 قضايا

الفلسفة والتقديس

صباح الحاج مفتنلا أروم في هذا المقال القصير أنْ اتكلم عن ما تعنيه الفلسفة، وما هو تعريفها؟ ونحن نعتقد، بل ويعتقد المتخصصون بالحقل الفلسفي، وكثير من المثقفين، أنّ الفلسفة ليس لها تعريفاً جامعاً، وإنما لها تعريفات متعددة تبعاً للفلاسفة ومذاهبها ومدارسها. وأنّ ما يهمني هنا هو أنْ أُبيِّن مهمة الفلسفة الاساسية، وأقوم بربط هذه المهمة مع ما نعيشه في الحاضر، ًوما يجرّنا فيه إلى المستقبل جرّاً، ما دمنا نمتلك شعوراً بشيء اسمه "الموجود الآن"، وشيئاً اسمه "المستقبل". 

ومن هنا، فأنّ الفلسفة لاتقتصر يوماً ما، على فرد واحد، أو مفكّر واحد، ولا على مذهب فلسفي واحد بعينه، بل هي تقتضي الاحتمالات المتعددة، كما وتقتضي إظافات، تصحبها تصحيحات بشكل مستمر. فالفلسفة هي تماماً كالعلم، سواء بسواء، تعمل بجهود مشتركة، وتصويب دائم.. 

وبحسب ما يراه "بريجسون" أنّ كل اتجاه من الاتجاهات التي تسير عليها الفلسفة، يؤدي بنا بمفرده إلى الاحتمال، ولكنّ هذه الاحتمالات وتلاقيها، تفضي بنا الى شعور، هو أننا في الطريق الى اليقين. ثم بعد ذلك، سنظل نقترب من هذا اليقين باستمرار. 

وهذا يعني أننا نخرج الفلسفة من هالة التقديس، ونخضعها للنقد المستمر والمتجدد؛ إذ إنّ تقديس الفلسفة هو بمثابة قتلها، وانتهائها وتجرّدها من البحث الذي تتّسم فيه، ويمثّل عملها الرئيسي.

إنّ استشعارنا للأشياء يتركز بشكل كبير منه على اللحظة الحاضرة، فهو انتظاراً وانتباهاً لمستقبلٍ مشرق، لا نتذكر فيه من الماضي إلاّ بقدر ما ينفعنا في مزجه بالحاضر.

إذا كانت الفلسفة هكذا، وكذلك العلم، يسيران بهذا الاتجاه العمودي، وهما اللذان أحدثا التغيرات الهامة في تطور الحياة وسيرها بالاتجاه الذي يخدم البشرية، فهذا يعني أنّ كل ما نهدف إليه من تغيّر، أو مطلب، نعتقد أنه في غاية الضرورة، لابد أنْ نخرجه من هالة التقديس، ونتقبّل فيه النقد والتصويب، وننظر إلى ما هو أهم وما ينفعنا، اذا ما أردنا أنْ  نتعايش سوية، في حياة حرة كريمة.

وهذا ما يدعونا إلى استحظار ما أراده كارل ماركس من الفلاسفة، في أنْ يوجهوا نظرهم إلى اللحظة الحاضرة، ويعملون على تغيّر هذا العالم، الذي يؤسس للشعوب مصيرها ومستقبلها، لا أنْ ينظرون فقط إلى تفسيرات العالم بطرق متباينة.

هذه الرؤية الواقعية التي أرادها ماركس، تعد رؤية بعيدة عن التقديس، ورؤية تدعوا إلى إلغاء الايدلوجيات، وتقويض النزعات الراديكالية، التي تطيح بآمال الشعوب وتطلعاتها التقدمية؛ إذ إنّ ما يهمّنا هو ما يوجد اليوم، وما سيوجد مستقبلاً ويدعونا إليه، فأنّ الزمان في تطور، ويدفعنا أنْ نعمل بشكل مستمر، وتصحيح مستمر.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4811 المصادف: 2019-11-07 08:40:47