 قضايا

عن مفهوم الحرب والموت عند فرويد اتحدث

حيدر جواد السهلاني1- مفهوم الحرب: يفسر فرويد الظواهر النفسية بأفتراض وجود غريزتين، الاولى هي الغريزة الجنسية التي تصدر عن طاقة خاصة تسمى(الليبدو) وهي تهدف دائمآ الى الاشباع واللذة، والعمل والحفاظ على الذات، وذلك بمراعاة العالم الخارجي ومقتضيات الواقع، وبكبت الدوافع الجنسية التي تتعارض مع مقتضيات الواقع، والثانية، غريزة الموت تدفع الكائن الحي الى الرجوع الى حالة غير العضوية السابقة للحياة، وتهدف غريزة الموت الى الهدم وانهاء الحياة، وقد وجد فرويد في غريزة الموت فرضآ ناصعآ استطاع ان يفسر به كثير من الظواهر النفسية المعقدة، وفي مقابل غريزة الموت هناك غريزة (الايروس) وهي غرائز الحب والحياة، وهي تشمل كل من الغرائز الجنسية وغرائز الأنا.(1)

يرى فرويد اننا ننجرف الى دوامة الحرب، ومايأتينا من معلومات هو من طرف واحد، فنحن نعيش على شفا الحرب. والحرب هي اعتى الاحداث التي تصيب الانسان، ومع ذلك يرى فرويد ان الحرب لايمكن ان تتوقف طالما ان الشعوب تعيش في ظروف متباينة اشد التباين، وطالما ان حياة الافراد لها وزنها المختلف في كل امة، وايضآ مادامت الاخطار التي تباعد بين الامم ليست الا انعكاسآ للطبائع المتمكنة في العقول، ونحن نميل الى الاعتقاد بأن الحروب كانت دائمآ بين شعوب بدائية واخرى متحضرة، وانها تندلع بين عصبيات مختلفة، وانها ستستمر بشغل البشرية لوقت طويل(وهنا فرويد ينظر الى طبيعة الحرب من ناحية منهج التحليل النفسي، وهذا هو المأخذ على فرويد، اذ لاينظر الى الحرب من الناحية الاقتصادية التي كانت العامل الرئيسي في اغلب الحروب، ولاينظر الى اي عامل من عوامل الحرب الاخرى كالموقع الجغرافي او الدين والخ...) مع ذلك يقول فرويد "أني متفائل بالشعوب البيضاء" (ويرى عبدالمنعم الحفني الشعوب البيضاء هي شعب اوربا واليهود) التي آلت اليها زعامة الاجناس البشرية وبفضل قواها الابداعية يرجع تقدمنا التقني نحو السيطرة على الطبيعة، وما احرزناه من مكاسب علمية وانجازات فنية من خلال هذا الشعوب، نتوقع اكتشاف طريقة لتسوية الصراعات على المصالح وفض سوء التفاهم.( يبدو ان فرويد متحيز جدآ الى العقلية الاوربية، ويرى هذه العقلية التي  كانت لها الفضل في اكتشاف كثير من النظريات العلمية والادبية والفنية، قادرة على اكتشاف طريقة في حل المشاكل والصراعات بين الشعوب، لكن فرويد تغافل الحقيقة، فالمنجز العلمي لم يكن من نصيب الاوربين فقط، وان كان لهم نصيب كبير من العلم، وافرزت لنا اوربا كثير من الطغاة، لكن مع ذلك والحق يقال ان اوربا في وقتنا الحاضر استطاعت ان تقضي على الحروب بنسبة كبيرة في بلدانها).

الحرب عند فرويد تقوض كل المواثيق المعروفة بأسم القوانين الدولية، التي التزمت بها الدول في زمن السلم، الحرب تدمر كل شيء، وتجاهلت ماللجرحى والخدمات الطبية من حقوق، ولم تميز بين العسكريين والمدنيين، ولم تراع حقوق الملكية، وتهتك كل الاواصر وتمزق كل الروابط بين الشعوب وتخلف وراءها ميراثآ من الحقد والمرارة يجعل من المستحيل لزمن طويل تجديد هذا الروابط وبعثها. ويذهب فرويد الى ان الدول تحضر على مواطنيها ارتكاب الاثام، لا لأنها تريد ان تمحي هذا الاثام، بل لأنها تريد ان تحتكر ارتكاب الاثام لنفسها، كأحتكارها للتجارة وغيرها، وتسمح الدولة بأرتكاب كافة الاعمال العدوانية وكل الاثام ولو ارتكبها الافراد لحلهم العار.(ويبدو ان هذا الرأي جدآ منطقي وواقعي، فالدول تطالب بأحترام القوانين، وهي تضرب القانون عرض الحائط وتمارس كل انواع الرذيلة في حق المواطنين، وهذا ماشهدناه في الحكومات وللأسف خاصة في الحكومات العربية، فهي تمارس كل انواع التعذيب والترهيب والتهديد بحق المواطن) ويرى فرويد ان الحرب تحررنا من اوهام السلم، اذ يرى فرويد ان الانسان بطبعة ميال الى الشر والسلم كوهم يتبين اثناء الحرب، فالانسان عند فرويد تحركه الغريزة، والغريزة اشباع للرغبات، فالحرب عند فرويد هي اشباع للرغبات لكن مع ذلك يعتقد بالسلم وذلك لتجنب الاصطدام بالواقع. الانسان عند فرويد منذ ميلاده ينحو بطبعه نحو الخير ويجري عليه التطور، وهذا التطور هو محاولة لأجتثاث كل ميله نحو الشر، ودفعه نحو طلب الخير بتأثير التربية، وبفعل الوسط الاجتماعي المتحضر، وفرويد يدعم وجهة النظر التي تقول بالتطور من الشر الى الخير. فالانسان عند فرويد لديه مجموعة من الغرائز عملها اشباع الحاجات الاولية للانسان ، وهذا الغرائز لاهي بالخيرة ولابالشريرة، لكنها تمر بمرحلة طويلة من التطور واحيان تقف عن العمل واحيانآ  تتبدل من القسوة الى الرحمة او العكس، واحيان تجمع المتناقضات فيما بينها. والانسان لايكون خيرآ او شريرآ على الاطلاق، لكنه يكون عادة خيرآ في ناحية وشريرآ في اخرى، او خيرآ في مواقف وشريرآ في غيرها، فالغرائز قابلة للتبدل والتطور والتاقض، فوجود الشر في الطفولة قد يكون هو الشرط اللازم لأتجاه بعض الافراد نحو الخير عند البلوغ، وقد يتحول بعض الاطفال المعروفين بالانانية المسرفة الى اناس من اكثر افراد المجتمع بذلآ وتضحية بأنفسهم.(ويبدو ان فرويد لايجانب الصواب كثيرآ، اذ كثير من الاشخاص لايبدل طبعه في الكبر ولعل المثل الشعبي القائل" ابو طبع مايبدل طبعه" يجانب الصواب اكثر من رأي فرويد، اذ في حياتنا الاجتماعية كثيرآ مانرى التعلم والدين والمجتمع لايستطيع ان يبدل طبعه الجاف) ومع ذلك هناك عاملان يحدان من الشر عند الانسان، الاول هو داخلي وهو يصرف الانسان عن انانيته، وهو عامل الرغبة الجنسية،او الحاجة التي يتفجر بها الانسان الى الحب. الثاني، هو عامل خارجي وهو فعل التنشئة فينا، واحترام ماتطلبه البيئة الثقافية.(على الرغم ان فرويد يعطي اهمية للعامل الخارجي، ويعتقد في التربية تستعمل نظام الحوافز، فتكافئ المحسن وتعاقب المسيء، الا ان فرويد يركز على العامل الداخلي، والاكيد ان العامل الداخلي هو جاء من الخارج، واصبح ذاكره في اللاشعور او في المكبوتات، وهذه المكبوتات هي من تحرك الانسان في تصرفاته، وان المجتمع الذي يطالب اعضاءه بأن يسلكوا سلوكآ حسنآ، لايكلف نفسه مشقة معرفة الدوافع الحقيقية التي تدفعهم الى هذا السلوك الحسن، وهذا المجتمع كسب لنفسه اعدادآ هائلة من الناس يدينون له بالولاء والطاعة، وهذا الشروط التي تفرضها على المجتمع، وهي تباعد بين غرائز الانسان وتعرضهم الى مزيد من القمع واوقعهم تحت ضغوط هائلة، وبانت نتائجها في مجال الجنس وفي شكل الاضطرابات العصابية، لأن القمع في الجنس من اصعب مايمكن ان يفرضه المجتمع على الناس، فهو هنا يحيا بالمعنى النفسي فوق مستوى امكانياته) وبذلك يرى فرويد الغريزة هي من تدفع الانسان لخوض الحروب، والحرب هي حالة او اشباع غريزي موجودة فينا فالانسان ميال الى الحرب بطبيعته الغريزية.

2- مفهوم الموت:

الموت حير عقل الانسان البدائي، ومايزال يحير عقول العلماء والفلاسفة والمتدينيين والملاحدة الى الان، فيذهب بعض الباحثين الى ان الموت هو من ولد الفكر والفلسفة والبحث عن المعرفة،(لكن فرويد يرى عكس ذلك، فالموت عنده ليس بداية التفكير، فيقول الانسان البدائي عندما يرمق جثه عدوه ، لم يكن يرهق ذهنه بالتفكير في لغز الموت والحياة لكنه كان يزهو بما حقق من انتصار) فعندما مات الانسان، بدأ الانسان البدائي بالتفكير بالخلود، ولعل ابرز من عبر عن ذلك هي قصة (كلكامش الشهيرة) وهي من صياغة الانسان البدائي، اذ اراد البحث عن خلود الانسان واكتشف في النهاية ان الخلود للاعمال الصالحة التي يخلفها الانسان، اذ الخلود هو خلود الاعمال الصالحة، ومن العجائب والغرائب ان الانسان المتحضر حاليآ لايصل الى هذا النتيجة التي وصل اليها الانسان البدائي، اذ لو وصل اليها لما وجدنا اليوم صراعات اجتماعية ودولية.

الموت عند فرويد هو النهاية الضرورية للحياة، وان كل واحد منا مدين للطبيعة، فالموت شيء طبيعي لايمكن انكاره ولاسبيل الى الخلاص منه، ومع ذلك فقد تعودنا ان نتصرف كما لو كان الأمر على خلاف ذلك. ويرى فرويد ان الموت اخرسناه ووضعناه على الرف، ونحاول التفكير في اشياء اخرى تصرفنا عن التفكير في الموت، وعندما نفكر في الموت لانفكر فيه بوصفه موتنا نحن، وفي اعماقنا يرى فرويد اننا لانعترف بالموت، ونعتقد في لاشعورنا أننا خالدون. وتعودنا على ان الموت يأتينا بالصدفة في حادث او بسبب مرض او عدوى، او بفعل شيخوخة، ويرى ان الانسان المتحضر عندما يفقد احد احبائه، يحكم على افراد عائلته بالموت معه، ويتصرف كما لو كان غير متحضر وينتمي الى القبائل الهمجية. فالغريزة المتجذرة في الانسان منه لأفراد عائلته تميل الى استبعاد شبح الموت عن تفكيره والى اسقاطه من حساباته. (الانسان يبعد ويسقط الموت من حساباته، ولربما هذا الرأي عين الصواب، فكثير من الذين يؤدون العبادات والمناسك، يسقطون الموت من حياتهم) ويذهب فرويد الى ان الانسان تحايل على فكرة الموت واقنع نفسه بموقف متوسط، ومع ذلك فقد تقبل الموت كحقيقة، واقر بحقيقة موته لكنه رفض ان يعترف بأن الموت نهاية للحياة، وجاء بفكرة الخلود اثر تمعن الانسان البدائي لجثمان فقيده فتولدت لديه فكرة الروح، وخرج بفكرة الخلود، ومن ثم جاءت الاديان لتصور الحياة الحقه هي بعد الموت، وان هذا الحياة زائلة، والدوافع اللاشعورية هي التي دفعتنا الى اسقاط الموت من حساباتنا وتصور لنا الخلود.ويرى فرويد في فكرة الحرب هي التي تذكر الانسان بالموت،لأن الحرب تواجه الانسان بالموت وتجبره على الاعتراف والاقرار به.

 

حيدر جواد السهلاني

....................

الهوامش

1- ينظر سيجموند فرويد: الانا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي،ص18_20.

2- ينظرسيجموند فرويد: الحب والحرب والحضارة والموت، ترجمة عبدالمنعم الحفني.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4827 المصادف: 2019-11-23 00:19:04