام. أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف "الساتياراها"، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولا ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر.

"ساتياغراها" كلمة من سنسكريتية، معناها "النضال السلمي في سبيل الحق". إنها قوة الروح، أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق. ويمكن أن يستخدمها الأفراد كما المجتمعات. وهي قوة لا تقهر. يقول غاندي، «اللاعنف هو أعظم القوى في خدمة الجنس البشري، وأقوى سلاح ابتدعته عبقرية الإنسان. إن استخدام "ساتياغراها" يتطلب الصبر، وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.

بدأ غاندي تجربته المقاومة اللاعنف في مواجهة سياسة التمييز العنصري التي كانت قائمة في جنوب أفريقا .وقد عاد عاد إلى الهند وهو يحمل بين جنبيه عبء القضية الهندية. وقد قرر التفكير العميق القيام بحملة ضد الاحتلال في الهند.

رأى غاندي أن اللاعنف هو المنهج السياسي لعامة الناس. ونعكس هذه النظرة لاستخدام التاريخي اللاعنف اعتمادا على قوة الجماهير. ومن أشهر الصراعات التي استخدم فيها اللاعنف في التاريخ هي حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي لاستقلال الهند. وهذه الأفكار الأساسية لمنهج اللاعنف تظهر في من الأديان على وجه الأرض.

إن فكر غاندي منفتح لكل الديانات،إنه كان مخلصا ونقادا في آن واحد، وفي آن واحد معا ملتزما ومتحررا من الأحكام المسبقة، مرتبطا ومتجردا في نفس الوقت. لقد كان غاندي مولدا هندوسيا ولكن من حيث الفكر مسيحيا أو مسلما. في الواقع كان الدين عند غاندي هو الحب والوئام لكل البشرية. هذا التحول في المواقف يبرز بجلاء المشوار الذي قطعه غاندي خلال مسيرته الفكرية والوجدانية.

غلبت النزعة الإنسانية في فكره واحتلت هموم الإنسانية في فكره وعقله وعمله. وقد لخص غاندي موفقه من الديانات قائلا: " كل الأديان تمثل كشفا عن الحقيقة، ولكن جميعها مشوبة بالنقص، ومعرضة للخطأ" ينبغي ألا يمعينا احترامنا للديانات الأخرى عما تنطوي عليه من شوائب، لو أننا نفكر في الديانيات لرأينا من واجبنا أننا نضم إلى إيماننا كل ما في الديانات الأخرى من حسانات.

فقد كان الدين المحرك الأساسي في فكره وعمله. وكانت مثل الدين العليا هي معايير كل أعماله،إلا أن الدين لم يكن عنده طقوسا، ولا تقاليد جامدة أوتعاليم مفروضة،بل كان بحثا جاهدا عن الحقيقة التي خالق الكون والإنسان.

تميزت شخصية غاندي بمسحة عقلانية قوية جعلته يستطيع وضع فلسفة دينية خاصة، ولو أن هذه الفلسفة تأصلت في الهندوسية أنها اكتسبت طبيعة إنسانية وعالمية. ولا يخلو من أهمية أن غاندي أبرز تلك العناصر للهندوسية والتسامح في العلاقات مع اتباع الأديان الأخرى في الجانب الآخر لأنه رأى أن كافة الأديان المختلفة أوراق كثيرة متنوعة لشجرة واحدة ، ولوأنها تبدو مختلفة ولكنها واحدة عند الجدع. إن الأشكال المختلفة التي يتم صياغتها من الذهب تنال أسماء مختلفة ولكنها جميعها بأصلها ليست إلا الذهب.

لقد أكد غاندي أنه ليست هناك سياسة بدون الدين وأوضح أنه لا يعني الدين الذي يكره ويقاتل وإنما يعني الدين العالمي للتسامح. وهذا الدين يفوق الهندوسية والمسيحية والإسلام وكل الأديان في العالم. إن رسالة غاندي هي بطبيعتها أخلاقية وإنسانية وعالمية. لقد استمد المهاتما غاندي في فطره الحق والعدل من الإسلام كما استمد فكرة تجسيد الألوهية في  صورة الإنسان من المسيحية.

ظل غاندي يدعو طيلة حياته إلى الحرية وعدم إستغلال الغنى للفقير أو القوي للضعيف وعدم التفرقة العرقية ودعا إلى إلى الاتحاد والتسامح والسلام والمحبة والوئام. لقد عرف غاندي ما عرف في عالم السياسة بالمقاومة السلمية أو فلسفة اللاعنف "الساتغريه".وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية.

ولا يعرف إلا  قليل من الناس بمساهمة غاندي العظيمة في مفهوم العلمانية في الهند. لقد عارض غاندي أي اقتراح بأن يكون هناك دين للدولة حتى لوكان الشعب الهندي بالجملة يعتنق ذلك الدين. وإنه كا ن يعتبر الدين مسالة  شخصيةـ وأكد الحرية الحرية الدينية لكل مواطين الهندو وقرر أن الدولة ستقف موقف الحياد بخصوص كافة الأديان. وهذا المبدأ نال مكانا في دستور الهند المستقلة.

إن البشرية تعيش اليوم عصر العنف، وأما التوصل إلى السلام عن طريق الوسائل الخالية من العنف فتؤيده كل الأمم والدول الأعضاء للأمم المتحدة التي ترسل لحفظ السلام إلى مختلف أنحاء العالم مما يدل على أن البشرية تصبو للسلام. وسوف يسود السلام العالمي إذا لم يكن هناك عنف، فلا بد من نشر تعاليم غاندي في العالم إذ أن فكرته لعدم العنف لم تنشر بعد في جميع أنحاء الأرض على رجال الدولة والساسة العالميين أن يتحول إلى فلسفته حتى يكون لدينا عالم يسود السلام واللاعنف. فلا بد أن نجعل من فلسفة غاندي الروح العظيمة منارة الهدى والإرشاد.

 

ا. د. م معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4778 المصادف: 2019-10-05 01:36:40