 قضايا

عن الحرية اتحدث

حيدر جواد السهلانييقول زكريا ابراهيم (1924- 1976) " ليس في لغات البشر كلمة تخفق لها القلوب قدر ماتخفق لكلمة الحرية."(1) اذ الحرية ارتبطت بشخص الانسان وحياته وارادته وسلوكه قبل ان ترتبط بأفكاره وعقيدته وقوله وكتباته.(2) وتعد مشكلة الحرية هي بلا ريب من اقدم المشكلات الفلسفية واعقدها، فقد واجهت الباحثين من قديم الزمان، ومابرحت تؤرق مفكري اليوم كما أرقت من قبل فلاسفة اليونان، حقآ أن هذا المشكلة كما قال الفيلسوف الانجليزي بين(Bein) هي قفل الميتافيزيقا الذي علاه الصدأ من كل جانب، ولكنهما قد اكتسبت اهمية جديدة في الفلسفة المعاصرة، بحيث قد يكون من الممكن أن نعدها(مفتاح) المشكلات الفلسفية جميعآ.(3)

الحرية بوجه عام حال الكائن الحي الذي لايخضع لقهر او غلبة ويفعل طبقآ لطبيعته وارادته، وايضآ هي القدرة على تحقيق الفعل دون الخضوع لمؤثرات خارجية، وانما تصدر الافعال عن المرء نفسه بحيث يشعر أن الفعل صادر عن ارادته.(4) الحرية حال الانسان الذي يفعل مايريد، وليس مايريده الاخرون، وهي الخلاص من القسر والاكراه، والحر هو الذي يأتمر بما أمر به القانون، ويمتنع عما نهى عنه، وهي تعطي حق للفرد في الاستقلال عن الجماعة التي انخرط في سلكها، وهي مضادة للاندفاع اللاشعوري والجنون واللامسئولية القانونية والاخلاقية.

وقد تناول الفلاسفة منذ القدم مفهوم الحرية لتخليص الانسان من الطغيان، وان الصراع بين حرية الفرد وسلطة الدولة هو اوضح المعالم المأثورة عن التاريخ، لاسيما تاريخ اليونان وروما وانجلترا، غير ان هذا الصراع كان يدور في الماضي بين الرعية اوبعض طبقاتها وبين الحكومة، وكان معنى الحرية حينذاك حماية الافراد من طغيان الحكام السياسين واستبدادهم.(5)

ارتبط مفهوم الحرية عند اليونان بفكرة الضرورة والمصير، وكان عندهم الانسان الحر هو من يعيش على ارضه وبين شعبه، وحتى يكون المرء حرآ كان يجب الايحكمه سيد وأن يعيش كما يريد. ويذهب السفسطائيون بأن الحر هومن يسلك وفقآ للطبيعة وغير الحر هو من يخضع للقانون. اما سقراط يرى في الحرية هي فعل الخير، ولكي يفعل الانسان الخير، لابد له أن يعرف اولآ ماهو الخير، فالمعرفة هي شرط الحرية التي هي اساس فعل الخير ومن هنا ولأول مرة اكتسبت الحرية معنى اخلاقيآ بحتآ، فالانسان الحر هو الانسان العارف بالخير، وبالتالي القادر على ممارسته والهدف النهائي للحرية هو ظبط النفس تجاه اغراءات الواقع وتقلباته والفحص الدائم عن ماهو افضل بهدف تحقيق الخير. ومع افلاطون يتم التأكيد على ثنائية الخير والمعرفة والانسان الحر هو من يتجه فعله نحو الخير. اما ارسطو فقد كان اول من ربط الحرية بالمعرفة والارادة معآ فقد انتقد المبدأ السقراطي الافلاطوني، القائل بأن معرفة الخير كافية لفعله، فقد يفعل الانسان الشرور رغم معرفته بالفضيلة، واضاف أن فعل الخير يتوقف ايضآ على طبيعة الارادة الانسانية، فقد اعطى مساحة للدوافع النفسية التي تؤثر على الافعال بعيدآ عن العقل والمعرفة، فلكي نصل الى الحرية لابد من وجود الاختيار الصائب القائم على المعرفة العقلية من جهة مع تهذيب الارادة التي نصل اليها عن طريق التربية من جهة اخرى.(6) اما الرواقية حاولوا أن يوفقوا بين الحرية والضرورة، ولكنهم انتهوا الى جعل الضرورة اصل الاشياء، بدلآ من ان يخضعوا الضرورة نفسها للحرية.(7)

اما في الفلسفة الاسلامية يندرج الحديث عن الحرية في مفهومها الالهي، أن يكون الانسان حرآ يعني أن يكون على صورة الله، أي ان يريد الحرية التي ارادها الله له في حكمته، تلك الحكمة التي بينها لنا الشرع، الايمان هو التحرر التام المطلق والرفض هو الاسترقاق والخضوع للنفس وللغير والدهر.(8) وقد وردت كلمة الحرية في القران الكريم بمعنى الاختيار منها (ياايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) سورة البقرة، الاية(178) وايضا (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنآ الاخطأ ومن يقتل مؤمنآ خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) سورة النساء، الاية(92) وايضآ (انا هديناه السبيل اما شاكرأ واما كفورآ) سورة الانسان، الاية(3) وايضآ (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاعوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) سورة البقرة، الاية(256) وايضآ (ولوشاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعآ افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) سورة يونس، الاية(99) ويذهب المتصوفة بالحرية هي انقطاع السالك بكل ماتعلق بغير الله، فالعبد في مقام الحرية يأتي عليه وقت لايتعلق فيه بأي غرض من الاغراض الدنيوية، فلا يهتم بالدنيا ولا بالاخرة، لأنك تصبح عبدآ للشيء الذي تتعلق به.(9) وتعرف الحرية عند المتصوفة هي الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والاغيار وهي على مراتب حرية العامة عن رق الشهوات وحرية الخاصة عن المرادات لفناء ارادتهم في ارادة الحق وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والاثار لأنمحاقهم في تجلي نور الانوار.(10) اما ابن رشد فالحرية هي لقاء بين ضرورتين، ضرورة انسانية، وضرورة طبيعية.(11)

الفكرة الابرزلدى الكتاب المسيحين، هو ربط الحرية بالخطيئة، فالانسان قبل سقوطه في الخطيئة كان حرآ من كل انواع القسر ومن كل سلطة عدا سلطة الله، لكن الخطيئة افسدته، فأصبح خاضعآ لسلطة الغرائز والاهواء والشهوات وربط الحرية بشرط الخير، لأنه بوسع الانسان ان يختار بين فعل الخير وفعل الشر، ومع ذلك ادخلت المسيحية فكرة اللطف الالهي، فلا بد من اللطف الالهي كي تستطيع فعل الخير، وتعني الحرية عند المسيحي التزام وخدمة ومحبة.(12) ويرى اوغسطين الحرية مردها الى ملازمة النعمه الالهية لها واذا مافقدت النعمة الالهية فانها تفقد قدرتها على الاختيار فتصبح عرضة للوقوع في الاثم والخطيئة. اما توم الاكويني، الحرية هي القدرة على اختيار امرآ او نقيضه، ويذهب جون كالفن لايمكن للحرية ان تتحقق الابالامتثال التام والحقيقي لأوامر الله، فمقدار ماتتحرر الذات من سلطة الناموس فانها تحظى بنصيب اوفر من الحرية بدخولها مملكة الله تعالى، لكن مع ذلك لم ينكر الحرية الدنيوية التي يتمتع بها الانسان.(13)

اما توماس هوبز الحرية هي انعدام القسر، والانسان يكون حرآ بقدر مايستطيع التحرك.(14) ويذهب سبينوزا بالحرية هي من خصائص الله وحده، لأن الله هو الكائن الوحيد المشتمل وبشكل حتمي على مبعث وجوده ومبعث فعله.(15) وهدف سبينوزا هو المحافظة على حرية الله تعالى المطلقة مع الاعتراف بوعي الحرية عند الانسان، يقول سبينوزا: اما فيما يتعلق بالارادة الانسانية التي قلنا انها حرة، فتلك الحرية لاتستمر في الكون الابعون الله تعالى ولايوجد بشر يريد ان يفعل الاماقدر الله تعالى منذ الازل.(16) اما جون لوك، الحرية الكاملة هي التحرك ضمن القوانين الطبيعية، وامكانية اتخاذ القرارات الشخصية والقرارات بشأن الملكية بدون قيود، كما يريد الانسان دون ان يطلب هذا الانسان الحق من احد وبدون التبعية.(17) ويرى لايبنتزا، الحرية صادر عن العقل، والحرية الكاملة هي فقط لله تعالى، اما المخلوقات العاقلة فلا توصف بالحرية الا على قدر خلوصها من الهوى، والحرية تكمن في ان تعين نفسك بنفسك، والحرية هي ان تكون مستقلآ، وانها قدرة عقلنا في قوة ارادتنا على الحياة.(18) اما ديفيد هيوم، الحرية هي القدرة على التصرف طبقآ لما تحدده الارادة. وعند جان جاك روسو، الحرية هذه الفاتنه التي خلبت الافئدة على مدار التاريخ، واحتلت الركن الاساسي في تحديد ماهية الانسان حتى انها رادفتها لدى العديدين، وجعلت بذلك عماد الانسانية واداته. ويرى فولتيرالحرية هي قدرة الانسان على الفعل وليس في القدرة الخيالية لأرادة مايريد.(19) اما الحرية عند كانت هي وثيقة الصلة بالاخلاق، فاولى الشروط الممكنة ليصير المثل الاخلاقي حقيقة واقعية هو الحرية، فالحرية عنده هي حرية الاستقلال الذاتي، وهي تلك الحالة التي يتصف بها الفاعل الاخلاقي عندما يضع نفسه قاعدة فعله، فالحرية عنده خاصية الموجودات العاقلة بالاجمال، لأن هذا الموجودات لاتعمل الا مع الحرية. اما الحرية عند هيجل هي في عملها مطابقة الماهية للذات، يعني انها في عمقها من طبيعة الالهية.(20) اما ماركس، فقد اعتبر الحرية خاصية انسانية تنمو عند الانسان ككائن اجتماعي وربطها بالعمل واخضع رأس المال للعمل حتى لاتبقى الطبقة المالكة سيدة حريات العاملين.(21) ويرى جون ستيوارت مل الحرية هي حق طبيعي يملكه الانسان بحكم الطبيعة. وعند شوبنهاور الحرية ذات طابع ميتافيزيقي، لأنها مستحيلة في نطاق العالم الطبيعي.(22) وفي الوجودية الانسان هو وحده حامل الحرية في الكون، بلا حرية لا وجود للانسان وبلا انسان لاوجود للحرية في الطبيعة.(23) ويرى هايدجر الحرية هي القدرة التي ينفتح بها الموجود على الاشياء وهو يكتشف الوجود، وهي التي تؤمن التوسط بين عالم الوجود وعالم الاشياء. وعند سارتر الحرية نسيج الوجود الانساني وان الشرط الاول للعقل هو الحرية، والانسان محكوم عليه بأن يكون حرآ، انه يحمل ثقل العالم كله على كتفه، انه مسؤول عن العالم وعن نفسه.(24) وعند برجسون تقوم فكرة الحرية على تصوره للزمن الحي، أي الديمومة، واول معاني الحرية في فلسفة برجسون هو التحرر من سلطة العلم والمجتمعع واللغة، والواقع ان الحريةعند برجسون لايمكن ان تكون حقيقة الا اذا بدأت بهذا المعنى، اي بالتحرر من مقتضيات الحياة العملية .(25) ونظر جون ديوي الى الحرية نظره عفويه وعدها عملية من العمليات وليس حالة محددة واعتقد أن ابعادها الفردية والاجتماعية يمكن الشعور بها في كل ان، وكان ينظر اليها نظرة مذهب الذرائع، وقد رآى ديوي الحرية في ثلاثة اشكال، في الاختيارات التي تقوم بها، ثم في مدى قوتنا تنفيذ هذه الاختيارات، ثم في قدرتنا على تنميه وتطوير حكمتنا وفطنتنا ثالثآ، اذآ الحرية عند ديوي كأختيار لايكون لها معنى بدون القدرة على العمل بما يتماشى مع الاختيار.

ويرى زكريا ابراهيم الحرية هي ليست مجرد اشكال نظري يثيره العقل الانساني الراغب في المعرفة، وانما هي مشكلة حيوية لاتكاد تنفصل عن وجودنا نفسه والحرية وحدها هي التي تستطيع ان تتسائل عن الحرية، والحرية ليست مجرد مشكلة نظرية يثيرها العقل، بل هي مشكلة عملية متضمنه في صميم وجودنا.(26) اما عبدالله العروي ينطلق في مفهوم الحرية من تأمله في الاوضاع التي نعيشها في العالم العربي، ويؤكد ويربط المفهوم بالواقع.

القوانين الوضعية بعد الدينية لم تنشأ لتصادر حرية الحاكمين حتى يضعوا انفسهم مكانهم، بل انها نشأت تفك الارتباط بين مفهوم السلطة والحكم من جهة، ومفهوم الحرية التصرف والممارسة من جهة اخرى، ومعنى ذلك ان القوانين الوضعية انطلاقآ من القانون السماوي، نشأت لتنظيم الحرية ولتمنحها مفهومها الحقيقي حتى لاتختلط بما يسلب حرية الاخرين وحتى تسمو الى مكانها من تأكيد كرامة الانسان في حرية تفكيرة وتصرفة وممارسته، ومع ذلك اصطدم تنظيم الحرية، هذا وحمايتها بالرغبة الجامحة في مصادرتها والاعتداء عليها من كل ذي سلطة فردية او مجموعة.(27) الحرية متولدة من ارادة الانسان، ونطلق الحرية ايضآ على القوة التي تظهر ما في صميم الذات الانسانية من صفات مفردة، او على الطاقة التي يحقق بها الانسان ذاته في كل فعل من افعاله. ويبدو لنا ان الحرية هي مفهوم ضد التقيد بكل انواعه، لكن في نفس الوقت الحرية هي ليست خرقآ للقوانين(قانون الدولة او العادات والتقاليد الاجتماعية) الحرية هي احترام الاخر، الحرية هي تطبيق القانون، هي التعبير عن كل شيء بحرية تامة، والحرية هي ليست كلمة تقال ويطبل لها كثير من السياسين، الحرية هي كلمة تعاش، هي فعل انساني واقعي يمارسها الانسان.

 

حيدر جواد السهلاني

......................

الهوامش

1- ينظر زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية، ص8.

2- ينظر عبدالكريم غلاب: ازمة المفاهيم وانحراف التفكير، ص133.

3- ينظر زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية، ص7.

4- ينظرالمعجم الفلسفي، تصدير ابراهيم مدكور، ص71.

5- ينظر جون ستيوارت مل: الحرية، ص5-6.

6- ينظر مقال منشور على شبكة الانترنيت، كيف فهم فلاسفة اليونان الحرية.

7- ينظر زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية، ص52.

8- ينظر عبدالله العروي: مفهوم الحرية، ص84- 85.

9- ينظر المصدر نفسه، ص13.

10- ينظر الجرجاني: كتاب التعريفات، ص90- 91.

11- ينظر الحرية عند علال الفاسي وعند عبدالله العروي، ص8.

12- ينظر عبدالمنعم الحفني: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ص294.

13- ينظر مقال منشور على شبكة الانترنيت، فلسفة الحرية الانسانية (اشكالية المفهوم والممارسة).

14- ينظر عبد المنعم الحفني: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ص294.

15- ينظر فايز محمود: الحرية والضرورة في مجتمعات الانسان والنمل، ص15.

16- ينظر عبدالله العروي: مفهوم الحرية، ص61.

17- ينظر الحرية عند علال الفاسي وعند عبدالله العروي، ص8.

18- ينظرجميل صليبا: المعجم الفلسفي، ص463.

19- ينظر مقال منشور على شبكة الانترنيت، عزة علامة: مقدمة في مفهوم الحرية

20- ينظر عبدالله العروي: مفهوم الحرية، ص62.

21- ينظر عبدالكريم غلاب: ازمة المفاهيم وانحراف التفكير، ص152.

22- ينظر زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية، ص59.

23- ينظر عبدالله العروي: مفهوم الحرية، ص69.

24- ينظر المصدر نفسه، ص70.

25- ينظر حبيب الشاروني: بين برجسون وسارتر ازمة الحرية، ص32.

26- ينظر زكريا ابراهيم: مشكلة الحرية، ص9- 10.

27- ينظر عبدالكريم غلاب: ازمة المفاهيم وانحراف التفكير، ص142.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4795 المصادف: 2019-10-22 00:56:27