 قضايا

الوطنية والأنتروستراتيجية المعرفية.. دعامتان لبناء الأوطان

اكرم جلاليتحدّث بعض علماء المَعرفة أنّ الدولة إنما هي كائن مَعرفي، تضمّ في طيّاتها مؤسسات ودوائر تقوم على أساس المعرفة، تتواصل وتُنسّق مع بعضها البعض لتُشكّل منظومة معرفية متكاملة، قادرة على التخطيط من أجل بناء كيان وصرح أسمه الدولة. وأن السلطة التي تدير تلك الدولة لابدّ لها من مستوى معرفي لكي تتمكن من إدارة مؤسساتها والتي يفترض أن كل واحدة منها قد أُنشأَت وأُديرَت على أساسٍ مَعرفي.

وفي هذا الشأن يؤكد المفكّر ميشيل فوكو حينما خرج عن المألوف في تحديد مفهوم السلطة والتي عادة ما توصف بأنّها كياناً مركزيا يدير ارتباط النظام السياسي السلطوي بالأفراد، إلى وصفه بأنّها فكراً أكثر عمقاً وتعقيداً، فالسلطة بنظر فوكو عبارة عن مجموعة من النُظم المعرفية المرتبطة والمتداخلة مع بعضها البعض، كالنظام السياسي والأقتصادي والمعرفي.

أن العلاقة بين المعرفة وقوة الدولة وثباتها واستقرارها هي علاقة طردية، فكلّما كان المعيار المعرفي هو المقياس من أجل التخطيط لبناء الدولة ومؤسساتها كلّما تعاظمت قوّتها وازداد ثباتها. فالحقل المعرفي هو الأساس المتين الذي عليه فقط يتم بناء الدولة القوية بسلطاتها ودوائرها ومؤسساتها.

وهذا الحقل المعرفي لا يستثنى منه المواطن، فالسلطة لا تقتبس مصادر قوتها ودقة قراراتها من باقي سلطات الدولة كالتشريعية والقضائية، إنما مصدرها الأساس هو المعرفة، سواء في الشأن الإقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، بل أنها ستكون عاجزة عن أداء مهامها حينما تكون بمعزل عن المعرفة الأمنية والصناعية والتجارية والمالية والأكاديمية، وأن هذه الحقول المعرفية أساسها وعمادها هو المواطن ، بل هو ركنها الرصين الذي تتكئ عليه، فإن مال مالت السلطة، وبعبارة أخرى، السلطة تستمد قوتها من التلاحم المعرفي بين مؤسسات الدولة وجميع شرائح الشعب، علاقة تكاملية، ومحركات دواره يدعم بعضها البعض، ويشد بعضها البعض، فلو توقف احدها سيتوقف الآخر، ولو بعد حين.

إنّ عملية التخطيط من أجل بناء مؤسسات دولة لا يتم إلاّ بوجود منظومة معرفية رصينة ومترابطة، فالدولة لا تبنى بالاجتهادات الشخصية ولا الأهواء الفردية أو الحزبية، بل من خلال نظام معرفي ورؤية واضحة عمادها الحقائق العلمية والتجارب العملية في التخطيط والادارة.

إنّ بناء الدولة لابد له من مقدمات اساسية تبدأ بقراءة موضوعية ممنهجة للأنتروستراتيجيا الدستورية والسياسية، والذي يقوم على أساس التخطيط الشامل المتكامل المنظم، والدراسة العلميّة العميقة لسايكواجتماعية الشعب، والولوج في الفهم المعرفي للعادات والتقاليد المجتمعية وللواقع الديني والعقائدي والثقافي والتأريخي، ومن ثم وضع برنامج إستراتيجية تقوم على التخطيط القريب والبعيد، واختيار الأدوات الأساليب المناسبة من أجل تنفيذ الخطط المُعَدة وفي الفترة الزمنية المحددة.

إذن فالحقول المعرفية المطلوبة من أجل بناء دولة ذات سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية لابد له من المضي باتجاهين، الأول ما يطلق عليه بالمسار الأنتروبولوجي، وهو قراءة التأريخ المتعلق بالمحيط الجغرافي وأخذ العبر والدروس وربط الماضي بالحاضر، والمسار الثاني هو الإستراتيجي والذي يربط الحاضر بالمستقبل.

إن تحديد الأنتروستراتيجيا السياسية والدستورية ذات الأبعاد المعرفية، لا يمكن أن يتم بمعزل عن دراسة البعد المعرفي لسيكولوجيا المجتمع من خلال تحديد العوائق النفسية وربطها بالتراكمات التأريخية التي تم تحديدها في دراسة المسار الانتروبولوجي. كل ذلك سيقود الى بناء منظومة معرفية تكون هي اللّبنة بل الدعامة الأساس لبناء دولة رصينة، وتشييد مؤسسات مترابطة وحكومة معرفية تنهض بالبلاد نحو الرقيّ والتقدم والأزدهار.

وبعد أن بيّنا أثر الحقل المعرفي ودوره في بناء الدوله، لابد لنا من التأكيد على أنّ المسار المعرفي بحدّ ذاته لا يكفي لبناء الأوطان المستقرة والمزدهرة، فالإنسان مهما أوتي من مرتبة علمية تؤهله للقيام بدور في بناء مؤسسات الدولة فإنّه يبقى خاضع لإمتحان الخيانة، لذا فلابدّ من دعامة أخرى ومسارٍ موازٍ للمسار المعرفي ومكمّل له، إنّه مسار الحسّ الوطني أو ما يطلق عليه بحب الوطن.

إنها نعمة وفضيلة ربّانية أن ينعم الله على الإنسان بهذا الحسّ من أجل أن تكون له دافعاً وحافزاً للاهتمام بالوطن وحمل همومه والسعي من أجل إعماره واحيائه وجعله آمناً مستقراً مزدهراً متقدماً، فعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال هذا الشأن: (عمرت البلدان بحب الأوطان 1).

ولإنّ للوطن مهابة وقدسية في قلوب أبنائه، وشأن ومنزلة كبيرة في نفوس أهله وسكّانه، فقد توطّدَت علاقة روحية وروابط قدسية ووشائج متينة بين الوطن والمخلصين من أبنائه حتى صار حب الوطن والدفاع عنه وبذل النفوس دونه والسعي من أجل إعماره وبنائه من أعلى القيم الأخلاقية، بل إنّ ذلك من الإيمان، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (حب الوطن من الإيمان 2).

وفي الشأن ذاته نرى الإمام علي (عليه السلام) يحذر من قيام دولة الأشرار، ويقول عليه السلام: (دول الفجّار مذلّة الأبرار 3).

إذن بجناحي المعرفة والحب تبنى الأوطان، دعامتان أساسيّتان، ومساران يكمّل أحدهما الآخر، فلا المعرفة الخالية من حب الوطن والأستعداد من أجل التضحية في سبيله بالغالي والنفيس قادرة بمفردها على بناء وإعمار الأوطان، ولا الحبُّ المُجرد من الفكر والمعرفة والتخطيط بقادر على البناء والنهوض بالوطن.

 

 د. أكرم جلال

 .........................

 المراجع

1- تحف العقول - الحسن بن علي بن شعبة الحراني - ص207، وبحار الأنوار - الشيخ محمد باقر المجلسي - ج75، ص45.

2- أمل الآمل – الشيخ الحر العاملي - ج1، ص11، والأنوار النعمانية - السيد نعمة الله الجزائري - ج2، 170.

3- ميزان الحكمة - الشيخ محمد الريشهري - ج3، ص305،ح6347.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4829 المصادف: 2019-11-25 03:59:29